قد تقدّم١ أنّ للناس في وجه دلالة المعجزات؛ وهي آيات الأنبياء، على نبوتهم طرقًا متعددة:
منهم من قال: دلالتها على التصديق تعلم بالضرورة٢.
ومنهم من قال: تعلم بالنظر والاستدلال٣.
وكلا القولين صحيح؛ فإنّ كثيرًا من العلوم في هذا الباب؛ كدلالة الأخبار المتواترة، فإنّه قد يحصل بالخبر علم ضروري، وقد يحصل العلم بالاستدلال.
وطائفة منهم الكعبي٤، وأبو الحسين البصري٥، وأبو الخطاب٦: أنَّه نظريّ.
_________________
(١) ١ انظر: ما تقدّم ص ٥٨٠-٥٨٣، ٨٢١-٨٢٢ من هذا الكتاب. ٢ انظر: ص ٥٨٠-٥٨٣ من هذا الكتاب. ٣ انظر: الجواب الصحيح ٦٣٩٧-٤٠٠، ٥٠٥. ٤ هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي، من بني كعب، البلخي الخراساني، أحد أئمة المعتزلة. كان رأس طائفة منهم تسمى الكعبية - إليه تنتسب، له آراء ومقالات في الكلام انفرد بها، وله مؤلفات؛ منها التفسير، وتأييد مقالة أبي الهذيل. ولد في سنة ٢٧٣، وتوفي سنة ٣١٩؟. انظر: الفرق بين الفرق ص ١٨١-١٨٢. والملل والنحل ١٧٦-٧٨. وسير أعلام النبلاء. والأعلام ٤٦٥-٦٦. ٥ سبقت ترجمته. ٦ سبقت ترجمته.
[ ٢ / ٨٨٤ ]
والتحقيق: أن كلا القولين حق؛ فإنّه يحصل بها علم ضروري، والأدلة النظرية توافق ذلك.
وكذلك كثيرٌ من الأدلة - والعلامات، والآيات:
من الناس من يعرف استلزامها للوازمها بالضرورة، ويكون اللزوم عنده بيِّنًا، لا يحتاج فيه إلى وسط ودليل.
ومنهم من يفتقر إلى دليل، ووسط يبيِّن له أنّ هذا الدليل مستلزمٌ لهذا الحكم، وهذا الحكم لازم له.
ومن تأمل معارف الناس وجد أكثرها من هذا الضرب؛ فقد يجيء المخبر إليهم بخبر، فيعرف كثير منهم صدقه أو كذبه بالضرورة، لأمور تقترن بخبره. وآخرون يشكّون في هذا. ثمّ قد [يتبين] ١ لبعضهم بأدلة، وقد لا يتبيَّن.
كثير من الناس يعلم صدق النبي بلا آية
وكثيرٌ من الناس يعلم صدق المخبر بلا آية البتة٢، بل إذا أخبره، وهو
_________________
(١) ١ في «خ»: تبين. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ مثل خديجة ﵂، وأبي بكر ﵁. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قلت: وإيمان خديجة وأبي بكر وغيرهما من السابقين الأولين، كان قبل انشقاق القمر، وقبل إخباره بالغيوب، وقبل تحدّيه بالقرآن، لكن كان بعد سماعهم القرآن الذي هو نفسه آية مستلزمة لصدقه. ونفس كلامه وإخباره بأني رسول الله، مع ما يعرف من أحواله، مستلزم لصدقه، إلى غير ذلك من آيات الصدق وبراهينه. بل خديجة قالت له: كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق. فكانت عارفة بأحواله التي تستلزم نفي كذبه وفجوره وتلاعب الشيطان به. وأبو بكر كان من أعقل الناس وأخيرهم، وكان معظمًا في قريش لعلمه وإحسانه وعقله، فلما تبين له حاله، علم علمًا ضروريًا أنه نبي صادق، وكان أكمل أهل الأرض يقينًا علمًا وحالًا.." الجواب الصحيح ٦٥١١-٥١٢. وانظر: شرح الأصفهانية ٢٤٧٩-٤٨٦. وكتاب الصفدية ١٢٢٥. والحديث سبق تخريجه ص ٢٣٤.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
خبير بحاله، أو بحال ذلك [المخبَر به] ١، أو بهما، علم بالضرورة: إمّا صدقه، وإمّا كذبه.
وموسى بن عمران لما جاء إلى مصر فقال لهارون وغيره: إنّ الله أرسلني، علموا صدقه، قبل أن يُظهر لهم الآيات. ولما قال لهارون: إن الله قد أمرك أن تؤازرني، صدَّقه هارون في هذا، لما يعلم من حاله قديمًا، ولما رأى من تغير حاله الدليل على صدقه.
المسلك النوعي
وكذلك النبيّ ﷺ لمَّا ذكر حاله لخديجة، وغيرها، وذهبت به إلى ورقة بن نوفل، وكان عالمًا بالكتاب الأول، فذكر له النبيّ ﷺ ما يأتيه، علم أنّه صادق، وقال: هذا هو النَّاموس٢ الذي كان يأتي موسى، يا ليتني فيها جذعًا، يا ليتني أكون حيًّا حين يُخرجك قومك. قال رسول الله ﷺ: " أو مخرجيّ هم؟ ". قال: نعم، لم يأت أحدٌ بمثل ما جئت به إلاَّ عودي، وإن يُدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزّرًا٣.
وكذلك النجاشي: لمّا سمع القرآن، قال: إنّ هذا، والذي جاء به موسى، ليخرج من مشكاة واحدة٤.
المسلك الشخصي
وكذلك أبو بكر، وزيد بن حارثة، وغيرهما: علموا صدقه علمًا ضروريًا
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . وهو في «م»، و«ط» . ٢ سبق معنى الناموس في ص ٢٣٣ من هذا الكتاب. ٣ الحديث رواه البخاري. وقد سبق تخريجه ص ٢٣٣. ٤ الحديث أخرجه الإمام أحمد. وقد سبق تخريجه ص ٢٣٤.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
لمّا أخبرهم بما جاء به، وقرأ عليهم ما أُنزل عليه١. وبقي القرآن الذي قرأه آية، وما يعرفون من صدقه وأمانته، مع غير ذلك من القرائن، يوجب علمًا ضروريًّا بأنّه صادق.
وخبر الواحد المجهول من آحاد الناس، قد تقترن به قرائن، يُعرف بها صدقه بالضرورة٢.
_________________
(١) ١ يدلّ عليه حديث عمار ﵁، قال: "رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد، وامرأتان، وأبو بكر". أخرجه البخاري ٣١٣٣٨، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: "لو كنت متخذًا خليلًا". وقال رسول الله ﷺ: "إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي - مرتين – "، فما أوذي بعدها. أخرجه البخاري ٣١٣٣٩، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: "لو كنت متخذًا خليلًا ". ٢ قال الشيخ رحمه الله تعالى: "إن كثيرًا من الناس إذا رأوا الكاذب، وسمعوا كلامه، تبين لهم كذبه تارة بعلم ضروري، وتارة بعلم استدلالي، وتارة بظن قوي. وكذلك النبي الصادق إذا رأوه وسمعوا كلامه، فقد يتبين لهم صدقه بعلم ضروري، أو نظري. وقد يكون أولًا بظن قوي، ثم يقوى الظنّ حتى يصير يقينًا، كما في المعلوم بالأخبار المتواترة والتجارب؛ فإن خبر الأول يفيد نوعًا من الظنّ، ثم يقوى بخبر الثاني، والثالث، حتى يصير يقينًا". الجواب الصحيح ٦٥٠٥. وانظر المصدر نفسه ٦٤٧١-٤٧٣. وقال أيضًا: "إن المحققين من كل طائفة على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم الضروري بخبر المخبر، بل القرائن وحدها قد تفيد العلم الضروري، كما يعرف الرجل رضا الرجل وغضبه، وحبه وبغضه، وفرحه وحزنه، وغير ذلك مما في نفسه بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكنه التعبير عنها ولا يقول عاقل من العقلاء أن مجرد خبر الواحد، أو خبر كل واحد يفيد العلم، بل ولا خبر كل خمسة، أو عشرة، بل قد يُخبر ألف، أو أكثر من ألف ويكونون كاذبين إذا كانوا متواطئين. وإذا كان صدق المخبر أو كذبه يعلم بما يقترن به من القرائن، بل في لحن قوله وصفحات وجهه، ويحصل بذلك علم ضروري لا يمكن المرء أن يدفعه عن نفسه، فكيف بدعوى المدّعي أنه رسول الله..". شرح الأصفهانية ٢٤٧٨. وقال ﵀ أيضًا: "جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أنّ خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له، أو عملًا به، أنه يوجب العلم. وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه والمقصود هنا: أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق في العادة يوجب العلم بمضمون المنقول، لكن هذا ينتفع به كثيرًا في علم أحوال الناقلين، وفي مثل هذا يُنتفع برواية المجهول، وسيئ الحفظ، وبالحديث المرسل، ونحو ذلك، ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره..". مجموع الفتاوى ٣٣٥٢، وانظر: المصدر نفسه ٢٠٤٦.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
فكيف بمن عرف صدقه وأمانته، وأخبر بمثل هذا الأمر، الذي لا يقوله إلاَّ من هو من أصدق الناس، أو من أكذبهم، وهم يعلمون أنه من الصنف الأول دون الثاني؟.
فإذا كان العلم بصدقه بلا آية، قد يكون علمًا ضروريًا. فكيف بالعلم بكون الآية علامة على صدقه.
وجميع الأدلة لا بُدّ أن تُعرف دلالتها بالضرورة؛ فإنّ الأدلة النظرية لا بُدّ أن [تنتهي] ١ إلى مقدمات [ضرورية] ٢. وأكثر الخلق إذا علموا ما جاء به موسى، والمسيح، ومحمد، علموا صدقهم بالضرورة.
ولهذا لا يوجد أحدٌ قدح في نبوتهم، إلاَّ أحد رجلين؛ إمّا رجل جاهل، لم يعرف أحوالهم؛ وإما رجل معاند، متبع لهواه.
_________________
(١) ١ في «خ»: ينتهي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» .
[ ٢ / ٨٨٨ ]
وعامّة من كذّبهم في حياتهم، كان معاندًا؛ فالرؤساء كذّبوهم لئلا تزول رئاستهم، أو مأكلتهم. والأتباع طاعة لكبرائهم؛ كما أخبر الله بمثل ذلك في غير موضع من القرآن١، لم يكن التكذيب لقيام حجة تدلّ على الكذب؛ فإنه يمتنع قيام دليلٍ يدلّ على الكذب؛ فالمكذّب مفتر، متكلّم بلا علم، ولا دليلٍ قطعًا.
وكذلك كلّ من كذّب بشيءٍ من الحقّ، أو صدّق بشيءٍ من الباطل، يمتنع أن يكون عليه دليلٌ صحيح؛ فإن الدليل الصحيح يستلزم مدلوله. فإذا كان المدلول منتفيًا، امتنع أن يكون عليه دليل صحيح.
[و] ٢ كثيرٌ من الناس قد يكون شاكًّا، لعدم طلبه العلم، وإعراضه عنه؛ فالمكذّب متكلّم بلا علمٍ قطعًا، والشاكّ معرضٌ عن طلب العلم، مقصّر، مفرّط. ولو طلب [العلم] ٣ تبين له الحقّ إذا كان متمكنًا من معرفة أدلة الحق. وأمّا من لم يصل إليه الدليل، ولا يتمكن من الوصول إليه، فهذا عاجز.
طريق الحكمة في معرفة صدق لأنبياء
وأمّا الذين سلكوا طريق الحكمة٤، فلهم أيضًا مسالك؛ مثل أن يقال: إنّ الله ﷾ إذا بعث رسولًا أمر الناس بتصديقه وطاعته، فلا بُدّ أن ينصب لهم دليلًا يدلّهم على صدقه؛ فإنّ إرسال رسولٍ بدون علامة وآية تعرف المرسل إليهم أنَّه رسولٌ: قُبْحٌ، وسَفَهٌ في صرائح العقول، وهو نقصٌ في جميع الفطر.
_________________
(١) ١ قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ . [سورة الأحزاب، الآية ٦٧] . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ وهم أهل السنة والجماعة. انظر ما سبق ص ٥٠١-٥٠٤، ٧٦٠-٧٦١ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
وهو سبحانه منزّهٌ عن النقائص والعيوب، ولهذا يُنكر على المشركين أنهم يصفونه بما هو عندهم عيبٌ ونقصٌ، لا يرضونه لأنفسهم؛ مثل كون مملوك أحدهم شريكه يساويه؛ فإنّ هذا من النقائص والعيوب التي يُنزّهون أنفسهم عنها، ويعيبون ذلك على من فعله من الناس.
فإذا كان هذا عيبًا ونقصًا، لا يرضاه الخلق لأنفسهم؛ لمنافاته الحكمة، والعدل؛ فإنّ الحكمة والعدل تقتضي وضع كلّ شيء موضعه الذي يليق به، ويصلح به، فلا تكون العين كالرجل، ولا الإمام الذي يُؤتمّ به في الدين والدنيا في آخر المراتب، والسفلة من أتباعه في أعلى المراتب.
فكذلك المالك لا يكون مملوكًا مساويًا له، فإنّ ذلك يُناقض كون أحدهما مالكًا، والآخر مملوكًا، ولهذا جاءت الشريعة بأن المرأة لا تتزوّج عبدها١ لتناقض الأحكام؛ فإنّ الزوج سيّد [المرأة] ٢، وحاكمٌ عليها، والمالك سيّد [المملوك] ٣ وحاكمٌ عليه، فإذا جُعل مملوكُها زوجَها الذي هو سيِّدها، تناقضت الأحكام.
فهذا وأمثاله ممَّا يُبَيِّن أنّ هذه القضية مستقرّة في [فطر] ٤ العقلاء.
ولهذا قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٥؛
_________________
(١) ١ قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نكاح المرأة عبدها باطل. انظر المغني لابن قدامة ٩٥٧٤. ٢ في «ط»: المرة. ٣ في «ط»: الملوك. ٤ في «ط»: نظر. ٥ سورة الروم، الآية ٢٨.
[ ٢ / ٨٩٠ ]
أي كما يخاف بعضكم بعضًا، ﴿كَذَلِكَ١ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ٢.
وكذلك كلّ أحدٍ يعلم بفطرته أنّ الذكر أفضل من الأنثى٣.
وكانت العرب أشدّ كراهية للبنات من غيرهم، حتى كان منهم من يئد البنات، ويدفن البنت وهي حيّة٤، حتى قال تعالى: ﴿وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًَّا وَهُوَ كَظِيم يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّه في الترابِ﴾ ٦. وكانوا لا يُورِّثون الإناث.
_________________
(١) ١ في «ط»: وقوله: وكذلك. وهو مخالف لما في «خ»، و«م»، ومخالف لسياق الكلام أيضًا. ٢ سورة الروم، الآيتان ٢٨-٢٩. ٣ ومن الآيات الدالة على تفضيل الرجال على النساء: قوله تعالى يحكي عن امرأة عمران: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [سورة آل عمران، الآية ٣٦] . وقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..﴾ [سورة النساء، الآية ٣٤] . ٤ قال ابن الجوزي ﵀: "قال اللغويون: الموءودة: البنت تدفن وهي حية، وكان هذا من فعل الجاهلية. يقال: وأد ولده، أي دفنه حيًا. قال الفرزدق: ومنّا الذي منع الوائدا ت فأحيا الوئيد ولم يُوأد زاد المسير لابن الجوزي ٩٤٠. وانظر بعض القصص عمن دفن بناته وهن أحياء. انظر: تفسير ابن كثير ٤٤٧٧-٤٧٨. ٥ سورة التكوير، الآيتان ٨، ٩. ٦ سورة النحل، الآيتان ٥٨-٥٩.
[ ٢ / ٨٩١ ]
وقد قالت أم مريم: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ ١.
وكان من الكفّار من جعل له الأناث أولادًا وشركاءَ، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالعُزَّى وَمَنَاةَ الثَالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذًَا قِسْمَةٌ [ضِيزَى] ٢إِنْ هي إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [لَيُسَمُّونَ] ٤ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى وَمَا لَهُمْ [بِهِ] ٥ مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَنَّ وَإِنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًَا﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ للهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًَّا وَهُوَ كَظِيم يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّه في الترابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٧؛ يعني ساء الحكم حكمهم؛ أي بئس الحكم حكمهم٨، كما يقال: بئس ما فعل، وبئس ما حكم، حيث حكموا بأنّ لله البنات، ولهم ما يشتهون.
فهذا حكمٌ جائرٌ، [كما أنّ تلك القسمة جائرة عوجاء. فهذا حكمهم بينهم وبين ربهم، وهذا] ٩ قسمهم؛ يجعلون لأنفسهم أفضل النوعين، ولربهم أدنى النوعين، وهو١٠ مثل السوء، ولله المثل الأعلى.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ٣٦. ٢ رسمت في «خ»: طيزى. ٣ سورة النجم، الآيات ١٩-٢٣. ٤ في «خ»: لا يسمون. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٦ سورة النجم، الآيتان ٢٧-٢٨. ٧ سورة النحل، الآيات ٥٧-٥٩. ٨ انظر: تفسير الطبري ١٤١٢٤. ٩ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ١٠ في «خ»: وهو سبحانه. وأرى أنّها زائدة.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
فالواجب أن يكون أفضل الأنواع وأكملها لله، [وما فيها نقص] ١ وعيب، فالمخلوق أحقّ بها من الخالق؛ إذ كان كلّ كمال في المخلوق فهو من خالقه، فيمتنع أن يكون الأنقص خلق الأكمل٢.
والفلاسفة يقولون بعبارتهم: كلّ كمالٍ في المعلول، فهو من [العلة] ٣.
قياس الأولى
وأيضًا: فالموجود الواجب، أكمل من الممكن، والقديم أكمل من الحديث، والغني أكمل من الفقير؛ فيمتنع اتّصاف الأكمل بالنقائص، واتّصاف الأنقص بالكمالات.
إثبات صفة الأكرم والأكبر والأعلى
ولهذا يُوصف سبحانه بأنّه: الأكرم٤، والأكبر٥، والأعلى٦، وأنه
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو من «م»، و«ط» . ٢ انظر من كتب شيخ الإسلام: العقيدة التدمرية ص ٥٠، ١٣٨-١٣٩، ١٤٢-١٤٤، ١٥١. ودرء تعارض العقل والنقل ١٢٩-٣٠،، ٦١٨١،، ٧١٥٤، ٣٢٢-٣٢٧، ٣٦٢-٣٦٤. ومجموع الفتاوى ٣٢٩٧، ٣٠٢، ٣٢١،، ٥٢٠١، ٢٥٠، ٩١٩-٢٠، ١٢٣٤٤، ٣٤٧ - ٣٥٠، ٣٥٦، ١٦٣٥٧، ٣٥٨، ٣٦٠، ٤٤٦. ومنهاج السنة النبوية ١٣٧١، ٤١٧. وكتاب الصفدية ٢٢٥، ٢٧. وشرح العقيدة الأصفهانية ص ٤٩. ونقض تأسيس الجهمية - مخطوط - ق ٢٢٥، - مطبوع - ١٣٢١، ٣٢٨. والفتاوى المصرية ١١٢٩. والرد على المنطقيين ص ١١٥-١١٦، ١١٩، ١٢٠-١٢٣. وجامع الرسائل ١١٤١. ٣ في «خ» رسمت: المعلولعلة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ قال تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ . [سورة العلق، الآية ٣] . ٥ كما يُقال في الأذان، والصلاة: الله أكبر. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . [سورة الحج، الآية ٦٢] . ٦ قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ . [سورة الأعلى، الآية ١] .
[ ٢ / ٨٩٣ ]
أرحم الراحمين١، وخير الحاكمين٢، وخير الغافرين٣، وأحسن الخالقين٤، فلا يُوصف قطّ، إِلاّ بما يُوجب اختصاصه بالكمالات، والممادح، والمحاسن التي لا يساويه فيها غيره، فضلًا عن أن يكون لغيره النوع الفاضل، وله النوع المفضول.
ولهذا عاب الله المشركين؛ بأن ﴿جَعَلُوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًَا فَقَالُوا هَذَا للهِ [بِزَعْمِهِمْ] ٥ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَان لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ للهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٦، فبئس الحكم حكمهم في هذا؛ كما أنه بئس الحكم حكمهم في جعل الذكور لهم، والإناث له.
[وساء: بمعنى بئس؛ كقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ٧] ٨؛ أي بئس مثلًا مثلهم.
ولهذا قالوا في قوله: ﴿سَاء ما يحكمون﴾: بئسما يقضون٩.
وقال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إِنَاثًَا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ . [سورة الأعراف، الآية ١٥١] . ٢ قال تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ . [سورة الأعراف، الآية ٨٧] . ٣ قال تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ . [سورة الأعراف، الآية ١٥٥] . ٤ قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . [سورة المؤمنون، الآية ١٤] . ٥ في «ط»: برغمهم. ٦ سورة الأنعام، الآية ١٣٦. ٧ سورة الأعراف، الآية ١٧٧. ٨ ما بين المعقوفتين ساقط من «ط» . ٩ قال البغوي في تفسير هذه الآية: بئس ما يقضون لله البنات، ولأنفسهم البنين. تفسير البغوي ٣٧٣.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
قَوْلًا عَظِيمًَا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِين أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُه مُسْوَدًَّا وَهُوَ كَظِيم أَوَ مَنْ يُنَشَّأَ في الحِلْيَةِ وَهُوَ في الخِصَامِ غَير مُبِين وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًَا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ ٢.
قياس الأولى
فهذه الطريقة - وهو أنّ ما يستحقه المخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه، فالخالق أولى به، وما يُنزَّه عنه المخلوق من العيوب المذمومة، فالخالق تعالى أولى بتنزيهه عن كلّ [عيبٍ] ٣ وذمّ٤، وهو سبحانه القدّوس، السلام، الحميد، المجيد - من أبلغ الطرق البرهانية، وهي مستعملة في القرآن في غير موضع٥.
فلذلك يقال: الواحد من الناس قادرٌ على إرسال رسول، وعلى أن يرسل نشابة٦، وعلامة يعرفه المرسل إليهم بها صدقه.
فكيف لا يقدر الرب على ذلك؟.
ثمّ إذا أرسله إليهم، وأمرهم بتصديقه وطاعته، ولم يعرّفهم أنّه رسوله، كان هذا من أقبح الأمور.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية ٤٠. ٢ سورة الزخرف، الآيات ١٥-١٩. ٣ رسمت في «خ»: عين. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ وهو قياس الأولى. وقد تقدم توضيحه في ص ٧٧٩، وتقدمت الإشارة إليه في ص ١٠٩٢ من هذا الكتاب. ٥ انظر ما سبق ص ٨٢١-٨٢٢. ٦ سبق التعريف بها في ص ٧١٤ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
فكيف يجوز مثل هذا على الله؟.
ولو بعثه بعلامة لا تدلّهم على صدقه، كان ذلك عيبًا مذمومًا؛ فكلّ ما تُرك من لوازم الرسالة؛ إمّا أن يكون لعدم القدرة؛ وإمّا أن يكون للجهل، والسفه، وعدم الحكمة.
والربّ أحق بالتنزيه عن هذا، وهذا من المخلوق؛ فإذا أرسل رسولا فلا بُدّ أن يعرّفهم أنّه رسوله، ويبيّن ذلك.
وما جعله آيةً، وعلامةً، ودليلًا على صدقه، امتنع أن يوجد بدون الصدق؛ فامتنع أن يكون للكاذب المتنبي؛ فإنّ ذلك يقدح في الدلالة.
دلالة الآيات من جهة حكمة الله ﷾
فهذا ونحوه ممّا يُعرف به دلالة الآيات من جهة حكمة الرب. فكيف إذا انضمّ إلى ذلك أنّ هذه سنّته وعادته؟ وأنّ هذا مقتضى عدله؟.
وكلّ ذلك عند التصوّر التام، يُوجب علمًا ضروريًا يصدّق الرسول الصادق، وأنه لا يجوز أن يُسوّى بين الصادق والكاذب؛ فيكون ما يظهره النبيّ من الآيات يظهر مثله على يد الكاذب، إذ لو فعل هذا، لتعذّر على الخلق التمييز بين الصادق والكاذب١.
وحينئذٍ: فلا يجوز أن يؤمروا بتصديق الصادق، ولا يُذمّوا على ترك تصديقه وطاعته؛ إذ الأمر بذلك بدون دليله تكليف ما لا يُطاق٢. وهذا لا يجوز في عدله وحكمته. ولو قُدِّر أنّه جائزٌ عقلًا، فإنّه غير واقع.
_________________
(١) ١ انظر: الجواب الصحيح. ٢ سبق فيما مضى. انظر ص ٥٧٣ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٨٩٦ ]