والنوع الثاني١: ما يدلّ بقصد الدالّ به؛ كالكلام، وكالعقد باليد، والإشارة بها، أو بالعين، أو الحاجب، أو غير ذلك من الأعضاء - وقد يُسمّى ذلك رمزًا، ووحيًا، وكذلك الخطّ خط الكتابة، بخلاف الاستدلال بآثار خطى الإنسان؛ فإن هذا من النوع الأول، وكذلك القيافة٢؛ [و] ٣ هي من النوع الأول؛ وهو الاستدلال بالشبه على النسب، وكذلك القايف: قد يعرف بالأثر: من هو الواطىء، وأين ذهب؟ ومن هذا النوع: [الأميال] ٤
_________________
(١) ١ تقدّم النوع الأول في أول الفصل السابق، ص ٨٨٦. ٢ القيافة: علم معرفة الآثار، والقائف: من يعرف الآثار ويتتبعها، ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، وجمعه قافة؛ يقال: قاف الرجل أثرَ الرجلِ: إذا تتبعه عن طريق آثاره. وفلان يقوف الأثر ويقتافه، مثل قفا الأثر واقتفاه. انظر: القاموس المحيط للفيروزأبادي ص ١٠٩٥. ولسان العرب ٩٢٩٣. ٣ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: الأمثال. وما أثبت من «م»، و«ط» . والأميال: جمع ميل. والميل - بالكسر - عند العرب: مقدار مدّ البصر من الأرض. ويُقال للأعلام المبنية في طريق مكة أميال؛ لأنها بُنِيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل. المصباح المنير ٢٥٨٨. والأميال التي يعنيها شيخ الإسلام ﵀ هي أنصاب الحرم؛ وهي العلامات التي تُفرّق بين الحلّ والحرم. وذكر الأزرقي أنّ إبراهيم ﵇ أول من نصب أنصاب الحرم، ثم أمر رسول الله ﷺ عام الفتح تميمَ بن أسد الخزاعي، فجدّدها، ثم ما زال الخلفاء والولاة يُجدّدونها كلما تهدّمت. انظر: تاريخ مكة للأزرقي ٢١٢٨-١٢٩.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
التي جعلت علامات على حدود الحرم، و[الأميال] ١ التي تجعل في الطرقات؛ فإنّه قصد بها الدلالة على الطريق؛ أي قصد الناس بها ذلك.
الدلالة القصدية نوعان:
النوع الأول:
وهذا النوع قسمان: منه ما يكون بالاتفاق والمواطأة بين اثنين فصاعدًا؛ كما يتفق الرجل مع وكيله على علامة لمن يرسله إليه؛ مثل وضع خنصره في خنصره٢؛ ومثل وضع يده على ترقوته؛ كما روي أنّ النبيّ ﷺ جعل ذلك علامة مع بعض الناس٣؛ وكما يجعل الملوك وغيرهم لهم علامات عند بعض الناس: من جاء بها، عرفوا أنّه مرسل من جهته.
_________________
(١) ١ في «خ»: الأمثال. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ الخنصر: صغرى الأصابع. انظر: تهذيب اللغة ٧٦٦٠. وقد سبق بحث مثل هذا الموضوع في ص ٤٦٣ من كتاب النبوات. ٣ لم أقف أن النبي ﷺ وضع يده على ترقوته علامة مع بعض الناس فيما اطلعت عليه من كتب الحديث، ولكن ورد أن النبي ﷺ أرسل عمامته إلى سعد بن عبادة كدليل على صدق مخبره بأمر النبي ﷺ، وكذا أرسل نعليه مع أبي هريرة ليبشر الناس، فكانت علامة على أنه مرسل من النبي ﷺ. انظر: ص ٧٦٩-٧٧٠. وقد رُوي أنّ رسول الله ﷺ كان قد أمر بقتل عبد الله بن سعد بن أبي السرح، لمّا ارتدّ مشركًا، فلما فتح النبيّ ﷺ مكة فرّ عبد الله إلى عثمان بن عفان - وكان أخاه من الرضاعة - فغيّبه عثمان، حتى أتى به رسولَ الله ﷺ بعد أن اطمأنّ الناس وأهل مكة، فاستأمن له، فصمت رسول الله ﷺ طويلًا، ثم قال: نعم. فلما انصرف عثمان قال رسول الله ﷺ لمن حوله: ما صَمَتُّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأتَ إليَّ يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "إنّ النبيَّ لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين". انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر ٢٣٧٩. والسيرة النبوية لابن هشام ٣٤٠٩. والإصابة في تمييز الصحابة ٢٣١٧. ومما يُفهم من هذا الحديث أنّ النبيّ ﷺ لا يستخدم الإشارة مع غيره إذا كان حاضرًا.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
ومن هذا الباب: شعائر الناس في الحرب؛ كلّ طائفة يُعرف أصحابها بشعارها. ولهذا قال الفقهاء: ويُجعل لكلّ طائفة شعار يتداعون به؛ كما كان للمهاجرين شعار١، وللأنصار شعار.
ومن هذا الباب: الأعلام والرايات للمقدّمين؛ فإنّ الراية تُرى، فيُعلم صاحبها، [وكذلك العلم يُعلم، فيُعلم صاحبه. وقد تميّز راية عن راية لما يختص به صاحبها] ٢، ويُسمّى ذلك رنكًا٣، [وقد يكون ذلك اسم الشخص] ٤، وقد يكون غير ذلك، لكن قد اتفق مع غيره على أنّ هذا علامة وآية له، فمتى [رُؤي] ٥ استدلّ به على أنّه هو المضاف إليه ذلك العلم، ويجعل هذا على الدور، والثياب، والدوابّ.
ومنه: الوسم٦ الذي يعلم به إبل الصدقة، وإبل الجزية؛ فإنّ الوسم علامة مقصودة للواسم.
_________________
(١) ١ الشعار: علامة القوم في الحرب، وهو ما يُنادَوْن به ليعرف بعضهم بعضًا. المصباح المنير ص ٣١٢. وقد روى أبو داود في سننه ٣٧٣، كتاب الجهاد، باب في الرجل يُنادي بالشعار: أنّ شعار المهاجرين كان: عبد الله، وشعار الأنصار كان: عبد الرحمن. قال شيخ الإسلام ﵀: "وكان من شعار أصحاب رسول الله ﷺ معه في الحروب: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله، كما قالوا ذلك يوم بدر وحنين والفتح والطائف، فكان شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله". مجموع الفتاوى ١٣٧٩-٣٨٠. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ هكذا في «خ»، و«م»، و«ط» . ولم يتبيّن لي المراد. ٤ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» . ٥ في «خ»: رأى. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ الوسم: أثر الكيّ، والجمع وسوم؛ تقول: بعير موسوم: أي قد وُسِم بسمةٍ يُعرف بها؛ إما كيّة، أو قطع في أذنه، أو قرحة تكون علامة له. والميسم: المكواة، أو الشيء الذي يُوسم به الدوابّ، والجمع: المواسم. انظر: تهذيب اللغة للأزهري ١٣١١٤. ولسان العرب لابن منظور ١٢٦٣٦.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
لفظ السيما
وأما السيما: فهي علامة بنفسها، لم يقصدها؛ مثل سيما المؤمنين، وسيما المنافقين؛ قال تعالى في المؤمنين: ﴿سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ١، وقال في المنافقين: ﴿[فَلَعَرَفْتَهُمْ] ٢ بِسِيمَاهُمْ﴾ ٣،
وقال: ﴿عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم﴾ ٤؛ قيل: له زنمة من الشر يعرف بها٥.
ومنه: سيما المؤمنين يوم القيامة؛ التي بها يعرفهم نبيهم؛ وهو أنَّهم [غُرّ] ٦ مُحَجَّلون من آثار الوضوء٧؛ فهذه علامة وآية، لكنّها من النوع الأول، لم يقصد المسلمون أن يتوضؤوا ليُعرفوا بالوضوء، لكن من اللوازم لهم الوضوء للصلاة، وقد جعل الله أثرَ ذلك نورًا في وجوههم وأيديهم، [وليس هذا لغيرهم؛ فإنّ هذا الوضوء] ٨ لم يكن لغيرهم. والحديث الذي
_________________
(١) ١ سورة الفتح، الآية ٢٩. ٢ في «خ»: فلتعرفهم. ٣ سورة محمد، الآية ٣٠. ٤ سورة القلم، الآية ١٣. ٥ وهو قول ابن عباس ﵄؛ رواه عنه سعيد بن جبير. انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٨٣٣٣. ٦ في «خ»: غير. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ قال رسول الله ﷺ: "إنّ أمتي يُدعون يوم القيامة غُرًّا محجّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يُطيل غرّته، فليفعل". رواه الإمام البخاري في صحيحه ١٦٣، كتاب الوضوء، باب فضل الوضوء، والغر المحجلون من آثار الوضوء. ٨ في «خ»: وليس هذا لغيرهم، فإنّ هذا لغيرهم، فإنّ هذا الوضوء. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٧٦٥ ]
يُروى: "هذا وضوئي ووضوء النبيّين من قبلي" ١: ضعيفٌ٢، بخلاف الصلاة في المواقيت الخمس؛ فإنّ الأنبياء كانوا يصلون في هذه المواقيت؛ كما قال: "هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك"٣.
والوسم والسيما: من الوسم؛ متفقان في الاشتقاق الأوسط؛ فإنّ أصل سيما: سُوما. فلما سكنت الواو، انكسر ما قبلها، قُلبت ياءً؛ مثل: ميقات، وميعاد، ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ والحديث أخرجه ابن ماجه في سننه ١١٤٦، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في الوضوء مرة، ومرتين، وثلاثًا. والإمام أحمد في مسنده ٢٩٨ ط الحلبي. وفيه قول الرسول ﷺ بعد أن توضّأ ثلاثًا ثلاثًا: "هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي". ٢ وهو كما قال؛ لأنّ في إسناده زيد بن الحَوَاري، أبو الحواري العَمِّي البصري، قاضي هراة. ضعّفه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي، وابن عدي. وتؤول أقوال النقاد إلى تضعيفه. انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٢١٠٢. تهذيب التهذيب لابن حجر ٣٤٠٧-٤٠٩. وتقريب التهذيب له ص ٢٢٣. ٣ هذا جزء من حديث أخرجه أبو داود في سننه ١٢٧٤-٢٧٨، كتاب الصلاة، باب ما جاء في المواقيت. والترمذي في سننه ١٢٧٨-٢٨١، في أول كتاب الصلاة، باب ما جاء في مواقيت الصلاة عن النبي ﷺ. وقال أبو عيسى الترمذي: وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح. وصحّحه أيضًا أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي ١٢٨٠، بيد أنّه شرح الحديث بشرح مغاير لما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ إذ قال: "وقت الأنبياء قبلك: أي كانت صلاتهم واسعة الوقت، وذات طرفين؛ مثل هذا، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات إلا لهذه الأمة خاصة، وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها". والمعنى الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀ أقرب؛ لأنّه الظاهر المتبادر إلى الذهن، أما المعنى الذي ذكره أحمد شاكر ﵀ فهو بعيد، ولا يُؤيّده لفظ الحديث.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
والاسم أيضًا من هذا الباب، وهو علم على المسمّى، ودليلٌ عليه، وآية عليه. وهذا المعنى ظاهرٌ فيه؛ فلذلك قال الكوفيون: [إنّه] ١ مشتق من الوسم، والسمة؛ وهي: العلامة. وقال البصريون: بل هو مشتق من السموّ؛ فإنه يقال في تصغيره: [سمي] ٢، لا وُسَيْم، وفي جمعه: أسماء، لا أوسام، وفي تصريفه: سميت، لا [وسمت] ٣.
وكلا القولين حقّ، لكنّ قول البصريين أتمّ؛ فإنّه مشتق منه على قولهم في الاشتقاق الأصغر؛ وهو: اتفاق اللفظين في الحروف وتأليفها، وعلى قول الكوفيين: هو مشتق منه من الاشتقاق الأوسط؛ وهو: اتفاق اللفظين في الحروف، لا في ترتيبها؛ كما قلنا في الوسم، والسيما.
والسموّ: هو العلوّ، والسامي: هو العالي، والعلوّ مستلزم للظهور كما تقدم٤؛ فالعالي ظاهرٌ، والظاهر عالٍ؛ فكان الاسم بعلوّه يظهر، فيدلّ على المسمّى؛ لأنّه يظهر باللسان والخطّ، ويظهر للسمع المسمّى، فيُعرف بالقلب.
وقد تقدم٥ أنّهم يُسمّون الجبال أعلامًا، لما فيها من الظهور.
ودلالة الاسم على مُسمّاه دلالة قصدية؛ فإنّ المسمّى يُسمّى بالاسم، ليُعرف به المسمّى، وليدلّ عليه؛ تارة يقصد به الدلالة على مجرد نفسه؛ كالأسماء الأعلام للأشخاص، وتارة يقصد به الدلالة على ما في اللفظ من المعنى؛ كالأسماء المشتقة؛ مثل: العالم، والحيّ، والقادر.
_________________
(١) ١ في «خ»: له. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: شيء. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: اسمت. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر ص ٩١٠ من هذا الكتاب. ٥ انظر ص ٩١٠ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
ومن هذا الباب: تسمية المعبودين آلهة؛ سمّوها بما لا [تستحقّه] ١؛ كما يُسمّى الجاهل عالمًا، والعاجز قادرًا، والكذَّاب نبيًّا؛ فلهذا قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهًا مِنْ سُلْطَان﴾ ٢
النوع الثاني من الدلالة القصدية
والنوع الثاني من هذه الدلالة القصدية٣: أن يقصد الدالّ الدلالة من غير مواطأة مع المستدلين على أنّه دليل، لكن هم يعلمون أَنْ قَصَدَ الدلالة؛ لعلمهم بأحواله؛ مثل: ما يرسل الرجل شيئًا من ملابسه المختصّ به مع شخص، فيعلمون أنّه أرسلها علامة على أنه أرسله.
قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤: قال: العلامة تكون بين الرجل وأهله. راوه ابن المنذر٥: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه ابن أبي حاتم٦: ثنا أبو سعيد؛ ابن يحيى بن سعيد القطان، ثنا أبو أسامة، حدثني سفيان، عن سماك، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لآيَة﴾: قال: علامة، ألم تر إلى الرجل إذا أراد أن يرسل إلى أهله في حاجة، أرسل بخاتمه، أو بثوبه، فعرفوا أنّه حق٧؛
_________________
(١) ١ في «خ»: يستحقّه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ سورة النجم، الآية ٢٣. ٣ تقدّم ذكر النوع الأول من هذه الدلالة في ص ٩١٦ من هذا الكتاب. ٤ سورة الحجر، الآية ٧٧. ٥ انظر الدر المنثور للسيوطي ٤١٠٣. وكذا انظر تفسير الطبري ١٤٤٧. ٦ لم أقف عليه في الموجود بين أيدينا من تفسير ابن أبي حاتم. وانظر: تفسير الطبري ١٤٤٧. والدر المنثور للسيوطي ٤١٠٣. ٧ انظر: تفسير الطبري ١٤٤٧.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
فتارة يرسل خاتمه معه، فيعلمون أنه أرسله، ليعلموا أنه أرسله؛ إذ كانوا قد علموا [أنّ] ١ الخاتم معه، وأنّه ليس في إرساله مع ذلك الشخص الذي لا يعرفونه مقصود له، إلا أن يكون علامة على أنّه أرسله إليهم، فيصدقونه فيما أخبر عنه؛ وتارة يرسل معه عمامته، أو نعليه، وقد علموا أنه لا يخلع عمامته ويبعثها مع ذلك الشخص، إلا لتكون علامة على صدقه؛ كما فعل النبيّ ﷺ في غزاة الفتح: لمّا كانت راية الخزرج مع [سعد] ٢ بن عبادة٣، وكان فيه حِدّة، وقال: لا قريش بعد اليوم، اليوم يوم الملحمة، اليوم يستحل الحرمة. قيل للنبي ﷺ إنّه يُخاف منه أن يضع السيف في أهل مكة، فقال: "قولوا له يُعطي الراية لابنه قيس". فقال: إنّه لا يقبل منه. فقال: "هذه عمامتي، قولوا له: قد أَمَرَ رسول الله ﷺ بذلك"٤. فلمّا رأى عمامته مع من جاء بها، [علم أنه] ٥ ليس له في إعطائه عمامته مقصود إلا أن تكون علامة، ولم يكن قبل ذلك قد واطأه على ذلك.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ في «ط»: سعيد. ٣ هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن حرام بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج، سيّد الخزرج. يكنى أبا ثابت. من كبار الصحابة. مات في الشام سنة خمس عشرة، وقيل: ست عشرة. انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر ٢٣٥-٤١. والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٢٣٠. ٤ ذكر الخبر بطوله ابن عبد البر في كتابه: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٢٣٨-٤٠، وعزاه إلى ابن إسحاق في مغازيه. وانظر: السيرة النبوية لابن هشام ٣٤٠٦-٤٠٧. ٥ في «خ»: علم شخص أنه. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٧٦٩ ]
وكذلك لما أعطى أبا هريرة نعليه ليخرج فيبشر الناس بما ذكره له١، فإنّهم إذا رأوا معه نعليه، علموا أنّه لم يعطه [النعلين] ٢ إلا علامة.
وكذلك قد يكون بين الشخص وبين غيره سر لم يطلع عليه المرسَل، فيقول له: أعطني علامة. فيقول: قل له: بعلامة ما تكلمتَ أنت وهو في كذا وكذا، أو ما فعلت أنت وهو كذا وكذا؛ فيعلم المرسَل إليه أنَ المرسِل هو أعلم هذا الرسول بهذا الأمر؛ إذ كان غيره لم يعلمه، ويعلم أنه ليس له في إعلامه به مقصود إلا أن يكون علامة له على تصديقه.
ثم أكثر هذه الآيات التي هي علامات للناس يرسلونها مع من يرسلونه ليعرف صدقه: هي قطيعة عند المستدلّ بها المرسَل إليه؛ من الأهل، والأصدقاء، والوكلاء، والنواب، وغيرهم: يأتيهم الرجل بعلامة وهي مستدلة [بصاحبهم] ٣؛ فيعلمون قطعًا أنّ هذا جاء من عنده، ويعلمون قطعًا أنّه لم يرسله بتلك العلامة إلا ليعلموا صدقه.
لا يخطر لسعد بن عبادة حين رأى عمامة النبيّ ﷺ معهم أنهم أخذوها بغير قصده؛ بأن [تكون] ٤ [وقعت] ٥ منه، ونحو ذلك. بل قد عُلِم أنّها كانت على رأسه، وهو راكب في الجيش، وقد أرسلها مع هذا.
_________________
(١) ١ وقد أعطاه ﵊ نعليه، وقال له: "اذهب بنعليَّ هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه، فبشّره بالجنّة".. الحديث، وهو طويل، أخرجه الإمام مسلم بطوله في صحيحه ١٥٩-٦١، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا. ٢ في «خ» النعلان. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: على حبهم. ٤ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «م»، و«ط»: سقطت.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
وكذلك خاتم الشخص الذي يعلمون أنه لا ينزع خاتمه من يده، ويعطيها لغيره، ليعبث بها عنه، وهو لا يختم بها شيئًا إلا لذلك.
وقد يقع في مثل ذلك احتمالات، فيستعمل المستدلّون التقسيم؛ فإنّ الاستدلال مداره على أنّه أرسله بالعلامة، وأنّه إنّما أرسله بها ليبيّن صدقه؛ فقد يعرض في المقدمة الأولى أنّه أخذها بغير اختياره، أو أنّ الخاتم سقط منه، أو إن كان مسافرًا أنّه قُتِل، أو مات؛ فقد يقع مثل ذلك، وقد يؤخذ خاتم الرجل بغير أمره، ويُختَم به كتابُه؛ كما حُكِي أنّ مروان١ فعل مثل ذلك بعثمان٢. والمقدّمة الثانية: أنه قد يرسله بالخاتم ليختم به شيئا، أو ليصلحه، ونحو ذلك. [فإذا عرض مثل هذا الاحتمال وقوي توقفوا] ٣، وإن عرفوا انتفاء ذلك؛ مثل: أن يكون قد ذهب من عندهم قريبًا، وليس له ما يختم به، ونحو ذلك، قطعوا بأنّه أرسله علامة، ثمّ بعد هذا قد يعلمون أنّه أرسله، لكن قد [يَكْذِبُ] ٤ عليه، ولكن العهدة في هذا على المرسِل؛ فإنّ إرسال العلامة هو إعلام منه لهم بأني أرسلته إليكم. فهذا الفعل هو مثل هذا القول، يجري مجرى إعلامهم وإخبارهم بأنّه أرسله، وتصديقه في قوله: هو أرسلني.
والإخبار تارة يكون بالقول، وتارة يكون بالعمل؛ كما يُعلم الرجلُ غيرَه بالإشارة بيده، ورأسه، وعينه، وغير ذلك، وإن لم يتقدّم بينهما
_________________
(١) ١ ابن الحكم. ٢ انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٧١٨٢، ١٨٨. ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية ٦٢٤٤-٢٤٥، ٢٤٨-٢٤٩. ٣ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» . ٤ في «خ»: يكذبون. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٧٧١ ]
مواضعة، لكن يعلم قصده ضرورة؛ مثل أن يسأله عن شيء: هل كان؟ فيرفع رأسه، أو يخفضه، أو يشير بيده، أو يكون قائمًا؛ فيشير إليه: اجلس، أو قاعدًا مطلوبًا؛ فيشير إليه: أن اهرب، فقد جاء عدوك، أو نحو ذلك من الإشارات التي هي أعمال بالأعضاء؛ وهي تدلّ دلالة ضرورية، تُعلم من قصد الدالّ، كما يدلّ القول، وقد [تكون] ١ أقوى من دلالة القول، لكن دلالة القول أعمّ وأوسع؛ فإنّه يدلّ على الأمور الغائبة، وعلى الأمور المعضلة.
وهذه الأدلة العيانية هي أقوى من وجه، ولكن ليس فيها من السعة للمعاني الكثيرة ما في الأقوال.
_________________
(١) ١ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ٢ / ٧٧٢ ]