والمعتزلة قبلهم١ ظنّوا أنّ مجرّد كون الفعل [خارقًا] ٢ للعادة، هو الآية على صدق الرسول، فلا يجوز ظهور خارقٍ إلاّ لنبيٍّ. والتزموا طردًا لهذا: إنكار أن يكون للسحر تأثيرٌ خارجٌ عن العادة؛ مثل أن يموت ويمرض بلا مباشرة شيءٍ. وأنكروا الكهانة، وأن تكون الجن تُخبر ببعض المغيبات، وأنكروا كرامات الأولياء٣.
_________________
(١) ١ أي قبل الأشاعرة. ٢ في «ط»: خلافًا. ٣ وذلك لأنّ من مذهبهم عدم تجويز وقوع الخوارق على يد غير الأنبياء. يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: "إنّ العادة لا تُخرق إلا عند إرسال الرسل، ولا تخرق لغير هذا الوجه؛ لأنّ خرقها لغير هذا الوجه يكون بمنزلة العبث". المغني في أبواب التوحيد والعدل١٥/١٨٩. وانظر: المصدر نفسه١٥/٢٤١. وشرح الأصول الخمسة ص ٥٦٨-٥٧٢. ورسائل العدل والتوحيد ص ٢٣٧. وقال عبد القاهر البغدادي عنهم: "وأنكرت القدرية كرامات الأولياء؛ لأنّهم لم يجدوا في أهل بدعتهم ذا كرامة". أصول الدين ص ١٧٥. وانظر أول هذا الكتاب «النبوات» ص ١٤٨، وما سيأتي لاحقًا ص ١٢٦٠-١٢٦١؛ إذ ذكر المؤلف ﵀ أنّ الذين أنكروا الكرامات هم المعتزلة، وابن حزم. انظر: المحلى ١/٣٦، وأبو إسحاق الاسفراييني، وأبو محمد بن زيد. وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في ص ١٤٨-١٥١. وانظر: شرح الأصفهانية ٢/٦٠٩ وقد أورد السبكي شبه المعتزلة في نفي الكرامات، وردّ عليها. انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٢/٣٣٤.
[ ١ / ٤٨٤ ]
فأتى هؤلاء١، فأثبتوا ما أثبته الفقهاء، وأهل الحديث من السحر، والكهانة، والكرامات.
تعريف المعجزة عند الأشاعرة
لكنْ: قيل لهم: فميزوا بين هذا، وبين المعجزات؟. فقالوا: لا فرق في نفس الجنس. وليس في جنس مقدورات الربّ ما يختصّ بالأنبياء. لكن جنس خرق العادة واحد، فهذا إذا اقترن بدعوى النبوة، وسَلِمَ عن المعارضة عند تحدي الرسول بالمثل، فهو دليلٌ٢.
فهي عندهم لم تدلّ؛ [لكونها] ٣ في نفسها وجنسها دليلًا٤. بل إذا
_________________
(١) ١ الأشاعرة. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥، ٩٦. والإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٨. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٤، ١٧٥. والمواقف للإيجي ص ٣٧٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/١١-١٢. وانظر كلام شيخ الإسلام ﵀، وردّه عليهم في الجواب الصحيح ٦/٤٠٠، ٥٠٠. وفي هذا الكتاب النبوات ص ١٣٠١-١٣٠٢. ٣ في «ط»: لكونهم. ٤ قال الباقلاني في البيان ص٤٨: "إنّ المعجز ليس بمعجز لجنسه ونفسه، ولا لحدوثها، وإنّما يصير معجزًا للوجوه التي ذكرناها، ومنها التحدي، والاحتجاج) .
[ ١ / ٤٨٥ ]
استدلّ بها المدّعي للنبوة كانت دليلا١، [وإلاّ٢ لم تكن دليلًا] ٣. ومن شرط الدليل سلامته عن المعارضة؛ وهي عندهم غاية الفرق. فإذا قال المدعي للنبوة: ائتوا بمثل هذه الآية، فعجزوا؛ كان هذا هو المعجز المختص بالنبيّ، وإلا فيجوز عندهم أن تكون معجزات الرسول من جنس ما للسحرة والكهان٤ من الخوارق، إذا استدلّ بها الرسول٥.
فالحجة عنده: مجموع الدعوى والخارق، لا الخارق وحده. والاعتبار بالسلامة عن المعارض٦.
بل قد لا يشترطون أن يكون خارقًا للعادة، لكن يشترطون أن لا يعارض. وعجز الناس عن المعارضة مع أنه معتاد [لا] ٧ خارق للعادة. فالاعتبار عندهم بشيئين: باقترانه بالدعوى، وتحديه لمن دعاهم أن يأتوا [بمثله] ٨، فلا يقدرون٩.
_________________
(١) ١ قال الجويني في الإرشاد ص ٣١٩: "فإنّ المعجزة لا تدلّ بعينها، وإنّما لتعلّقها بدعوى النبيّ الرسالة) . ٢ في «ط»: وإلى. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ قال الجويني في الإرشاد ص ٣٢٨: "جنس المعجزة يقع من غير دعوى، وإنما الممتنع وقوعه على حسب دعوى الكاذب". وانظر: المصدر نفسه ص ٣٢٢. والبيان للباقلاني ص ٩٤، ٩٨. ٥ تقدّم لشيخ الإسلام ﵀ في أوّل هذا الكتاب كلامٌ أوضح من هذا الكلام. راجع ص ١٥٢-١٥٥. وانظر كلامه أيضًا عن الموضوع نفسه في الجواب الصحيح ٦/٤٠٠. ٦ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٢. ٧ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . وهو في «م»، و«ط» . ٨ في «خ»: بمثلثه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٩ لاحظ قول السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ٢/٣١٦، ٣٣٧. وانظر: البيان للباقلاني ص ١٦-١٧، ١٩، ٩٤. والإرشاد للجويني ص ٣٠٩، ٣١٢-٣١٣.
[ ١ / ٤٨٦ ]
قالوا: وخوارق الأنبياء يظهر مثلها على يد الساحر، والكاهن، والصالح، ولا يدل على النبوة؛ لأنه لم يدّعها. قالوا: ولو ادعى النبوة أحدٌ من أهل هذه الخوارق، مع كذبه، لم يكن بُدٌ من أنّ الله يعجزه عنها؛ فلا يخلقها على يده، أو يُقيّض له من يعارضه، فتبطل حجّته١.
مناقشة شيخ الإسلام للأشاعرة في تعريف المعجزة
وإذا قيل لهم: لم قلتم: إنّ الله لا بدّ أن يفعل هذا [أو] ٢ هذا؛ وعندكم يجوز عليه كل شيء؟ ولا يجب عليه فعل شيء؟ ولا يجب منه فعل شيء؟
قالوا: لأنّه لو لم يمنعه من ذلك، أو يعارضه بآخر، [لكان] ٣ قد أتى بمثل ما يأتي به النبيّ الصادق؛ فتبطل دلالة آيات الأنبياء٤.
فإذا قيل لهم: وعلى أصلكم يجوز أنه [يبطل] ٥ دلالتها، وعندكم يجوز عليه فعل كل شيء؟ أجابوا بالوجهين المتقدمين: إما لزوم أنه ليس بقادر، أو أنّ الدلالة [معلومة] ٦ بالاضطرار، وقد عرف ضعفهما.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥، ١٠٠. وقد توسّع شيخ الإسلام ﵀ في هذه القضيّة، وناقشها في أوّل هذا الكتاب. راجع ص ٢٦٧-٢٧١. ٢ في «م»، و«ط»: و. ٣ في «خ»: لكن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٨، ١٠٥-١٠٦. والإرشاد للجويني ص ٣٢٦-٣٢٧. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٣. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/١٨٢. وأعلام النبوة للماوردي ص ٦٢. ٥ في «خ»: تبطل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ١ / ٤٨٧ ]
ثم هنا يلزمهم شيء آخر؛ وهو أنه: لِمَ قلتم أنّ المعجز الذي يُدَلّ به على صدق الأنبياء، ما ذكرتموه؛ من مجرد كونه خارقًا مع الدعوى وعدم المعارضة١؛ فإن هذا يُقال: إنه باطل من وجوه:
أحدها: أنه إذا كان ما يأتي به النبي يأتي به الساحر والكاهن، لكان أولئك٢ يعارَضون، وهذا٣ لا يعارَض؛ فالاعتبار إذن بعدم المعارضة. فقولوا: كلّ من ادّعى النبوة، [وقال] ٤: معجزتي أن لا يدعيها غيري، فهو صادق. أو: لا يقدر غيري على دعواها، فهو صادق، أو: أفعل أمرًا معتادًا؛ من الأكل، والشرب، واللباس، ومعجزتي: أن لا يفعله غيري، أو: لا يقدر غيري على فعله، فهو صادق.
فالتزموا هذا، وقالوا: المنع من المعتاد كإحداث غير المعتاد٥. وعلى هذا: فلو قال الرسول: [معجزتي] ٦ [أن] ٧ أركب الحمار، أو الفرس، أو آكل هذا الطعام، أو ألبس هذا الثوب، أو أعدوَ٨ إلى ذلك المكان، وأمثال ذلك. وغيره لا يقدر على ذلك؛ كان هذا آية [دعواه] ٩.
_________________
(١) ١ انظر قولهم في: الإرشاد ص ٣١٢-٣١٣. وفي شرح المقاصد ٥/١١؛ عند تعريف المعجزة. ٢ يعني السحرة، والكهنة. ٣ النبيّ. ٤ في «خ»: وقالوا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ١٦-١٧، ١٩-٢٠. والإرشاد للجويني ص ٣٠٨-٣٠٩. ٦ في «خ»: معجزة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ في «م»، و«ط»: أني. ٨ في «خ» أعدوا بزيادة الألف. ٩ في «خ»: ادعوه. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٤٨٨ ]
وهذا لا ضابط له؛ فإنّ ما يعجز عنه قوم دون قوم لا ينضبط. ولكنّ هذا يُفسد قول مَنْ فسّرها بخرق العادة١؛ فإن العادات تختلف.
وقد ذكروا٢ هذا، وقالوا: المعجزة عند كل قوم ما كان خرقًا لعادتهم٣. وقالوا: يُشترط أن تكون [خارقة] ٤ لعادة من دعاهم، وإن كان معتادًا لغيرهم. [وقالوا: إذا] ٥ كان المدّعي كذّابًا؛ فإن الله [يُقيّض] ٦ له من يعارضه من أهل تلك الصناعة، أو يمنعه من القدرة عليها٧.
وهذا وجه ثان يدل على فساد ما أصّلوه٨؛ هم، والمعتزلة٩.
_________________
(١) ١ وهم الأشاعرة. انظر من كتبهم: الإرشاد للجويني ص ٣٠٩. وأصول الدين لعبد القاهر البغدادي ص ١٧٠. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣٩. ٢ يقصد المعتزلة والأشاعرة. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص٤٥. والإرشاد للجويني ص٣٠٩. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣٩. وشرح الأصول الخمسة ص ٥٧١. ٤ في «خ» رسمت على شكل: خانقة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في هامش «خ» . ٦ في «خ»: يقتض. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥، ١٠٥. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٥٧٠-٥٧٢. ٨ يقصد الأشاعرة. ٩ يوضّح ﵀ أنّ كلًا من الأشاعرة والمعتزلة أصّلوا أصلًا في إثبات النبوة؛ وهو المعجزة؛ فقالوا: "إنّ النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة. ثمّ إنّ المعتزلة التزموا لأجل ذلك نفي الكرامات، وحقيقة السحر والكهانة لأجل أن لا يحصل التباس بينها وبين المعجزات. والأشاعرة التزموا لأجل ذلك أنّه لا فرق بين المعجزة والكرامة والسحر إلا دعوى النبوة وعدم المعارضة.
[ ١ / ٤٨٩ ]
المعجزة عند الأشاعرة دعوى النبوة وعدم المعارضة وليست الآية بجنسها معجزة
الوجه الثالث: أنّ المعارضة بالمثل: أن يأتي بحجةٍ مثلَ حجّة النبيّ. وحجّته عندهم: مجموع دعوى النبوة، والإثبات بالخارق. فيلزم على هذا أن تكون المعارضة بأن يدعي غيره١ النبوة، ويأتي بالخارق.
وعلى هذا فليست معارضة الرسول بأن يأتوا بالقرآن، أو عشر سور، أو سورة. [بل] ٢ أن يدعي أحدهم النبوة، ويفعل ذلك٣. وهذا خلاف العقل والنقل. ولو قال الرسول لقريش: لا يقدر أحدٌ منكم أن يدّعي النبوة، ويأتي بمثل القرآن وهذا هو الآية. وإلا فمجرّد تلاوة القرآن ليس آية. بل قد يقرأه المتعلّم له، فلا تكون آية؛ لأنّه لم يدّع النبوّة. ولو ادّعاها، لكان الله [ينسيه] ٤ إياه، أو يُقيّض له من يعارضه٥؛ كما ذكرتم٦ لكانت قريش، وسائر [العقلاء] ٧ يعلمون أنّ هذا باطلٌ.
الكاذب لابد أن يتناقض
الرابع: أنه إذا كان اعتمادكم على عدم المعارضة، فقولوا ما قاله غيركم؛ وهو: أنّ آية سلامة ما يقوله من التناقض وأنّ كلّ من ادّعى النبوة، وكان كاذبًا، فلا بُدّ أن يتناقض، أو يُقيّض الله له من يقول مثل ما قال. وأما السلامة من التناقض من غير دعوى النبوة فليست دليلًا. فهذا خيرٌ من قولكم؛ فإنه قد علم أنّ كلّ ما جاء من عند غير الله، فإنه لا بد أن يختلف
_________________
(١) ١ في «ط»: غيرة. ٢ في «ط»: مثل. ٣ يعني: يأتي بالقرآن، أو عشر سور، أو سورة. ٤ في «خ»: ينشيه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٩. ٦ الكلام من قوله: "وهذا هو الآية ) إلى هنا جملة اعتراضية. وما سيأتي هو جواب الشرط المتقدّم. ٧ في «م»، و«ط»: العلماء.
[ ١ / ٤٩٠ ]
ويتناقض، وما جاء من عِند الله لا يتناقض؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوْا فِيْهِ اخْتِلافًا كَثِيْرًَا﴾ ١.
وأما دعوى الضرورة٢: فمن ادّعى الضرورة في شيءٍ دون شيءٍ مع تماثلهما٣، وعدم الفرق بينهما في نفس الأمر، كانت دعواه مردودةً، بل كَذِبًا؛ فإنّ وجود العلم الضروري بشيء دون شيء، لا بُدّ أن يكون لفرقٍ؛ إمّا في المعلوم، وإمّا في العالم. وإلاّ فإذا قدر تساوي المعلومات، وتساوي حال العالِم [بها، لم] ٤ يعلم بالضرورة أحد المتماثلين دون الآخر.
آيات النبي مختصة بالأنبياء
الخامس: أنه لا بد أن تكون الآية التي للنبيّ أمرًا مختصًّا بالأنبياء؛ فإنّ الدليل مستلزمٌ للمدلول عليه. فآية النبي هي دليل صدقه، وعلامة صدقه، وبرهان صدقه، فلا توجد قطّ إلا مستلزمة لصدقه. وقد ادّعوا٥ أن آيات صدقهم تكون منفكة عن صدقهم تكون لساحر، وكاهن، ورجل صالح، ولمدعي الإلهية، لكن لا تكون لمن يكذب في دعوى النبوة؛ فجوزوا وجود الدليل مع عدم المدلول عليه٦، إلا إذا ادّعى المدلول عليه كاذبٌ.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية ٨٢. ٢ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٦. ودرء تعارض العقل والنقل ١/٩٠-٩٢، ٩/٥٢-٥٣. وشرح الأصفهانية ٢/٦٢٢. والجواب الصحيح ٦/٣٩٨. ٣ في «ط»: تمثالهما. ٤ في «خ»: بها، ما لم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ أي الأشاعرة. وانظر دعواهم هذه في: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٨. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠. ٦ يعني ﵀ وجود الخارق مع عدم دعوى النبوة، فصار المعجز عندهم هو الدعوى، والخارق مدلول عليه.
[ ١ / ٤٩١ ]
واستدلوا على ذلك بأنّ الساعة تُخرق عندها خوارق، ولا تدلّ على صدق أحدٍ. ولو ادّعى [مدّعٍ] ١ النبوّة مع تلك الخوارق لدلّت٢. قالوا: فعُلم أنّ جنس ما هو معجز يوجد بدون صدق النبي. لكن مع دعوى النبوة لا يوجد إلا مع الصدق٣.
والآية عندهم: الدعوى، والخارق. والصدق هو: المدلول عليه فلا يكون ذلك كذلك إلا مع هذا٤.
وأما وجود الخارق مجرّدًا عن الدعوى، فليس بدليل. ولا فرق عندهم بين خارق وخارق، وخارق معتاد عند قوم دون قوم. وليس لهم ضابط في العادات.
ما يفعله الله من الآيات دليل على صدق الرسل..
ولسائل أن يقول: جميع ما يفعله الله من الآيات في العالم، فهو دليل على صدق الأنبياء، ومستلزم له. وإن كانت [الآيات] ٥ معتادة لجنس الأنبياء، أو لجنس الصالحين [الذين] ٦ يتبعون الأنبياء، فهي مستلزمةٌ لصدق مدّعي النبوة؛ فإنها إذا لم تكن إلا لنبيّ، أو من يتّبعه، لزم أن يكون من أحد القِسْمَيْن. والكاذب في دعوى النبوة ليس واحدًا منهما؛ فالتابع للأنبياء الصالح لا يكذب في دعوى النبوة قط، ولا يدّعيها إلا وهو صادق؛ كالأنبياء المتبعين لشرع موسى. فإذا كان آية نبيّ: إحياء الله الموتى، لم
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: مدعي. ٢ أي على صدقه. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥. والإرشاد للجويني ص ٣٢٨. ٤ أي لا تكون الدعوى صادقة إلا مع وجود الخارق. ٥ في «خ»: الأنبياء. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: الذي. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٤٩٢ ]
يمتنع أن يحيي الله الموتى لنبيّ آخرَ، أو لمن يتبع الأنبياء؛ كما قد أحيى الميت لغير واحد من الأنبياء ومن [اتبعهم] ١، وكان ذلك آيةً على نبوّة محمد ﷺ، ونبوّة من قبله، إذ كان إحياء الموتى مختصًا بالأنبياء، وأتباعهم٢.
_________________
(١) ١ في «خ»: قبلهم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ومن الأمثلة: إحياء الله الموتى لعيسى ﵇؛ كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ . ِالآية ٤٩ من سورة آل عمران. قال القرطبي ﵀: " قيل: أحيا أربعة أنفس؛ العازر، وكان صديقًا له، وابن العجوز، وابنة العازر، وسام بن نوح. فالله أعلم) . تفسير القرطبي ٤/٦١. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . [البقرة، الآية ٢٦٠] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . [البقرة، ٧٢، ٧٣] . وكذلك آية ٢٤٣ من السورة نفسها، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة البقرة، الآيتان ٥٥-٥٦] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الجواب الصحيح: "أعظم آيات المسيح ﵇ إحياء الموتى. وهذه الآية قد شاركه فيها غيره من الأنبياء؛ كإلياس، وغيره". الجواب الصحيح ٤/١٧. وقال أيضًا: "ولا يمتنع أن يأتي نبي بنظير آية نبيّ؛ كما أتى المسيح بإحياء الموتى. وقد وقع إحياء الموتى على يد غيره". الجواب الصحيح ٥/٤٣٤. وقال الماوردي: "حزقيل وهو الذي أصاب قومه الطاعون، فخرجوا من ديارهم حذر الموت، فأماتهم الله ثمّ أحياهم) . أعلام النبوة للماوردي ص ٨٨. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنّ " صلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو، فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق عليّ منّة. ودعا الله ﷿، فأحياه له. فلمّا وصل إلى بيته، قال: يا بني خذ سرج الفرس فإنّه عارية. فأخذ سرجه، فمات الفرس". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٣١٥. وهذه القصة أخرجها ابن المبارك في الزهد ص ٢٩٥، وابن الجوزي في صفة الصفوة ٣/٢١٧، إلا أنهما ذكرا ذهاب بغلته، وليس موتها. وثمة قصص أخرى في إحياء الله الموتى لبعض الناس أوردها شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل ٧/٣٧٧. والجواب الصحيح ٤/١٧-١٨.
[ ١ / ٤٩٣ ]
إهلاك أعداء الرسل دليل على صدقهم
وكذلك ما يفعله الله من الآيات، والعقوبات بمكذّبي الرسل؛ كتغريق فرعون١، وإهلاك قوم عاد بالريح الصرصر٢ العاتية٣، وإهلاك قوم صالح بالصيحة٤، وأمثال ذلك٥؛ فإنّ هذا جنس لم يُعذّب به إلاّ من كذّب الرسل. فهو دليلٌ على صدق الرسل.
وقد يميت الله بعض الناس بأنواع معتادة من البأس؛ كالطواعين٦، ونحوها. لكن هذا معتاد لغير مكذبي الرسل. أمّا ما عذب الله به مكذّبي الرسل، فمختصٌ بهم.
_________________
(١) ١ والآيات على ذلك كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [الأنفال، الآية ٥٤] . ٢ الريح الصرصر: هي الريح الباردة المحرقة كما تحرق النار، ولها صوت شديد. (انظر البحر المحيط ٧/٤٨١، ٤٩٠) . ٣ والآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وأمّا عادٌ فأُهلكوا بريحٍ صرصرٍ عاتية﴾ . [الحاقة، الآية ٦] . ٤ والآيات كثيرة، منها قوله تعالى يحكي عن قوم صالح ﵇: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ . [هود، الآية ٩٤] . ٥ انظر سورة العنكبوت، الآيات ٣٠-٤٠؛ حيث أخبر الله تعالى فيها عن عقابه لمن كذبوا رسله؛ فقد عذّب الله قوم شعيب بالظلّة، وقوم لوط بالحاصب، وقوم نوح بالغرق. ٦ الطاعون: مرض من أنواع الحمى الخبيثة، سريع العدوى، يتولد من الجراثيم المضرّة المتسببة من البقايا الحيوانية المتعفنة. انظر: دائرة معارف القرن العشرين لوجدي ٥/٧٣٧.
[ ١ / ٤٩٤ ]
ولهذا كان [مختصًّا بهم، وكان] ١ من آيات الله كما قال: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُوْدَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيْفًَا﴾ ٢.
أشراط الساعة من آيات الأنبياء ودليل على صدقهم
وكذلك ما يحدثه من أشراط الساعة٣؛ كظهور الدجال، ويأجوج ومأجوج، وظهور الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، بل والنفخ في الصور، وغير ذلك؛ هو من آيات الأنبياء؛ [فإنّهم] ٤ أخبروا به قبل أن يكون، فكذّبهم المكذّبون، فإذا ظهر بعد [مئين] ٥، أو ألوف من السنين، كما أخبروا به كان هذا من آيات صدقهم، ولم يكن هذا [إلا] ٦ لنبيّ، أو لمن يخبر عن نبيّ. والخبر عن النبيّ: هو خبر النبيّ. ولهذا كان وجود ما أخبر به الرسول من المستقبلات من آيات نبوّته إذا ظهر المخبَر به كما كان أخبر. [وخبره عمّا مضى آية لمن عرف صدقه] ٧ فيما أخبر به إذ كان هذا٨. وهذا لا يمكن أن يُخبر به إلا نبيّ، أو من أخذ عن نبيّ.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين لا يوجد في «م»، و«ط» . ٢ سورة الإسراء، الآية ٥٩. ٣ قال رسول الله ﷺ عن الساعة: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات.."، فذكر الدخان، والدجّال، والدابّة، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف.. الحديث رواه مسلم في صحيحه في كتاب الفتن، باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجّال، رقم ٢٩٠١. ٤ في «ط»: فإنها. ٥ في «خ»: مايين. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: لا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ ما بين المعقوفتين في «م»، و«ط» هكذا: أخبر فيما مضى عرف صدقه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ وقد عقد شيخ الإسلام ﵀ في كتابه الجواب الصحيح فصلًا عن أخباره ﷺ بكثيرٍ من الغيوب في الماضي، والحاضر، والمستقبل، ودلالتها على نبوته. انظر الجواب الصحيح ٦/٨٠-١٥٨.
[ ١ / ٤٩٥ ]
وهو١ لم يأخذ عن أحدٍ من الأنبياء شيئًا؛ فدلّ على نبوّته. ولهذا يحتج الله له في القرآن بذلك؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع٢.
الكاهن والفرق بينه وبين النبي
وأخبار الكهان فيها كذبٌ كثيرٌ، والكاهن قد عُرف أنه يكذب كثيرًا، مع فجوره؛ قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُوْنَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاْذِبُوْنَ﴾ ٣. والكهانة جنسٌ معروف، ومعروفٌ أنّ الكاهن يتلقّى عن الشيطان، ولا بد من كذبهم، وفجورهم. والنبيّ لا يكذب قطّ، ولا يكون [إلا] ٤ برًّا تَقِيًَّا. فالفرق بينهما ثابت في نفس صفاتهما، وأفعالهما، وآياتهما؛ لا يقول عاقل إنّ مجرّد ما يفعله الكاهن هو دليلٌ إن اقترن بصادق، وليس بدليلٍ إذا لم يقترن بصادق، وأنّه متى ادّعاه كاذبٌ لم يظهر على يده. وهذا أيضًا باطلٌ.
كثير من الكذابين أتوا بخوارق وادعوا النبوة ولم يعارضوا
ويظهر بالوجه السادس: وهو أنّه قد ادّعى جماعةٌ من الكذّابينَ النبوّة، وأتوا بخوارق من جنس خوراق الكُهّان والسحرة، ولم يعارضهم أحدٌ في ذلك المكان والزمان، وكانوا [كاذبين] ٥؛ فبطل قولهم إنّ الكذّاب إذا أتى بمثل خوارق السحرة والكهان، فلا بد أن يمنعه الله ذلك الخارق، أو يُقَيِّض له من يعارضه٦.
_________________
(١) ١ أي النبيّ. ٢ تقدّم كلام شيخ الإسلام ﵀ عن ذلك في أوّل هذا الكتاب. راجع ص ١٦٦-١٧١. ٣ سورة الشعراء، الآيات ٢٢١-٢٢٣. ٤ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . وهو في «م»، و«ط» . ٥ في «ط»: كذابين. ٦ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥.
[ ١ / ٤٩٦ ]
وهذا كالأسود العنسيّ١ الذي ادّعى النبوّة باليمن في حياة النبيّ ﷺ، واستولى على اليمن، وكان معه [شيطانان] ٢؛ سُحَيْق، ومُحَيْق. وكان يخبر بأشياء غائبة من جنس أخبار الكهان، وما عارضه أحدٌ. وعُرف كذبه بوجوه متعدّدة، وظهر من كذبه، وفجوره؛ ما ذكره الله بقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٣.
وكذلك مسيلمة الكذاب٤.
وكذلك الحارث الدمشقي٥، ومكحول الحلبي٦، وبابا الرومي٧،
_________________
(١) ١ سبق التعريف به، وذكر بعض أخباره ص ١٩٢. وانظر بعض أخباره الأخرى في: البداية والنهاية لابن كثير ٦/٣٤٧. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . وهي في «م»، و«ط»: شيطان بالإفراد. ٣ سورة الشعراء، الآيتان ٢٢١-٢٢٢. ٤ سبق التعريف به ص ١٩٢. ٥ هو الحارث بن سعيد. من أهل دمشق. متنبئ كذّاب، وله أتباع يُعرفون بالحارثية. كان مولى لأحد القرشيّين. يُحكى أنّه كان في أول أمره متعبّدًا زاهدًا، فأغواه إبليس، فادعى النبوة، فلبّس على الناس بما يُظهر لهم من الأوهام والضلالات. من ذلك أنه كان يأتي إلى رخامة في المسجد، فينقرها بيده، فتسبّح. وكان يُري الناس رجالًا على خيل، ويقول: هذه الملائكة. وكان يُطعم الناس فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف إلى غير ذلك من تلبيساته. فتبعه خلقٌ كثير فُتنوا به. وقد طلبه عبد الملك بن مروان، فاختفى في بيت المقدس، فلم يزل يطلبه، حتى قبض عليه، فقتله، وصلبه، وذلك سنة ٦٩؟. انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ١/٤٣٤. ولسان الميزان لابن حجر ٢/١٥١. وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص ٣٧٩. والأعلام للزركلي ٢ /١٥٤. ٦ مكحول الحلبي لم أقف على ترجمته. وشيخ الإسلام ﵀ يذكر في بعض كتبه جماعة من المتنبئين، ويذكر منهم السهروردي الحلبي المقتول. انظر مثلًا شرح الأصفهانية ١/٢٨٦، لكن هذا الحلبي ليس اسمه مكحول. ٧ ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذا المتنبئ الكذّاب في كثير من كتبه؛ مثل: الجواب الصحيح ٢/٣٤. وشرح الأصفهانية ١/٢٨٧. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٧٩-١٨٠؛ حيث ذكره فيه باسم باباه الرومي. وقد تقدّم تفصيل القول فيه سابقًا، انظر ص ١٩٢ من هذا الكتاب.
[ ١ / ٤٩٧ ]
لعنة الله عليهم، وغير هؤلاء؛ كانت معهم شياطين كما هي مع السحرة والكهان.
آيات الأنبياء ليس من شرطها التحدي بها
السابع: أن آيات الأنبياء ليس من شرطها استدلال النبيّ بها، ولا تحدّيه بالإتيان بمثلها، بل هي دليلٌ على نبوته، وإن خلت عن هذين القَيْدَيْن.
وهذا كإخبار من تقدّم بنبوة محمد ﷺ؛ فإنّه دليلٌ على صدقه، وإن كان هو لم يعلم بما أخبروا به، ولا يستدلّ به.
آيات الأنبياء قد تكون لحاجة المسلمين
وأيضًا: فما كان يُظهره الله على يديه من الآيات؛ مثل تكثير الطعام والشراب مرّات؛ كنبع الماء من بين أصابعه غير مرة، وتكثير الطعام القليل حتى كفى أضعافَ أضعافِ من كان محتاجًا إليه، وغير ذلك؛ [كلها] ١ من دلائل النبوة٢، ولم يكن يُظهرها للاستدلال بها، ولا يتحدى بمثلها، بل لحاجة المسلمين إليها٣.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: كله. ٢ وانظر هذه المعجزات في صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ٣/١٣٠٨-١٣٣٠.وفي صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ ٤/١٧٨٣-١٧٨٦. وقد جمع ابن كثير ﵀ كثيرًا من آيات الرسول ﷺ. ومن ذلك آيات تكثير الطعام والشراب. انظر البداية والنهاية ٧/٩٦-١٣١. ٣ وقال شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر: "وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة؛ كما أشبع في الخندق العسكر من قدر الطعام وهو لم ينقص؛ في حديث أم سليم المشهور. وروى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء، ولم تنقص. وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل، ولم ينقص، وهم نحو ثلاثين ألفًا. ونبع الماء من بين أصابعه مرات متعددة حتى كفى الناس الذين كانوا معه؛ كما كانوا في غزوة الحديبية نحو ألف وأربعمائة، أو خمسمائة". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٢٩٥-٢٩٧. وقال ﵀ في موضع آخر: "وتكثير الماء في عين تبوك، وعين الحديبية، ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة، ومزادة المرأة. وأما المركبات: فتكثيره للطعام غير مرة في قصة الخندق؛ من حديث جابر، وحديث أبي طلحة. وفي أسفاره. وجراب أبي هريرة. ونخل جابر بن عبد الله. وحديث جابر وابن الزبير في انقلاع النخل له، وعوده إلى مكانه، وسقياه لغير واحد من الأرض؛ كعين أبي قتادة " قاعدة في المعجزات والكرامات ص ١٦-١٧. وقال ﵀ أيضًا: "وأما هذه الآيات: فنقلها أكثر ممن نقل مواقيت الصلاة من جهة الأخبار المعينة، وذلك أنّ آيات الرسول كان كثير منها يكون بمشهد من الخلق عظيم، فيُشاهدون تلك الآيات كما شاهد أهل الحديبية وهم ألف وخمسمائة نبعَ الماء من بين أصابعه، وظهور الماء الكثير من بئر الحديبية لما نزحوها ولم يتركوا فيها قطرة، فكثر حتى روى العسكر. وكما شاهد العسكر في غزوة ذات الرقاع الماء اليسير لما صبه جابر في الجفنة، وامتلأت، وملأ منها جميع العسكر. وكما شاهد الجيش في رجوعهم من غزوة خيبر المزادتين مع المرأة، وقد ملؤوا كل وعاء معهم، وشربوا، وهي ملأى كما هي. وكما شاهد أهل خيبر وهم ألف وخمسمائة الطعام الذي كان كربضة الشاة، فأشبع الجيش كلهم. وكما شاهد الجيش العظيم، وهو نحو ثلاثين ألفًا في تبوك العين لما كانت قليلة الماء، فكثر ماؤها حتى كفاهم، وشاهدوا الطعام الذي جمعوه على نطع، فأخذوا منه حتى كفاهم. وكما شاهد أهل الخندق وهم أكثر من ألف كثرة الطعام في بيت جابر بعد أن كان صاعًا من شعير، وعناقًا، فأكلوا كلهم بعد الجوع حتى شبعوا وفضلت فضلة. وكما شاهد الثمانون نفسًا كثرة الطعام لما أكلوا في بيت أبي طلحة. وكما شاهد الثلاثمائة كثرة الماء لما توضؤوا من قدح، والماء ينبع من بين أصابعه، حتى كفاهم للوضوء. وكذلك وليمة زينب، كانوا ثلاثمائة، فأكلوا من طعام في تور من حجارة وهو باق، فظنّ أنس أنه أزيد مما كان، وكانوا يتداولون قصعة من غدوة إلى الليل، يقوم عشرة، ويقعد عشرة؛ كما في حديث سمرة بن جندب. وأهل الصفة لما شربوا كلهم من اللبن القليل، وكفاهم، وفضل، وكانوا ينقلون ذلك بينهم، وهو مشهور ينقله بعض من شاهده إلى من غاب عنه". الجواب الصحيح ٦/٣٢٤-٣٢٦.
[ ١ / ٤٩٨ ]
آية إبراهيم كانت بعد نبوته
وكذلك إلقاء الخليل في النار، إنّما كان بعد نبوته، ودعائه لهم إلى التوحيد١.
آيات الأنبياء أدلة وبراهين سواء استدلوا بها أو لم
الثامن: إنّ الدليل الدالّ على المدلول عليه، ليس من شرط دلالته استدلال أحدٍ به، بل ما كان النظر الصحيح فيه موصلًا إلى علمٍ، فهو دليل، وإن لم يستدلّ به أحدٌ؛ فالآيات أدلةٌ وبراهين تدلّ سواءٌ استدلّ به النبيّ، أو لم يستدلّ. وما لا يدلّ إذا لم يُستدلّ به لا يدلّ إذا استدلّ به، ولا ينقلب ما ليس بدليلٍ دليلًا إذا استدلّ به [مدّعٍ] ٢ لدلالته.
آيات الأنبياء لا تكون إلا خارقة للعادة ولا يقدر أحد على معارضتها
التاسع: أن يُقال: آياتُ الأنبياء لا تكون إلا خارقة للعادة، ولا تكون مما يقدر [أحدٌ] ٣ على معارضتها. فاختصاصها بالنبيّ، وسلامتها عن المعارضة شرطٌ فيها، بل وفي كلّ [دليل] ٤؛ فإنه لا يكون دليلًا حتى يكون مختصًّا [بالمدلول] ٥ عليه، ولا يكون مختصًّا إلا إذا سلم عن
_________________
(١) ١ يدلّ على ذلك قول الله تعالى يحكي عن الخليل ﵇: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ . سورة الأنبياء، الآيات ٦٦-٦٩. ٢ في «خ»: مدعي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: أحدا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ في «خ»: مدل. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٠٠ ]
المعارضة١، فلم يُوجد مع عدم المدلول عليه مثله. وإلا إذا وُجد [هو أو مثله] ٢ بدون المدلول، لم يكن مختصًّا؛ فلا يكون دليلًا. لكن كما أنّه لا يكفي مجرّد كونه خارقًا لعادة أولئك القوم دون غيرهم، فلا يكفي أيضًا عدم معارضة أولئك القوم، بل لا بدّ أن يكون ممّا لم يعتده غير الأنبياء؛ فيكون خارقًا لعادة غير الأنبياء. فمتى عُرف أنّه يُوجد لغير الأنبياء بطلت دلالته، ومتى عارض غير النبيِّ النبيَّ بمثل ما أتى به، بطل الاختصاص.
كرامات الأولياء من دلائل النبوة
وما ذكره المعتزلة، وغيرهم؛ كابن حزم: من أنّ آيات الأنبياء مختصةٌ بهم كلامٌ صحيحٌ٣. لكنّ كرامات الأولياء هي من دلائل النبوة؛ فإنّها لا تُوجد إلا لمن اتّبع النبيَّ الصادقَ٤، فصار وجودها كوجود ما أخبر به
_________________
(١) ١ أي أنّ استلزام الدليل بالمدلول عليه، والسلامة من المعارضة شرط في كل دليل. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ قال القاضي عبد الجبار في شروط المعجزة عند المعتزلة: "واعلم أنّ من حق المعجز أن يكون واقعًا من الله تعالى حقيقة، أو تقديرًا، وأن يكون مما تنتقض به العادة المختصة بمن أظهر المعجز فيه، وأن يتعذر على العباد فعل مثله في جنسه، أو صفته، وأن يكون مختصًا بمن يدعي النبوة على طريقة التصديق له. فما اختص بعده بالصفات وصفناه بأنّه معجز من جهة الاصطلاح". المغني في أبواب العدل والتوحيد للقاضي عبد الجبار ١٥/١٩٩. أما ابن حزم فقال: ".. وأنّ المعجزات لا يأتي بها أحد إلا الأنبياء ﵈..". المحلى لابن حزم ١/٣٦. وانظر أعلام النبوة للماوردي ص ٦٢. ٤ وقد أوضح شيخ الإسلام ﵀ أنّ كرامات الأولياء لا تصل إلى آيات الأنبياء الكبرى، ولا يأتون بمثلها؛ كالناقة، والعصا، وخلق الطير من الطين، والقرآن، ونصر الأنبياء، وإهلاك المكذبين؛ فإنه لا تحصل لهم هذه الآيات.. يقول ﵀ في هذا الكتاب: "وأما آيات الأنبياء التي بها تثبت نبوتهم، وبها وجب على الناس الإيمان بهم: فهي أمرٌ يخصّ الأنبياء، لا يكون للأولياء، ولا لغيرهم". النبوات ص ١٠٣٥. ويقول ﵀ أيضًا: "وأما كرامات الصالحين فهي من آيات الأنبياء كما تقدم. ولكن ليست من آياتهم الكبرى، ولا يتوقف إثبات النبوة عليها". النبوات ص ١٠٣٥.
[ ١ / ٥٠١ ]
النبيُّ من الغيب. وأمّا ما يأتي به السحرة، والكهّان من العجائب؛ فتلك جنسٌ معتادٌ لغير الأنبياء وأتباعهم، بل [لجنسٍ معروفين] ١ بالكذب، والفجور؛ فهو خارقٌ بالنسبة إلى غير أهله. وكلّ صناعةٍ فهي خارقةٌ عند غير أهلها، ولا تكون آية.
وآيات الأنبياء هي خارقةٌ لغير الأنبياء، وإن كانت [معتادة للأنبياء] ٢.
آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الثقلين
العاشر: إنّ آيات الأنبياء خارجةٌ عن مقدور من أُرسل الأنبياء إليه؛ وهم الجنّ والإنس؛ فلا تقدر الإنس٣ والجن أن يأتوا بمثل معجز الأنبياء؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِن اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُوْنَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَاْنَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًَا﴾ ٤. وأما الملائكة فلا تضر قدرتهم على مثل ذلك؛ فإنّ الملائكة إنما تنزل على الأنبياء لا تنزل على السحرة، والكُهّان؛ كما أن الشياطين لا [تتنزل] ٥ على الأنبياء.
الملائكة تنزل على الأنبياء والشياطين تنزل على الكذابين
والملائكة لا تكذب على الله، فإذا كانت الآيات من أفعال الملائكة؛ مثل إخبارهم للنبي عن الله بالغيب، ومثل نصرهم له على عدوه، وإهلاكهم له٦ نصرًا وهلاكًا خارجين عن العادة؛ كما فعلته الملائكة يوم بدر وغيره٧، وكما فعلت
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: الجنس معروف. ٢ في «خ»: معتادة لغير الأنبياء. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «ط»: لإنس. ٤ سورة الإسراء، الآية ٨٨. ٥ في «م»، و«ط»: تنزّل. ٦ أي لعدوّه. ٧ قال شيخ الإسلام ﵀ عن يوم بدر، يوم حنين: "أنهما غزاتان بينهما نحو ست سنين؛ كانت بدر في السنة الثانية من الهجرة، وكانت حنين في السنة الثامنة بعد فتح مكة، وأنّ بدرًا مكان بين مكة والمدينة؛ شامي مكة، ويماني المدينة. وحنين واد قريب من الطائف شرقي مكة. وإنما قرن بينهما في الاسم لأنّ الله أنزل فيهما الملائكة، وأيّد بهما نبيّه والمؤمنين، حتى غلبوا عدوّهم، مع قوة العدو في بدر، ومع هزيمة أكثر المسلمين أولًا بحنين. وامتنّ الله بذلك في كتابه في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية ١٢٣] . وفي قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا..﴾ . [سورة التوبة، الآيتان ٢٥-٢٦] .) . الجواب الصحيح ٦/٣٣٦.
[ ١ / ٥٠٢ ]
بقوم لوط١، وكما فعلت بمريم والمسيح٢، ونحو ذلك؛ وكإتيانهم لسليمان بعرش بلقيس؛ فقد روي أنّ الملائكة جاءته به وهي أقدر من الجنّ٣،لم يكن هذا خارجًا عمّا اعتاده الأنبياء، بل هذا ليس لغير الأنبياء، فلا يقول إن غير الأنبياء اعتادوه فنُقضت عادتهم، بل هذا لم يعتده إلا
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ..﴾ الآيات. [سورة هود، الآيات ٧٧-٨١] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ . [سورة القمر، الآية ٣٧] . ٢ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ . سورة مريم، الآيات ١٦-١٩. ٣ قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ..﴾ . سورة النمل، الآية ٤٠. والأقوال في الذي عنده علم من الكتاب، وأحضر عرش بلقيس كثيرة، تصل إلى ثمانية أقوال. ومن أشهرها أنه سليمان ﵇. وقيل ملك من الملائكة أيّد الله به نبيّه سليمان. وقيل هو جبريل ﵇؛ قاله النخعي، وروي عن ابن عباس. وعلم الكتاب على هذا: علمه بكتب الله المنزلة، أو بما في اللوح المحفوظ. وقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا ابن خالة سليمان، وكان صدّيقًا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى) . انظر: تفسير البغوي ٣/٤٢٠. وتفسير القرطبي ١٣/١٣٦.
[ ١ / ٥٠٣ ]
الأنبياء، وهو مناقض لجنس عادات الآدميين؛ بمعنى أنه لا يوجد فيما اعتاده بنو آدم في جميع الأصناف غير الأنبياء؛ كما اعتادوا العجائب من السحر، والكهانة، والصناعات العجيبة، وما يستعينون عليه بالجن والإنس والقوى الطبيعية؛ مثل الطلاسم١ [وغيرها؛ فكل هذا معتاد معروف لغير الأنبياء. وهؤلاء جعلوا الطلاسم] ٢ من جنس المعجزات، وقالوا٣: لو أتى بها نبي لكانت [آية له] ٤، وإذا أتى بها من لم يدّع النبوة جاز، وإن ادّعاها كاذب سلبه الله علمها، أو قيّض له من يعارضه. وهذا قول قبيح؛ فإنّه لو جعل شيء من معجزات الأنبياء وآياتهم من جنس ما يأتي به ساحر، أو كاهن، أو مطلسم، أو٥ مخدوم من الجن لاستوى الجنسان، ولم يكن فرق بين الأنبياء وبين هؤلاء، ولم يتميّز بذلك النبيّ من غيره. وهذا مما عظم غلط هؤلاء فيه فلم يعرفوا خصائص النبيّ، وخصائص آياته.
الفلاسفة جعلوا للنبوة ثلاث خصائص
كما أنّ المتفلسفة أبعد [منهم] ٦ عن الإيمان؛ فجعلوا للنبوة ثلاث
_________________
(١) ١ الطلسم: لفظ يوناني. وقد سبق معناه في ص ٣٨٨. وقد اشتغل المصريون القدماء، والبابليون، والكلدانيون، والسريانيون بعلم الطلاسم، واشتغل به في المشرق جابر بن حيان، وبعده مسلمة بن أحمد المجريطي في الأندلس. انظر: دائرة المعارف لوجدي ٥/٧٧٠. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ المقصود بهم الأشاعرة. انظر كلام الباقلاني في هذه المسألة في كتابه: البيان ص ٩٨-١٠٠. ٤ في «خ»: له آية. إلا أنّ الناسخ جعل فوق الكلمتين حرف «م» للدلالة على التقديم والتأخير، فصار الصواب ما هو مثبت في «م»، و«ط» . ٥ في «ط»: احو. ٦ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين.
[ ١ / ٥٠٤ ]
خصائص: حصول [العلم] ١ بلا تعلّم٢، وقوّة نفسه المؤثرة في هيولي العالم، وتخيّل السمع والبصر٣. وهذه الثلاثة توجد لكثير من عوام الناس.
_________________
(١) ١ في «خ»: التعلم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ قال ابن سينا في كتاب النجاة فصل في طرق اكتساب النفس الناطقة للعلوم: "واعلم أنّ التعلّم سواء حصل من غير المتعلم، أو حصل من نفس المتعلم؛ فإنّ من المتعلمين من يكون أقرب إلى التصوّر؛ لأنّ استعداده الذي قبل الاستعداد الذي ذكرناه أقوى. فإن كان ذلك الإنسان مستعدًا للاستكمال فيما بينه وبين نفسه سُمّي هذا الاستعداد القوي حدسًا. وهذا الاستعداد قد يشتدّ في بعض الناس، حتى لا يحتاج في أن يتصل بالعقل الفعّال إلى كبير شيء، وإلى تخريج وتعليم، بل يكون شديد الاستعداد لذلك، كأن الاستعداد الثاني حاصل له، بل كأنه يعرف كل شيء من نفسه. وهذه الدرجة أعلى درجات هذا الاستعداد، ويجب أن تُسمّى هذه الحال من الفعل الهيولاني عقلًا قدسيًا، وهو من جنس العقل بالملكة، إلا أنه رفيع جدًا، ليس مما يشترك فيه الناس كلهم. ولا يبعد أن تفيض هذه الأفعال المنسوبة إلى الروح القدسي لقوتها واستعلائها فيضانًا على المتخيلة أيضًا، فتحاكيها المتخيلة أيضًا بأمثلة محسوسة ومسموعة من الكلام على النحو الذي سلفت الإشارة إليه إلى أن قال: وهذا ضرب من النبوة، بل أعلى قوى النبوة. والأولى أن تُسمّى هذه القوة قوة قدسية. وهي أعلى مراتب القوى الإنسانية". النجاة لابن سينا ص ١٦٦-١٦٨. ٣ انظر: كتاب الشفاء لابن سينا في قسم النفس منه ص ٢٤٤-٢٤٦. والإشارات والتنبيهات له ٢/٣٦٨-٣٧٠، ٤١٣، ٨٥٣-٩٠٣ تحقيق سليمان دنيا. وآراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص ٨٩. ولقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ خصائص النبوة عند الفلاسفة في مواضع شتى من كتبه؛ انظر مثلًا: درء تعارض العقل والنقل ١/١٧٩، و٥/٣٥٥، و٩/٤٤، و١٠/٢٠٤-٢٠٥. ومنهاج السنة النبوية ٢/٤١٣، و٨/٢٤. وكتاب الصفدية ١/٥-٧. والرد على المنطقيين. وشرح الأصفهانية ٢/٥٠٣. والرسالة العرشية ص ١١. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص٢٠٤. ومجموع الفتاوى ١١/٢٢٩. وبغية المرتاد ص ٣٨٤. والجواب الصحيح ٦/٢٤، ٤٧.
[ ١ / ٥٠٥ ]
ولم يفرقوا١ بين النبيّ والساحر إلا بأنّ هذا برّ، وهذا فاجر. والقاضي أبو بكر٢ وأمثاله يجعلون هذا الفرق سمعيا٣.
والفرق الذي لا بُدّ منه عندهم: الاستدلال بها، والتحدي بالمثل٤.
وكلّ من هؤلاء٥، وهؤلاء٦ أدخلوا مع الأنبياء من ليس [بنبيّ] ٧، ولم يعرفوا خصائص الأنبياء، ولا خصائص آياتهم؛ فلزمهم جعل من ليس
_________________
(١) ١ أي المتفلسفة. وانظر ردّ شيخ الإسلام على مقولتهم هذه في: كتاب الصفدية ١/١٣٥، ١٤٧. والجواب الصحيح ٦/٤٠٠-٤٠١، ٤٩٦، ٥٠٠؛ حيث ردّ عليهم شيخ الإسلام ﵀ من وجهين. وقد قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وجعلوا ما للأنبياء وغير الأنبياء من المعجزات والكرامات وما للسحرة من العجائب، هو من قوى النفس. لكن الفرق بينهما أنّ ذلك قصده الخير، وهذا قصده الشرّ. وهذا المذهب من أفسد مذاهب العقلاء فإنه مبنيّ على إنكار الملائكة، وإنكار الجنّ، وعلى أنّ الله لا يعلم الجزئيات، ولا يخلق بمشيئته وقدرته، ولا يقدر على تغيير العالم. ثمّ إنّ هؤلاء لا يقرّون من المعجزات إلا بما جرى على هذا الأصل وأمكن أن يُقال فيه هذا؛ مثل نزول المطر، وتسخير السباع، وإمراض الغير، وقتله، ونحو ذلك. وأما قلب العصا حية، وإحياء الموتى، وإخراج الناقة من الهضبة، وانشقاق القمر، وأمثال ذلك، فلا يقرّون به ". الجواب الصحيح ٦/٢٤-٢٥. ٢ الباقلاني. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٣٨-٤١. وانظر: منهاج السنة النبوية ٢/٤١٥. والجواب الصحيح ٦/٤٠٠-٤٠١. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٦-٤٧، ٩٤. ٥ الأشاعرة. ٦ المتفلسفة. ٧ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ١ / ٥٠٦ ]
بنبي نبيًّا، أو جعل النبيّ ليس بنبيّ؛ إذ كان ما ذكروه في النبوة مشتركا بين الأنبياء وغيرهم.
فمن [ظنّ] ١ أنه يكون لغير الأنبياء، قدح في الأنبياء أن [يكون] ٢ هذا هو دليلهم بوجود مثل ما جاءوا به لغير النبي. ومن ظنّ أنّه لا يكون إلا لنبيّ، إذا رأى من فعله من متنبئ كاذب، وساحر، وكاهن ظنّ أنّه نبيّ.
والإيمان بالنبوة أصل [النجاة] ٣ والسعادة. فمن لم يحقق هذا الباب اضطرب عليه باب الهدى والضلال، والإيمان والكفر، ولم يميّز بين الخطأ والصواب.
ولما كان الذين اتبعوا هؤلاء وهؤلاء من المتأخرين٤؛ مثل أبي حامد٥، والرازي، والآمدي، وأمثالهم: هذا، ونحوه مبلغ علمهم بالنبوّة، لم يكن لها في قلوبهم من العظمة ما يجب لها؛ فلا يستدلّون بها على الأمور العلمية الخبرية؛ وهي خاصّة النبيّ؛ وهو الإخبار عن الغيب، والإنباء به؛ فلا يستدلّون بكلام الله ورسوله على الإنباء بالغيب التي يُقطع بها، بل عمدتهم ما يدعونه من العقليات المتناقضة.
_________________
(١) ١ في «خ»: علم ظنّ. ولعلّ الصواب حذف كلمة (علم) بدليل السياق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: التجارة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ أي خلطوا بين الفلسفة والأشعرية، أو ما يُسميهم شيخ الإسلام ﵀ متفلسفة الأشعرية. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/٣٣٩. وانظر كلام شيخ الإسلام ﵀ عن الغزالي، والرازي، والشهرستاني، والآمدي، وتأثرهم بالفلاسفة، وكتب ابن سينا سيما في النبوات في: مجموع الفتاوى ٤/٩٩، ٥/٥٦٠. وشرح الأصفهانية ١/٢٧٢. ٥ الغزالي.
[ ١ / ٥٠٧ ]
ولهذا يقرون بالحيرة في آخر عمرهم؛ كما قال الرازي:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال
لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي [عليلا] ١، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٢، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣. وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤، ﴿وَلا يُحِيْطُونَ بِهِ عِلْمًَا﴾ ٥. ومن جرّب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي٦.
آيات الأنبياء مختصة بهم..
الوجه الحادي عشر: إنّ آيات الأنبياء مما يعلم العقلاء أنها مختصة بهم، ليست مما تكون لغيرهم؛ فيعلمون أنّ الله لم يخلق مثلها لغير الأنبياء. وسواء في آياتهم التي كانت في حياة قومهم، وآياتهم التي فرّق الله بها بين أتباعهم وبين مكذّبيهم؛ بنجاة هؤلاء، وهلاك هؤلاء، ليست من جنس ما يوجد في العادات المختلفة لغيرهم٧؛
_________________
(١) ١ في «ط»: غليلًا. ٢ سورة فاطر، الآية ١٠. ٣ سورة طه، الآية ٥. ٤ سورة الشورى، الآية ١١. ٥ سورة طه، الآية ١١٠. ٦ تقدّم إيراده مرارًا في هذا الكتاب. انظر على سبيل المثال ص ٣٣٢. ٧ وقد عقد المؤلف ﵀ فصلًا في كتابه «الجواب الصحيح» ٦/٣٨٧، وذكر فيه كثيرًا من الشواهد والآيات للأنبياء الدالّة على إهلاك الله لمكذّبيهم، ونصره للمؤمنين بهم، وأنها من أعلام نبوتهم، ودلائل صدقهم.
[ ١ / ٥٠٨ ]
وذلك: مثل تغريق الله لجميع أهل [الأرض] ١ إلا لنوح، ومن ركب معه في السفينة؛ فهذا لم يكن قط في العالم نظيره٢.
إنجاء الله الرسل ومن معهم وإهلاك مكذبيهم من آياتهم
وكذلك: إهلاك قوم عاد إِرَمَ٣ ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد، مع كثرتهم، وقوتهم، وعظم عماراتهم التي لم يُخلق مثلها في البلاد، ثم أهلكوا بريح صرصر عاتية مسخرة سبع ليال وثمانية أيام حسومًا؛ حتى صاروا كلّهم كأنّهم أعجاز نخل خاوية٤. ونجا هود ومن اتّبعه؛ فهذا لم يوجد نظيره في العالم.
وكذلك: قوم صالح؛ أصحاب مدائن، ومساكن في السهل والجبل، وبساتين؛ أُهلكوا كلّهم بصيحةٍ واحدةٍ٥؛ فهذا لم يوجد نظيره في العالم.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ . [سورة الفرقان، الآية ٣٧] . وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ..﴾ . [سورة هود، الآية ٤٠-٤٣] . ٣ قال قتادة، والسدي: إنّ إرم بيت مملكة عاد. قال ابن كثير: وهذا قول حسن جيد. تفسير ابن كثير ٨/٤١٧. ٤ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ . [سورة الحاقة، الآيات ٦-٨] . ٥ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ . [سورة الأعراف، الآية ٧٤] . وقال تعالى عنهم: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . [سورة النمل، الآية ٥٢] .
[ ١ / ٥٠٩ ]
وكذلك: قوم لوط؛ أصحاب مدائن متعددة، رُفعت إلى السماء، ثُمّ قُلبت بهم، وأُتْبعوا بحجارة من السماء، تتّبع شاذهم١، ونجا لوط وأهله، إلا امرأته أصابها ما أصابهم؛ فهذا لم يوجد نظيره في العالم.
وكذلك: قوم فرعون وموسى جمعان عظيمان، ينفرق لهم البحر كل فِرق كالطّود العظيم؛ فيسلك هؤلاء، ويخرجون سالمين؛ فإذا سلك الآخرون انطبق عليهم الماء٢؛ فهذا لم يوجد نظيره في العالم.
فهذه آيات تعرف العقلاء عمومًا أنّها ليست من جنس ما يموت به بنو آدم. وقد يحصل لبعض الناس طاعون، ولبعضهم جدب، ونحو ذلك. وهذا مما اعتاده الناس؛ وهو من آيات الله من وجه آخر، بل كل حادث من آيات [الله] ٣ تعالى.
ولكنّ هذه الآيات ليست من جنس ما اعتيد.
الكعبة لها خاصية ليست لغيرها
وكذلك الكعبة فإنّها بيتٌ من حجارةٍ بوادٍ غيِر ذي زرع٤، ليس عندها أحدٌ يحفظها من عدو، ولا عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها؛ فليس عندها رغبة ولا رهبة. ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة؛ فكل من يأتيها يأتيها خاضعًا، ذليلًا، متواضعًا في غاية التواضع. وجعل فيها من الرغبة ما
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ . [الحجر، ٧٥] . ٢ قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآيات ٦٢-٦٧] . ٣ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٤ قال تعالى يحكي قول إبراهيم الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ . [سورة إبراهيم، الآية ٣٧] .
[ ١ / ٥١٠ ]
يأتيها الناس من أقطار الأرض محبةً، وشوقًا، من غير باعثٍ دنيوي. وهي على هذه الحال من ألوف من السنين؛ وهذا مما لا يُعرف في العالم لبُنيةٍ غيرها. والملوك يبنون القصور العظيمة فتبقى مدة، ثم تهدم، لا يرغب أحدٌ في [بنائها] ١، ولا يرهبون من خرابها.
وكذلك ما بني للعبادات قد [يتغيّر] ٢ حاله على طول الزمان، وقد يستولي العدو عليه؛ كما استولى [على] ٣ بيت المقدس.
والكعبة لها خاصية ليست لغيرها.
وهذا مما حيّر الفلاسفة ونحوهم؛ فإنهم يظنون أنّ المؤثر في هذا العالم هو حركات الفلك، وأنّ ما بُني وبقي فقد بُني بطالع [سعيد] ٤؛ فحاروا في طالع الكعبة، إذ لم يجدوا في الأشكال الفلكيّة ما يوجب مثل هذه السعادة، [والعزة] ٥، والعظمة، والدوام، والقهر، والغلبة٦.
وكذلك ما [فعله] ٧ الله بأصحاب الفيل لما قصدوا تخريبها٨؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيْل وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًَا أَبَابِيل تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيل فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ
_________________
(١) ١ في «خ»: ابنائها. ٢ في «م»، و«ط»: تتغيّر. ٣ في «ط»: عليه. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ في «م»، و«ط»: الفرح. ٦ انظر: كتاب الصفدية ١/٢٢٠. والرد على المنطقيين ص ٥٠٢. والجواب الصحيح ٥/٢٦٤-٢٦٥. ٧ في «م»، و«ط»: فعل. ٨ أي الكعبة المشرفة.
[ ١ / ٥١١ ]
مَأْكُول﴾ ١؛ قصدها جيشٌ عظيمٌ، ومعهم الفيل، فهرب أهلها منهم، فبرك الفيل، وامتنع من المسير إلى جهتها، وإذا وجّهوه إلى غير جهتها توجّه. ثم جاءهم من البحر طيرٌ أبابيل؛ أي جماعات في تفرقة؛ فوجًا بعد فوج، رموا عليهم حصى هلكوا به كلهم. فهذا [ممّا] ٢ لم يوجد نظيره في العالم٣.
الدليل يستلزم المدلول
فآيات الأنبياء هي أدلة وبراهين على صدقهم. والدليل يجب أن يكون مختصًا بالمدلول عليه، لا يوجد مع عدمه، لا [يتحقق] ٤ الدليل إلا مع تحقق المدلول؛ كما أنّ الحادث لا بد له من محدِث؛ فيمتنع وجود حادث بلا محدِث، ولا يكون المحدِث إلاّ قادرًا؛ فيمتنع وجود الأحداث من غير قادر، والفعل لا يكون إلا من عالمٍ ونحو ذلك؛ فكذلك ما دل على صدق النبيّ، يمتنع وجوده إلا مع كون النبيّ صادقًا.
الأشاعرة لم يجعلوا المعجزة تدل دلالة عقلية ولا تدل بجنسها
ولم يجعلوا آيات الأنبياء تدلّ دلالةً عقليةً مستلزمةً للمدلول٥، ولا [تدل] ٦ [بجنسها] ٧ ونفسها٨، بل قال بعضهم٩: قد تدلّ، وقد
_________________
(١) ١ سورة الفيل كلها (١-٥) . ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ انظر كلام شيخ الإسلام حول هذا الموضوع بالتفصيل في: الجواب الصحيح ٦/٥٥-٥٧؛ حيث عدّ ذلك آية من آيات النبوة. ٤ في «خ»: بتحقيق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٤. والعقيدة النظامية له ص ٦٨. وشرح المواقف للجرجاني ٣/١٨١-١٨٢. ٦ في «خ»: يدلّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ في «خ»: لجنسها. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٨. والإرشاد للجويني ص ٣٢٨. ٩ ومنهم القاضي عبد الجبار من المعتزلة. انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل ١٥/١٦١، ١٦٨، ١٧٢-١٧٣.
[ ١ / ٥١٢ ]
لا تدلّ. وقال آخرون: تدلّ مع الدعوى، ولا تدلّ مع عدم الدعوى١. وهذا يبطل كونها دليلًا٢.
وآخرون٣ أرادوا تحقيق ذلك، فقالوا: تدل [دلالة] ٤ وضعيّة من جنس دلالة اللفظ على مراد المتكلم؛ تدل أن قصد الدلالة، ولا تدلّ بدون ذلك؛ فهي تدلّ مع الوضع دون غيره٥.
رد شيخ الإسلام عليهم
فيقال لهم: وما يدلّ على قصد المتكلّم، هو أيضًا دليلٌ مطّرد، يمتنع وجوده بدون المدلول، ودلالته تعلم بالعقل؛ فجميع الأدلة تعلم بالعقل دلالتها على المدلول؛ فإنّ ذلك اللفظ إنّما يدلّ إذا عُلم أنّ المتكلّم أراد به هذا المعنى. وهذا قد يُعلم ضرورة، وقد يُعلم نظرًا؛ فقد يُعلم قصد المتكلم بالضرورة؛ كما يُعلم أحوال الإنسان بالضرورة؛ فيفرّق بين حمرة الخجل، وصفرة الوجل، وبين حمرة المحموم، وصفرة المريض بالضرورة٦. وقد يُعلم نظرًا واستدلالًا؛ كما يُعلم أنّ عادته إذا قال كذا: أن يريد كذا، وأنّه لا ينقض عادته إلاّ إذا بيّن ما يدلّ على انتقاضها؛ فيُعلم هذا، كما يُعلم سائر العاديات؛ مثل طلوع الشمس كلّ يوم، والهلال كل شهر، وارتفاع الشمس في الصيف، وانخفاضها في الشتاء.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤. والإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٤. ٢ انظر ردّ شيخ الإسلام ﵀ على هذه المقولة في الجواب الصحيح ٦/٣٨٠. ٣ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٤، ٣٢٥. والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص ١٧٠. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ وهذه مقولة الأشعرية. وقد سبق ردّ شيخ الإسلام ﵀ عليها من عدة وجوه في هذا الكتاب. وقد عقد ﵀ فصلًا عن هذا الموضوع، وحقق الكلام فيه، وسيأتي ص ٢٦٨-٢٧١. ٦ انظر: شرح الأصفهانية ٢/٦٢٢.
[ ١ / ٥١٣ ]
سنة الله في الفرق بين الأنبياء وبين مكذبيهم
ومن هذا سنة الله في الفرق بين الأنبياء وأتباعهم، وبين مكذّبهم؛ قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَان عَاقِبَةُ المُكَذِّبِين﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّةَ الأوَّلِيْنَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيْلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيْلًا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيْرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِيْ في الصُّدُور﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًَا فَنَقَّبُوا في الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيْص إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد﴾ ٤.
فإنّ هذه العجائب والآيات التي للأنبياء، تارةً تُعلم بمجرّد الأخبار المتواترة، وإن لم نشاهد شيئًا من آثارها، وتارةً نُشَاهد بالعيان آثارها الدالّة على ما حدث؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَادًَا [وَثَمُودَ] ٥ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَة بِمَا ظَلَمُوا﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ [مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ] ٨﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ للمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيم إِنَّ في ذَلِكَ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ١٣٧. ٢ سورة فاطر، الآية ٤٣. ٣ سورة الحج، الآية ٤٦. ٤ سورة ق، الآيتان ٣٦، ٣٧. ٥ في «خ»: وثمودا. ٦ سورة العنكبوت، الآية ٣٨. ٧ سورة النمل، الآية ٥٢. ٨ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٩ سورة الصافات، الآيتان ١٣٧-١٣٨.
[ ١ / ٥١٤ ]
لآيَة للمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [وَإِنَّهُمَا] ١ لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٢؛ أي لبطريق موضح، [متبيِّن] ٣ لمن مرّ به آثارَهم.
وهذه الأخبار كانت منتشرة متواترة في العالم، وقد علم النّاس أنّها آيات للأنبياء، وعقوبة لمكذبيهم، ولهذا كانوا يذكرونها عند نظائرها للاعتبار؛ كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ [عَلَيْكُمْ] ٤ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قوْمِ نوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًَا لِلْعِبَادِ﴾ ٥، وقال شعيب: ﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلَ مَا أَصَاب قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ ٦.
القرآن الكريم معجزة الرسول ﷺ الخالدة.
والقرآن [آيته] ٧ باقية على طول الزمان، من حين جاء به الرسول تُتْلى آيات التحدّي به. ويُتلى قوله: ﴿فَليَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٨، و﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ ٩، و﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ [اللهِ] ١٠﴾ ١١، ويُتلى قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًَا﴾ ١٢.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ سورة الحجر، الآيات ٧٥-٧٩. ٣ في «خ»: وتبين. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . ٥ سورة غافر، الآيتان ٣٠-٣١. ٦ سورة هود، الآية ٨٩. ٧ في «خ»: آية. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ سورة الطور، الآية ٣٤. ٩ سورة هود، الآية ١٣. ١٠ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ١١ سورة يونس، الآية ٣٨. ١٢ سورة الإسراء، الآية ٨٨.
[ ١ / ٥١٥ ]
فنفس إخبار الرسول بهذا في أول الأمر، وقطعه بذلك، مع علمه بكثرة الخلق، دليلٌ على أنّه كان خارقًا يعجز الثقلين عن [معارضته] ١. وهذا لا يكون لغير الأنبياء.
ثمّ مع طول الزمان، قد سمعه الموافق، والمخالف، والعرب، والعجم. وليس في الأمم [من] ٢ أظهر كتابًا يقرأه الناس، وقال إنّه مثله. وهذا يعرفه كلّ أحدٍ.
وما من كلام تكلم به الناس وإن كان في أعلى طبقات الكلام لفظًا ومعنىً، إلا وقد قال الناس نظيره، وما يشبهه ويقاربه؛ سواء كان شعرًا، أو خطابةً، أو كلامًا في العلوم، [والحِكَمِ] ٣ والاستدلال، والوعظ، والرسائل، وغير ذلك. وما وجد من ذلك شيء، إلاَّ ووجد ما يشبهه ويقاربه.
والقرآن ممّا يعلم الناس؛ عربهم، وعجمهم أنّه لم يُوجد له نظيرٌ، مع حرص العرب، وغير العرب على معارضته؛ فلفظه آية، ونظمه آية، وإخباره بالغيوب آية، وأمره ونهيه آية، ووعده ووعيده آية، وجلالته وعظمته وسلطانه على القلوب آية٤. وإذا ترجم بغير العربي٥ كانت
_________________
(١) ١ في «خ»: معارضة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: ممن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: الحكمة. ٤ انظر: أعلام النبوة للماوردي ص ٩٩-١٢١. وإعجاز القرآن للباقلاني ص ٨٣-١٠٢؛ فقد ذكر وجوهًا عدّة لإعجاز القرآن. ٥ قال شيخ الإسلام ﵀: "القرآن يجوز ترجمة معانيه لمن لا يعرف العربية باتفاق العلماء". الجواب الصحيح ٢/٥٥. وقال أيضًا عن ألفاظ القرآن: "ولكن يجوز تفسيرها باللسان العربي، وترجمتها بغير العربيّ) . الجواب الصحيح ٣/٢٠. والشيخ ﵀ يقصد ترجمة معاني وتفسير القرآن إلى لغة أخرى. ولا يُراد بالترجمة ها هنا الترجمة الحرفية لألفاظ القرآن، فهذه لا خلاف في أنّها محرّمة، تؤدّي إلى تحريف القرآن. انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ٢/٢٧. والبرهان في علوم القرآن للزركشي ١/٤٦٤.
[ ١ / ٥١٦ ]
معانيه آية. كلّ ذلك لا يوجد له نظيرٌ في العالم١.
وإذا قيل إنّ التوراة، والإنجيل، والزبور، لم يُوجد لها نظيرٌ أيضًا٢، لم يضرّنا ذلك؛ فإنّا قلنا: إنّ آيات الأنبياء لا تكون لغيرهم، وإن كانت لجنس الأنبياء؛ كالإخبار بغيب الله؛ فهذه آية يشتركون فيها، وكذلك إحياء الموتى قد كان آية [لغير] ٣ واحدٍ من الأنبياء غير المسيح؛ كما كان ذلك لموسى٤، وغيره٥.
_________________
(١) ١ انظر: الجواب الصحيح ٥/٤٠٥-٤١١؛ إذ عقد الشيخ ﵀ فيه فصلًا في بيان إعجاز القرآن الكريم. وكذا المصدر نفسه ٥/٤٣٣-٤٣٤؛ وهو شرح وتوضيح لما أجمله الشيخ ﵀ هنا. وانظر أيضًا: البيان للباقلاني ص ٣١. والتمهيد له ص ١٦٧، ١٥٨. وإعجاز القرآن له ص ٨٣-٩٩. والإرشاد للجويني ص ٣٤٩-٣٥٣. وتفسير القرطبي ١/٥٢-٥٤؛ فقد ذكر عشرة أوجه لإعجاز القرآن الكريم. وأعلام النبوة للماوردي ص ٩٩-١٢٢. ٢ يرى الباقلاني أنّ الإعجاز خاص بالقرآن الكريم دون الكتب الأخرى، ولذلك نجده يقول: "إنّا لم نجد أهل التوراة والإنجيل ادّعوا الإعجاز لكتابهم، ولا ادّعى لهم المسلمون. فعُلِم أنّ الإعجاز ممّا يختصّ به القرآن..". إعجاز القرآن للباقلاني ص ٨١. ٣ في «ط»: فغير. ٤ ووجه إحياء الموتى لموسى ﵇ ما قاله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة، الآية ٧٣] . وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ تفصيلًا لإحياء الله الموتى على يد موسى ﵇ في الجواب الصحيح ٤/١٧-١٨. ٥ قال شيخ الإسلام ﵀: "فإنّ أعظم آيات المسيح ﵇ إحياء الموتى. وهذه الآية قد شاركه فيها غيره من الأنبياء؛ كإلياس وغيره". الجواب الصحيح ٤/١٧. وانظر: الجواب الصحيح ٥/٤٣٤-٤٣٥؛ فهو كالشرح لهذا الكلام.
[ ١ / ٥١٧ ]
جنس الأنبياء مميزون عن غيرهم بالآيات
وليس المقصود هنا ذكر تفضيل بعض الأنبياء على بعض، بل المقصود أنّ جنس الأنبياء متميزون عن غيرهم بالآيات، والدلائل [الدالّة] ١ على صدقهم، التي يعلم العقلاء إنّها لم توجد لغيرهم؛ [فيعلمون أنّها ليست لغيرهم] ٢؛ لا عادةً، ولا خرق عادة، بل إذا عبّر عنها بأنّها خرق عادة، وبأنّها من العجائب، فالأمر العجيب هو الخارج عن نظائره. وخارق العادة ما خرج عن الأمر المعتاد؛ [فالمراد بذلك أنّها خارجة عن الأمر المعتاد لغير الأنبياء] ٣، وأنّها من العجائب الخارجة عن النظائر، فلا يُوجد نظيرها [لغير الأنبياء. وإذا وجد نظيرها] ٤؛ سواء كان أعظم منها، أو دونها لنبيّ؛ فذلك توكيد لها أنّها من خصائص الأنبياء؛ [فإنّ الأنبياء يصدق٥ بعضهم بعضًا، فآية كلّ نبيّ آية لجميع٦ الأنبياء] ٧؛ كما أنّ آيات أتباعهم آيات لهم أيضًا. وهذا أيضًا من آيات الأنبياء، وهو تصديق بعضهم لبعض؛ فلا يُوجد من أصحاب الخوارق العجيبة التي تكون لغير الأنبياء؛ كالسحرة، والكهنة، وأهل الطبائع، والصناعات إلاّ من يخالف بعضهم بعضًا [فيما يدعو] ٨ إليه ويأمر به، ويُعادي بعضهم بعضًا. وكذلك أتباعهم إذا كانوا من أهل الاستقامة؛ فما أتى به الأول من الآيات، فهو دليلٌ على نبوّته،
_________________
(١) ١ في «خ»: الدلالة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ في «خ»: تصدق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: الجميع. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٨ في «خ»: في ما يدعوا. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥١٨ ]
ونبوّة من يُبشّر به١، وما أتى به الثاني فهو دليلٌ على نبوّته ونبوة من يُصدّقه ممّن تقدّم٢؛ فما أتى به موسى، والمسيح، وغيرهما من الآيات، فهي آيات لنبوّة محمدٍ لإخبارهم بنبوّته، فكان هذا الخبر ممّا دلّت آياتهم على صدقه.
وما أتى به محمد من الآيات، فهو دليلٌ على إثبات جنس الأنبياء مطلقًا، وعلى نبوّة كلّ من سُمِّيَ في القرآن، خصوصًا [إذا] ٣ كان هذا ممّا أخبر به محمد ﷺ عن الله، ودلّت آياته على صدقه فيما يخبر به عن الله. وحينئذٍ فإذا قُدِّر أنّ التوراة، أو الإنجيل، أو الزبور معجزٌ لما فيه من العلوم والإخبار عن الغيوب، والأمر والنهي، ونحو ذلك، لم يُنازع في ذلك، بل هذا دليل على نبوّتهم صلوات الله عليهم، وعلى نبوّة من أخبروا بنبوّته.
ومن قال: إنها ليست بمعجزة٤. فإن أراد ليست معجزة من جهة اللفظ والنظم؛ كالقرآن، فهذا ممكن. وهذا يرجع إلى أهل اللغة العبرانية.
هل الكتب السابقة معجزة، أم لا؟
وأما كون التوراة معجزة من حيث المعاني لما فيها من الإخبار عن الغيوب، أو الأمر والنهي. فهذا لا ريب فيه. وممّا يدلّ على أنّ كتب الأنبياء معجزة: أنّ فيها الإخبار بنبوّة محمدصلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث بمدة طويلة. وهذا لا يُمكن علمه بدون إعلام الله لهم. وهذا بخلاف من أخبر
_________________
(١) ١ كما قال المسيح ﵇: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ . [الصف،٦] . ٢ ومن أمثلة ذلك تصديق المسيح ﵇ بموسى ﵇؛ كما حكى الله ذلك عنه بقوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ . [آل عمران، ٥٠] . ٣ في «خ»: إذ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ قد أورد هذه المسألة الباقلاني بصيغة السؤال والجواب. انظر: إعجاز القرآن للباقلاني ص ٧٩. والتمهيد له ص١٨٠. وتفسير القرطبي ١/ ٥٢. وإعلام النبوة للماوردي ص ١١١-١١٢. والشفا للقاضي عياض ١/٣٩٠.
[ ١ / ٥١٩ ]
بنبوّته من الكهّان والهواتف؛ فإنّ هذا إنّما كان عند قرب مبعثه لمّا ظهرت دلائل ذلك، واستَرَقَتْه الجنّ من الملائكة، فتحدثت به، وسمعته الجنّ من أتباع الأنبياء.
فالنبيّ الثاني إذا كان قد أخبر بما هو موجود في كتاب النبيّ الأول، وقد وصل إليه من جهته، لم يكن آية له؛ فإنّ العلماء يشاركونه في هذا.
وأما إذا أخبر بقدرٍ زائدٍ لم يوجد في خبر الأول، أو كان ممّن لم يصل إليه خبر نبيّ غيره، كان ذلك آية له؛ كما يوجد في نبوّة أشعيا، وداود، وغيرهما من صفات النبيّ ما لا يوجد مثله في توراة موسى١.
فهذه الكتب معجزة لما فيها من أخبار الغيب الذي لا يعلمه إلا نبيّ، وكذلك فيها من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ما لا يأتي به إلا نبيّ، أو تابع نبيّ. وما أتى أتباع الأنبياء من جهة كونهم أتباعًا لهم، مثل أمرهم بما أمروا به، ونهيهم عما نهوا عنه، ووعدهم بما وعدوا به، ووعيدهم بما [يُوعدون] ٢ به؛ فإنه من خصائص الأنبياء.
_________________
(١) ١ لفظ التوراة. يُوضّح شيخ الإسلام ﵀ أنّ له معنيين يُراد به جنس الكتب التي يُقرّ بها أهل الكتاب، فيدخل في ذلك الزبور، ونبوّة أشعيا، وسائر النبوات غير الإنجيل. وقد يُراد بها نفس الكتب المتقدمة كلّها. فكلّها تُسمّى توراة. انظر الجواب الصحيح ٥/١٥٧-١٥٨. أما إذا قُيّدت بلفظ توراة موسى. فالمقصود التوراة المكتوبة التي أُنزلت على موسى؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْء..﴾ . [الأعراف، ١٤٥] . يقول شيخ الإسلام ﵀: "والزبور تابعٌ لشرع التوراة، وكذلك الإنجيل فرعٌ على التوراة، لم ينزل كتاب مستقلّ إلا التوراة والقرآن..". الجواب الصحيح ٥/٣٥١. ٢ في «خ»: يوعدوا. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٢٠ ]
مدعي النبوة لا يأمر بما تأمر به الأنبياء ولا ينهى عما نهوا عنه
والكذّاب المدّعي للنبوة لا يأمر بجميع ما أمرت به الأنبياء، وينهى عن كلّ ما نهوا عنه؛ فإنّ ذلك يُفسد مقصوده، وهو كاذبٌ، فاجرٌ، شيطانٌ من أعظم شياطين الإنس، والذي يُعينه على ذلك من أعظم [شياطين] ١ الجنّ.
وهؤلاء لا يُتصوّر أن يأمروا بما أمرت به الأنبياء، وينهوا عمّا نهوا عنه؛ لأنّ ذلك يناقض مقصودهم، بل وإن أمروا بالبعض في ابتداء الأمر، [مَنْ] ٢ يخدعونه، ويربطونه، فلا بُدَّ أن يناقضوا، [فيأمروا] ٣ [بما] ٤ نهت عنه الأنبياء، ولا يُوجبوا ما أمرت به الأنبياء؛ كما جرى مثل ذلك لمن ادعى النبوّة من الكذّابين، ولمن أظهر موافقة الأنبياء، وهو في الباطن من المنافقين؛ كالملاحدة الباطنية٥ الذين يُظهرون الإسلام والتشيّع ابتداءً، ثمّ إنّهم يستحلّون الشرك، والفواحش، والظلم، ويُسقطون الصلاة، والصيام، وغير ذلك ممّا جاءت به الشريعة. فمن أظهر خلاف ما أبطن، وكان مطاعًا في النّاس، فلا بُدّ أن يظهر من باطنه ما يُناقض ما أظهره.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ في «خ»: ولمن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: فيأمرا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٥ قال عنهم شيخ الإسلام ﵀: "لا يعتقدون وجوب الصلوات الخمس، ولا الزكاة، ولا صيام شهر رمضان، ولا حجّ البيت العتيق، ولا تحريم ما حرّم الله ورسوله من الخمر، والميسر، والزنا، وغير ذلك. ويزعمون أنّ هذه النصوص لها تأويل وباطن غير الظاهر المعلوم للمسلمين. فالصلاة عندهم معرفة أسرارهم، والصيام كتمان أسرارهم، والحج زيارة شيوخهم، وأمثال ذلك. وقد يقولون: إنّ هذه الفرائض تسقط عن الخاصّة دون العامّة. وأما النصوص التي في المعاد، وفي أسماء الله وصفاته، وملائكته، فدعواهم فيها أوسع وأكثر". كتاب الصفدية ١/٥.
[ ١ / ٥٢١ ]
فكيف بمن ادّعى النبوّة، وأظهر أنّه صادق على الله، وهو في الباطن كاذب على الله. بل من أظهر خلاف ما أبطن من آحاد الناس، يظهر حاله لمن خبره في مدّة؛ فإنّ الجسد مطيعٌ للقلب، والقلب هو الملك المدبّر له؛ كما قال [النبيّ] ١ ﷺ: "ألا إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت، [صلح] ٢ لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب "٣.
فإذا كان القلب كاذبًا على الله، فاجرًا، كان ذلك أعظم الفساد، فلا بد أن يظهر الفساد على الجوارح، وذلك الفساد يُناقض حال الصادق على الله. وقد [بسط] ٤ هذا في غير هذا الموضع٥.
آيات الأنبياء كثيرة ومتنوعة
[وذلك] ٦ أنّ آيات الأنبياء الدالّة على صدقهم كثيرةٌ متنوعةٌ٧، وأنّ النبيّ الصادق خير الناس، والكاذب على الله شرّ النّاس٨، وبينهما من
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٢ في «ط»: صاح. ٣ رواه البخاري في صحيحه١/٢٨-٢٩، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه. ومسلم في صحيحه ٣/١٢١٩-١٢٢٠، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال، وترك الشبهات. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ بسط الشيخ ﵀ الكلام على هذا في كتابَيْه الإيمان الكبير، والأوسط، وهما ضمن مجموع الفتاوى، الجزء السابع. وانظر منه على سبيل المثال لا الحصر الصفحات التالية: ٧/٥٠، ٣٦٢-٣٦٥، ٥٥٥. وانظر الجواب الصحيح ٦/٤٨٧. ٦ في «م»: وذكر. وفي «ط»: ذكر. ٧ ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنّ معجزات الرسول ﷺ تزيد على ألف معجزة. انظر: الجواب الصحيح ١/٣٩٩. ٨ انظر: الجواب الصحيح ٥/٣٥٦-٣٥٧.
[ ١ / ٥٢٢ ]
الفروق ما لا يُحصيه إلا الله، فكيف يشتبه هذا بهذا. بل لهذا من دلائل صدقه، ولهذا من دلائل كذبه ما لا يمكن إحصاؤه. وكلّ من خصّ دليل الصدق بشيء معين فقط، غلط. بل آيات الأنبياء هي من آيات الله الدالّة على أمره ونهيه، ووعده ووعيده.
وآيات الله كثيرة متنوعة؛ كآيات وجوده، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته، وحكمته، ورحمته ﷾. والقرآن مملوءٌ من تفصيل آياته، وتصريفها، وضرب الأمثال في ذلك، وهو يسميها آيات وبراهين١. وقد ذكرنا الفرق بين الآيات، والمقاييس الكلية التي لا تدلّ [إلا] ٢ على أمرٍ كليّ في غير هذا الموضع٣.
ما يأتي به السحرة والكهان فهو من مقدور الإنس والجن
الوجه الثاني عشر: إنّ ما يأتي به الساحر، والكاهن، وأهل الطبائع، والصناعات، والحيل، وكل من ليس من أتباع الأنبياء، لا يكون إلا من مقدور الإنس والجن؛ فما يقدر عليه الإنس من ذلك هو وأنواعه، والحيل فيه كثير. وما يقدر عليه الجن هو من جنس مقدور الإنس، وإنّما يختلفون في الطريق؛ فإن الساحر قد يقدر على أن يقتل إنسانًا بالسّحر، أو يمرضه، أو يُفسد عقله، أو حسّه، وحركته، وكلامه؛ بحيث لا يُجامع، أو لا يمشي، أو لا يتكلم ونحو ذلك. وهذا كلّه ممّا يقدر الإنس على مثله، لكن بطرق أخرى. والجنّ يطيرون في الهواء، وعلى الماء، ويحملون الأجسام
_________________
(١) ١ انظر: الجواب الصحيح ٥/٤١٢-٤١٧. وقاعدة في المعجزات والكرامات. ٢ في «ط»: إلاى. ٣ انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٥/١٣٩-١٤١، ٤٧٧-٤٨٣. ومجموع الفتاوى ١/٤٧-٥٠.
[ ١ / ٥٢٣ ]
الثقيلة؛ كما قال العفريت١ لسليمان: ﴿أَنَا آتِيْكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ ٢.
جنس مقدور الجن
وهذا الجنس يكون لمن هو دون الإنس والجنّ من الحيوان؛ كالطيور، والحيتان. والإنس يقدر على جنسه، ولهذا لم يكن هذا الجنس آية لنبيّ لوجوده لغير الأنبياء. فكثيرٌ من الناس تحمله الجنّ، بل شياطين الجنّ، وتطير به في الهواء، وتذهب به إلى مكان بعيد؛ كما كان العفريت يحمل عرش بلقيس من اليمن، إلى مكان بعيد.
خوارق أولياء الشيطان
ونحن نعرف من هؤلاء عددًا كثيرًا، وليسوا صالحين، بل فيهم كفّارٌ، ومنافقون، وفُسّاق، وجُهّال، لا يعرفون الشريعة٣، والشياطين تحملهم، وتطير بهم من مكان إلى مكان، وتحملهم إلى عرفات؛ فيشهدون عرفات من غير إحرام، ولا تلبية، ولا طواف بالبيت. وهذا الفعل حرام. والجُهّال يحسبون أنّه من كرامات الصالحين، فتفعله الجن بمن يحب ذلك مكرًا به، وخديعةً، أو خدمةً لمن يستخدمهم من هؤلاء الجهّال بالشريعة، وإن كان له زهد وعبادة. وكذلك الجنّ كثيرًا ما يأتون الناس بما يأخذونه من أموال الناس؛ من طعام، وشراب، ونفقة، وماء، وغير ذلك؛ وهو من جنس ما يسرقه الإنسي ويأتي به إلى الإنسي، لكنّ الجنّ تأتي بالطعام والشراب في مكان العدم.
_________________
(١) ١ العفريت من الجنّ: القوي المارد. انظر: تفسير القرطبي ١٣/١٣٥. ٢ سورة النمل، الآية ٣٩. ٣ ذكر شيخ الإسلام ﵀ بعض القصص والوقائع عن أحوال مدّعي الولاية. انظر: الجواب الصحيح ٢/٣١٨-٣٢٧، ٣٣١-٣٣٢، ٣٣٨-٣٤٣،، ٣/٣٤٧-٣٥١. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٦٨، ١٦٩، ١٧٥، ٣٢٦-٣٣١، ٣٣٨، ٣٤١، ٣٥١-٣٥٦، ٣٦٥-٣٦٩. وجامع الرسائل ١/١٩٢-١٩٦. ومجموع الفتاوى ١٧/٤٥٦-٤٦٠.
[ ١ / ٥٢٤ ]
آيات الأنبياء لا يقدر على مثلها الجن والإنس
ولهذا لم يكن مثل هذا آية لنبيّ، وإنما كان النبي ﷺ يضع يده في الماء، فينبع الماء من بين أصابعه١. وهذا لا يقدر عليه؛ لا إنس، ولا جنّ. وكذلك الطعام القليل يصير كثيرًا٢، وهذا لا يقدر عليه؛ لا الجنّ، ولا الإنس. ولم يأت [النبيّ] ٣ [ﷺ] ٤ قطّ بطعامٍ من الغيب، ولا شرابٍ٥، وإنما كان هذا قد يحصل لبعض أصحابه؛ كما أتى خبيب بن عدي٦ وهو أسير بمكة بقطف من عنب٧. وهذا الجنس ليس من خصائص الأنبياء. ومريم ﵍ لم تكن نبيّة، وكانت تؤتى [بطعام٨. فإنّ هذا قد يكون
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة إلى ذلك ص ١٦٥. ٢ سبقت الإشارة إلى ذلك ص ١٦٥، ٦٠١-٦٠٣. ٣ ما بين المعقوفتين كتب في «خ» مرتين. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ ولشيخ الإسلام ﵀ زيادة إيضاح لهذا الموضوع. انظر: الجواب الصحيح ٦/٤٠٣-٤٠٤. ٦ خبيب بن عدي بن مالك بن عامر الأوسيّ الأنصاري. شهد بدرًا، واستشهد في عهد النبيّ ﷺ حين أخذه المشركون أسيرًا في مكة، فقتله بنو الحارث. وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر في بدر. وقصة أسره وقتله في الصحيحين عن أبي هريرة. وفيه أنه عند مقتله صلى ركعتين. انظر: صحيح البخاري ٤ /١٤٩٩، كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع. ومسند الإمام أحمد ٢/٣١٠، ٤/١٣٩، ٥/٢٨٧. وقال أبياتًا، منها: ولست أُبالي حين أُقتل مسلمًا على أيّ جنبٍ كان في الله مصرعي انظر: أسد الغابة لابن الأثير ٢/١٠٣. والإصابة لابن حجر ٢/٢٦٢. ٧ انظر: صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب هل يستأسر الرجل. رقم الحديث ٢٨٨٠. ٨ قال تعالى يحكي عن مريم ﵍: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . [سورة آل عمران، الآية ٣٧] .
[ ١ / ٥٢٥ ]
من حلالٍ، فيكون كرامة؛ يأتي] ١ به إمّا مَلَك، وإمّا جنّي مسلم. وقد يكون حرامًا. فليس كلّ ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامةً للصالحين.
ليس كل ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامة للصالحين
وهؤلاء٢ يُسوّون بين هذا وهذا، ويقولون: الفرق هو دعوى النبوة والتحدي بالمثل٣. وهذا غلط فإن آيات الأنبياء [﵈] ٤ التي دلّت على نبوّتهم، هي أعلى ممّا يشتركون فيه، هم وأتباعهم؛ مثل الإتيان بالقرآن؛ ومثل الإخبار بأحوال الأنبياء المتقدمين، وأممهم، والإخبار بما يكون يوم القيامة، وأشراط الساعة؛ ومثل إخراج الناقة من الأرض٥؛ ومثل قلب العصا حية٦، وشقّ البحر٧؛ ومثل أن [يخلق] ٨ من الطين
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ أي الأشاعرة. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٧، ٤٨. والإرشاد للجويني ص ٣١٢، ٣٢٤. ٤ زيادة من «ط» . ٥ قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . [سورة الأعراف، الآية ٧٣] . وانظر تفسير ابن كثير ٢/٢١٨؛ حيث تكلّم عن معجزة صالح ﵇؛ وهي إخراج هذه الناقة من صخرة ملساء صمّاء، انفلقت، وخرجت منها ناقة عشراء. ٦ وهذه من معجزات موسى ﵇. قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ . [سورة طه، الآيات ١٧-٢٠] . ٧ وهذه من معجزات موسى ﵇. قال تعالى يمتنّ على قوم موسى ﵇: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ . [سورة البقرة، الآية ٥٠] . ٨ في «خ»: خلق. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٢٦ ]
كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله١. وتسخير الجنّ لسليمان٢ لم يكن مثله لغيره.
لكن من الجن المؤمنين من يعاون المؤمنين، ومن الجن الفساق، والكفار من يعاون الفساق؛ كما يُعاون الإنس بعضهم بعضًا٣. فأمّا طاعة مثل طاعة سليمان، فهذا لم يكن لغير سليمان [﵇] ٤.
رسولنا ﷺ أعطي أفضل مما أعطي سليمان ﷺ
ومحمد ﷺ أُعطي أفضل ممّا أُعطي سليمان [﵇] ٥؛ فإنّه أُرسل إلى الجنّ، وأُمروا أن يؤمنوا به، ويطيعوه٦؛ فهو يدعوهم إلى عبادة الله، وطاعته، لا يأمرهم بخدمته، وقضاء حوائجه؛ كما كان سليمان يأمرهم، ولا يقهرهم باليد؛ كما كان سليمان يقهرهم، بل [يفعل] ٧ فيهم كما [يفعل] ٨ في الإنس، فيجاهدهم الجن والمؤمنون، ويقيمون الحدود على منافقيهم، فيتصرف فيهم تصرّف العبد الرسول، لا تصرّف النبي
_________________
(١) ١ وهذه من معجزات عيسى ﵇. قال الله تعالى حاكيًا عن المسيح ﵇: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . [سورة آل عمران، الآية ٤٩] . ٢ قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ إلى قوله ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ . [سورة الأنبياء، الآيتان ٨١-٨٢] . ٣ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أحوال الجنّ مع الإنس. انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٣٦٤) . ٤ زيادة من «ط» . ٥ زيادة من «ط» . ٦ قال تعالى حكاية عن الجنّ: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . [سورة الأحقاف: ٣١-٣٢] . ٧ في «خ»: يفعله. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ في «خ»: يفعله. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٢٧ ]
الملِك١؛ كما كان سليمان يتصرف فيهم.
أنواع استخدام الجن.
والصالحون من أمته، المتّبعون له يتّبعونه فيما كان يأمر به الإنس والجنّ. وآخرون دون هؤلاء قد يستخدمون بعض الجنّ في مباحات؛ كما قد يستخدمون بعض الإنس. وقد يكون ذلك مما ينقص دينهم، لا سيما إن كان بسببٍ غير مباح. وآخرون شرّ من هؤلاء يستخدمون الجنّ في أمور محرمة؛ من الظلم، والفواحش، فيقتلون نفوسًا بغير حق، ويُعينونهم على ما يطلبونه من الفاحشة، كما يُحضرون لهم امرأة أو صبيًا، أو يجذبونه إليه. وآخرون يستخدمونهم في الكفر. فهذه الأمور ليست من كرامات الصالحين٢.
سبب كرامات الأولياء..
فإنّ كرامات الصالحين هو ما كان سببه الإيمان، والتقوى، لا ما كان سببه الكفر، والفسوق، والعصيان.
وأيضًا فالصالحون سابقوهم، لا يستخدمونهم إلا في طاعة الله ورسوله. ومن هو دون هؤلاء لا يستخدمهم إلا في مباح. وأمّا استخدامهم في المحرمات فهو حرام، وإن كانوا إنّما خدموه لطاعته لله؛ كما لو خدم الإنس رجلًا صالحًا لطاعته لله، ثم استخدمهم فيما لا يجوز. فهذا بمنزلة من أنعم عليه بطاعته نعمة، [فصرفها] ٣ إلى معصية الله، فهو آثمٌ بذلك.
_________________
(١) ١ وانظر كلام شيخ الإسلام ﵀ في: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٠٤-١٠٥، في أنّ العبد الرسول أفضل من النبي الملك. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص ١٦١. ٢ وقد أفاض شيخ الإسلام ﵀ في كتبه في الكلام حول هذا الموضوع، وبيَّن أن كثيرًا من الناس يعتقد الولاية في هؤلاء، ويعتقد في خوارقهم أنها كرامات، مع أنهم من أولياء الشيطان. انظر: مجموع الفتاوى ١/٨٢-٨٥، ١٦٨-١٧٨،، ١٧/٤٥٦-٤٦٠. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٨٣، ١٢٤، ١٦٨-١٦٩، ٢٢٦، ٣٢١-٣٦٩. والجواب الصحيح ٢/٣١٥-٣٢٥،، ٣/٣٤٧-٣٤٩. ٣ في «خ»: صرفها. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٢٨ ]
وكثيرٌ من هؤلاء يسلب تلك النعمة، ثم قد يسلب الطاعة؛ فيصير فاسقًا. ومنهم من يرتدّ عن دين الإسلام.
فطاعة الجنّ للإنسان ليست أعظم من طاعة الإنس، بل الإنس أجلّ، وأعظم، وأفضل، وطاعتهم أنفع.
وإذا كان المطاع من الإنس قد يطاع في طاعة الله، فيكون محمودًا مثابًا، وقد يُطاع في معصية الله، فيكون مذمومًا آثمًا١. فكذلك المطاع من الجنّ الذي يُطيعه الناس.
والمطاع من الإنس قد يكون مطاعًا لصلاحه، ودينه. وقد يكون مطاعًا لملكه، وقوته. وقد يكون مطاعًا [لنفعه] ٢ لمن يخدمه بالمعاوضة. فكذلك المطاع من الجن؛ قد يُطاع لصلاحه ودينه، وقد يُطاع لقوّة وملكٍ محمودٍ أو مذمومٍ. ثمّ المَلِك إذا سار بالعدل حُمِد، وإن سار بالظلم، فعاقبته مذمومة، وقد يهلكه أعوانه؛ فكذلك المطاع من الجن، إذا ظلمهم، أو ظلم الإنس بهم، أو بغيرهم، كانت عاقبته مذمومة. وقد [تقتله] ٣ الجنّ، أو تُسلّط عليه من الإنس من يقتله. وكلّ هذا واقعٌ نعرف من ذلك من الوقائع ما يطول وصفه، كما [نعرف] ٤ من ذلك من وقائع الإنس ما يطول وصفه٥. وليس آيات الأنبياء في شيءٍ من هذا الجنس.
_________________
(١) ١ سوف يفصل الشيخ ﵀ في أقسام طاعة الجن للإنس في ص ١٢٢٨ من هذا الكتاب. ٢ في «خ»: بنفعه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: يقتله. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: يعرف. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ تقدمت الإشارة إلى بعض كتب شيخ الإسلام ﵀ التي أشار فيها إلى بعض هذه الوقائع. انظر: ص ٦٣٢ من هذا الكتاب. وسيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع في آخر الكتاب ص ١٢٢٢-١٢٢٤، ١٢٤٢، ١٢٩٠-١٢٩٢.
[ ١ / ٥٢٩ ]
سبب الإسراء والمقصد منه
ونبيّنا ﷺ لمّا أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، إنما أُسري به ليرى من آيات ربه الكبرى. وهذا هو الذي كان من خصائصه: أنّ مسراه كان هذا؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّة المَأْوَى﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٢؛ قال ابن عباس: هي رؤيا عين٣ أُريها رسول الله
_________________
(١) ١ سورة النجم، الآيات ١١-١٥. ٢ سورة الإسراء، الآية ٦٠. ٣ قال شيخ الإسلام ﵀: "وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ قال: هي رؤيا عين، أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، وهذه رؤيا الآيات لأنه أخبر النسا بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم بأنه رآى ربه بعينه في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه) . الفتاوى ٦/٥١٠. وأما مسألة رؤية الله جل وعلا فقال القاضي عياض ﵀: "وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضًا، ولا نصّ؛ إذ المعوّل فيه على آيتي (النجم)، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن، ولا أثر قاطع متواتر عن النبيّ ﷺ بذلك". الشفاء للقاضي عياض ١/٢٦٥. ولشيخ الإسلام ﵀ جمع بين الأقوال في رؤية الرسول ﷺ لربه: قال ﵀: "وأما الرؤية: فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنّه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين" وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما، فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة، ومقيدة بالفؤاد؛ تارة يقول: رأى محمد ربّه. وتارة يقول: رآه محمد. ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول رآه بفؤاده. ولم يقل أحدٌ إنه سمع أحمد يقول رآه بعينه. لكنّ طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق، ففهموا منه رؤية العين؛ كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس، ففهم منه رؤية العين. وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدلّ على ذلك. بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلّ؛ كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: "نور أنى أراه ". مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩-٥١٠. وانظر أيضًا: زاد المعاد ٣/٣٧. وشرح الطحاوية ١/٣٢٣.
[ ١ / ٥٣٠ ]
ﷺ ليلة أُسري به١. فهذا الذي كان من خصائصه، ومن أعلام نبوّته.
وأمّا مجرّد قطع تلك المسافة، فهذا يكون لمن [يحمله] ٢ الجنّ. وقد قال العفريت لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ ٣. وحمل [العرش من] ٤ القصر من اليمن إلى الشام أبلغ من ذلك٥. و﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ ٦؛ فهذا أبلغ من قطع المسافة التي بين المسجدين في ليلة.
ومحمد ﷺ أفضل من الذي عنده علمٌ من الكتاب، ومن سليمان؛ فكان الذي خصّه الله به أفضل من ذلك؛ وهو أنه أسرى به في ليلةٍ ليُرِيَه من آياته؛ فالخاصّة أن الإسراء كان ليريه من آياته الكبرى؛ كما ﴿رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّة المَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ٧
_________________
(١) ١ رواه البخاري في صحيحه ٤/١٧٤٨، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ . ٢ في «م»، و«ط»: تحمله. ٣ سورة النمل، الآية ٣٩. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٥ تفسير ابن كثير ٣/٣٦٤. ٦ سورة النمل، الآية ٤٠. ٧ سورة النجم، الآيات ١٣-١٧.
[ ١ / ٥٣١ ]
فهذا ما حصل مثله؛ لا لسليمان، ولا لغيره. والجنّ وإن قدروا على حمل بعض الناس في الهواء، فلا يقدرون على إصعاده إلى السماء، و[إراءته] ١ آيات ربه الكبرى؛ فكان ما آتاه الله [محمدًا] ٢ خارجًا عن قدرة الجنّ والإنس، وإنّما كان الذي صحبه في معراجه جبريل الذي اصطفاه الله لرسالته، و﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ﴾ ٣.
وكان المقصود من الإسراء أن يريه ما رآه من آياته الكبرى، ثم يخبر به النّاس، فلمّا أخبر به كذَّب به من كذّب من المشركين، وصدّق به الصدّيقُ وأمثاله٤ من المؤمنين، فكان ذلك ابتلاءً ومحنةً للنّاس؛ كما قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٥؛ أي محنة وابتلاء للناس؛ ليتميّز المؤمن عن الكافر، وكان فيما أخبرهم به أنّه رأى الجنَّة والنَّار، وهذا ممّا يُخوّفهم به؛ قال تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًَا كَبِيرًَا﴾ ٦.
والرسول لما أخبرهم بما رآه كذّبوه في نفس الإسراء، وأنكروا أن يكون أُسري به إلى المسجد الأقصى، فلما سألوه عن صفته، فوصفه لهم، وقد
علموا أنّه لم يره قبل ذلك، وصدّقه من رآه منهم، كان ذلك دليلًا
_________________
(١) ١ في «خ» رسمت: اراه. ولعلها إراءه، والله أعلم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: محمد. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ سورة الحج، الآية ٧٥. ٤ انظر: صحيح البخاري ٤/١٧٤٣-١٧٤٤، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ . وصحيح مسلم ١/١٥٦، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجّال. ومسند الإمام أحمد ١/٣٠٩. ٥ سورة الإسراء، الآية ٦٠. ٦ سورة الإسراء، الآية ٦٠.
[ ١ / ٥٣٢ ]
على صدقه في المسرى، فلم يُمكنهم مع ذلك تكذيبه فيما لم يروه، وأخبر الله تعالى بالمسرى إلى المسجد الأقصى؛ لأنهم قد علموا صدقه في ذلك، بما أخبرهم به من علاماته، فلا يمكنهم تكذيبه في ذلك.
وذكر أنّه رأى من آيات ربه الكبرى، ولم يُعيّن [ما] ١ رآه؛ [وهو] ٢ جبريل الذي رآه في صورته التي خُلِق عليها مرتين٣؛ لأنّ رؤية جبريل هي من تمام نبوته، وممّا يُبيّن أنّ الذي أتاه بالقرآن مَلَكٌ، لا شيطان؛
كما قال في سورة: "إذا الشمس كورت": ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين﴾، [ثم قال] ٤: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ [بِضَنِين] ٥ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ في «خ»: مما. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ انظر: صحيح البخاري ٤/١٨٤٠-١٨٤١، كتاب التفسير، باب في تفسير سورة "النجم". وصحيح مسلم ١/١٥٨-١٥٩، كتاب الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى. وفي باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ . ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٥ في «خ» رسمت: بطنين. ٦ سورة التكوير، الآيات ١٩-٢٧.
[ ١ / ٥٣٣ ]