فصل
في معنى خرق العادة، وأن الإعتبار أن تكون خارقة لعادة غير الأنبياء مطلقا؛ بحيث [تختص] ١ بالأنبياء، فلا [توجد] ٢ إلا مع الإخبار بنبوتهم.
خوارق الكهان والسحرة ليست من خوارق العادات وإنما من العجائب الغريبة
وأما إخبار الكهان ببعض الأمور الغائبة؛ لإخبار الشياطين لهم بذلك، وسحر السحرة؛ بحيث يموت الإنسان من السحر، أو [يمرض] ٣، [ويُمنع] ٤ من النكاح، ونحو ذلك مما هو بإعانة الشياطين: فهذا أمرٌ موجودٌ في العالم، كثيرٌ، معتادٌ، يعرفه الناس، ليس هذا من خرق العادة، بل هو من العجائب الغريبة التي يختص بها بعض الناس؛ كما يختصّ قوم بخفة اليد، [والشعبذة] ٥؛ وقومٌ بالسباحة الغريبة، حتى يضطجع أحدهم على الماء٦؛ وكما يختص قومٌ بالقيافة٧، حتى يُباينوا بها غيرهم؛ وكما
_________________
(١) ١ في «خ»: يختص. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: يوجد. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: بمرض. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: يمتنع. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «ط»: والشعوذة. والشعوذة، والشعبدة: اسمان مترادفان للعبٍ يُري الإنسان منه ما ليس له حقيقة؛ كالسحر. المصباح المنير ص ٣١٤. ٦ انظر: البيان للباقلاني ص ٢٢. ٧ القيافة: هي معرفة الآثار. تقدم التعريف بها.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
يختص قومٌ بالعيافة١، ونحو ذلك مما هو موجود.
مكذبوا الرسل يجعلون آيات الرسل من جنس السحر
ولهذا كان [مكذّبوا] ٢ الرسل يجعلون آياتهم من جنس السحر، وهذا مستقرٌ في نفوسهم: أنّ الساحر ليس برسولٍ، ولا نبيّ؛ كما في قصة موسى لما قالوا: ﴿إِنَّ [هَذَا] ٣ لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُون﴾ ٤، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون﴾ ٥؛ وهذا لحيرتهم، وضلالتهم؛ تارةً يُنسبون إلى الجنون، وعدم العقل؛ وتارة إلى الحذق، والخبرة التي [يُنال] ٦ بها السحر؛ فإنّ السحر لا يقدر عليه، ولا يُحسنه كلّ أحد، لكن العجائب، والخوارق المقدورة للناس٧؛ منها ما سببه من الناس بحذقهم في ذلك الفنّ؛ كما يحذق الرجل
_________________
(١) ١ العيافة: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها، وأصواتها، وممرّها، وهو من عادة العرب كثيرًا. لسان العرب ٩٢٦١. وجاء في الحديث: أنّ الرسول ﷺ قال: "إنّ العيافة، والطرق، والطيرة من الجبت". قال عوف: العيافة: زجر الطير. والطرق: الخط في الأرض. والجبت قال الحسن: إنّه الشيطان. مسند الإمام أحمد ٥٦٠. وانظر تيسير العزيز الحميد ٣٩٨-٤٠٠. ٢ في «م»، و«ط»: مكذبو. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ سورة الأعراف، الآيتان ١٠٩-١١٠. ٥ سورة الذاريات، الآية ٥٢. ٦ في «خ»: نال. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ انظر الكلام على الشعوذة والعجائب التي يتقنها بعض الناس، ويبرزوا فيها في: البيان للباقلاني ص ٢٢-٢٧. والأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٥٧٢-٥٧٣. والفصل لابن حزم ٥٤-٥. والمواقف للإيجي ص ٣٤٥. وشرح المقاصد ٣٣٤٧-٣٤٨. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٣٦٨. وتفسير ابن كثير ١١٤٦
[ ٢ / ٨٢٧ ]
في صناعة من الصناعات؛ وكما يحذق الشاعر، والخطيب [في] ١ شعره، وخطابته، وعلمه؛ وكما يحذق بعض الناس في رمي النشاب٢، وعمل الرمح، وركوب الخيل.
فهذه كلّها قد يأتي الشخص منها بما لا يقدر عليه أهل البلد، بل أهل الإقليم، لكنها مع ذلك مقدورة، مكتسبة، معتادة بدون النبوة، قد فعل مثلها ناس آخرون قبلهم، أو في مكان أخر؛ فليست هي خارقة لعادة غير الأنبياء مطلقًا، بل [توجد] ٣ معتادة لطائفة من الناس، وهم لا يقولون إنّهم أنبياء، ولا يخبر أحد عنهم بأنهم أنبياء.
سبب الغلط في آيات الأنبياء
ومن هنا دخل الغلط على كثير من الناس؛ فإنّهم لما رأوا آيات الأنبياء خارقة للعادة، لم يعتد الناس مثلها، أخذوا مسمّى خرق العادة٤، ولم يميّزوا بين ما يختص به الأنبياء، ومن أخبر بنبوتهم، وبين ما يوجد معتادًا لغيرهم.
لم يسم الله آيات الأنبياء معجزات وإنما آيات وبراهين
واضطربوا في مسمّى هذا الاسم؛ كما اضطربوا في مسمّى المعجزات، ولهذا لم يُسمّها الله في كتابه، إلا آيات، وبراهين؛ فإنّ ذلك اسمٌ يدلّ على مقصودها، ويختصّ بها، لا يقع على غيرها؛ لم يُسمّها معجزة، ولا خرق عادة، وإن كان ذلك من بعض صفاتها؛ فهي لا تكون آيةً وبرهانًا حتى تكون قد خرقت العادة، وعجز الناس عن الإتيان بمثلها. لكن هذا بعض صفاتها، وشرط فيها، وهو من لوازمها.
_________________
(١) ١ في «خ»: وفي - بزيادة الواو، وليست في «م»، و«ط» . ٢ سبق التعريف به في ص ٧١٤. ٣ في «خ»: يوجد. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ المقصود بخرق العادة: أن يكون خارقًا لعادة الجنّ والإنس، فلا يأتي بمثله إلا الأنبياء.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
لكن شرط الشيء، ولازمه قد يكون أعمّ منه١.
وهؤلاء جعلوا مسمّى المعجزة وخرق العادة، هو: الحدّ المطابق لها طردًا وعكسًا٢.كما أن بعض النّاس يجعل اسمها أنّها عجائب.
وآيات الأنبياء إذا وصفت بذلك، فينبغي أن يُقيّد بما يختصّ بها؛ فيقال: العجائب التي أتت بها الأنبياء، وخوارق العادات، والمعجزات التي ظهرت على أيديهم، أو التي لا يقدر عليها البشر، أو لا يقدر عليها أحد بحيلة واكتساب؛ كما يقدرون على السحر والكهانة، فبذلك تتميّز آياتهم عما ليس من آياتهم.
وإلاّ فلفظ العجائب قد يدخل فيه بعض الناس الشعبذة٣ ونحوها.
_________________
(١) ١ سبق مثل هذا الكلام في ص ٩٣٢ من هذا الكتاب. وقد أورد شيخ الإسلام ﵀ فصلًا عن هذا الموضوع قبل هذا الفصل، فليُراجع. ٢ الطرد: ما يُوجب الحكم لوجود العلة، وهو التلازم في الثبوت. والعكس في اصطلاح الفقهاء: عبارة عن تعليق نقيض الحكم المذكور بنقيض علته المذكورة، ردًا إلى أصل آخر؛ كقولنا: ما يلزم بالنذر يلزم بالشروع؛ كالحج. وعكسه: ما لم يلزم بالنذر لم يلزم بالشروع. فيكون العكس على هذا ضدّ الطرد، وهو التلازم في الانتفاء؛ بمعنى: كل ما لم يصدق الحد، لم يصدق المحدود. انظر: التعريفات للجرجاني ص ١٨٣، ١٩٨. وانظر ما سبق في ص ٣٠٧ من هذا الكتاب. والمعتزلة هم الذين جعلوا خرق العادة حدًّا للمعجزة مطّرد منعكس؛ فكلّ خرق فهو معجزة للنبي. ولهذا أنكروا الخوارق التي تقع لغير الأنبياء؛ كخوارق السحرة، والكهان، وكرامات الأولياء. انظر: المغني للقاضي عبد الجبار ١٥٢١٨. وانظر كلام المؤلف ﵀ فيما مضى ص ١٤٧-١٥٢ من هذا الكتاب. ٣ سبق التعريف بها قريبًا.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
معنى التعجب
والتعجب في اللغة يكون من أمرٍ خرج عن نظائره١. وما خرج عن نظائره فقد خرق تلك العادة المعيّنة في نظائره، فهو أيضًا خارق للعادة.
آيات الأنبياء لا نظير لها لغيرهم
وهذا شرطٌ في آيات الأنبياء؛ أن لا يكون لها نظير لغير الأنبياء، ومَنْ يُصدقهم. فاذا وجد نظيرها من كل وجه لغير الأنبياء، ومن شهد لهم بالنبوة، لم تكن تلك من آياتهم، بل كانت مشتركة بين من يخبر بنبوتهم، ومن لا يخبر بنبوتهم، كما يشترك هؤلاء وهؤلاء في الطبّ والصناعات.
السحر والكهانة من إعانة الشياطين لبني آدم
وأمّا السحر والكهانة: فهو من إعانة الشياطين لبني آدم، فإنّ الكاهن [تُخْبِره] ٢ الجن، وكذلك الساحر إنما يُقتل، ويُمرِض، ويَصْعَدُ في الهواء، ونحو ذلك، بإعانة الشياطين له؛ فأمورهم خارجة عما اعتاده الإنس بإعانة الشياطين لهم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ [يَحْشُرُهُمْ] ٣ جَمِيعًَا يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَد اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَال أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا [الَّذِي] ٤ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النارُ مَثْوَاكُمْ خالِدِينَ [فِيهَا] ٥ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ﴾ ٦؛ فالجن والإنس قد استمتع بعضهم ببعض، فاستخدم هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء في أمور كثيرة، كُلّ منهم فعل للآخر ما هو غرضه، ليعينه على
_________________
(١) ١ قال الزجاج: أصل العجب في اللغة: أن الإنسان إذا رأى ما ينكره ويقلّ مثله، قال: عجبت من كذا. وقال ابن الأعرابي: العجب: النظر إلى شيء غير مألوف، ولا معتاد. انظر تهذيب اللغة ١٣٨٦. ٢ في «م»، و«ط»: يخبره. ٣ في «م»: نحشرهم - بالنون، وهي قراءة الجميع، عدا حفص. انظر: سراج القارئ المبتدي ص ٢١٦. ٤ في «ط»: ادلذي. ٥ في «ط»: طفيها. ٦ سورة الأنعام، الآية ١٢٨.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
غرضِهِ. والسحر والكهانة من هذا الباب١.
وكذلك ما يُوجد لعباد الكفار من المشركين وأهل الكتاب، ولعباد المنافقين والملحدين من المظهرين للإسلام والمبتدعين منهم، كلّها بإعانة الجنّ والشياطين.
الشياطين تظهر عند كل قوم بما لا ينكرونه
لكن الشياطين تظهر عند كل قوم بما لا ينكرونه؛ فإذا كان القوم كفارًا لا ينكرون السحر والكهانة؛ كما كانت العرب؛ وكالهند، والترك، والمشركين، ظهروا بهذا الوصف؛ لأن هذا معظّمٌ عند تلك الأمة، وإن كان هذا مذمومًا عند أولئك، كما قد ظهر ذم هؤلاء عند أهل الملل؛ من المسلمين، واليهود، والنصارى، أظهرته الشياطين فيمن يُظهر العبادة، ولا يكون مخلصًا لله في عبادته متبعًا للأنبياء، بل يكون فيه شركٌ، ونفاقٌ، وبدعةٌ، فتظهر له هذه الأمور التي ظهرت للكهان والسحرة، حتى يظنّ أولئك أنّ هذه من كرامات الصالحين، وأنّ ما هو عليه هذا الشخص من العادة هو طريق أولياء الله، وإن كان مخالفًا لطريق الأنبياء، حتى يعتقد من يعتقد أنّ لله طريقًا يسلكها إليه أولياؤه، غير الإيمان بالأنبياء وتصديقهم، وقد يعتقد بعض هؤلاء أنّ في هؤلاء من هو أفضل من الأنبياء.
أصحاب الأحوال الشيطانية عارضوا الأنبياء
وحقيقة الأمر: أن هؤلاء عارضوا الأنبياء، كما كانت تعارضهم السحرة والكهان؛ كما عارضت السحرة لموسى، وكما كان كثيرٌ من المنافقين يتحاكمون إلى بعض الكهان، دون النبي ﷺ، ويجعلونه نظير النبيّ٢.
_________________
(١) ١ أي من مقدورات الجن والإنس. ٢ انظر: تفسير الطبري ٥١٥٢-١٥٥. وتفسير ابن كثير ١٥١٩.
[ ٢ / ٨٣١ ]
الكهانة عند العرب
وكان في العرب عدّة من هؤلاء١، وكان بالمدينة منهم أبو برزة الأسلمي٢ قبل أن يُسلم كان كاهنًا،
_________________
(١) ١ قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ ﵀: "اعلم أن الكهان الذين يأخذون عن مسترقي السمع موجودون إلى اليوم، لكنهم قليل بالنسبة لما كانوا عليه في الجاهلية؛ لأن الله تعالى حرس السماء بالشهب، ولم يبق من استراقهم إلا ما يخطفه الأعلى، فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب. وأما ما يُخبر به الجني مواليه من الإنس بما غاب عن غيره، مما لا يطّلع عليه الإنسان غالبًا، فكثير جدًا في أناس ينتسبون إلى الولاية والكشف، وهم من الكهان إخوان الشياطين، لا من الأولياء". تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٥. وقد ذكر القاضي عياض ﵀ أنّ الكهانة كانت في العرب على ثلاثة أضرب: "أحدها: أن يكون للإنسان ولي من الجن، يخبره بما يسترقه من السماء. وهذا القسم بطل من حين بعث الله نبينا محمدًا ﷺ. والثاني: أن يُخبره بما يطرأ، أو يكون في أقطار الأرض، وما خفي مما قرب أو بعد. وهذا لا يبعد وجوده. ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين، وأحالوهما. ولا استحالة في ذلك، ولا بُعد في وجوده، لكنهم يصدقون ويكذبون، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام. والثالث: المنجمون. وهذا الضرب يخلق الله فيه لبعض الناس قوة ما، لكن الكذب فيه أغلب. ومن هذا الفن العرافة، وصاحبها عراف؛ وهو: الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها. وقد يعتضد بعض هذا الفن ببعض في ذلك، بالزجر، والطرق، والنجوم، وأسباب معتادة. وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة. وقد أكذبهم كلهم الشرع، ونهى عن تصديقهم وإتيانهم. والله أعلم". شرح النووي على مسلم (١٤٢٢٣) . ٢ هو نضلة بن عبيد، أبو برزة الأسلمي. صحابي مشهور بكنيته. أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خراسان، ومات بها بعد سنة خمس وستين على الصحيح. انظر: حلية الأولياء ٢٣٢-٣٣. وتقريب التهذيب ٢٢٤٧. وانظر: سير أعلام النبلاء ٣٤٠. والأعلام ٨٣٣.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
وقد قيل: [إنّه] ١ الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيْدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكُفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًَا﴾ ٢. وقد ذكر قصته غير واحد من المفسرين٣.
ولما كان الذين يعارضون آيات الأنبياء من السحرة والكهان لا يأتون بمثل آياتهم، بل يكون بينهما شَبهٌ كشَبه الشعر بالقرآن؛ ولهذا قالوا في النبيّ: إنّه ساحرٌ، وكاهنٌ، وشاعرٌ مجنون، قال تعالى: ﴿انْظُر كَيف ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ٤؛ فجعلوا له مثلًا لا يُماثله، بل بينهما شَبَهٌ، مع وجود الفارق المبين.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: إن. ٢ سورة النساء، الآية ٦٠. ٣ ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ أن الطبراني روى بسنده إلى ابن عباس ﵄ قال: "كان أبو برزة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المشركين، فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ - إلى قوله: - ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ ". تفسير ابن كثير ١٥١٩. وقال الهيثمي عن رجال هذا الخبر: رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد ٧٦. وقد ذكر خبر هذه المنافرة: الطبري - مطوّلًا - انظر تفسيره ٥١٥٤. وانظر: زاد المسير لابن الجوزي ٢١١٩-١٢٠. وأسباب النزول للواحدي ص ١١٩-١٢١. والدر المنثور للسيوطي ٢١٧٨. وفي أسباب النزول للواحدي، وزاد المسير لابن الجوزي: "أبو برده بدل أبي برزة"، وفي تفسير الطبري، وابن كثير، والدر المنثور: (أبو برزة) . ٤ سورة الفرقان، الآية ٩.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
وهذا هو القياس الفاسد؛ فلمّا كان الشعر كلامًا له فواصل ومقاطع، والقرآن آيات له فواصل ومقاطع، قالوا: شاعر. ولكن شتّان١.
وكذلك الكاهن؛ يخبر ببعض المغيّبات، ولكن يكذب كثيرًا، وهو يخبر بذلك عن الشياطين، وعليه من آثارهم ما يدلّ على أنّه أفّاكٌ أثيم؛ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُون﴾، [ثم] ٢ قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ [يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ] ٣ أَلَمْ تَرَ أَنَهُم في كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ ٤.
فذكر سبحانه الفرق بين النبيّ، وبين الكاهن والشاعر.
وكذلك الساحر؛ لما كان يتصرّف في العقول النفوس بما يُغيّرها، وكان من سمع القرآن وكلام الرسول خضع له عقله ولبه، وانقادت له نفسه وقلبه، صاروا يقولون: ساحرٌ، وشتّان.
وكذلك مجنون؛ لما كان المجنون يُخالف عادات الكفار وغيرهم، لكن بما فيه [فسادٌ لا صلاح - والأنبياء جاؤوا بما يُخالف عادات الكفّار، لكن بما فيه] ٥ صلاحٌ لا فساد، قالوا: مجنون، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون﴾ ٦.
فتارةً يصفونه بغاية الحذق، والخبرة، والمعرفة؛ فيقولون: ساحر، وتارةً بغاية الجهل، والغباوة، والحمق؛ فيقولون: مجنون.
_________________
(١) ١ سبق مثل ذلك. انظر ص ٢٢٠-٢٢١ من هذا الكتاب. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ في «ط»: يتبعه غاوون. ٤ سورة الشعراء، الآيات ٢٢١-٢٢٦. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٦ سورة الذاريات، الآيتان ٥٢-٥٣.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وقد ضلوا في هذا، وهذا؛ كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ١؛ فهم بمنزلة السائر في الطريق، وقد ضلّ عنها، يأخذ يمينًا وشمالًا، ولا يهتدي إلى السبيل التي تُسلك.
والسبيل التي يجب سلوكها: قولُ الصدق، والعملُ بالعدل.
الأنبياء تعينهم الملائكة والسحرة تعينهم الشياطين
والكهانة والسحر يناقض النبوة؛ فإن هؤلاء٢ تُعينهم الشياطين؛ تُخبرهم، وتعاونهم بتصرفات خارقة، ومقصودهم: الكفر، والفسوق، والعصيان.
والأنبياءُ تُعينهم الملائكة؛ هم الذين يأتونهم، فيخبرونهم بالغيب، ويعاونونهم بتصرّفات خارقة؛ كما كانت الملائكة تُعين النبيّ ﷺ في مغازيه مثل يوم بدر أمدّه الله بألف من الملائكة٣،
ويوم حنين٤ قال: ﴿وَيَومَ
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآية ٩. ٢ الكهّان، والسحرة. ٣ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة النساء، الآية ١٢٣] . وفي صحيح مسلم: من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا. فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنّه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال ٩]، فأمده الله بالملائكة". صحيح مسلم ٣١٣٨٣-١٣٨٤، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم. ٤ قال شيخ الإسلام ﵀ عن هاتين الغزاتين: "إنهما غزاتان بينهما نحو ست سنين؛ كانت بدر في السنة الثانية من الهجرة، وكانت حنين في السنة الثامنة بعد فتح مكة. وإن بدرًا مكان بين مكة والمدينة شامي مكة، ويماني المدينة. وحنين: واد قريب من الطائف شرقي مكة. وإنما قرن بينهما في الاسم؛ لأنّ الله أنزل فيهما الملائكة، وأيّد بهما نبيه والمؤمنين، حتى غلبوا عدوهم، مع قوة العدو في بدر، ومع هزيمة أكثر المسلمين أولًا بحنين. وامتن الله بذلك في كتابه".. ثم ذكر الآيات في ذلك؛ التي في النساء، الآية ١٢٣، والتي في التوبة ٢٥-٢٦.. الجواب الصحيح ٦٣٣٥-٣٣٦.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًَا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًَا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ [لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا] ٢ فَانْزَلَ اللهُ سَكينَته عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ ٤.
وقد بيَّن سبحانه أنّ الذي جاء بالقرآن مَلَكٌ كَرِيمٌ، ليس بشيطان، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِين مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنون وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ [بِضَنِين] ٥ وَمَا
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآيات ٢٥-٢٧. ٢ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «خ» . ٣ سورة التوبة، الآية ٤٠. ٤ سورة الأنفال، الآية ١٢. ٥ في «م»، و«ط»: بظنين - بالظاء - والمصاحف العثمانية مجمعة على رسمه بالضاد. ولم ترسم بالظاء إلا في مصحف عبد الله بن مسعود ﵁. انظر: سراج القارئ المبتدي ص ٣٨١.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
هُو بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيم فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ١.
ولمّا كانت الأنبياء مؤيدة بالملائكة، والسحرة والكهان تقترن بهم الشياطين، كان من الفروق التي بينهم: الفروق التي بين الملائكة والشياطين.
النبوة عند المتفلسفة
والمتفلسفة الذين لم يعرفوا الملائكة والجن؛ كابن سينا وأمثاله، ظنّوا أنّ هذه الخوارق من قوى النفس، قالوا: والفرق بين النبيّ والساحر: أنّ النبيّ يأمر بالخير، والساحر يأمر بالشر٢. وجعلوا ما يحصل [للممرور] ٣ من هذا الجنس؛ إذ لم يعرفوا صرع الجنّ للإنسان، وأنّ الجني يتكلم على لسان الإنسان، كما قد عرف ذلك الخاصة [والعامة] ٤، وعرفه علماء الأمة وأئمتها؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع٥.
_________________
(١) ١ سورة التكوير، الآيات ١٩-٢٦. ٢ انظر: كتاب الصفدية ١١٤٣. وشرح الأصفهانية ٢٥٠٤. والرد على المنطقيين ص ٣٢٢. وقد سبق أن تكلم شيخ الإسلام ﵀ في هذا الكتاب عن موقف الفلاسفة من النبوة. انظر ص ٦٠٩-٦١٢، ٧٣٠-٧٣٥، ٨٣٤-٨٤٤، ٨٥٦. ٣ في «ط»: للمرورن. وقد تقدم التعريف به ص ٨٣٦. ٤ في «ط»: (والعام ة) . ٥ بل إنّ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يُقرّر هذه القضية، ويردّ على من يُنكر دخول الجنّ في الإنسان في مواضع عديدة من كتبه، فمن ذلك قوله: "وجود الجنّ ثابت، بكتاب الله وسنة رسوله، واتفاق سلف الأمة وأئمتها. وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابتٌ باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ . وفي الصحيح عن النبيّ ﷺ: "إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي إنّ أقوامًا يقولون: إنّ الجني لا يدخل في بدن المصروع. فقال: يا بنيّ يكذبون، هذا يتكلّم على لسانه. وهذا الذي قاله أمرٌ مشهور؛ فإنّه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربًا عظيمًا، لو ضُرب به جمل لأثّر به أثرًا عظيمًا. والمصروع مع هذا لا يحسّ بالضرب، ولا بالكلام الذي يقوله. وقد يجر المصروع، وغير المصروع، ويجر البساط الذي يجلس عليه ويُحول الآلات، وينقل من مكان إلى مكان، ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علمًا ضروريًا بأن الناطق على لسان الإنسي والمحرّك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان. وليس في أئمة المسلمين من يُنكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادّعى أنّ الشرع يكذب ذلك، فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما يُنافي ذلك". مجموع الفتاوى ٢٤٢٧٦-٢٧٧. ويقول ﵀ عن صرع الجنّ للإنس: (وهذا أمر قد باشرناه نحن وغيرنا غير مرة، ولنا في ذلك من العلوم الحسيات رؤية وسماعًا ما لا يمكن معه الشك) . كتاب الصفدية ١١٨١. أمّا من يُنكر ذلك، فقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنّهم طائفة من المعتزلة، فقال ﵀: " ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي، وأبي بكر الرازي، وغيرهما دخول الجنّ في بدن المصروع، ولم ينكروا وجود الجنّ؛ إذ لم يكن ظهور هذا في المنقول عن الرسول كظهور هذا، وإن كانوا مخطئين في ذلك. ولهذا ذكر الأشعري في مقالات أهل السنة والجماعة أنهم يقولون إن الجني يدخل في بدن المصروع؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ " مجموع الفتاوى ١٩١٢. وممن أنكر صرع الجنّ للإنس: ابن حزم. انظر كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل ٥٩. والأصول والفروع له ص ١٣٥-١٣٧) . وانظر عن أسباب صرع الجن في مجموع الفتاوى ١٣٨٢. ولشيخ الإسلام ﵀ رسالة اسمها: (إيضاح الدلالة في عموم الرسالة) يتكلّم فيها عن الجنّ وإبطال أحوالهم، وكيفية دفعهم. ويتحدث فيها الشيخ ﵀ عن تجاربه في إخراج الجن من بدن الإنسان مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين. انظر: مجموع الفتاوى ١٩٩-٥٦. وانظر ١١٢٩٣، و٢٤٢٧٦-٢٨٢ وكتاب الصفدية ١٦-٧. ويُحدّثنا الإمام ابن القيم عن مشاهداته لشيخه - رحمهما الله، فيقول: "شاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يُخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ اخرجي، فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع ولا يحس بألم. وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا. وكان كثيرًا ما يقرأ في أذن المصروع: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون، الآية ١١٥] . وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح: نعم. ومدّ بها صوته. قال: فأخذت له عصا، وضربته بها في عروق عنقه، حتى كلّت يداي من الضرب، ولم يشك الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب، ففي أثناء الضرب قالت: أنا أحبه، فقلت لها: هو لا يُحبّك. قالت: أنا أُريد أن أحُجّ به، فقلت لها: هو لا يُريد أن يحجّ معك. فقالت: أنا أدعه كرامة لك. قال: قلت: لا، ولكن طاعة لله ولرسوله. قالت: فأنا أخرج منه. قال: فقعد المصروع يلتفت يمينًا وشمالًا، وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضرب كله؟ فقال: وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أُذنب. ولم يشعر بأنه وقع به ضرب البتة. وكان يُعالج بآية الكرسيّ، وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها، وبقراءة المعوذتين. وبالجملة: فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا يُنكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة ". زاد المعاد ٤٦٨-٦٩. ولسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله رسالة مطبوعة، اسمها: (إيضاح الحق في دخول الجني في الإنسي، والرد على من أنكر ذلك) .
[ ٢ / ٨٣٧ ]
أصول الجهمية
والجهمية المجبرة الذين قالوا: إنّ الله قد يفعل كل ممكن مقدور١،
_________________
(١) ١ سبقت إشارة الشيخ ﵀ إلى ذلك مرارًا عديدة انظر ما سبق ص ١٥٣، ٢٦٨، ٣٣٥، ٥٦٦، ٩٥٦، ١٠٦٥، وما سيأتي ص ١١٢٥-١١٦٤. وانظر: المواقف للإيجي ص ٣٢٣-٣٢٤، ٣٢٨، ٣٣٠-٣٣٢.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
لا يُنزّهونه عن فعل شيء، ويقولون: إنه يفعل بلا سبب، ولا حكمة، وهو الخالق لجميع الحوادث؛ لم يُفرّقوا بين ما تأتي به الملائكة، ولا ما تأتي به [الشياطين، بل] ١ الجميع يُضيفونه إلى الله على حدٍّ واحد، ليس في ذلك حسن ولا قبيح عندهم٢، حتى يأتي الرسول. فقبل ثبوت الرسالة لا يميزون بين شيء من الخير والشر، والحسن والقبيح.
فلهذا لم يُفرّقوا بين آيات الأنبياء، وخوارق السحرة والكهان، بل قالوا: ما [تأتي] ٣ به السحرة والكهان يجوز أن يكون من آيات الأنبياء، وما يأتي به الأنبياء يجوز أن يظهر على أيدي السحرة والكهان٤.
لكن إن دلّ على انتفاء ذلك نصّ أو إجماع، نفوه، مع أنّه جائز عندهم أن يفعله الله، لكن بالخبر علموا أنه لم يفعله.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ قال الجويني: "ما من أمر يخرق العوائد إلا وهو مقدور للرب تعالى ابتداء، ولا يمنع وقوع شيء لتقبيح عقل فإنّ المعجزة لا تدلّ لعينها، وإنما تدلّ لتعلقها بدعوى النبي الرسالة". الإرشاد ص ٣١٩. وقال أيضًا: "ولا يمتنع عقلًا أن يفعل الرب تعالى عند ارتياد الساحر ما يستأثر بالاقتدار عليه، فإن كل ما هو مقدور للعبد، فهو واقع بقدرة الله تعالى عندنا". الإرشاد ص ٣٢٢. ٣ في «م»، و«ط»: (يأتي) . ٤ قال الباقلاني: "إنّ المعجز ليس بمعجز لجنسه ونفسه، ولا لحدوثها، وإنما يصير معجزًا للوجوه ومنها التحدي والاحتجاج". البيان للباقلاني ص ٤٨. وانظر المصدر نفسه ص ٩١، ٩٤-٩٦. وقال الجويني: "وجنس المعجز يقع من غير دعوى، وإنما الممتنع وقوعه على حسب دعوى الكاذب، فاعلموا ذلك". الإرشاد للجويني ص ٣٢٨. وانظر المصدر نفسه ٣٢٤، ٣٢٦.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
فهؤلاء١ لما رأوا ما جاءت به الأنبياء، وعلموا أنّ آياتهم تدلّ على صدقهم، وعلموا ذلك؛ إمّا بضرورة، وإمّا بنظر، واحتاجوا إلى بيان دلائل النبوة على أصلهم، كان غاية ما [قالوه] ٢: إنّه كلّ شيء يُمكن أن يكون آية للنبي، بشرط أن يقترن بدعواه، وبشرط أن يتحدى بالإتيان بالمثل فلا يعارض٣.
معنى التحدي
ومعنى التحدي بالمثل: أن يقول لمن دعاهم: ائتوا بمثله٤.
وزعموا أنّه إذا كان هناك سحرة وكهان، وكانت معجزته من جنس ما يظهر على أيديهم من السحر والكهانة، فإن الله لا بُد أن يمنعهم عن مثل ما كانوا يفعلونه، وأنّ من ادّعى منهم النبوة، فإنّه يمنعه من تلك الخوارق، أو يُقيض له من يعارضه بمثلها٥.
فهذا غاية تحقيقهم، وفيه من الفساد ما يطول وصفه.
طاعة الجن لسليمان طاعة ملكية
وطاعة الجنّ والشياطين لسليمان صلوات الله عليه، لم [تكن] ٦ من جنس معاونتهم للسحرة، والكهّان، والكفار، وأهل الضلال والغي، ولم تكن الآية، والمعجزة، والكرامة التي أكرمه الله بها، هي ما كانوا يعتادونه مع الإنس؛ فإن ذلك إنّما كان يكون في أمور معتادة؛ مثل إخبارهم أحيانًا ببعض [الغائبات] ٧؛ ومثل إمراضهم، وقتلهم لبعض الإنس؛ كما أنّ
_________________
(١) ١ أي الأشعرية المجبرة. ٢ في «م»، و«ط»: (قالوا) . ٣ انظر: البيان للباقلاني ٩٦، ٩٨-١٠١. والإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٨. ٤ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٣. ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥. والإرشاد للجويني ص ٣١٢، ٣٢٧. ٦ في «خ»: (يكن) . وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ في «ط»: (احغائبات) .
[ ٢ / ٨٤١ ]
[الإنسيّ] ١ قد يمرض ويقتل غيره. ثم هم إنّما يعاونون الإنس على الإثم والعدوان، [إذا كانت الإنس٢ من أهل الإثم والعدوان] ٣، يفعلون ما [يهواه] ٤ الشياطين، فتفعل الشياطين بعض ما يهوونه، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ [نَحْشُرُهُمْ] ٥ جَمِيعًَا يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَد اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَال أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ ٦
وأما التسخير الذي سخّروه لسليمان، فلم يكن لغيره من الأنبياء، فضلًا عن من ليس بنبيّ، وقد سأل ربّه مُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، فقال: ﴿رَبِّ اغْفِر لي وَهَبْ لي مُلْكًَا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّاب﴾ ٧.
قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءَ حَيثُ أَصَاب وَالشَّيَاطِين كُلّ بَنَّاء وَغَوَّاص وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأَصْفَاد هَذَا عَطَاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِك بِغَيرِ حِسَاب﴾ ٨.
وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَان الرِّيح عَاصِفَة تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الأَرْض التي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِين وَمِنَ الشَّيَاطِين مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دونَ ذلك وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِين﴾ ٩.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: (الإنس) . ٢ في «م»: (الإنسي) . ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ في «م»، و«ط»: (تهواه) . ٥ كذا في «خ»، و«م»، و«ط»: نحشرهم - بالنون، وهي قراءة الجميع، عدا حفص. انظر سراج القارئ المبتدي ص ٢١٦) . ٦ سورة الأنعام، الآية ١٢٨. ٧ سورة ص، الآية ٣٥. ٨ سورة ص، الآيات ٣٦-٣٩. ٩ سورة الأنبياء، الآيتان ٨١-٨٢.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيح غُدُوها شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَين القِطْر وَمِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْن يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزغ مِنْهُم عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِير يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالجَوَاب وَقُدُورٍ رَاسِيَات اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًَا وقَلِيل مِن عِبَادِيَ الشَّكُور فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ المَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّة الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أَنْ لَو كَانُوا يَعْلَمُون الغَيْبَ مَا لَبِثُوا في العَذَابِ المُهِين﴾ ١.
وكذلك ما ذكره من قول العفريت له: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ ٢.
فهذه الطاعة من التسخير: بغير اختيارهم في مثل هذه الأعمال الظاهرة العظيمة، ليس مما فعلته بأحد من الإنس، وكان ذلك بغير أن يفعل شيئًا، مما يهوونه؛ من العزائم، والأقسام، والطلاسم الشركية٣؛ كما يزعم الكفار أنّ سليمان سخّرهم بهذا، فنزّهه الله من ذلك٤، بقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا
_________________
(١) ١ سورة سبأ، الآيات ١٢-١٤. ٢ سورة النمل، الآية ٣٩. ٣ تقدّم التعريف بها، انظر ص ٢٧٠ من هذا الكتاب. ٤ روى الطبري ﵀ بسنده إلى ابن إسحاق قال: "عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود ﵉، فكتبوا أصناف السحر، ثم دفنوه تحت كرسيه، فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: ما كان سليمان بن داود إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس، وتعلّموه، وعلّموه، فليس في أحد أكثر منه في اليهود. فلما ذكر رسول الله ﷺ فيما نزل عليه من الله سليمانَ بن داود، وعدّه فيمن عدّه من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود: ألا تعجبون لمحمد - ﷺ - يزعم أن سليمان بن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا. فأنزل الله في ذلك من قولهم على محمد ﷺ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾ الآية. تفسير الطبري ١٤٤٦. وانظر: أسباب النزول للواحدي ص ٢١-٢٢. وتفسير ابن كثير ١١٣٢-١٣٦. وقد فصّل شيخ الإسلام ﵀ القول في هذه المسألة في موضع آخر، بعد أن ذكر الطلاسم الشركية، والعزائم، والأقسام التي يستخدمها الجنّ، فقال: "والذين يستخدمون الجن بهذه الأمور يزعم كثير منهم أن سليمان كان يستخدم الجنّ بها، فإنّه قد ذكر غير واحد من علماء السلف أن سليمان لما مات كتبت الشياطين كتبَ سحر وكفر وجعلتها تحت كرسيه، وقالوا: كان سليمان يستخدم الجنّ بهذه، فطعن طائفة من أهل الكتاب في سليمان بهذا، وآخرون قالوا: لولا أن هذا حق جائز لما فعله سليمان. فضلّ الفريقان؛ هؤلاء بقدحهم في سليمان، وهؤلاء باتباعهم السحر، فأنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ..﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ . بيَّن سبحانه أن هذا لا يضرّ ولا ينفع، إذ كان النفع هو الخير الخالص أو الراجح، والضرر هو الشر الخالص أو الراجح، وشر هذا إما خالص، وإما راجح) . مجموع الفتاوى ١٩٤٢.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ١.
طاعة الجن لنبينا طاعة نبوية
وأما طاعة الجنّ لنبيِّنا وغيره من الرسل؛ [كموسى] ٢: فهذا نوعٌ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٠٢. ٢ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» . وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى إذ يقرن هنا بين موسى ﵇، ونبيّنا ﷺ بطاعة الجنّ لهم، لكأنه يُشير إلى قوله تعالى حكاية عن الجنّ: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة الأحقاف، الآية ٣٠] . وإلى قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [سورة الجن، الآيتان ١-٢، وإلى لآخر السورة] . أما عن سبب عدم ذكر المسيح ﵇، مع أنه من أنبياء بني إسرائيل، فقد ذكر ذلك الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾: "ولم يذكروا عيسى لأنّ عيسى ﵇ أُنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحريم والتحليل، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة. فالعمدة هو التوراة. فلهذا قالوا: أُنزل من بعد موسى". تفسير ابن كثير ٤١٧٠.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
آخر؛ فإنّ هذا طاعتهم فيما أمرهم الله به من عبادته وطاعته؛ كطاعة الإنس لنبيِّنا، حيث أرسل إلى الطائفتين، فدعاهم إلى عبادة الله وحده وطاعته، ونهاهم عن معصيته التي بها يستحقون العذاب في الآخرة، وكذلك الرسل دعوهم إلى ذلك، وسليمان منهم، لكن هذا إنما ينتفع به منهم من آمن طوعًا، ومن لم يؤمن، فإنّه يكون بحسب شريعة ذلك الرسول: هَلْ يُترك حتى يكون الله هو الذي ينتقم منه، أَوْ يُجَاهَد؟.
وسليمان كان على شريعة التوراة١، واستخدامه لمن لم يؤمن منهم، هو مثل استخدام الأسير الكافر.
حال نبينا مع الجن والإنس أكمل من حال سليمان وغيره
فحال نبيِّنا مع الجنّ والإنس: أكمل من حال سليمان وغيره؛ فإنّ طاعتهم لسليمان كانت طاعة ملكية فيما يشاء، وأما طاعتهم لمحمّد فطاعة نبوة ورسالة فيما يأمرهم به؛ من عبادة الله، وطاعة الله، واجتناب معصية الله؛ فإنّ سليمان ﷺ كان نبيًا مَلِكًا، ومحمد كان عبدًا رسولًا، مثل إبراهيم٢
_________________
(١) ١ تقدّمت إشارة شيخ الإسلام ﵀ إلى ذلك في ص ٩١٩ من هذا الكتاب. ٢ سبق بيان ذلك فيما مضى، انظر ص ١٣٢، ٦٣٦ من هذا الكتاب. وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذه الحقيقة في موضع آخر من كتبه، فقال: "فإنّ نبينا ﷺ كان يتصرّف في الجنّ كتصرفه في الإنس تصرّف عبد رسول يأمرهم بعبادة الله وطاعته، لا يتصرف لأمر يرجع إليه، وهو التصرف الملكي؛ فإنه كان عبدًا رسولًا، وسليمان نبي ملك، والعبد الرسول أفضل من النبيّ الملك؛ كما أنّ السابقين المقربين أفضل من عموم الأبرار أصحاب اليمين". مجموع الفتاوى ١٩٥١. وانظر المصدر نفسه ١٣٨٩. وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني: "فإن قيل: فإن سليمان كانت تأتيه الجنّ، وإنها كانت تعتاص عليه حتى يصفدها ويقيدها. قيل: فإن: محمدًا ﷺ كانت تأتيه الجن راغبة إليه، طائعة له، معظمة لشأنه، ومصدقة له، مؤمنة به، متبعة لأمره، متضرعة له، مستمدين منه، ومستمنحين له زادهم ومأكلهم. فجعل كل روثة يصيبونها تعود علفًا لدوابهم، وكل عظم يعود طعامًا لهم، وصرفت لنبوته أشراف الجن وعظماؤهم التسعة الذين وصفهم الله تعالى، فقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف ٢٩]، وقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ إلى قوله: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن ١-٧] . وأقبلت إليه ﷺ الألوف منهم مبايعين له على الصوم والصلاة والنصح للمسلمين، واعتذروا بأنهم قالوا على الله شططًا. فسبحان من سخّرها لنبوته ﷺ بعد أن كانت شرارًا تزعم أن لله ولدًا، فلقد شمل مبعثه من الجن والإنس ما لا يحصى. هذا أفضل مما أُعطي سليمان ﵇". دلائل النبوة لأبي نعيم ٢٧٦٢.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
[﵈] ١.
وموسى وسليمان، مثل داود ويوسف ﵈، وغيرهما، مع أنّ داود وسليمان ويوسف [﵈] ٢ هم رسلٌ أيضًا دعوا إلى توحيد الله وعبادته٣؛ كما أخبر الله أنّ يوسف دعا أهل مصر٤، لكن بغير معاداة
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين من «ط» . ٢ ما بين المعقوفتين من «ط» . ٣ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسُ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًَا. وَرُسُلًا قَد قَصَصْنَاهُم عَلَيْكَ مِن قَبْل وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًَا﴾ . [سورة النساء ١٦٣-١٦٤]، وانظر ص ٦٨٦ من هذا الكتاب. ٤ قال تعالى يحكي قول مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ في شَكّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾، [سورة غافر، الآية ٣٤] . وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . [سورة يوسف، الآيات ٥٤-٥٦]
[ ٢ / ٨٤٦ ]
لمن لم يؤمن، ولا إظهار مناوأة بالذم والعيب والطعن لما هم عليه؛ كما كان نبيُّنا أول ما أُنزل عليه الوحي، وكانت قريش إذ ذاك تُقرّه، ولا يُنْكَرُ عليه١، إلى أن أظهر عيبَ آلهتهم ودينهم، وعيبَ ما [كان] ٢ عليه آباؤهم، وسَفَّهَ أحلامهم، فهنالك عادوه وآذوه، وكان ذلك جهادًا باللسان قبل أن يؤمر بجهاد اليد٣، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلا تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًَا كَبِيرًا﴾ ٤.
وكذلك موسى مع فرعون: أمره أن يؤمن بالله، وأن يُرسِل معه [بني] ٥ إسرائيل، وإن كره ذلك٦، وجاهد فرعون بإلزامه بذلك بالآيات التي كان الله يعاقبهم بها، إلى أن أهلكه الله وقومه على يديه.
_________________
(١) ١ قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "ودخل الناس في الدين واحدًا بعد واحد، وقريش لا تنكر ذلك، حتى بادأهم بعيب دينهم وسب آلهتهم، وأنها لا تضر ولا تنفع، فحينئذ شمّروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، فحمى الله رسوله بعمه أبي طالب ". زاد المعاد ٣٢١-٢٢. وانظر: تهذيب سيرة ابن هشام ص ٦٥. ٢ في «م»، و«ط»: كانت. ٣ قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ [سورة الحجر، ٩٤-٩٥] . ٤ سورة الفرقان، الآيتان ٥١-٥٢. ٥ في «ط»: (نبي) . ٦ قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [سورة الأعراف، الآيتان ١٠٤ - ١٠٥] .
[ ٢ / ٨٤٧ ]