معنى آيات الأنبياء
[و] ١ هي الأدلة والعلامات المستلزمة لصدقهم.
الدليل مستلزم للمدلول
والدليل لا يكون إلاَّ مستلزما للمدلول عليه مختصًا به، لا يكون مشتركًا بينه وبين غيره؛ فإنّه يلزم من تحقّقه تحقّق المدلول. وإذا [انتفى] ٢ المدلول انتفى هو؛ فما يوجد مع وجود الشيء، ومع عدمه، لا يكون دليلًا عليه، بل الدليل ما لا يكون إلاَّ مع وجوده. فما وُجد مع النبوّة تارةً، ومع عدم النبوّة تارةً، لم يكن دليلًا على النبوّة، بل دليلها ما يلزم من وجوده وجودها.
اضطراب الناس في دليل النبوة
وهنا اضطرب الناس، فقيل: دليلُها جنسٌ يختصّ بها، وهو الخارق للعادة. فلا يجوز وجوده لغير نبيّ؛ لا ساحر، ولا كاهن، ولا وليّ٣؛ كما
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: انتفاء. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ الوَلِيّ: بمعنى مفعول في حق المطيع. فيقال: المؤمن ولي الله. المصباح المنير ٦٧٣. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والولاية ضدّ العداوة. وأصل الولاية: المحبة، والقرب. وأصل العداوة: البُغض والبُعد. وقد قيل: إنّ الوليّ سُمّي وليًّا من موالاته للطاعات؛ أي متابعته لها. والأول أصحّ. والوليّ: القريب فإذا كان وليّ الله هو الموافق، المتابع له فيما يُحبّه ويرضاه، ويُبغضه ويُسخطه، ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معاديًا له ". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٩-١٠.
[ ١ / ٢١٣ ]
يقول ذلك من يقوله من المعتزلة١، [وغيرهم] ٢؛ كابن حزم٣، وغيره.
قول الأشاعرة
وقيل: بل الدليل هو الخارق للعادة، بشرط الاحتجاج به على النبوّة، والتحدّي بمثله. وهذا منتفٍ في السحر، والكرامة؛ كما يقول ذلك من يقوله من متكلمي أهل الإثبات٤؛ كالقاضيَيْن أبي بكر٥، وأبي يعلى٦، وغيرهما.
البيان: كتاب الباقلاني
وقد بسط القاضي أبو بكر٧ الكلام في ذلك، في كتابه المصنّف٨ في الفرق بين المعجزات، والكرامات، والحيل، والكهانات، والسحر، والنيرنجيات٩.
_________________
(١) ١ انظر المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار ١٥/١٨٩. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر المحلى لابن حزم ١/٣٦. ٤ يعني الأشاعرة. وانظر قولهم في المعجزة، في: أصول الدين للبغدادي ص ١٧٥، ١٨٥. والإرشاد للجويني ص ٣٠٧-٣١٥. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣٩. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/١١. ٥ الباقلاني. سبقت ترجمته. وانظر كلامه في كتابه البيان ص ١٩-٢٠، ٤٦-٤٩. وانظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٢-٣١٣. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠-١٧١. والمواقف للإيجي ص ٣٣٩-٣٤٠. ٦ سبقت ترجمته. ٧ الباقلاني. ٨ طبع هذا الكتاب أول مرة، ونشره الأب رتشرد يوسف مكارثي اليسوعي عام ١٩٥٨، في المكتبة الشرقية ببيروت. ٩ النِيرَنْج - بالكسر: أخذ كالسحر، وليس به، وإنما هو تشبيه، وتلبيس. انظر: اللسان ٢/٣٧٦. والقاموس المحيط ص ٢٦٥.
[ ١ / ٢١٤ ]
سبب الغلط عند المعتزلة والأشاعرة في دليل النبوة..
وهؤلاء [وهؤلاء] ١ جعلوا مجرّد كونه خارقًا للعادة هو الوصف المعتبر.
وفرقٌ بين أن يقال: لا بدّ أن يكون خارقًا للعادة، وبين أن يقال: كونه خارقًا للعادة هو المؤثّر؛ فإنّ الأول يجعله شرطًا لا موجبًا، والثاني يجعله موجبًا.
وفرقٌ بين أن يقال: العلم، والبيان، وقراءة القرآن، لا يكون إلاَّ من حيّ، وبين أن يقال: كونه حيًّا يُوجب أن يكون عالمًا قارئًا.
ومن هنا دخل الغلط على هؤلاء.
ليس في الكتاب والسنة لفظ المعجزة وخرق العادة
وليس في الكتاب والسنة تعليق الحكم بهذا الوصف، بل ولا ذكر خرق العادة، ولا لفظ المعجز، وإنّما فيه آيات وبراهين٢، وذلك يوجب اختصاصها بالأنبياء.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «م»، و«ط» . ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وهذه الألفاظ إذا سمّيت بها آيات الأنبياء كانت أدلّ على المقصود من لفظ المعجزات. ولهذا لم يكن لفظ (المعجزات) موجودًا في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ (الآية)، و(البينة)، و(البرهان)؛ كما قال تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ..﴾ . [سورة القصص ٣٢] في العصا، واليد. وقال تعالى في حق محمد ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ . [سورة النساء، آية ١٧٤] ) . ثمّ ذكر ﵀ الآيات القرآنية الدالّة على أنّ الآيات النبوية تُسمّى براهين، ثمّ قال ﵀: (وأما لفظ الآيات فكثير في القرآن) ثمّ استشهد بآيات كثيرة، منها قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ . [سورة الإسراء، آية ١٠١] انظر الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح ٥/٤١٢-٤١٩. وانظر قاعدة في المعجزات والكرامات لشيخ الإسلام ﵀ ص ٧.
[ ١ / ٢١٥ ]
شرط المعجزة عند الأشاعرة
وأيضًا: فقالوا في شرطها: أن لا يقدر عليها إلا الله، لا [تكون] ١ مقدورة للملائكة، ولا للجنّ، ولا للإنس؛ بأن يكون جنسها ممّا لا يقدر عليه إلا الله٢؛ كإحياء الموتى، وقلب العصا حية.
وإذا كانت من أفعال العباد لكنها خارقة للعادة؛ مثل حمل الجبال، والقفز من المشرق إلى المغرب، والكلام المخلوق الذي يقدر على مثله البشر، ففيه لهم قولان:
أحدهما: أنّ ذلك يصح أن يكون معجزة.
والثاني: أن المعجزة إنّما هي إقدار المخلوق على ذلك؛ بأن [يخلق] ٣ فيه قدرة [خارجة] ٤ عن قدرته المعتادة٥.
مناقشة الباقلاني في تعريف المعجزة
وهذا اختيار القاضي أبي بكر٦، ومن اتبعه؛ كالقاضي [أبي يعلى] ٧.
_________________
(١) ١ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٨، ١٩، ٥٧. ٣ في «خ»: خلق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: خارقة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ وقال عبد القاهر البغدادي - من الأشاعرة -: "قال أصحابنا: أكثر المعجزات من أفعال الله تعالى لا يقدر على جنسها غيره؛ كإحياء الأموات، وإبراء الأكمه، والأبرص، وقلب العصا حية، وفلق البحر، وإمساك الماء في الهواء، وتشقق القمر، وإنطاق الحصى، وإخراج الماء من بين الأصابع، ونحو ذلك. ومنها ما هو خلق لله اختراعًا وكسبًا لصاحب المعجزة؛ كإقداره إنسانًا على الطفر إلى السماء، وعلى قطع المسافة البعيدة في الساعة القصيرة، وعلى إطلاق لسان الأعجمي بالعربية، ونحو ذلك، مما لم يجر العادة به". أصول الدين للبغدادي ص ١٧٦-١٧٧. وانظر: شرح المقاصد للتفتازاني ٥/١٧. والإرشاد للجويني ص ٣٠٨-٣٠٩. ٦ الباقلاني. انظر: كتابه البيان ص ١٤-١٥، ٢٠، ٢٣، ٣٤. ٧ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢١٦ ]
وظنوا أن هذا يوجب طرد قولهم أنّها لا تكون مقدورة لغير الله، بخلاف القول الأول؛ فإنه تقع فيه شبهة إذ كان الجنس معتادا. وإنّما الخارق هو الكثير الخارج عن العادة.
الفرق بين المعجزة وغيرها عند الأشاعرة
وهذا الفرق الذي ذكره ضعيفٌ، فإنّه إذا كان قادرًا على اليسير، فَخَرَقَ العادة في قدرته، حتى جعله قادرًا على الكثير، فجنس القدرة معتاد مثل جنس المقدور، وإنّما خُرقت العادة بقدرة خارجة عن العادة؛ كما خرقت بفعل خارج عن القدرة. وعنده أنّ خلقَ القدرة خلقٌ لمقدورها، والقدرة عنده مع الفعل، فلا فرق.
وهذا القول، وهو: أنّ المعجزة لا تكون إلاَّ مقدورة للرب، لا للعباد: قولُ كثيرٍ من أهل الكلام؛ من القدرية١، والمثبتة للقدر، وغيرهم.
دليل الأشاعرة علىامتناع أن تكون هذه الخوارق لغير الله
ثمّ إنّهم لمّا طُولبوا بالدليل على أنّه لا يجوز أن تقدر العباد على مثل: إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ونحو ذلك مما ذكروا أنّه يمتنع أن يكون مقدورًا لغير الله، اعتمدوا في الدلالة على (أنّ القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده)، فلو جاز أن يكون العبد قادرًا على هذه الأمور، لوجب أن لا يخلو من ذلك ومن ضده؛ وهو العجز، أو القدرة على ضدّ
_________________
(١) ١ القدرية من الألفاظ المشتركة. فالقدرية النفاة هم الذين ينفون الإرادة عن الله تعالى، ويقولون بأنّ العبد يخلق فعل نفسه. وهذا المعروف من معتقد المعتزلة في القدر. والقدرية المثبتة الذين يجعلون العبد مجبورًا على أفعاله. قال شارح الطحاوية: "وسمّوا قدرية لإنكارهم القدر. وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضًا، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب". شرح الطحاوية ص ٧٩. وقد قسّم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القدرية إلى ثلاثة أصناف:
(٢) القدرية المشركية. ٢- والقدرية المجوسية. ٣- والقدرية الإبليسيّة. انظر: مجموع الفتاوى ٨/٢٥٦-٢٦١.
[ ١ / ٢١٧ ]
ذلك الفعل؛ كما يقولونه في فعل العبد:
المعجزات عند الأشاعرة هي ما تعجز قدرات العباد عنها
إنّه إذا لم يقدر على الفعل، فلا بُدّ أن يكون عاجزًا، أو قادرًا على ضدّه.
هذا احتجاج من يقول القدرة مع الفعل١، والقدرة عنده لا تصلح للضدّين؛ كالأشعرية، فيقول: لا يخلو من القدرة، أو العجز، فهذه مقدمة.
والمقدمة الثانية: ونحن لا نحسّ من أنفسنا عجزًا عن إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ونحو هذه الأمور، لكنّا غير قادرين عليها، ولا يجوز أن نقدر عليها. وهؤلاء يقولون: لا يكون الشيء عاجزًا إلاَّ عمّا يصحّ أن يكون قادرًا عليه، [بخلاف ما لا يصحّ أن يكون قادرًا عليه] ٢، فلا يصحّ أن يكون عاجزًا عنه. ولهذا قالوا: لا ينبغي أن تُسمّى هذه معجزات؛ لأنّ ذلك يقتضي أنّ الله أعجز العباد عنها، وإنما يعجز العباد عما يصحّ قدرتهم عليه. هذا٣ كلام القاضي أبي بكر، ومن وافقه٤.
رد شيخ الإسلام عليهم
وكلا المقدمتين دعوى مجردة لم يقم على واحدة منها حجة. فكيف يجوز أن يكون الفرق بين المعجزة وغيرها مبنيًّا على مثل هذا الكلام الذي
_________________
(١) ١ هذا قول الأشاعرة. انظر: التمهيد للباقلاني ص ٤٦. والإرشاد للجويني ص ٢١٩-٢٢٠. ويقصد شيخ الإسلام ﵀ بهذا الكلام أن يُبيّن أنّهم يقولون: القدرة تكون مع الفعل، لا كما يقوله أهل السنة والجماعة: أنّ القدرة تكون قبل الفعل، ومع الفعل. انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٦٠-٦٢،، ٩/٢٤١-٢٤٢. ومجموع الفتاوى ٨/١٢٩-١٣٠، ٢٩٠-٢٩٢، ٣٧١-٣٧٦، ١٠/٣٢، ١٨/١٧٢-١٧٣. وشرح الطحاوية ص ٤٥. ٢ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «ط» فقط: وهذا. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٨-١٢.
[ ١ / ٢١٨ ]
ينازعه فيه أكثر العقلاء، ولو كان صحيحًا لم يفهم إلا بكلفة، ولا يفهمه إلا قليلٌ من الناس. فكيف إذا كان باطلًا.
والذين آمنوا بالرسل لِمَا رأوه، وسمعوه من الآيات، لم يتكلموا بمثل هذا الفرق، بل ولا خطر بقلوبهم.
متأخروا الأشاعرة حذفوا القيد الذي وضعه المتقدمون
ولهذا لما رأى المتأخرون ضعف هذا الفرق؛ كأبي المعالي١، والرازي٢، والآمدي٣، وغيرهم حذفوا هذا القيد؛ وهو كون المعجزة مما ينفرد الباري بالقدرة عليها، وقالوا: كلّ حادثٍ، فهو مقدورٌ
_________________
(١) ١ هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعيّ، الملقّب إمام الحرمين. أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي. متفنّن في العلوم من الأصول والفروع. وألّف العقيدة النظامية على عقيدة أهل التفويض. ويعتبر من أعلام الأشاعرة كان مولده سنة ٤١٩؟، وتوفي سنة ٤٧٨؟، ودفن بنيسابور. انظر: البداية والنهاية ١٢/١٢٨. ووفيات الأعيان ٣/١٦٧. وشذرات الذهب٣/٣٥٨، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة: ٢/٦٠٢. ٢ هو محمد بن عمر بن الحسن التيمي البكري الرازي، الإمام المفسّر. كان يُحسن الفارسية، وكان واعظًا بارعًا بها وبالعربية أيضًا. له كتاب «مفاتيح الغيب» في تفسير القرآن الكريم. وله مؤلفات عديدة. وهو من علماء الأشاعرة، وممن خلطوا الكلام بالفلسفة، وُلد في الريّ سنة ٥٤٤؟، وتوفي في وهران سنة ٦٠٦؟. انظر: وفيات الأعيان ٤/٢٤٨٨. وشذرات الذهب ٥/٢١. والأعلام ٧/٢٠٣، وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة: ٢/٦٦٢. ٣ هو أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سلم التغلبي. الفقيه الأصولي، الملقب سيف الدين. كان حنبليًا، ثمّ صار شافعيًا. ويعتبر من علماء الأشاعرة، وممن خلطوا الكلام بالفلسفة، له نحو من عشرين مؤلفًا. قال عنه ابن كثير: كان حسن الأخلاق، سليم الصدر، كثير البكاء، تكلموا فيه بأشياء، الله أعلم بصحتها، والذي يغلب على الظنّ أنّه ليس لغالبها صحة. وُلد سنة ٥٥١؟، ومات سنة ٦٣١؟. انظر: وفيات الأعيان ٣/٢٩٣. والبداية والنهاية ١٣/١٤٠. وشذرات الذهب ٥/١٤٤. ومعجم المؤلفين ٧/١٥٥، وموقف شيخ الإسلام من الأشاعرة: ٢/٦٧٩.
[ ١ / ٢١٩ ]
للربّ١، وأفعال العباد هي أيضًا مقدورة للرب، وهو خالقها، والعبد ليس خالقًا لفعله؛ فالاعتبار بكونها خارقة للعادة قد استدلّ بها على النبوّة، وتحدّى بمثلها، فلم يمكن أحدًا معارضة هذه القيود الثلاثة، وحذفوا ذلك القيد.
كلام الباقلاني في الفرق بين المعجز والسحر
وزعم القاضي أبو بكر أنّ ما يُستدلّ به على أنّ المعجزات يمتنع دخولها تحت قدر العباد لا يصحّ على أصول القدرية. وبَسَطَ القول في ذلك بكلام يصح بعضه دون بعض؛ كعادته في أمثال ذلك٢، ثمّ جعل هذا الفرق: هو الفرق بين المعجزات، وبين السحر، والحيل؛ فقال: وأمّا على قولنا إن المعجز لا يكون إلا من مقدورات القديم، ومّما يستحيل دخوله، ودخول مثله تحت قدر العباد، فإذا كان كذلك، استحال أن يفعل أحدٌ من الخلق شيئًا من معجزات الرسل، أو ما هو من جنسها؛ لأنّ المحتال إنّما يحتال ويفعل ما يصح دخوله تحت قدرته، دون ما يستحيل كونه مقدورا له٣.
قال: "وأمّا٤ القائلون بأنّه يجوز٥ أن يكون في٦ معجزات الرسل ما يدخل جنسه تحت قُدَرِ العباد، وإن لم يقدروا على كثيره، وما يخرق العادة منه، فإنّهم٧ يقولون: قد علمنا أنه لا حيلة ولا شيء من٨ السحر يمكن
_________________
(١) ١ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٢. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٦٦-٧٠. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٧٢-٧٣. ٤ في البيان: فأما. ٥ في البيان: قد يجوز. ٦ في البيان: من. ٧ في البيان: فإنهم أيضًا. ٨ في البيان: في.
[ ١ / ٢٢٠ ]
أن يتوصل به الساحر، والمشعبذ١ إلى فعل الصعود في٢ السماء، [والطَفَرِ] ٣ من المشرق إلى المغرب٤. [وقَفْزُ] ٥ الفراسخ الكثيرة، والمشي على الماء، وحمل الجبال الراسيات: هذا٦ أمرٌ لا يتم بحيلة محتال ولا [سحر] ٧ ساحر٨"٩.
وتكلّم على إبطال قول من قال: إنّ السحر لا يكون إلا تخييلًا، لا حقيقة له، وذكر أقوال العلماء [والآثار عن الصحابة بأنّ السّاحر يُقتل بسحره١٠،
١ الشعبذة، والشعوذة: اللعب بخفة. يرى الإنسان منه الشيء بغير ما عليه أصله في رأي العين؛ أي يرى ما ليس له حقيقة. والمشعبذ هو المشعوذ.
انظر: لسان العرب ٣/٤٩٥. والمصباح المنير١/٣١٤. والقاموس المحيط ص ٤٢٧.
٢ في البيان: إلى.
٣ في «م»، و«ط»: ولا قفز.
والطفر: هو القفز، والوثوب في ارتفاع. وعُرف بين المتكلمين: النظرية التي تُخالف العقل، والتي اشتهر بها النظّام، فيُقال: طفرة النظام. انظر القاموس المحيط ص ٥.
وسيأتي معنى الطفرة عند النظام.
٤ في البيان: من الشرق إلى الغرب.
٥ في «م»، و«ط»: ولا طفر.
٦ في البيان: هذا زعموا.
٧ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» .
٨ في البيان: لا يتمّ بحيلة ساحر ولا محتال.
٩ البيان للباقلاني ص ٧٣.
١٠ ومن آثار الصحابة الدالّة على قتل الساحر:
_________________
(١) قول عمر بن الخطاب ﵁ قبل موته بسنة: «اقتلوا كلّ ساحر» . قال الراوي: فقتلنا في يوم واحدٍ ثلاث سواحر. أخرجه أبو داود ٣/٤٣١-٤٣٢، وقال عنه الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: إسناده حسن. انظر تيسير العزيز الحميد ص ٣٩١-٣٩٢.
(٢) وما رواه الإمام مالك من أنّ حفصة زوج النبيّ ﷺ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها، فأمرت بها فقتلت. موطأ مالك ٢/٨٧١.
(٣) وما رواه البخاري في تاريخه الكبير: "كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانًا وأبان رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله". التاريخ الكبير للبخاري، القسم الثاني من الجزء الأول، ص ٢٢٢. وانظر: هذه الآثار في أضواء البيان ٤/٤٦١.
[ ١ / ٢٢١ ]
وقولٌ] ١ أنّه يُقتل حدًّا عند أكثرهم، وقصاصًا عند بعضهم٢. [ثمّ قال٣
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٧٤-٨٧. وقد اتفق الأئمة الأربعة على قتل الساحر كفرًا إذا تضمّن سحره الكفر. أما إن قتل بسحره إنسانًا، ولم يكن سحره متضمنًا الكفر، فإنه يُقتل عند مالك، والشافعيّ، وأحمد ﵏. أما أبو حنيفة ﵀ فقال: "لا يُقتل حتى يتكرّر منه ذلك، أو يقرّ بذلك في حقّ شخص معيّن". وإذا قتل، فإنه يقتل حدًا عندهم، إلا الشافعيّ، فإنّه قال: يُقتل والحالة هذه قصاصًا. أما هل يقتل الساحر بمجرد فعله السحر، واستعماله، فقال مالك، وأبو حنيفة، ورواية عن أحمد: يقتل. وقال الشافعيّ: "الساحر إذا كان يعمل في سحره، ما يبلغ به الكفر، يُقتل. فإذا عمل عملًا دون الكفر لم نر عليه قتلًا". وهو رواية عن أحمد. انظر: المغني ١٢/٣٠٢. وفتح الباري ١٠/٢٤٧. وتيسير العزيز الحميد ص ٣٩١. وتفسير القرآن العظيم ١/١٤٧. وشرح النووي على صحيح مسلم ١٤/١٧٦. وتفسير القرطبي ٢/٢٣. وأضواء البيان ٤/٤٥٦-٤٥٧. ٣ أي الباقلاني. قال هذا في البيان ص ٩٣.
[ ١ / ٢٢٢ ]
[ثم قال١:
فصل القول في الفصل بين المعجز والسحر] ٢.
وهو لم يفرق بين الجنسين، بل يجوز أن يكون ما هو معجزةٌ للرسول يظهر على يد الساحر. لكن قال: الفرق: هو (تحدّي الرسول٣ بالإتيان بمثله، وتقريع مخالفه، بتعذر [مثله] ٤ عليه، فمتى وجد الذي٥ ينفرد الله بالقدرة عليه٦، من غير تحدٍّ منه٧، واحتجاج لنبوته بظهوره، لم يكن معجزًا. وإذا كان٨ كذلك، خرج السحر عن أن يكون معجزًا ومشبهًا لآيات الأنبياء٩، [و] ١٠ كان١١ ما يظهر عند فعل الساحر، من جنس
_________________
(١) ١ أي: الباقلاني. قال هذا في البيان ص ٩٣. ٢ ما بين المعقوفتين في «ط» فقط هكذا: (باب القول في الفصل بين المعجز والسحر. ثمّ قال) . وهو مخالف لما في «خ»، و«م» . ٣ في البيان: ﵇. ٤ في «خ»: مثلثه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في البيان: وجد الشيء الذي. ٦ في البيان زيادة: على حدّ العادة. ٧ في البيان: على غير تحدي نبيّ به. ٨ في البيان: كان ذلك. ٩ في البيان: الرسل. ١٠ في «خ»: ولو. وما أثبت من «م»، و«ط» . ١١ في البيان: وإن كان.
[ ١ / ٢٢٥ ]
بعض معجزات الرسل، وما يفعله الله١ عند تحديهم به.
غير أنّ الساحر إذا احتج بالسحر، وادعى به النبوة، أبطله الله بوجهين) ٢:
أحدهما: أن ينسيه عمل السحر، أو لا يفعل عند سحره شيئًا في المسحور؛ من موتٍ، أو سقم، أو بغض، ولم يخلق فيه الصعود إلى جهة العلو، والقدرة على الدخول في بقرة. فإذا منعه هذه الأسباب بطل السحر٣.
والثاني: [أنّ الساحر] ٤ تمكن معارضته؛ فإن أبواب السحر معلومة عند السحرة. فإذا تحدى ساحر بشيء يفعل عند سحره، لم يلبث أن يجد خلقًا من السحرة يفعلون مثل فعله، ويعارضونه بأدقّ وأبلغ ممّا أورده٥
"والرسول٦ إذا ظهر عليه مثل ذلك، وادعاه آية له، قال لهم: هذا آيتي وحجتي، ودليل ذلك: أنّكم لا تقدرون على مثله، ولا يفعله الله٧ في وقتي هذا، ومع تحدّيّ٨ ومطالبتي بمثله عند سحر ساحر، وفعل كاهن.
_________________
(١) ١ في البيان: تعالى. ٢ البيان للباقلاني ص ٩٤. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٥. ٦ في البيان: ﵇. ٧ في البيان: سبحانه. ٨ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والتحدي هو أن يحدوهم؛ أي يدعوهم، فيبعثهم إلى أن يُعارضوه، فيُقال فيه: حداني على هذا الأمر؛ أي بعثني عليه. ومنه سمّي حادي العيس؛ لأنه بحداه يبعثها على السير. وقد يُريد بعض الناس بالتحدي دعوى النبوة، ولكنه أصله الأول. قال تعالى في سورة الطور: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ". [سورة الطور، الآيتان ٣٤-٣٥] ) . الجواب الصحيح ٥/٤٢٢-٤٢٣.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وقد كان١ يظهر من سحرتكم وكهانكم، وهي آية لا تظهر٢ اليوم على أحد من الخلق، وإن دقّ سحره، وعظم في الكهانة٣ علمه. فإذا ظهر ذلك عليه، وامتنع ظهور مثله على يد ساحرٍ أو كاهن، مع أنّه قد كان يظهر٤ من قبل، صار هذا٥ [خرقًا] ٦ عادة البشر، وعادة السحرة والكهنة٧ خاصّة" ٨.
قال: ولم يبعد أن يقال: هذه الآية أعظم من غيرها، وأنّ لها فضل مزية٩. ذكر هذا بعد أن قال: فإن قال قائل: فإذا أجزتم أن يكون من عمل السحر ما يفعل الله عنده سقم الصحيح وموته، ويفعل عنده بغض المحب وحب المبغض، وبغض الوطن والردّ إليه من السفر، وضيق الصدر والعجز عن الوطء بالربط والشدّ الذي [يعمله] ١٠ السحرة، والصعود في جهة العلو على خيط أو بعض [الآلة] ١١. [فما] ١٢ الفصل بين هذا، وبين معجزات الرسل؟ وكيف ينفصل - مع ذلك - المعجزات من السحر؟ ويمكن
_________________
(١) ١ في البيان: كان مثل هذا. ٢ في البيان: وآيتي أنه لا يظهر اليوم. ٣ في البيان: في النهاية. ٤ في البيان: يظهر ذلك. ٥ في البيان: ذلك. ٦ كذا في البيان للباقلاني. وهي في جميع النسخ: خرقٌ. ٧ في البيان: عادة الكهنة والسحرة - تقديم وتأخير. ٨ البيان للباقلاني ص ٩٥-٩٦. ٩ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٥-٩٦. ١٠ في «م»، و«ط»: يعلمه. ١١ في «م»، و«ط»: الآلات. ١٢ في «م»، و«ط»: في.
[ ١ / ٢٢٧ ]
الفرق بين النبي والساحر؟؛ أوليس لو قال نبي مبعوث: إنّي أصعد على هذا الخيط نحو السماء، وأدخل جوف هذه البقرة وأخرج، وإني أفعل فعلًا أفرّق به بين المرء وزوجه، وأفعل فعلًا أقتل به هذا الحي وأسقم هذا الصحيح. فهل كان يكون ذلك لو ظهر على يده آية ودليلًا على صدقه؟ [فما] ١ الفصل إذًا بين السحر والمعجز٢.
كلام الباقلاني في الفرق بين المعجزة والسحر هو عمدة الأشاعرة
ثم قال في الجواب: يُقال له: جواب هذا قريبٌ، وذلك أنّا قد بيّنا في صدر هذا الكتاب٣ أنّ من حق [المعجز أن] ٤ لا يكون معجزًا، حتى يكون واقعًا من فعل الله على وجه خرق عادة البشر، مع تحدي الرسول بالإتيان إلى آخر ما كتب٥.
قلت: هذا عمدة القوم، ولهذا طعن الناس في طريقهم، وشنع عليهم ابن حزم٦ وغيره.
مناقشة شيخ الإسلام لكلام الباقلاني في الفرق بين المعجزة والسحر
وذلك أن هذا الكلام مستدرك من وجوه:
أحدها: أنّه إذا جوز أن يكون ما ينفرد الرب بالقدرة عليه على قوله: يأتي به النبيّ تارة، والساحر تارة، ولا فرق بينهما إلا دعوى النبوّة، والاستدلال به، والتحدي بالمثل، فلا حاجة إلى كونه مما انفرد الباري
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: وما. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٣-٩٤. ٣ يشير الباقلاني إلى أول كتابه «البيان» . ٤ في «م»، و«ط»: المعجزات. ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤. ٦ انظر بعض كتب ابن حزم؛ مثل: كتاب الدرة فيما يجب اعتقاده ص ١٩٥-١٩٧. والأصول والفروع ٢/١٣٢-١٣٤. وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل ٥/٢-٩. والمحلى ١/٣٦.
[ ١ / ٢٢٨ ]
بالقدرة عليه، لا سيما وقد ظهر ضعف الفرق بين ما يمتنع قدرة العباد عليه، وما لا يمتنع. ولهذا أعرض المتأخرون عن هذا القيد١.
لا تكون المعجزة عند الأشاعرة إلا إذا استدل بها واقترن بها دعوى نبوة..
والوجه الثاني: وبه تنكشف حقيقة طريقهم أنه على هذا لم [تتميز] ٢ المعجزات بوصف تختص به، وإنما امتازت باقترانها [بدعوى] ٣ النبوة. وهذا حقيقة قولهم، وقد صرّحوا به٤.
فالدليل والبرهان إن استدلّ به كان دليلًا، وإن لم يستدلّ به لم يكن دليلًا، وإن اقترنت به الدعوى، كان دليلًا، وإن لم تقترن به الدعوى، لم يكن دليلا عندهم. ولهذا لم يجعلوا دلالة المعجز دلالة عقلية، بل دلالة وضعية٥؛ كدلالة الألفاظ بالاصطلاح.
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام - فيما سبق من هذا الكتاب -: "ولهذا لما رأى المتأخرون ضعف هذا الفرق؛ كأبي المعالي، والرازي، والآمدي، وغيرهم، حذفوا هذا القيد، وهو كون المعجزة مما ينفرد الباري بالقدرة عليها. وقالوا: كلّ حادث فهو مقدور للربّ، وأفعال العباد هي أيضًا مقدورة للرب". انظر ص ١٩٤. ٢ في «خ»: يتميز. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: بدعوة. ٤ انظر: شرح المقاصد ص ١١. والمواقف للإيجي ص ٣٣٩. والإرشاد للجويني ص ٣٠٧-٣١٥. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠-١٧١. ٥ الدلالة اللفظية الوضعية: هي كون اللفظ بحيث متى أُطلق، أو تُخيّل، فُهم منه معناه للعلم بوضعه. وهي المنقسمة إلى المطابقة، والتضمن، والالتزام. لأنّ اللفظ الدالّ بالوضع يدلّ على تمام ما وضع له بالمطابقة، وعلى جزئه بالتضمّن، وعلى ما يلازمه في الذهن بالالتزام؛ كالإنسان؛ فإنّه يدلّ على تمام الحيوان الناطق بالمطابقة، وعلى جزئه بالتضمّن، وعلى قابل العلم بالالتزام. انظر: التعريفات للجرجاني ص ١٤٠. وانظر: الإرشاد للمفيد ص ٣٢٤.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وهذا مستدرك من وجوه:
رد شيخ الإسلام عليهم من تسعة وجوه..
منها: أنّ كون آيات الأنبياء مساوية في الحدّ١ والحقيقة [لسحر] ٢ السحرة، أمرٌ معلوم الفساد بالاضطرار من دين الرسل.
الثاني: أنّ هذا من أعظم القدح في الأنبياء، [إذ] ٣ كانت آياتهم من جنس سحر السحرة، وكهانة الكهان.
الثالث: أنّه على هذا التقدير لا [يبقى] ٤ دلالة؛ فإنّ الدليل ما يستلزم المدلول، ويختصّ به. فإذا كان مشتركًا بينه وبين غيره، لم يبق دليلًا. فهؤلاء قدحوا في آيات الأنبياء، ولم يذكروا دليلًا على صدقهم.
الرابع: أنه على هذا التقدير يمكن الساحر دعوى النبوة. وقوله: أنه عند ذلك يسلبه الله القدرة على السحر، أو يأتي بمن يعارضه٥: دعوى مجردة؛ فإنّ المنازع يقول: [لا نسلم] ٦ أنه إذا ادعى النبوة فلا بدّ أن يفعل الله ذلك، لا سيما على أصله؛ وهو: أنّ الله يجوز أن يفعل كل مقدور٧، وهذا مقدور للرب فيجوز أن يفعله. وادعى أن ما يخرق العادة من الأمور
_________________
(١) ١ الحدّ: قول دالّ على ماهية الشيء. التعريفات ص ١١٢. ٢ في «م»، و«ط»: بسحر. ٣ في «م»، و«ط»: إذا. ٤ في «م»، و«ط»: تبقى. ٥ انظر البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥. ٦ في «خ»: يسلم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ انظر: البيان للباقلاني ص٨١-٨٢، ٨٨-٩٠. والتمهيد للباقلاني ص ٣١٧-٣٢٢، ٣٨٥-٣٨٦. والإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٢، ٣٢٦. والاقتصاد للغزالي ص ١١٦-١١٨. وقواعد العقائد له ص ٦١. والمواقف للإيجي ص ٣٢٨-٣٣١.
[ ١ / ٢٣٠ ]
الطبيعية، والطلسمات١، هي كالسحر.
فقال: ولأجل ذلك لم تلتبس آيات الرسل بما يظهر من جذب حجر المغناطيس٢، وما يوجد ويكون عند كتب الطلسمات٣. قال: وذلك أنّه لو ابتدأ نبيّ بإظهار حجر المغناطيس، لوجب أن يكون ذلك آية له. ولو أنّ أحدًا أخذ هذا الحجر، وخرج إلى بعض البلاد، وادّعى أنّه آية له عند من لم يره، ولم يسمع به، لوجب أن ينقضه الله عليه بوجهين.
أحدهما: أن يؤثر دواعي خلق من البشر إلى حمل جنس تلك الحجارة إلى ذلك البلد. وكذلك سبيل الزناد الذي يقدح النار، وتعرفه العرب٤. وكذلك سبيل الطلسمات التي يقال أنها تنفي الذباب، والبقّ، والحيّات٥.
_________________
(١) ١ الطلسم: لفظ يوناني. وهو في علم السحر خطوط وأعداد يزعم كاتبها أنه يربط بها روحانيات الكواكب العلوية بالطبائع السفلية، لجلب محبوب، أو دفع أذى. انظر المعجم الوسيط / مادة طلسم ٢/٥٦٨. ٢ حجر المغناطيس: هو حجر له خاصيّة جذب الحديد ومعادن أخرى؛ كالكوبالت، والكروم، والنيكل. وهذا الجسم يوجد بكثرة في بلاد السويد، والنورفيج، وأواسط تركيا. وإذا عُلّق المغناطيس تعليقًا حُرًّا فإنّه يأخذ اتجاهًا ثابتًا دائمًا نحو الشمال. انظر: الموسوعة العربية الميسرة ١٧٢٦. ودائرة معارف القرن العشرين ٩/٢٨٢. ٣ انظر البيان للباقلاني ص ٧٠. ٤ الزند: العود الذي يقدح به النار، وهو الأعلى. والزندة: السفلى، فيها ثقب، وهي الأنثى. فإذا اجتمعا قيل زندان، ولم يقل زندتان. انظر: الصحاح ٢/٤٨١. والقاموس ٣٦٤. والمصباح المنير ٢٥٦. ٥ قال ابن حزم ﵀: "وأما السحر فإنه ضروب، منه ما هو من قبل الكواكب؛ كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب في وقت كون القمر في العقرب، فينفع إمساكه من لدغة العقرب. ومن هذا الباب كانت الطلسمات، وليست إحالة طبيعة، ولا قلب عين، ولكنها قوى ركبها الله ﷿ مدافعة لقوى أخر؛ كدفع الحرّ للبرد، ودفع البرد للحرّ؛ وكقتل القمر للدابة الدبرة إذا لاقى الدبرة ضوءه إذا كانت دبرتها مكشوفة للقمر. ولا يمكن دفع الطلسمات لأننا قد شاهدنا بأنفسنا آثارها ظاهرة إلى الآن من قرى لا تدخلها جرادة، ولا يقع فيه برد ". إلى أن قال: "ومنه ما يكون بالخاصة؛ كالحجر الجاذب للحديد، وما أشبه ذلك. ومنه ما يكون لطف يد..". الفصل في الملل والأهواء والنحل ٥/٤.
[ ١ / ٢٣١ ]
والوجه الآخر: أن لا يفعل الله عند ذلك ما كان يفعله من قبل١، فيقال: هذه دعوى مجردة.
ومما يوضح ذلك:
الباقلاني جعل حجر المغناطيس والطلسمات من جنس معجزات الأنبياء.. والرد عليه
الوجه الخامس: وهو أن جعل قدح الزناد، وجذب حجر المغناطيس، والطلسمات من جنس معجزات الأنبياء، وأنه لو بعث نبيّ ابتداء، وجعل ذلك آية له، جاز ذلك: غلطٌ عظيمٌ، وعدم علم بقدر معجزات الأنبياء وآياتهم. وهذا إنما أتاهم حيث جعلوا جنس الخارق هو الآية٢؛ كما فعلت المعتزلة. وأولئك٣ كذبوا بوجود ذلك لغير الأنبياء، وهؤلاء٤ ما أمكنهم تكذيب ذلك؛ لدلالة الشرع، والأخبار المتواترة، والعيان على وجود حوادث [من هذا النوع] ٥، فجعلوا [الفرق] ٦ افتراق الدعوى، والاستدلال، والتحدي [دون الخارق] ٧. ومعلومٌ أن ما ليس بدليل
_________________
(١) ١ انظر البيان للباقلاني ص ٩٨-١٠٠. وقال بعد ذلك: "فلو ادّعى بعضها مدّع لوفّر الله سبحانه دواعي خلق من عباده العالمين بها على معارضة ذلك الرجل، وإظهار مثل قوله". ٢ أي أنهم حصروا المعجزة في الخارق. ٣ يقصد المعتزلة. انظر المغني في أبواب التوحيد والعدل ١٥/١٨٩. ٤ يقصد الأشاعرة. انظر الإرشاد للجويني ص ٣١٩. ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: الفراق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ في «خ»: والخارق. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٣٢ ]
لا يصير دليلًا بدعوى المستدلّ أنّه دليل.
الذين ادعوا النبوة ظهرت لهم خوارق ولم يعارضهم أحد
وقد بسط الكلام في ذلك، وجوز أن [تظهر] ١ المعجزات على يد كاذب٢، إذا خلق الله مثلها على يد من يعارضه؛ فعمدته سلامتها من المعارضة بالمثل، مع أن المثل عنده موجود، وآيات الأنبياء لها أمثال كثيرة لغير الأنبياء، لكن يقول٣ إنّ من ادّعى الإتيان؛ فإما أن لا يظهرها الله على يديه، وإما أن [يُقيّض] ٤ من يعارضه بمثلها. هذا عمدة القوم، وليس فرقًا حقيقيًا بين النبيّ والساحر، وإنّما هو مجرّد دعوى.
وهذا يظهر ب الوجه السادس: وهو أنّ من الناس من ادّعى النبوة٥، وكان كاذبًا، وظهرت على يده بعض هذه الخوارق، فلم يُمنع منها، ولم يعارضه أحدٌ، بل عُرف أنّ هذا الذي أتى به ليس من آيات الأنبياء، وعُرف كذبه بطرق متعددة؛ كما في قصة الأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب، [والحارث] ٦ الدمشقي، وبابا الرومي، وغير هؤلاء٧ ممّن ادعى النبوة. فقولهم: إنّ الكذاب لا يأتي بمثل هذا الجنس، ليس كما ادعوه٨.
_________________
(١) ١ في «خ»: يظهر. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: البيان للباقلاني ص٤٧-٤٨، ٩١، ٩٤. والإرشاد للجويني ص٣١٩، ٣٢٨. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٧. ٤ في «ط» فقط: يقبض. ٥ مثل مسيلمة الكذاب. ٦ في «م»، و«ط»: والحارس. ٧ وكلّ هؤلاء سبق التعريف بهم. ٨ قال شيخ الإسلام في معرض الردّ عليهم في الجواب الصحيح: "أنت تُجوّز انتقاض العادة، وليس لانتقاضها عندك سبب تختصّ به، ولا حكمة انتقضت لأجلها، بل لا فرق عندك بين انتقاضها للأنبياء والأولياء والسحرة وغير ذلك. ولهذا قلتم: ليس بين معجزات الأنبياء، وبين كرامات الأولياء والسحرة فرق، إلا مجرّد اقتران دعوى النبوة والتحدي بالمعارضة، مع عدم المعارضة، مع أن التحدي بالمعارضة قد يقع من المشرك، بل ومن الساحر، فلم يثبتوا فرقًا يعود إلى جنس الخوارق المفعولة، ولا إلى قصد الفاعل والخالق، ولا قدرته، ولا حكمته". الجواب الصحيح ٦/٤٠١.
[ ١ / ٢٣٣ ]
الباقلاني منع من ظهور الخارق على يد الكذاب
الوجه السابع: أنه إنما أوجب أن لا يظهر الله الخوارق على يد الكذاب؛ لأنّ ذلك يُفضي إلى عجز الربّ. وهذه عمدة الأشعري في أظهر قولَيْه١، وهي المشهورة عند قدمائهم٢، وهي التي سلكها القاضي أبو يعلى، ونحوه.
قال القاضي أبو بكر: فإن قال قائلٌ من القدرية٣: [فلم] ٤ لا يجوز أن يظهر المعجزات على يد مدّعي النبوّة ليُلبّس بذلك على العباد، ويضل به عن الدين، وأنتم تجوّزون خلقه الكفر في قلوب الكفار، وإضلالهم. [فما] ٥ الفصل بين إضلالهم بهذا، وبين إضلالهم بإظهار المعجزات على يد الكاذبين؟
قال: فيُقال لمن سأل عن هذا من القدرية: الفصل بين الأمرين ظاهرٌ معلومٌ، وقد نصّ القرآن والأخبار بأنه يضلّ ويهدي٦، ويختم على القلوب، والأسماع، والأبصار٧.
_________________
(١) ١ انظر: المواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٤٢. ٢ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٧. وانظر أيضًا الجواب الصحيح ٦/٣٩٧، ٣٩٨. ٣ انظر: شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٥٦٤، ٥٧١. وذكر الجويني اعتراض المعتزلة هذا عليهم في الإرشاد ص ٣٢٦. ٤ في «ط» فقط: لم. ٥ في «م»، و«ط»: في. ٦ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ . سورة الرعد، آية ٢٧. ٧ قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . سورة البقرة، الآية ٧.
[ ١ / ٢٣٤ ]
فأما مطالبتهم بالفرق بين إضلال العباد بهذه الضروب١ من الأفعال، وبين إضلالهم بإظهار المعجزات على أيدي الكذابين؟ فجوابه: أنّا لم نحل إضلالهم بهذا الضرب لأنه إضلال عن الدين، أو لقبحه من الله لو وقع، أو لاستحقاقه الذمّ عليه - تعالى عن ذلك، أو لكونه ظالمًا لهم بالتكليف مع هذا الفعل. كلّ ذلك باطلٌ محالٌ من تمويههم، وإنما أحلناه لأنه يُوجب عجز القديم عن تمييز الصادق من الكاذب.
وتعريفنا الفرق بين النبي والمتنبي من جهة الدليل؛ إذ لا دليل [بقول] ٢ كلّ أحدٍ أثبت النبوة على نبوة الرسل وصدقهم، إلا [ظهورًا لأعلام] ٣ المعجزة على أيديهم، أو خبرُ من ظهرت المعجزة على يده عن نبوّة آخرَ مُرسَلٍ. فهذا إجماع لا خلاف فيه؛ فلو أظهر الله على يد المتنبي الكاذب ذلك، لبطلت دلائل النبوة، وخرجت المعجزات عن كونها دلالة على صدق الرسول، ولوجب لذلك عجز القديم عن الدلالة على صدقهم.
ولمّا لم يجز عجزه، وارتفاع قدرته عن بعض المقدورات، لم يجز لذلك ظهور المعجزات على أيدي الكذابين، بخلاف خلق الكفر في قلوب الكافرين٤.
متأخروا الأشاعرة سلكوا طريق الضرورة في معرفة صدق النبي
قلت: هذا عمدة القوم. والمتأخرون عرفوا ضعف هذا، فلم يسلكوه؛ كأبي المعالي٥، والرازي، وغيرهما. بل سلكوا الجواب الآخر: وهو أنّ
_________________
(١) ١ الضرب: المثل. وضرب المثل: هو ذكر شيء أثره يظهر في غيره. (انظر: القاموس المحيط ص ١٣٨. ومفردات ألفاظ القرآن ص ٥٠٦) . ٢ في «م»، و«ط»: في قول. ٣ في «م»، و«ط»: ظهور أعلام. ٤ هذا الكلام لا يوجد في القسم المطبوع من البيان. وهو ناقص من آخره. ٥ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٢، ٣٢٥.
[ ١ / ٢٣٥ ]
العلم بالصدق عند المعجز يحصل ضرورة، فهو علم ضروري١. [وبيّن] ٢ ضعف هذا الجواب، مع أنه يُحتجّ به، وقال: فهذا هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: إن كان الأمر كما زعمتم، فإنما يلزم العجز إذا كان خلق الدليل الدالّ على صدقهم جنسه لا يدلّ، بل جنسه يقع مع عدم النبوّة، ولم يبق عندكم جنسٌ من الأدلة [يختصّ] ٣ النبوة.
فلِمَ قلتم: إنّ تصديقهم والحال هذه ممكن؟
ولا ينفعكم هنا الاستدلال بالإجماع ونحوه من الأدلة السمعية؛ لأنّ كلامكم مع منكري النبوات. فيجب أن [تقيموا] ٤ عليهم كون المعجزات دليلًا على صدق النبي.
وأما من أقر بنبوّتهم بطريقٍ غير طريقكم، فإنّه لا يحتاج إلى كلامكم. فإذا قال لكم منكروا النبوّة: لا نسلّم إمكان طريق يدل على صدقهم، لم يكن معكم ما يدلّ على ذلك.
وقد أورد هذا السؤال، وأجاب عنه: بأنّه يمكنه تصديقهم بالقول، والمعجزات تقوم مقام التصديق بالقول، بل التصديق بالفعل أوكد. وضرب المثل بمدّعي الوكالة، إذا قال: قُمْ، أو اقعد، ففعل ذلك عند استشهاد وكيله؛ فإنّ العقلاء كلّهم يعلمون أنّه أقام تلك الأفعال مقام القول.
قلت: وهذا يعود إلى الاحتجاج بالطريقة الثانية؛ وهي العلم بالتصديق ضرورة، فلا حاجة إلى طريقة المعجزات.
_________________
(١) ١ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٢، ٣٣٦. ٢ في «خ»: وبيان. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: يخصّ. ٤ في «خ»: يقيموا. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٣٦ ]
الثاني: أنّه يُمكن أن يخلق علمًا ضروريًا بصدقهم. وقد سلّم القاضي أبو بكر١ ذلك، لكن قال: إذا اضطررنا إلى العلم بصدق مدّعي النبوة، وأنّه أرسله إلينا، كان في ضمن هذا العلم اضطراره لنا إلى العلم بذاته، وإلى أنه قد أرسل مدعي النبوة. وإذا علمنا ذلك اضطرارًا، لم يكن للتكليف بالعلم بصدقه وجهًا، وخرجنا بذلك عن أن نكون مكلفين [للعلم] ٢ بالدين. وهذا كلامٌ يؤدي إلى خروجنا عن حدّ المحنة والتكليف.
فيُقال له: إذا حصل العلم الضروريّ بوجود الخالق [وبصدق] ٣ رسوله، كان التكليف بالإقرار بالصانع، وعبادته وحده لا شريك له، وبتصديق رسله، وطاعة أمره. وهذا هو الذي أَمَرَتْ به الرسل؛ أَمَرَتْ الخلق أن يعبدوا الله وحده، وأن يُطيعوا رسله، ولم يأمروا جميع الخلق بأن يكتسبوا علمًا نظريًا بوجود الخالق، وصدق رسله. لكن من جحد الحق أمروه بالإقرار به، وأقاموا الحجة عليه، وبيّنوا معاندته، وأنّه جاحدٌ للحقّ الذي يعرفه. وكذلك الرسول كانوا يعلمون أنّه صادق ويكذبونه. فليُتدبّر هذا الموضع؛ فإنه موضعٌ عظيم.
حكمة الله تمنع ظهور المعجزات على يد الكذاب
الوجه الثالث: أن يقال: نحن نُسلّم أنّ المعجزات تدلّ على الصدق، وأنّه لا يجوز إظهارها على يد الكاذب، لكن هو٤ لأنّ الله [ميّزه] ٥ عن ذلك، وأنّ حكمته تمنع ذلك، ولا يجوز عليه كلّ فعل ممكن، وأنتم مع
_________________
(١) ١ الباقلاني. ٢ في «م»، و«ط»: بالعلم. ٣ في «خ»: وتصدق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ كذا في «خ»، و«م»، و«ط» . ٥ في «م»، و«ط»: منزه.
[ ١ / ٢٣٧ ]
تجويزكم عليه كلّ ممكن١، يلزمكم تجويز خلق المعجزة على يد الكاذب، فما علم بالعقل والإجماع من امتناع ظهورها على يد الكاذب يدل على فساد أصلكم.
الرد على من قال لا دليل على صدق الأنبياء إلا المعجزات
الوجه الرابع: أن يقال: لِمَ قلتم أنّه لا دليل على صدقهم إلا المعجزات٢، وما ذكرتم من الإجماع على ذلك لا يصحّ الاستدلال به لوجهين:
أحدهما: أنه لا إجماع في ذلك، بل كثيٌر من الطوائف يقولون: إنّ صدقهم بغير المعجزات.
الثاني: إنّه لا يصحّ الاحتجاج بالإجماع في ذلك؛ فإنّ الإجماع إنّما يثبت بعد ثبوت النبوة، والمقدمات التي يُعلم بها النبوة لا يُحتج عليها بالإجماع، وقولكم: لا دليل سوى المعجز: مقدمة ممنوعة.
وذُكر عن الأشعري أنّه ذَكَرَ جوابًا آخر، فقال: وأيضًا فإنّ قول القائل: ما أنكرتم من جواز إظهار المعجزات على أيدي الكذابين: قولٌ متناقضٌ، والله على كل شيء قدير. ولكن ما طالب السائل بإجازته محالٌ، لا تصحّ القدرة عليه، ولا العجز عنه؛ لأنّه بمنزلة كونه أظهر المعجزات على أيديهم؛ فإنّه أوجب أنهم صادقون؛ لأنّ المعجز دليلٌ على الصدق، ومتضمنٌ له.
وقوله: مع ذلك أنهم كاذبون: نقضٌ لقوله: أنهم صادقون قد ظهرت المعجزات على أيديهم. فوجب إحالة هذه المطالبة، وصار هذا بمثابة قول
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص٨١-٨٢، ٨٨-٩٠. والإرشاد للجويني ص٣١٩، ٣٢٢، ٣٢٦. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص ١٥٢-١٥٣،١٥٥، ٢٦٨، ٢٧٢-٢٧٥. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٣٨. والإرشاد للجويني ص ٣٣١.
[ ١ / ٢٣٨ ]
من قال: ما أنكرتم من صحة١ ظهور الأفعال المحكمة الدالّة على علم فاعلها، والمتضمّنة لذلك من جهة الدليل، من الجاهل بها في أنّه قولٌ باطلٌ متناقضٌ، فيجب إذا كان الأمر كذلك استحالة ظهور المعجزات على يد الكاذبين، واستحالة ثبوت قدرة قادر عليه. وكيف يصح على هذا الجواب أن يقال: ما أنكرتم [وزعمتم أنّه] ٢ من فعل المحال الذي لا يصحّ حدوثه، وتناول القدرة له [هو من قبيل الجائز] ٣ قياسًا على صحّة خلق الكفر، وضروب الضلال التي يصحّ حدوثها، وتناول القدرة لها.
من أصول الأشاعرة تجويزهم على الله فعل كل ممكن وعدم تنزيهه عن شيء.. ويلزمهم على ذلك خلق المعجزة على يد الكذاب
قلت: هذا كلامٌ صحيحٌ إذا عُلم أنّها دليل الصدق، يستحيل وجوده بدون الصدق، والممتنع غير مقدور، فيمتنع أن يظهر على أيدي الكاذبين ما يدل على صدقهم. لكن المطالب يقول: كيف يستقيم على أصلكم [أن يكون] ٤ ذلك [دليل] ٥ الصدق، وهو أمرٌ حادثٌ مقدور، وكلّ مقدور يصح عندكم أن يفعله الله، ولو كان فيه من الفساد ما كان؛ فإنّه عندكم لا ينزه عن فعل ممكن، ولا يقبح منه فعل؛ فحينئذ إذا خلق على يد الكاذب مثل هذه الخوارق، لم يكن ممتنعًا على أصلكم، وهي لا تدلّ على الصدق البتة على أصلكم، ويلزمكم إذا لم يكن دليل إلهي، ألاَّ يكون في المقدور دليلٌ على صدق مدعي النبوّة، فيلزم أنّ الربّ سبحانه لا يصدق أحدًا ادّعى النبوّة٦.
_________________
(١) ١ كذا في «خ»، و«م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: لكن أن يكون. - بزيادة: لكن -. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٦ انظر: الجواب الصحيح ٦/٣٩٣-٤٠١. وشرح الأصفهانية ٢/٦٢١-٦٢٤. وانظر أيضًا شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار المعتزلي ص ٥٧١-٥٧٢.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وإذا قلتم: هذا ممكنٌ، بل واقعٌ، ونحن نعلم صدق الصادق إذا ظهرت هذه الأعلام على يده ضرورةً١. قيل: فهذا يُوجب أنّ الربّ لا يجوز عليه إظهارها على يد كاذب. وهذا فعلٌ من الأفعال هو قادر عليه، وهو سبحانه لا يفعله، بل هو منزّه عنه. فأنتم بين أمرين: إن قلتم: لا يمكنه خلقها على يد الكاذب وكان ظهورها ممتنعًا، فقد قلتم: أنّه لا يقدر على إحداث حادثٍ قد فعل مثله، وهذا تصريحٌ بعجزه. وأنتم قلتم: فليست [بدليل، فلا] ٢ يلزم عجزه، فصارت دلالتها مستلزمةً لعجزه على أصلكم. وإن قلتم: يقدر، لكنّه لا يفعل، فهذا حقٌ، وهو ينقض أصلكم.
وحقيقة الأمر: أنّ نفس ما يدلّ على صدق [الصادق] ٣ بمجموعه، امتنع أن يحصل للكاذب، وحصوله له ممتنعٌ غير مقدور.
الله قادر على خلق الخوارق على يد الكذاب ولا يفعل لحكمة
وأمّا خلق مثل تلك الخارقة على يد الكاذب، فهو ممكنٌ، والله ﷾ قادر عليه، لكنه لا يفعله لحكمته٤؛ كما أنّه سبحانه يمتنع عليه أن يكذب، أو يظلم.
الأشاعرة ينفون حكمة الله تعالى
والمعجزُ تصديقٌ، وتصديق الكاذب هو منزهٌ عنه، والدالّ على الصدق قَصْدُ الربّ تصديق الصادق. وهذا القصد يمتنع حصوله للكاذب؛ فيمتنع جعل من ليس برسولٍ رسولًا، وجعل الكاذبِ صادقًا، ويمتنع من الرب
_________________
(١) ٢ ما بين المعقوفتين رسم في «خ» هكذا: بدل ليلا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ملحق في هامش «خ» . ٤ قال ابن حزم ﵀: "والله تعالى قادر على إظهار الآيات على أيدي الكذابين المدّعين للنبوّة، لكنّه تعالى لا يفعل، كما لا يفعل ما لا يُريد أن يفعله من سائر ما هو قادر عليه". الفصل في الملل والأهواء والنحل ٥/٢.
[ ١ / ٢٤٠ ]
قصد المحال، وهو غير مقدور، وهو إذا صدّق الصادق بفعله علم بالاضطرار والدليل أنّه صدّقه، وهذا العلم يمتنع حصوله للكاذب. واستشهادكم بالعلم: هو من هذا الباب؛ فأنتم تقولون إنّ الربّ لا يخلق شيئًا لشيءٍ١. وحينئذٍ: فلا يكون قاصدًا لما في المخلوقات من الإحكام،
_________________
(١) ١ وهي مسألة الحكمة وتعليل أفعال الله التي نفاها الأشاعرة. انظر: الإرشاد للجويني ص ٢٦٨. ونهاية الإقدام للشهرستاني ص ٢٩٧. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣١-٣٣٢. ومحصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي ص ٢٠٥. وغاية المرام للآمدي ص ٢٢٤. وقد ناقشهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في نفيهم تعليل الله، وتجويزهم على الله كلّ فعل، وردّ عليهم، فقال ﵀: "حيث قيل لهم: على أصلكم: لا يفعل الله شيئًا لأجل شيء، وحينئذٍ فلم يأت بالآيات الخارقة للعادة لأجل تصديق الرسول، ولا عاقب هؤلاء لتكذيبهم له، ولا أنجى هؤلاء ونصرهم لإيمانهم به، إذ كان لا يفعل شيئًا عندكم وإذا جوّزتم على الربّ كلّ فعل، جاز أن يظهر الخوارق على يد الكاذب. ويُقال لهم أيضًا: أنتم لا تعلمون ما يفعل الربّ إلا بعادة، أو خبر الأنبياء، فقبل العلم بصدق النبيّ لا يعلم شيء بخبره. والعادة إنما تكون فيما يتكرر؛ كطلوع الشمس، ونزول المطر، ونحو ذلك. والإتيان بالخارق للتصديق ليس معتادًا".. إلى أن قال - ﵀ - عنهم: "ويُجوّزون عليه فعل كلّ شيء ممكن، لا يُنزّهونه عن فعل سيئ الأفعال، وليس عندهم قبيحًا وظُلمًا إلا ما كان ممتنعًا؛ مثل جعل الشيء موجودًا معدومًا، وجعل الجسم من مكانين. ولهذا ذكر ذلك مخالفوهم حجة إبطال مذهبهم، وقالوا: قولهم يقدح في العلوم الضرورية، ويسدّ باب العلم بصدق الرسل. قالوا: إذا جوّزتم أن يفعل كلّ شيء، فجوّزوا أن يكون الجبال انقلبت ياقوتًا، والبحار لبنًا، ونحو ذلك ممّا يُعلم بالضرورة بطلانه. وجوّزوا أن يخلق المعجزات على يدي الكذابين ". الجواب الصحيح٦/٣٩٤-٣٩٥. وناقش - ﵀ - حجج الرازي على نفي الحكمة في أفعال العباد، وردّ عليها، وفنّدها في شرح الأصفهانية ٢/٣٥٧-٣٧٩. وستأتي هذه المسألة ص ٤٩٩-٥٠٣ من هذا الكتاب.
[ ١ / ٢٤١ ]
فلا يكون الإحكام دالا على العلم على أصلكم؛ فإنّ الإحكام: إنّما هو جعل الشيء محصّلًا للمطلوب؛ بحيث يجعل لأجل ذلك المطلوب. وهذا عندهم لا يجوز؛ فإثباته علمه، وتصديق رسله مشروطٌ بأن يفعل شيئًا لشيءٍ. وهذا عندكم لا يجوز، فلهذا يُقال: إنّكم متناقضون، والله ﷾ أعلم.
حقيقة المعجزة على قول الأشاعرة
الوجه الثامن: أنّ حقيقة الأمر على قول هؤلاء الذين جعلوا المعجزة: الخارق، مع التحدي: أنّ المعجز في الحقيقة ليس إلا منع الناس من المعارضة بالمثل؛ سواءٌ كان المعجز في نفسه خارقًا، أو غير خارق١. وكثيرٌ [ممّا] ٢ يأتي به [الساحر] ٣ والكاهن أمرٌ معتادٌ لهم.
وهم يجوّزون أن يكون آيةً للنبيّ. وإذا كان آيةً، منع الله الساحر والكاهن من مثل ما كان يفعل، أو قيّض له من يعارضه.
وقالوا: هذا أبلغ؛ فإنه منع المعتاد. وكذلك عندهم [أحد] ٤ نَوْعَي المعجزات [منعهم] ٥ من الأفعال المعتادة. وهو مأخذ من يقول بالصرفة٦.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ١٦-٢٠، ٧٢-٧٣. والإرشاد للجويني ص ٣٢٨-٣٣١. ٢ في «ط» فقط: ما. ٣ في «ط» فقط: ساحر. ٤ في «م»، و«ط»: إحدى. ٥ في «ط» فقط: فيهم. ٦ الصرفة: هي أنّ الله تعالى صرف الخلق عن الإتيان بمثل القرآن الكريم. وهو قولٌ قال به بعض أهل الكلام؛ كالرازي، وغيره. والصواب أنّ القرآن بنفسه معجز. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن أضعف الأقوال: قول من يقول من أهل الكلام إنّه معجز بصرف الدواعي مع تمام الموجب لها، أو بسلب القدرة التامة، أو بسلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبًا عامًا، مثل قوله تعالى لزكريا: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [سورة مريم، الآية ١٠] . وهو أنّ الله صرف قلوب الأمم عن معارضته، مع قيام المقتضي التامّ؛ فإنّ هذا يُقال على سبيل التقدير والتنزيل وإلا فالصواب المقطوع به: أنّ الخلق كلّهم عاجزون عن معارضته، لا يقدرون على ذلك، ولا يقدر محمد ﷺ نفسه من تلقاء نفسه على أن يبدل سورة من القرآن، بل يظهر الفرق بين القرآن وبين سائر كلامه لكلّ من له أدنى تدبّر؛ كما قد أخبر الله به في قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . [سورة الإسراء، الآية ٨٨] ) . الجواب الصحيح ٥/٤٢٩-٤٣١. وانظر: المصدر نفسه ٥/٤٢٠-٤٣١. والمغني في أبواب التوحيد والعدل لعبد الجبار ١٦/٢٦٤. وشرح الأصول الخمسة له ص ٥٨٧-٥٩٠. ومقالات الإسلاميين للأشعري ١/٢٩٦. وأعلام النبوة للماوردي ص ٢٢١-٢٢٢. وإعجاز القرآن للباقلاني ص ٧٧-٧٩. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٥٢. ومناهل العرفان للزرقاني ص ٣١٠-٣١٥.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وإذا كان كذلك، جاز أن يكون كلّ أمرٍ؛ كالأكل، والشرب، والقيام، والقعود معجزةً إذا منعهم أن يفعلوا كفعله، وحينئذٍ: فلا معنى لكونها خارقًا، ولا لاختصاص الربّ بالقدرة عليها، بل الاعتبار بمجرّد عدم المعارضة. وهم يُقرّون بخلاف ذلك، والله أعلم.
الوجه التاسع: أنّه إذا كانت المعجزة هي مجموع دعوى الرسالة، مع التحدي، فلا حاجة إلى كونه خارقًا؛ كما تقدم١، ويجب إذا تحدّى بالمثل أن يقول: فليأت بمثل القرآن من يدّعي النبوّة؛ فإنّ هذا هو المعجز عندهم، وإلاَّ القرآن مجرّدًا ليس بمعجز؛ فلا يُطلب مثل القرآن إلاَّ ممّن يدّعي النبوّة٢؛ كما في الساحر والكاهن إذا ادّعى النبوة سلبه الله ذلك، أو
_________________
(١) ١ انظر: ص.٢٠١ من هذا الكتاب ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "..أنّ مسيلمة ادّعى النبوّة، واتبعه قومه على ذلك أنه كان له مخاريق، وأنّه ظهر كذبه من وجوه متعددة، وأنّ أبا بكر الصديق والصحابة قاتلوه على كذبه في دعوى النبوة، وقاتلوا قومه على ردّتهم عن الإسلام، واتباعهم نبيًّا كاذبًا، لم يُقاتلوهم على كونهم لم يُؤدّوا الزكاة لأبي بكر. وكذلك الأسود العنسيّ الذي ادّعى النبوّة في حياة النبيّ ﷺ، وقتل في حياته؛ كلّ منهما عُرف كذبه بتكذيب النبيّ الصادق والمصدوق لهما، وممّا ظهر من دلائل كذبهما؛ مثل الأخبار الكاذبة التي تناقض النبوّة، ومثل الإيمان بقرآن مختلف يعلم من سمعه أنه لم يتكلم الله به، وإنما هو تصنيف الآدميين؛ كما قال أبو بكر الصديق لهم لما تابوا من الردّة وعادوا إلى الإسلام: أسمعوني قرآن مسيلمة. فلما أسمعوه إياه قال: ويحكم أين يُذهب بعقولكم! إنّ هذا كلام لم يخرج) . الجواب الصحيح ٦/٤٧٦.
[ ١ / ٢٤٣ ]
قيّض له من يعارضه. وإذا لم يدّع النبوّة جاز أن يظهر على يده مثل ما يظهر على يد النبيّ. فكذلك يلزمهم مثل هذا في القرآن، وسائر المعجزات. والله أعلم.
[ ١ / ٢٤٤ ]