وهي البراهين الدالّة على أنّ ما يقوله حقّ؛ من الخبر، والأمر؛ فلا بُدّ أن يكون قد بيّن الدلائل على صدقه في كلّ ما أخبر، ووجوب طاعته في كلّ ما أوجب وأمر.
ومن أعظم أصول الضلال: الإعراض عن بيان الرسول للأدلة والآيات والبراهين والحجج؛ فإنّ المعرضين عن هذا؛ إمّا أن يُصدّقوه، ويقبلوا قوله، ويؤمنوا به بلا دليلٍ أصلًا ولا علم؛ وإمّا أن يستدلّوا على ذلك بغير أدلته
فإن لم يكونوا عالمين بصدقه: فهم ممّن يُقال له في قبره: ما قولك في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فأمّا المؤمن أو الموقن، فيقول: هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبيّنات والهدى، فآمنّا به واتبعناه. وأمّا المنافق أو المرتاب، فيقول: هاه، هاه، لا أدري، سمعتُ النّاس يقولون شيئًا، فقلتُهُ. فيُضرب بمِرْزَبَّةٍ ٢ من حديدٍ، فيصيح صيحةً يسمعها كلّ
_________________
(١) للمؤلف ﵀ رسالة باسم: "معارج الوصول إلى أنّ أصول الدين وفروعه قد.بيّنها الرسول ﷺ". نشر مكتبة ابن الجوزي. وانظر: درء تعارض العقل والنقل للمؤلف ١/٢٢-٢٧ وما بعدها. ومجموع الفتاوى ٣/٢٩٣، ٣٢٦.
(٢) المِرْزَبَّة، والمِرْزَبَة - بالتشديد، والتخفيف -: عُصَيّة من حديد. القاموس المحيط للفيروزآبادي ص ١١٤ (رزب) .
[ ١ / ٢٤٥ ]
شيء، إلا الثقلين١٢.
وإن استدلّ على ذلك بغير الآيات والأدلة التي دعا بها النّاس، فهو مع كونه مبتدعًا٣، لا بُدّ أن يُخطئ ويُضلّ.
فإن ظنّ الظانّ أنّه بأدلة٤ وبراهين خارجة عمّا جاء به تدلّ٥ على ما جاء به، فهو٦ من جنس ظنّه أنّه يأتي بعبادات غير ما شرعه تُوصل إلى مقصوده٧.
_________________
(١) الثقلان: الجنّ والإنس. القاموس المحيط للفيروزآبادي ص ١٢٥٦ (ث ق ل) .
(٢) معنى حديث طويل أخرجه البخاري في صحيحه ١/٤٦١، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ومسلم في صحيحه ٤/٢٢٠٠-٢٢٠١، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوّذ منه. كلاهما أخرجاه بألفاظ مقاربة لما ذكره المؤلف.
(٣) الابتداع: هو شرع ما لم يأذن الله به، ولم يكن عليه أمر النبيّ ﷺ ولا أصحابه. وهي ما عناه النبي ﷺ بقوله: "كل عمل ليس عليه أمرنا.. " الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٢٦٧٥، كتاب الاعتصام، باب: وكذلك جعلناكم أمة وسطا. ومسلم في صحيحه ٣/١٣٤٣، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة وردّ محدثات الأمور. وانظر: معارج القبول للحكمي٣/١٢٢٨) . وعرّف الشاطبي البدعة بقوله: "عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تُضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله سبحانه". الاعتصام ١/٣٧. والمبتدع: هو الذي وقعت منه البدعة. وهو نوعان: مبتدع اعتقاديّ، ومبتدع عمليّ. والمبتدع المقصود هاهنا هو صاحب البدعة الاعتقادية: الذي يعتقد خلاف ما عليه النبيّ ﵇؛ سواء صاحب الاعتقاد عمل، أم لم يُصاحب.. وانظر: الاستقامة لابن تيمية ١/٥.
(٤) كذا في «خ»، و«م»، ولعلّ المراد: أنّه أتى بأدلة
(٥) في «خ» يدلّ، وما أثبت من «م»، و«ط» .
(٦) ليست في «خ» . وهي في «م»، و«ط» .
(٧) قال شيخ الإسلام ﵀: "وكلّ من دعا إلى شيء من الدين بلا أصل من كتاب الله وسنة رسوله، فقد دعا إلى بدعة وضلالة، والإنسان في نظره مع نفسه ومناظرته لغيره إذا اعتصم بالكتاب والسنة هداه الله إلى صراطه المستقيم؛ فإنّ الشريعة مثل سفينة نوح ﵇، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق". درء تعارض العقل والنقل ١/٢٣٤.
[ ١ / ٢٤٦ ]
"وهذا الظنّ وقع فيه طوائف من النظّار الغالطين١، أصحاب الاستدلال والاعتبار والنظر؛ كما وقع في الظنّ الأول طوائف من العبّاد الغالطين٢، أصحاب الإرادة والمحبّة والزهد"٣.
وقوله ﷺ في خطبته يوم الجمعة: "خيرُ الكلامِ كلامُ اللهِ، وخيرُ الهَدْيِ هديُ محمّد، وشرُّ الأمورِ مُحْدَثاتُها، وكلُّ بدعةٍ ضلالة"٤ يتناول هذا وهذا.
وقد أرى الله تعالى عبادَه الآيات في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى تبيّن٥ لهم أنّ ما٦ قاله فهو حقّ؛ فإنّ أرباب العبادة، والمحبّة، والإرادة، والزهد الذين سلكوا غير ما أُمروا به، ضلّوا كما ضلّت النصارى. ومبتدعة
(٤) مثل المتكلمين.
(٥) مثل المتصوّفة.
(٦) العبارة في «خ» وردت هكذا: "وهذا الظنّ وقع فيه طوائف من العبّاد الغالطين أصحاب الإرادة والمحبة والزهد؛ كما وقع في الظنّ الأول طوائف من النظّار الغالطين أصحاب الاستدلال والاعتبار والنظر".
ولعلّ الصواب ما أُثبت نقلًا عن «م»، و«ط»؛ لأنّ الظنّ المُراد في قوله: (وهذا الظنّ..) هو ظنّ المتكلّمين وأمثالهم ممّن أتوا ببراهين وأدلة خارجة عمّا جاء به رسول الله ﷺ.
_________________
(١) الحديث أخرجه أحمد في المسند ٣/٣١٠، ٣٧١. ومسلم في صحيحه ٢/٥٩٢، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة.. مع اختلاف في الألفاظ.
(٢) في «خ»: يتبيّن، وفي «م»، و«ط»: تبيّن.
(٣) في «خ»: أنما، وفي «م»، و«ط»: أنّ ما. وهو الصحيح.
[ ١ / ٢٤٧ ]
هذه الأمة من العبّاد، وأرباب النظر، والاستدلال الذين سلكوا
غير دليله وبيانه أيضًا ضلّوا. قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّيْ هُدَىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدّاْيَ فَلاْ يَضِلُّ وَلاْ يَشْقَىْ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِيْ فَإِنَّ لَهُ مَعِيْشَةً ضَنْكًَا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَاْمَةِ أَعْمَىْ قَاْلَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيْ أَعْمَىْ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيْرًَا قَاْلَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاْتُنَاْ فَنَسِيْتَهَاْ وَكَذِلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىْ﴾ ١.
قول الإمام أحمد: أصول الإسلام أربعة
وفي الكلام المأثور عن الإمام أحمد: أصول الإسلام أربعة٢: دالٌ، ودليل، ومبيِّن، ومُستدِلّ. فالدالّ هو الله، والدليل هو القرآن، والمبيِّن هو الرسول؛ قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاْسِ مَاْ نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٣، والمستدِلّ هم أولوا العلم وأولوا الألباب٤ الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم٥.
وقد ذكره ابن الْمَنِّي٦عن أحمد. وهو مذكور في العدّة٧ للقاضي أبي يعلى٨، وغيرها، إما أنّ أحمد قاله، أو قيل له، فاستحسنه.
_________________
(١) سورة طه، الآيات ١٢٣-١٢٦.
(٢) في كتاب «العدة في أصول الفقه» للقاضي أبي يعلى: (قواعد الإسلام أربع) . ٣ سورة النحل، جزء من الآية ٤٤.. ٤ في العدة: (والمستدلّ أولوا الألباب) .. ٥ في العدة: (ولا يُقبل الاستدلال إلا ممّن كانت هذه صفته) .. ٦ ابن المني: هو أبو الفتح؛ نصر بن فتيان بن مطر بن المني النهرواني الحنبلي، شيخ الحنابلة. ولد سنة ٥٠١هـ. كان ورعًا، عابدًا، حسن السمت، على منهج السلف. توفي سنة ٥٨٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/١٣٧، ١٣٨. والبداية والنهاية ١٢/٣٥٠. وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ١/٣٥٨. وشذرات الذهب ٤/٢٧٧. ٧ انظر: كتاب العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى ١٠/١٣٥، تحقيق د/ أحمد بن علي سير المباركي. وانظر: كتاب شرح الكوكب المنير لأبي البقاء الفتوحي١/٥٥. ٨ تقدمت ترجمته ١٧٥.
[ ١ / ٢٤٨ ]
أهل الكلام يوجبون النظر
ولهذا صار كثير من النظّار يوجبون العلم والنظر والاستدلال١، وينهون عن التقليد، ويقول كثير منهم: إنّ إيمان المقلّد لا يصحّ، أو أنه وإن صحّ، لكنّه عاص بترك الاستدلال، ثمّ النظر٢.
الاستدلال الفاسد الذي أصله المتكلمون
والاستدلال الذي يدعون إليه، ويوجبونه، ويجعلونه أول الواجبات٣،
_________________
(١) ١ وهذا صنيع جمهور المعتزلة والماتريدية والأشعريّة؛ فإنّهم يوجبون العلم والنظر والاستدلال على كلّ أحد، بل يجعلونه أول واجب على المكلّف. انظر: الغنية في أصول الدين لعبد الرحمن النيسابوري ص ٥٥. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار المعتزلي ص ٦٠-٧٥. والتوحيد للماتريدي ص ١٣٥-١٣٧. والإرشاد للجويني ص ٣. وشرح جوهرة التوحيد للبيجوري ص ٣٨. وشرحها للقاني ص ٢٤-٢٥. ٢ قال الصاوي في شرح جوهرة التوحيد - بعد أن ساق في المسئلة ستة أقوال -: "والحقّ الذي عليه المعوّل: أنّه مؤمن عاص بترك النظر، إن كان فيه أهلية النظر".. شرح جوهرة التوحيد للصاوي ص ٦١. وانظر: أيضًا: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٧/٣٥٣، ٤٠٨. ومجموع الفتاوى ٢٠/٢٠٢. والاستقامة ١/١٤٢. وسيأتي ردّ المصنّف ﵀ عليهم بالتفصيل في هذا الكتاب ٣٩٢، ٣٩٣. ٣ قال أبو جعفر السمناني عن هذه المسألة: (إنّ هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة، وتفرّع عليها أنّ الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنّه لا يكفي التقليد في ذلك ) . فتح الباري لابن حجر ١٣/٣٦١. وقد نقلها شيخ الإسلام ﵀ في درء تعارض العقل والنقل ٧/٤٠٧، ٤٦١. ومعتقد السلف في هذه المسألة أنّ أوّل واجب على المكلّف: الشهادتان، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشكّ؛ كما هي أقوال المتكلمين. فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا؛ كما قال النبيّ ﷺ: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنّة" الحديث أخرجه أحمد في مسنده٥/٢٣٣، ٣٤٧. والحاكم في مستدركه ١/٣٥١، وصححه ووافقه الذهبي. وكذلك قوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" الحديث أخرجه البخاري ٢/١٢٥، كتاب الزكاة، ومسلم ١/٥٠-٥١، كتاب الإيمان. فهو أول واجب، وآخر واجب. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٨/٦-٧، ٢١. ومجموع الفتاوى ١٦/٣٢٨. وشرح الطحاوية ١/٢٣.
[ ١ / ٢٤٩ ]
وأصل العلم: هو نظر واستدلال ابتدعوه، ليس هو المشروع؛ لا خبرًا، ولا أمرًا. وهو استدلال فاسد لا يُوصل إلى العلم؛ فإنّهم جعلوا أصل العلم بالخالق هو الاستدلال على ذلك بحدوث الأجسام١، والاستدلال على
_________________
(١) ١ لأنّهم قالوا إنّ إثبات الصانع لا يُعرف إلا بالنظر المفضي إلى العلم بإثباته، والعلم بإثبات الصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوث العالم، وإثبات حدوث العالم لا يمكن إلا بإثبات حدوث الأجسام؛ لذلك جعلوا أصل العلم بالخالق هو الاستدلال على ذلك بحدوث الأجسام. انظر: الفرقان بين الحق والباطل لابن تيمية ص ٩٦، ٩٨. والرسالة التدمرية له ص ١٤٨. ومنهاج السنة النبوية له ١/٣٠٩-٣١٠. ويذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في موضع آخر أنّ الذي أوجب دليل الأعراض وحدوث الأجسام هم متأخرو الأشعريّة؛ كالجوينيّ، فيقول ﵀: "وبالجملة: فإنه وإن كان أبو المعالي ونحوه يوجبون هذه الطريقة، فكثير من أئمة الأشعريّة، أو أكثرهم يُخالفونه في ذلك، ولا يُوجبونها، بل إمّا أن يُحرّموها أو يكرهوها أو يبيحوها وغيرها، ويُصرّحون بأنّ معرفة الله تعالى لا تتوقّف على هذه الطريقة، ولا يجب سلوكها. ثمّ هم قسمان؛ قسم يسوقها ويسوق غيرها ويعدّها طريقًا من الطرق، فعلى هذا إذا فسدت لم يضرّهم. والقسم الثاني يذمونها ويعيبونها ويعيبون سلوكها، وينهون عنها؛ إمّا نهي تنزيه، وإما نهي تحريم". نقض التأسيس لابن تيمية ٢/١٥. وهؤلاء الذين يقولون إنّ معرفة الله لا تتوقّف على طريقة الأعراض، ولا يوجبونها، أو الذين ينهون عنها هم من متقدّمي الأشعريّة.. أمّا متأخروهم، فكلهم على أنّها أصل الدين، ولا يُعرف الله إلا بها. وطريقة الأعراض وحدوث الأجسام هذه مأخوذة عن الجهميّة والمعتزلة؛ فهم الأصل فيها، وعنهم انتشرت، وإليهم تُضاف.. كما نصّ على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في درء تعارض العقل والنقل ٧/٢٠٩.
[ ١ / ٢٥٠ ]
حدوث الأجسام بأنّها مستلزمة للأعراض لا يخلو عنها ولا ينفكّ منها١. ثمّ استدلّوا على حدوث الأعراض. قالوا: فثبتَ أنّ الأجسام مستلزمة للحوادث، لا يخلو عنها، فلا تكون مثلها.
دليل الحوادث
ثمّ كثير منهم قالوا: وما لم يخل من الحوادِث، أو ما لم يسبق الحوادث، فهو حادِث٢، وظنّ أنّ هذه مقدّمة بديهيّة معلومة بالضرورة لا يُطلب عليها دليل، وكان ذلك بسبب أنّ لفظ الحوادِث يُشعر بأنّ٣ لها ابتداءً؛ كالحادِث المعيّن، والحوادِث المحدودة٤. ولو قدّرت ألف ألف
_________________
(١) ١ وقد اختلفوا فيما يُستدلّ به على حدوثها؛ هل بملازمتها للأعراض جميعها، أو لبعض الأعراض؛ كالأكوان الأربعة، أو لبعض الأكوان؛ كالحركة مثلًا؛ على أقوال. فاستدلّ المعتزلة بملازمة الأجسام للأعراض جميعها، أو بعضها - كالأكوان - على حدوثها. انظر: شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٩٥. واستدلّ الأشعريّة بملازمة الأجسام للأكوان، أو بعضها - كالحركة والسكون - على حدوثها. انظر: التمهيد للباقلاني ص ٣٨. وأصول الدين للبغدادي ص ٥٩. والإرشاد للجويني ص ٤٠. أما الماتريديّة: فقد وافقوا المعتزلة في استدلالهم بملازمة الأجسام للأعراض، أو لبعضها - كالأكوان - على حدوثها.. انظر: العقائد النسفية لأبي حفص النسفي ص ٢٠. وتفسير أبي البركات النسفي ١/٢٠٠. وإشارات المرام من عبارات الإمام للبياضي ص ٨٢. ٢ وهذه عبارات متنوعة، مؤدّاها واحد. انظر: جامع الرسائل - رسالة في الصفات الاختيارية - لابن تيمية ٢/٣١-٣٢. وكتاب الصفدية له ٢/١٦٣. ودرء تعارض العقل والنقل له ٨/١٧٣. وانظر: من كتب الأشعريّة: التمهيد للباقلاني ص ٤١. والإنصاف له ص ٢٨. والإرشاد للجويني ص ١٧-٢٨. وأصول الدين للبغدادي ص ٦٠. ٣ في «خ»: بأنّه.. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ وذلك لأنّ الحادِث ما يكون مسبوقًا بالعدم؛ حدث بعد أن لم يكن. ويُفهم من هذا أنّ جنس الحوادِث لها ابتداء. وهذا الأمر صحيح بالنسبة للحوادِث المخلوقة. أمّا أفعال الله تعالى فليس لنوعها ابتداء؛ فهو - جلّ وعلا - لم يكن معطّلًا عن صفاته الفعلية أزلًا، ثمّ وجدت بعد أن لم تكن. بل هو أزليّ بصفاته، وإن كانت أفعاله قديمة النوع متجدّدة الآحاد. وما كان كذلك لا يُقال عنه إنّه وُجد بعد العدم.
[ ١ / ٢٥١ ]
ألف حادث، فإنّ الحوادث إذا جُعلت مقدّرة محدودة، فلا بُدّ أن يكون لها ابتداء١؛ فإنّ ما لا ابتداء له ليس له حدّ معيّن ابتدأ منه، إذ قد قيل لا ابتداء له، بل هو قديم أزليّ دائم. ومعلومٌ أنّ هذه الحوادِث ما لم يسبقها فهو حادث؛ فإنّه يكون إمّا معها، وإمّا بعدها٢.
_________________
(١) ١ وقد مثّلوا لذلك ببرهان، أطلقوا عليه اسم «برهان التطبيق»، وقالوا: لو فُرض فيما لا يتناهى من الحوادِث سلسلتان؛ إحداهما من الطوفان إلى ما لانهاية له في القدم، والأخرى من الهجرة إلى ما لا نهاية له في القدم، ثمّ طبّق بين هاتين السلسلتين؛ فكلما طرح من السلسلة الأولى واحد، طرح من الأخرى مقابله واحد أيضًا، وهنا لا يخلو الحال من أمور ثلاثة: إمّا أن يفرغا معًا: وهذا خلاف الفرض، ويلزم منه مساواة الناقص للزائد. وإمّا ألاّ يفرغا، وهو باطل عندهم أيضًا؛ لأنّه يلزم منه المساواة بين مختلفَيْن - على حد قولهم، وتستحيل المساواة لتحقق الزيادة في أحدهما. وإمّا أن يفرغ أحدهما قبل الآخر؛ فإذا فرغت إحدى السلسلتين، لزم أن تفرغ الأخرى أيضًا لوجود قدر متناه بينهما. وهذا الأمر الثالث هو المعتبر عندهم، وهو يدلّ على امتناع حوادث لا أول لها. انظر: من كتبهم: المواقف للإيجي ص ٩٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ٢/١٢٠-١٢٢. ٢ وهذا تقدّمت الإشارة إليه قريبًا، وهو إحدى المقدّمتين اللتين بنوا عليهما إثبات حدوث الأجسام، وهو معنى قولهم: ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث إلخ. انظر: نقض التأسيس لابن تيمية - مخطوط - ق ٤٧/ب) .
[ ١ / ٢٥٢ ]
وكثير منهم١ يفطن للفرق بين جنس الحوادث، وبين الحوادث المحدودة؛ فالجنس: مثل أن يُقال: ما زالت الحوادث توجد شيئًا بعد شيء، أو ما زال جنسها موجودًا، أو ما زال الله متكلّمًا إذا شاء، أو ما زال الله فاعلًا لما يشاء٢، أو ما زال قادرًا على أن يفعل قدرة يمكن معها اقتران المقدور بالقدرة، لا تكون قدرة يمتنع معها المقدور؛ فإنّ هذه في الحقيقة ليست قدرة٣. ومثل أن يُقال في المستقبل: لا بُدّ أنّ الله يخلق شيئًا بعد شيء،
_________________
(١) ١ أي من النظّار. ٢ وهذا ما قاله السلف - ﵏ - في صفات الأفعال الاختيارية؛ من أنّها قديمة النوع، حادثة الآحاد، لا بمعنى وجود المفعولات معه جلّ وعلا أزلًا؛ فإنّ القول بوجود المفعولات مع الله جلّ وعلا أزلًا ليس من أقوال المسلمين. انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٤٨) . ٣ مع القدرة التامة يتعيّن وجود المقدور، وإلا فليست قدرة. انظر: جامع الرسائل - رسالة في الصفات الاختيارية - لابن تيمية ٢/٢٠-٢١) . تنبيه: ليس يُفهم من قول السلف - رحمهم الله تعالى - عن الله جلّ وعلا: لم يزل فاعلًا، أو لم يزل خالقًا، أو لم يزل قادرًا، إلخ: أنّ الخالق للسموات والأرض والإنسان لم يزل يخلق السموات والأرض والإنسان، أو لم يزل يفعل كذا؛ بمعنى أنّ هذه المفعولات، أو المخلوقات موجودة معه في الأزل، بل المراد ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر بقوله: "لم يزل الخالق لذلك سيخلقه، ولم يزل الفاعل لذلك سيفعله؛ فما من مخلوق من المخلوقات، ولا فعل من المفعولات، إلا والرب تعالى موصوف بأنه لم يزل سيفعله، ليس موصوفًا بأنّه لم يزل فاعلًا له خالقًا له؛ بمعنى أنّه موجود معه في الأزل. وإن قُدّر أنه كان قبل هذا الفعل فاعلًا لفعل آخر، وقبل هذا المخلوق خالقًا لمخلوق آخر، فهو لم يزل بالنسبة إلى كلّ فعل ومخلوق: سيفعله، وسيخلقه، لا يُقال: لم يزل فاعلًا له بمعنى مقارنته له". درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٢٦٧-٢٦٨. وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: "فليس مع الله في الأزل شيء من المفعولات ولا الأفعال؛ إذ كان كل منهما حادِثًا بعد أن لم يكن، والحادِث بعد أن لم يكن لا يكون مقارنًا للقديم الذي لم يزل". درء تعارض العقل والنقل ٢/٢٦٧.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ونعيم أهل الجنة دائم لا يزول، ولا ينفذ. وقد يُقال في النوعين: كلمات الله لا تنفذ، ولا نهاية لها؛ لا في الماضي، ولا في المستقبل، ونحو ذلك١.
فالكلام٢ في دوام الجنس وبقائه، وأنّه لا ينفذ، ولا ينقضي، ولا يزول، ولا ابتداء له: غير الكلام فيما يقدر محدودًا له ابتداء، أو له ابتداء وانتهاء٣؛ فإنّ كثيرًا من النظّار٤ من٥ يقول: جنس الحوادِث إذا قدّر له ابتداء، وجب أن يكون له انتهاء؛ لأنّه يمكن فرض تقدّمه على ذلك الحدّ، فيكون أكثر ممّا وجد، وما لا يتناهى لا يدخله التفاضل؛ فإنّه ليس وراء عدم النهاية شيء أكثر منها، بخلاف ما لا ابتداء له ولا انتهاء؛ فإنّ هذا لا يكون شيء فوقه، فلا يفضي إلى التفاضل فيما لا يتناهى. وبسط هذا له موضع آخر٦.
_________________
(١) ١ وهذا هو التسلسل الذي أجازه السلف - رحمهم الله تعالى - ورأوا أنّ إثباته ضروريّ لإثبات أفعال الله الاختياريّة، وعليه يشهد قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَاْنَ الْبَحْرُ مِدَاْدًَا لِكَلِمَاْتِ رَبِّيْ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاْتُ رَبِّيْ وَلَوْ جِئْنَاْ بِمِثْلِهِ مَدَدًَا﴾ [الكهف، ١٠٩] . فكلمات الله لا نهاية لها؛ لم يزل متكلمًا بمشيئته وقدرته، ولا يزال؛ فلا نهاية لكلماته. ٢ كذا في «خ»، وفي «م» . وفي «ط»: فالكلمة. ٣ وفي هذا إشارة إلى الفرق بين جنس الحوادث، وبين الحوادث المحدودة؛ كما تقدّم التنويه بذلك. ٤ كأبي الهذيل العلاّف، والجهم بن صفوان، ومن وافقهما.. وكان من حجتهم: إذا امتنعت حوادث لا أول لها في الماضي، فيجب أن تمتنع حوادث لا نهاية لها في المستقبل.. انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٤٧) . ٥ هكذا وردت في «خ»، و«م»، و«ط» . ولعلّ الأصوب حذفها. ٦ انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٤٦-١٤٧، ١/٢٢٣-٢٣٤، والفتاوى ٢/٨٨، و٣٦/٢٨-٣٠، والصفدية ١/٨-١٣٥. وقد نسب خصوم شيخ الإسلام ﵀ كالسبكي وغيره (طبقات الشافعية٦/١٠٦) أنه يقول بقدم العالم وبتسلسل الحوادث، والمشهور من كتب شيخ الإسلام ﵀ أنه رد على الفلاسفة القائلين بقدم العالم كما رد على قول المتكلمين الذين يجوزون دوام الحوادث في المستقبل دون الماضي ويقولون: "إن الله خلق بعد أن بم يكن يخلق، ونصر قول أهل الحديث الذي لم يفهمه المتكلمون؛ وهو أن الله لم يزل فاعلا متكلما بمشيئته ولم يكن معطلا عن الخلق والأمر".
[ ١ / ٢٥٤ ]
المتكلمون جعلوا أصل دينهم النظر في دليل الأعراض وحدوث الأجسام
والمقصود هنا أنّ هؤلاء جعلوا هذا أصل دينهم وإيمانهم، وجعلوا النظر في هذا الدليل هو النظر الواجب على كلّ مكلّف، وأنّه من لم ينظر في هذا الدليل؛ فإمّا أنّه لا يصحّ إيمانه، فيكون كافرًا١ على قول طائفة منهم، وإمّا أن يكون عاصيًا٢ على قول آخرين، وإما أن يكون مقلّدًا لا علم له بدينه، لكنه ينفعه هذا التقليد، ويصير به مؤمنًا غير عاص.
الرسول لم يدع الخلق إلى دليل النظر
والأقوال الثلاثة باطلة؛ لأنّها مفرّعة على أصل باطل، وهو أنّ النظر الذي هو أصل الدين والإيمان، هو هذا النظر في هذا الدليل؛ فإنّ علماء المسلمين يعلمون بالاضطرار أنّ الرسول لم يدع الخلق بهذا النظر، ولا بهذا الدليل؛ لا عامة الخلق، ولا خاصّتهم٣، فامتنع أن يكون هذا شرطًا في الإيمان والعلم.
_________________
(١) ١ وذلك لأنّ النظر في هذا الدليل «دليل الأعراض وحدوث الأجسام» هو المسلك الوحيد عندهم لإثبات وجود الله تعالى، فمن لم يسلكه عجز عن إثبات وجود ربّه وتصحيح عقيدته، فصار من الملحدين. انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٠٣. والفرقان بين الحق والباطل له ص ٤٧. وشرح حديث النزول ص ١٦١-١٦٢) . يقول الماتريديّ عن الله تعالى: "لا سبيل إلى العلم به، إلا من طريق دلالة العالم عليه". التوحيد للماتريدي ص ١٢٩ ويقول أبو حامد الغزالي: " فبان أنّ من لا يعتقد حدوث الأجسام، فلا أصل لاعتقاده في الصانع أصلًا". تهافت الفلاسفة ص ١٩٧. ٢ قال الصاوي: "والحق الذي عليه المعوّل: أنّه مؤمن عاص بترك النظر إلخ". شرح جوهرة التوحيد للصاوي ص ٦١ ٣ فالأنبياء ﵈ - وفي مقدمتهم نبيّنا ﷺ - لم يأمروا أحدًا بسلوك هذا السبيل، فدلّ ذلك على أنّه غير مشروع؛ إذ لو كان واجبًا أو مستحبًا لشرعه رسول الله ﷺ. وما دام الأمر كذلك، فليست معرفة الله تعالى موقوفة عليه؛ إذ معرفته جلّ وعلا واجبة. انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٥٠.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وقد شهد القرآن والرسول لمن شهد له من الصحابة وغيرهم بالعلم، وأنّهم عالمون بصدق الرسول، وبما جاء به، وعالمون بالله، وبأنّه لا إله إلا الله، ولم يكن الموجب لعلمهم هذا الدليل المعيّن١؛ كما قال تعالى:
﴿وَيَرَىْ الّذِيْنَ أُوْتُوْا الْعِلْمَ الّذِيْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقُّ وَيَهْدِيْ إِلَىْ صِرَاْطِ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ﴾ ٢، وقال: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوْا الْعِلْمِ قَاْئِمًَا بِالْقِسْطِ﴾ ٣، وقال: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَاْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىْ﴾ ٤.
وقد وصف باليقين والبصيرة في غير موضع؛ كقوله: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوْقِنُوْنَ﴾ ٥، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ٦، وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيْلِيْ أَدْعوا إِلَىْ اللهِ عَلَىْ بَصِيْرَةٍ أَنَا وَمنِ اتَّبَعَنيْ﴾ ٧، وأمثال ذلك.
فتبين أنّ هذا النظر والاستدلال الذي أوجبه هؤلاء، وجعلوه أصلَ الدين، ليس ممّا أوجبه الله ورسوله٨. ولو قدّر أنّه صحيح في نفسه، وأنّ
_________________
(١) ١ وهو ما أنكره بعض النظّار أنفسهم. يقول أبو حامد الغزالي - وهو من أئمة المتكلمين: "فليت شعري متى نُقل عن رسول الله ﷺ، أو عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قالوا لمن جاء مسلمًا الدليل على أنّ العالم حادث: أنّه لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث حادث". فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة للغزالي ص ٨٩. ٢ سورة سبأ، الآية ٦. ٣ سورة آل عمران، الآية ١٨. ٤ سورة الرعد، الآية ١٩. ٥ سورة البقرة، الآية ٤. ٦ سورة البقرة، الآية ٤. ٧ سورة يوسف، الآية ١٠٨. ٨ بل لم يرد في إثبات هذا النظر والاستدلال دليلٌ؛ لا من كتاب، ولا سنّة، ولا خبر صحابي، ولا قول تابعيّ، ولا أحد من أئمة الدين. انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٣١٥-٣١٦.
[ ١ / ٢٥٦ ]
الرسول أخبر بصحته، ولم يلزم من ذلك وجوبه؛ إذ قد يكون للمطلوب أدلة كثيرة.
طعن الرازي وغيره على الجويني
ولهذا طعن الرازي١، وأمثاله٢ على أبي المعالي٣ في قوله أنّه لا يُعلم حدوث العالم إلا بهذا الطريق٤، وقالوا: هب أنّه يدلّ على حدوث العالم، فمن أين يجب أن لا يكون ثمّ طريق آخر.
_________________
(١) ١ هو محمد بن عمر بن الحسن التيمي؛ فخري الدين الرازي. أشعري المعتقد، إلا أنّه خلط مذهبه بالاعتزال والفلسفة. توفي سنة ٦٠٦؟. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/٣٨١-٣٨٥. ونقض التأسيس لابن تيمية - مخطوط - ق ٢٨/أ. ولسان الميزان لابن حجر ٤/٢٤٦-٢٤٩. ٢ كأبي الحسن الآمدي الذي قلّل من شأن دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وقال بعد أن نقل الدليل بطوله: "وهو عند التحقيق سرابٌ غير حقيق". غاية المرام في علم الكلام للآمدي ص ٢٦٠. ٣ هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، أبو المعالي الجويني. احتار في آخر عمره، وتمنّى أن يكون على عقيدة عجائز بلده. توفي سنة ٤٧٨؟. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٨/٤٦٨-٤٧٧. والفتاوى المصرية لابن تيمية ٦/٦٢٠-٦٢١. وبغية المرتاد له ص ٤٥٠. ٤ انظر: نهاية العقول للرازي - مخطوط - ق ١٧٥/ب. والمطالب العالية له ١/٧١. والمباحث المشرقية له ١/٣٢٧، ٣٦٥. "فقد ضعّف البراهين الخمسة التي احتجّ بها أبو المعالي - في الإرشاد ص ٣٧ - ومن شايعه على حدوث العالم وحدوث الأجسام". وقد ذكر شيخ الإسلام موقف الأشعريّة من دليل الأعراض في موضع آخر، فقال: "لكن هؤلاء وغيرهم يعتقدون صحة تلك الطريق، وإن قالوا إنّ تصديق الرسول لا يتوقف عليها. ثم منهم من يقول إنها لا تعارض النصوص، بل يمكن الجمع بينهما؛ وهذه طريقة الأشعريّ وأئمة أصحابه؛ يثبتون الصفات الخبرية التي جاء بها القرآن، مع اعتقاد صحة طريق الاستدلال بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام ومن هؤلاء من يدّعي التعارض بينهما؛ كالرازي وأمثاله؛ كما يقول ذلك من يوجب الاستدلال بطريقة حدوث الأعراض؛ كالمعتزلة وأبي المعالي وأتباعه". درء تعارض العقل والنقل ٧/٧٤-٧٥.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وسلكوا هم طرقًا أُخَر.
فلو كانت هذه الطريقة صحيحة عقلًا، وقد شهد لها الرسول والمؤمنون الذين لا يجتمعون على ضلالة بأنها طريق صحيحة، لم يتعيّن، مع إمكان سلوك طرق أُخرى١.
كما أنّه في القرآن سور وآيات قد ثبت بالنصّ والإجماع أنها من آيات الله الدالّة على الهدى. ومع هذا، فإذا اهتدى الرجل بغيرها، وقام بالواجب، ومات ولم يعلم بها، ولم يتمكن من سماعها، لم يضرّه؛ كالآيات المكيّة التي اهتدى بها من آمن ومات في حياة النبيّ ﷺ قبل أن ينزل سائر القرآن. فالدليل يجب طرده، لا يجب عكسه٢
_________________
(١) ١ فكيف! وهي طريق بدعيّة لم ترد في كتاب الله، ولا سنّة رسوله ﷺ، ولم يسلكها أحدٌ من الصحابة الموصوفين بالعلم والإيمان، وكذا التابعون لهم بإحسان. ٢ الطرد: ما يوجب الحكم لوجود العلة؛ وهو التلازم في الثبوت. والعكس: عبارة عن تعليق نقيض الحكم المذكور بنقيض علته المذكورة. وقيل العكس: عدم الحكم لعدم العلة. انظر: التعريفات للجرجاني ص ١٨٣، ١٩٨. والعدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى ١/٧٧. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية موضّحًا هذه القاعدة - فالدليل يجب طرده، لا يجب عكسه - في بعض مؤلفاته: "فمن المعلوم أنّ الدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه؛ فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه، ولا يجب عكسه؛ فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول له. وهذا كالمخلوقات؛ فإنّها آية للخالق؛ فيلزم من ثبوتها ثبوت الخالق، ولا يلزم من وجود الخالق وجودها. وكذلك الآيات الدالاّت على نبوة النبيّ. وكذلك كثير من الأخبار والأقيسة الدالّة على بعض الأحكام، يلزم من ثبوتها ثبوت الحكم، ولا يلزم من عدمها عدمه؛ إذ قد يكون الحكم معلومًا بدليل آخر..". درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٥/٢٦٩-٢٧٠.
[ ١ / ٢٥٨ ]
من أنكر سلوك هذه الطريقة
ولهذا أنكر كثير من العلماء على هؤلاء إيجاب سلوك هذه الطريق، مع تسليمهم أنّها صحيحة؛ كالخطّابي ١٢، والقاضي أبي يعلى٣، وابن عقيل٤٥، وغيرهم٦.
_________________
(١) ١ هو حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطّاب البستي. إمام صاحب تصانيف. تأثر بتقريرات المتكلمين في بعض جوانب العقيدة. توفي سنة ٣٨٨؟. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٢١٤-٢١٦. وسير أعلام النبلاء للذهبي ١٧/٢٣-٢٨) . ٢ وقد نصّ على أنّه يرى أنّ الطرق الشرعيّة أوضح بيانًا، وأصحّ برهانًا من طريقة الأعراض وحدوث الأجسام، وممّا قاله: "فأما مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك، وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريق المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها، والابتداع والانقطاع على سالكها) . ذكر ذلك في كتاب الغنية عن الكلام وأهله. وقد نقل عنه ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض التأسيس ١/٢٥٤. وفي درء تعارض العقل والنقل ٧/٢٩٢-٢٩٤. ٣ تقدمت ترجمته. ولم أقف على كلام له في ذلك. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أنّ أبا يعلى ممّن انتقد دليل الأعراض وحدوث الأجسام. انظر: مجموع الفتاوى ٥/٥٤٣. ٤ هو أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي. وقع في حبائل المعتزلة، فتجاسر على تأويل الصفات. من مؤلفاته كتاب الفنون الذي يزيد على أربعمائة مجلد، ولد سنة ٤٣٠؟ أو ٤٣١؟. توفي سنة ٥١٣؟. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٩/٤٤٣-٤٥١. ولسان الميزان لابن حجر ٤/٢٤٣-٢٤٤. ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٤٢٤، وشذرات الذهب ٤/٣٥. ٥ وها هو ابن عقيل - رغم وقوعه في حبائل المتكلمين - يقول: "أنا أقطع أنّ الصحابة ماتوا ولم يعرفوا الجوهر ولا العرض. فإن رضيتَ أن تكون مثلهم، فكن. وإنرأيتَ أنّ طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر، فبئس ما رأيتَ". نقله عنه ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص ٨٥. وانظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٨/٤٨. ٦ كأبي حامد الغزالي (في فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص ١٢٧)، وأبي الحسن الآمدي (في غاية المرام في علم الكلام ص ٢٦٠)، وابن رشد الحفيد (في الكشف عن مناهج الأدلة ص ٤٣)، وغيرهم.
[ ١ / ٢٥٩ ]
والأشعري١ نفسه أنكر على من أوجب سلوكها أيضًا في رسالته إلى أهل الثغر، مع اعتقاده صحتها٢، واختصر منها طريقة ذكرها في أول كتابه المشهور المسمّى ب «اللّمع» في الردّ على أهل البدع، وقد اعتنى به أصحابه حتى شرحوه شروحًا كثيرة. والقاضي أبو بكر٣ شرحه، ونقض كتاب عبد الجبار٤ الذي صنّفه في نقضه، وسمّاه «نقض نقض اللمع» ٥.
_________________
(١) ١ هو علي بن إسماعيل بن أبي بشر. ينتسب إلى أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله ﷺ. وكنيته أبو الحسن. ولد في البصرة سنة (٢٦٠؟)، وتوفي على القول الراجح سنة (٣٢٤؟) في بغداد. وكان له ثلاثة أحوال، كان في أولاها معتزليًا، وسلك في الثانية مذهب ابن كلاب، ورجع أخيرًا إلى معتقد السلف، وألّف عدة كتب في نصرة معتقدهم؛ ككتاب «الإبانة»، و«رسالة إلى أهل الثغر»، و«مقالات الإسلاميين» . انظر: البداية والنهاية ١١/١٩٩. وشذرات الذهب ٢/٣٠٢. ومقدمة تحقيق د/عبد الله شاكر ل «رسالة إلى أهل الثغر» لأبي الحسن الأشعري) . ٢ وقد ذكر في رسالة إلى أهل الثغر: "أنّ الأعراض لا يصحّ الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها ويدقّ الكلام عليها؛ فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على وجودها، والمعرفة بشبه المنكرين لها إلخ"؛ من طولها، وغموضها، والتناقضات التي حوتها.. لذلك رأى الأشعريّ - مع تصحيحه لطريقة الأعراض - أنّ في الطرق الشرعيّة غنية عنها. انظر: رسالة إلى أهل الثغر ص ١٨٤-١٨٥، ١٨٦-١٨٧. وانظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٠٩. ٣ محمد بن الطيّب الباقلاني. سبقت ترجمته ص ١١٦ من هذا الكتاب. ٤ هو عبد الجبار بن أحمد الهمداني، شيخ المعتزلة. توفي سنة ٤١٥؟. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٧/٢٤٤-٢٤٥. ولسان الميزان لابن حجر ٣/٣٨٦-٣٨٧. ٥ في «خ»: (نقض النقض للمع) . وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٦٠ ]
دليل الأعراض وحدوث الأجسام يوجب اعتقادات ولوزام باطلة
وأما أكابر أهل العلم من السلف والخلف: فعلموا أنها طريقة باطلة في نفسها، مخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول، وأنّه لا يحصل بها العلم بالصانع، ولا بغير ذلك١، بل يوجب سلوكها اعتقادات باطلة توجب٢ مخالفة كثير ممّا جاء به الرسول، مع مخالفة صريح المعقول٣؛ كما أصاب من سلكها من الجهميّة، والمعتزلة، والكُلاّبيّة، والكرّاميّة، ومن تبعهم من الطوائف، وإن لم يعرفوا غورها وحقيقتها؛ فإنّ أئمة هؤلاء الطوائف صار كل منهم يلتزم ما يراه لازمًا له ليطردها، فيلتزم لوازم٤ مخالفة للشرع والعقل، فيجيء الآخر، فيردّ عليه، ويبيّن فساد ما التزمه، ويلتزم هو لوازم أُخر لطردها، فيقع أيضًا في مخالفة الشرع والعقل.
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر عن هذه الطريقة: "فهذه الطريقة ممّا يُعلم بالاضطرار أنّ محمّدًا ﷺ لم يدع الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه. ولهذا قد اعترف حذّاق أهل الكلام كالأشعريّ وغيره بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم. بل المحققون على أنها طريقة باطلة". درء تعارض العقل والنقل ١/٣٩. ٢ في «خ»: يوجب. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ من ذلك تعطيل الله ﵎ عن صفاته العُلا التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله؛ كلها، أو بعضها.. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر: "لأجل الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض: التزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم نفي صفات الرب مطلقًا، أو نفي بعضها؛ لأنّ الدالّ عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها، والدليل يجب طرده؛ فالتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به، وهو أيضًا في غاية الفساد والضلال. ولهذا التزموا القول بخلق القرآن، وإنكار رؤية الله في الآخرة، وعلوه على عرشه،". درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٤١. ٤ في «خ»: لوازمًا. والصواب ما أُثبت، وهو في «م»، و«ط»؛ لأنّ (لوازم) ممنوعة من الصرف.
[ ١ / ٢٦١ ]
الجهمية التزموا لأجلها نفي الأسماء والصفات
فالجهمية التزموا لأجلها نفي أسماء الله وصفاته، إذ كانت الصفات أعراضًا تقوم بالموصوف، ولا يُعقل موصوف بصفة إلا الجسم١، فإذا اعتقدوا حدوثه، اعتقدوا حدوث كلّ موصوف بصفة، والربّ تعالى قديم. فالتزموا نفي صفاته. وأسماؤه مستلزمة لصفاته؛ فنفوا أسماءه الحسنى٢، وصفاته العُلا٣.
المعتزلة التزموا نفي الصفات
والمعتزلة استعظموا نفي الأسماء لما فيه من٤ تكذيب القرآن تكذيبًا ظاهر الخروج عن العقل والتناقض؛ فإنّه لا بُدّ من التمييز بين الربّ وغيره بالقلب واللسان، فما لا يُميَّز من غيره لا حقيقة له ولا إثبات. وهو حقيقة قول الجهميّة؛ فإنّهم لم يُثبتوا في نفس الأمر شيئًا قديمًا البتة٥.
_________________
(١) ١ في «خ»: لجسم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ حكى عنهم شيخ الإسلام في موضع آخر أنهم يقولون عن الله تعالى: "ليس له اسم؛ كالشيء، والحيّ، والعليم، ونحو ذلك؛ لأنه إذا كان له اسم من هذه الأسماء، لزم أن يكون متصفًا بمعنى الاسم؛ كالحياة، والعلم؛ فإنّ صِدق المشتقّ مستلزم لصدق المشتقّ منه، وذلك يقتضي قيام الصفات به، وذلك محال ". مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٣٥. ٣ وقد بسط شيخ الإسلام ﵀ الكلام عن تعطيل الجهميّة لأسماء الله وصفاته مستندين لدليل الأعراض وحدوث الأجسام في مواضع كثيرة من كتبه الفريدة. انظر: على سبيل المثال: شرح حديث النزول ص ١٥٧. ودرء تعارض العقل والنقل ١/٣٩، ٣٠٥،، ١٠/٢٦٠. ومنهاج السنة النبوية ٢/٩٧-٩٩) . ٤ في «خ»: مع. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ وأسماء الله تعالى يُثبتونها على أنّها مجاز في الربّ جلّ وعزّ؛ إذ إثباتها على الحقيقة يستلزم إثبات ما دلّت عليه من صفات. وهذا ما يفرّ المعتزلة من إثباته.. لأنّهم يزعمون أنّ إثبات الصفات لله تعالى يقتضي أن يكون جسمًا. انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٤١. ومنهاج السنة النبوية ٣/٣٦١. وشرح الطحاوية ١/٢٤-٢٥.
[ ١ / ٢٦٢ ]
الفلاسفة قالوا بقدم العالم
كما أنّ المتفلسفة الذين سلكوا مسلك الإمكان والوجوب١، وجعلوا ذلك بدل الحادث والقديم، لم يُثبتوا واجبًا بنفسه البتة٢، وظهر بهذا فساد عقلهم، وعظيم جهلهم، مع الكفر؛ وذلك أنّه يُشهد وجود السموات وغيرها. فهذه الأفلاك إن كانت قديمة واجبة، فقد ثبت وجود الموجود القديم الواجب، وإن كانت ممكنة، أو مُحدثة، فلا بُدّ لها من واجب قديم؛ فإنّ وجود الممكن بدون الواجب٣، والمحدَث بدون القديم ممتنعٌ في بداية العقول. فثبت وجود موجود قديم واجب بنفسه على كلّ تقدير.
فإذا كان ما ذكروه من نفي الصفات عن القديم والواجب يستلزم نفي القديم مطلقًا، ونفي الواجب: عُلم أنّه باطلٌ٤.
_________________
(١) ١ إذ الوجود - عندهم - ينقسم إلى واجب، وممكن - وهو خلاف تقسيم المتكلمين له إلى قديم وحادث. ويُعرّف المتفلسفة الواجب: بأنّه الضروريّ الوجود - وهو يُقابل القديم عند المتكلمين -. ويُعرّفون الممكن بأنّه الذي لا ضرورة فيه بوجه؛ أي لا في وجوده، ولا عدمه - وهو يُقابل المُحدَث عند المتكلمين. انظر: النجاة لابن سينا ص ٣٦٦. ومعيار العلم في فن المنطق للغزالي ص ٣٢٥-٣٢٦. ٢ وهم يزعمون أنّ واجب الوجود هو الذات دون صفاتها. ولا يُعقل ذات مجرّدة عن الصفات، بل ذلك من صفات العدم؛ لذلك لم يُثبتوا واجبًا. انظر: منهاج السنة لابن تيمية ١/٢٦٦. ٣ في «خ»: الوجب. ويبدو أنّ الألف سقطت سهوًا. ٤ لأنّ الواجب المجرّد عن جميع الصفات، أو القديم الذي ليس له صفة تُميّزه: ممتنع الوجود؛ إذ لا بُدّ لوجوب وجود الواجب، وإثبات وجود القديم من إثبات ما يُميّزه من الصفات.. ولا يستلزم ذلك تعدّد القدماء، أو تركيب الواجب؛ لأنّ نفي ذلك يقتضي نفي ما يُريدون إثباته.. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإذا لم يكن واجبًا، لم يلزم من التركيب مُحال، وذلك لأنّهم إنّما نفوا المعاني لاستلزامها ثبوت التركيب، المستلزم لنفي الوجوب. وهذا تناقض؛ فإنّ نفي المعاني مستلزم لنفي الوجوب، فكيف ينفونها لثبوته؟! ". مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٣٤٥.
[ ١ / ٢٦٣ ]
من نفى صفة لزمه نفي جميع الصفات
وقد بُسط هذا في مواضع١، وبُيِّن أنّ كلّ من نفى صفة ممّا أخبر به الرسول لزمه نفي جميع الصفات، فلا يُمكن القول بموجب أدلة العقول، إلا مع القول بصدق الرسول؛ فأدلة العقول مستلزمة لصدق الرسول٢؛ فلا يمكن مع عدم تصديقه القول بموجب العقول، بل من كذّبه فليس معه لا عقل، ولا سمع؛ كما أخبر الله تعالى عن أهل النّار:
قال تعالى: ﴿كُلَّمَاْ أُلْقِيَ فِيْهَاْ فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَاْ أَلَمْ يَاْتِكُمْ نَذِيْرٌ قاْلُوْا بَلَىْ قَدْ جَاْءَنَاْ نَذِيْرٌ فَكَذَّبْنَاْ وَقُلْنَاْ مَاْ نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِيْ ضَلاَلٍ كَبِيْرٍ وَقَاْلُوْا لَوْ كُنَّاْ نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاْ كُنَّاْ فِيْ أَصْحَاْبِ السَّعِيْر فَاعْتَرَفُوْا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًَا لأصْحَاْبِ السَّعِيْرِ﴾ ٣، وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع٤.
_________________
(١) ١ انظر: من كتب ابن تيمية: منهاج السنة النبوية ٢/٢٦٧. ومجموع الفتاوى ٦/٣٤٥. ودرء تعارض العقل والنقل١/٤١. والتدمرية ص ٣١. ٢ أما المعقولات التي تُخالف ما جاء به الرسول، فالمتأمّل لها يجد أنها وضعت لتكذيب الرسول، لا لتصديقه؛ كما يزعم أصحابها؛ لذلك يصفها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بتسميته لها: "ترتيب الأصول في تكذيب الرسول". انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/٢٠٧. ٣ سورة الملك، الآيات ٨-١٠. ٤ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٣٢٠. ومجموع فتاوى ابن تيمية ١٦/٤٥٢.
[ ١ / ٢٦٤ ]
المعتزلة نفوا الصفات وأثبتوا الأسماء
والمقصود هنا أنّ المعتزلة لمّا رأوا الجهميّة قد نفوا أسماء الله الحسنى، [استعظموا ذلك] ١، وأقرّوا بالأسماء. ولمّا رأوا هذه الطريق٢ توجب نفي الصفات: نفوا الصفات؛ فصاروا متناقضين؛ فإنّ إثبات حيّ، عليم، قدير، حكيم، سميع، بصير، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا حكمة، ولا سمع، ولا بصر: مكابرة للعقل؛ كإثبات مصلٍّ بلا صلاة، وصائمٍ بلا صيام، وقائمٍ بلا قيام، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة؛ كأسماء الفاعلين، والصفات المعدولة عنها.
ولهذا ذكروا في أصول الفقه٣ أنّ صدق الاسم المشتقّ٤؛ كالحيّ، والعليم لا ينفكّ عن صدق المشتق منه؛ كالحياة، والعلم. وذكروا النزاع مع من٥ ذكروه من المعتزلة؛ كأبي عليّ٦، وأبي
_________________
(١) (استعظموا ذلك): ليست في «خ» . وأثبتها من «م»، و«ط» . ٢ طريق التركيب؛ إذ زعموا أنّ إثبات الصفات يستلزم تعدّد القدماء، فيكون القديم مُركّبًا، والقديم ليس بمُركّب، لذلك زعم عبد الجبار أنّ نفي الصفات هو السبيل الوحيد إلى القول بإفراد الله بالقدم انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل لعبد الجبار ٤/٣٤١، ونفي الصفات هو أحد أصول المعتزلة الخمسة، ويُطلقون عليه اسم التوحيد. انظر: شرح المقاصد للتفتازاني ٤/٨٣ والملل والنحل للشهرستاني ص ٤٦-٤٧. ٣ قال في المراقي: وعند فقد الوصف لا يشتق وأعوز المعتزليّ الحقّ شرح مراقي السعود ص ٢٥٧. وانظر: بدائع الفوائد لابن القيم ١/٢٢. ٤ في «خ»: مشتق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «خ»: معمن - موصولة. ٦ أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان، مولى عثمان ابن عفان، الجبائي البصري. ولد في سنة ٢٣٤؟. شيخ المعتزلة. تنسب إليه فرقة الجبائية من المعتزلة. درس الاعتزال على شيخ المعتزلة عن أبي يعقوب الشحّام، وتزوّج الجبائي بأمّ الأشعريّ، فتتلمذ عليه الأشعريّ قبل أن يترك الاعتزال. توفي سنة ٣٣٥؟، ومات بالبصرة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/٧٨. والبداية والنهاية ١١/١٣٤. وسير أعلام النبلاء ١٤/١٨٣. وذكر مذاهب الفرق الثنتين والسبعين المخالفة للسنة والمبتدعين ص ٥٠.
[ ١ / ٢٦٥ ]
هاشم١،
الكلابية أثبتوا الصفات العقلية
فجاء ابن كُلاّب، ومن اتبعه؛ كالأشعريّ، والقلانسيّ٢، فقرّروا أنّه لا بُدّ من إثبات الصفات متابعة للدليل السمعيّ والعقليّ، مع إثبات الأسماء. وقالوا: ليست أعراضًا٣؛ لأنّ العرض لا يبقى
_________________
(١) ١ أبو هاشم: هو عبد السلام بن أبي علي محمد بن عبد الوهاب. ولد سنة ٢٧٧؟، وتوفي سنة ٣٢١. وإليه تنسب فرقة البهشمية - إحدى فرق المعتزلة. انظر: شذرات الذهب ٢/٢٨٩. وسير أعلام النبلاء ١٥/٦٣. والملل والنحل١/٧٨وذكر مذاهب الفرق الثنتين والسبعين المخالفة للسنة والمبتدعين ص ٥٧. ٢ هو أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي. قال عنه ابن عساكر: (إنه من معاصري أبي الحسن ﵀، لا من تلاميذه كما قال الأهوازي. وهو من جملة العلماء الكبار الأثبات، واعتقاده موافق لاعتقاده في الإثبات) . تبيين كذب المفتري ص ٣٩٨. ٣ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنّ العرض في اللغة: هو ما يعرض ويزول. انظر: مجموع الفتاوى ٥/٢١٥،، ٩/٣٠٠. واستدلّ بقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُوْنَ عَرَضَ هَذَاْ الأدْنَىْ﴾ [سورة الأعراف، ١٦٩] . وذكر ﵀ أنّ العرض عند أهل الاصطلاح الكلامي: "قد يُراد به ما يقوم بغيره مطلقًا، وقد يُراد به ما يقوم بالجسم من الصفات. ويُراد به في غير هذا الاصطلاح أمور أخرى". مجموع الفتاوى ٩/٣٠٠. أمّا المتكلّمون: فالعرض عندهم ضدّ الجوهر؛ إذ العالم عندهم جواهر وأعراض. فالجوهر: هو المتحيّز، وكل ذي حجم متحيّز. والعرض: هو المعنى القائم بالجوهر؛ كاللون، والطعم، والرائحة، والحياة، والموت، والعلوم والإرادات، والقُدَر القائمة بالجواهر. انظر: الإرشاد للجويني ص ٢. وأصول الدين للبغدادي ص ٣٣.
[ ١ / ٢٦٦ ]
زمانين١، [وصفات الربّ باقية٢.
من قال: إن العرض لا يبقى زمانين
وسلكوا في هذا الفرق - وهو أنّ العرض لا يبقى زمانين] ٣ - مسلكًا أنكره عليهم جمهور العقلاء، وقالوا: إنهم خالفوا الحسّ وضرورة العقل، وهم موافقون لأولئك٤ على صحة هذه الطريقة - طريقة الأعراض - قالوا: وهذه٥ تنفي عن الله أن يقوم به حادِث، وكلّ حادِثٍ فإنّما يكون بمشيئته وقدرته. قالوا: فلا يتّصف بشيء من هذه الأمور؛ لا يتكلّم بمشيئته وقدرته، ولا يقوم به فعل اختياري يحصل بمشيئته وقدرته٦؛ كخلق العالَم، وغيره.
بل منهم من قال: لا يقوم به فعل، بل الخلق هو المخلوق؛ كالأشعريّ ومن وافقه٧.
_________________
(١) ١ بل يطرأ عليه التغيّر والتحوّل، وهذا من صفات الحوادث. انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٠٢-٣٠٦. ٢ وليس ذلك شاملًا لكل صفات الله تعالى؛ بل يُفرّقون بين صفات الأفعال، وما عداها؛ فيُطلقون على صفات الأفعال اسم الأعراض، وينفون قيامها بالله تعالى؛ بحجة أنها تعرض وتزول - بزعمهم -، ولا يُطلقون اسم الأعراض على ما عدا ذلك من الصفات. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٣٦. وعلى هذا المعتقد متقدموا الكلابيّة والأشعريّة، وقد نقل اتفاقهم على ذلك: الرازي في كتابه «المحصّل» ص ٢٦٥. والإيجي في «المواقف» ص ١٠١. ٣ ما بين المعقوفتين ساقطة من أصل «خ»، وملحقة بالهامش. وهي في «م»، و«ط» . ٤ للمعتزلة. ٥ أي طريقة الأعراض. ٦ قالوا: لو قامت به الأفعال الاختياريّة، للزم أن لا يخلو منها؛ لأنّ القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضدّه. وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. انظر: إحياء علوم الدين للغزالي ١/١٠٤-١٠٧. ونهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني ص ١١. وشرح جوهرة التوحيد للبيجوري ص ٥١. ٧ كابن فورك، والغزالي، وغيرهما. انظر: مشكل الحديث وبيانه لابن فورك ص ٤٧٢-٤٧٣. وقواعد العقائد للغزالي ص ١٦٥-١٦٧.
[ ١ / ٢٦٧ ]
ومنهم من قال: بل فعل الربّ قديم أزليّ، وهو من صفاته الأزليّة؛ وهو قول قدماء الكلابيّة١، وهو الذي ذكره أصحاب ابن خزيمة٢
ما وقع بين ابن خزيمة والكلابية
لمّا وقع بينه وبينهم بسبب هذا الأصل، فكتبوا عقيدةً اصطلحوا عليها٣، وفيها: إثبات الفعل القديم الأزليّ.
وكان سبب ذلك أنّهم كانوا كلابيّة يقولون: إنّه لا يتكلّم بمشيئته وقدرته، بل كلامه المعيّن لازمٌ لذاته أزلًا وأبدًا.
_________________
(١) ١ الكلابية: هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد القطان، المعروف بابن كلاب. سلك الأشعريّ مسلكه في طوره الثاني، وتوفي سنة ٢٤٠؟. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الكلابية والأشعرية خير من هؤلاء - يقصد النجارية والضرارية - في باب الأسماء والصفات؛ فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة؛ كما فصّلتُ أقوالهم في غير هذا الموضع. وأما في القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة) . مجموع الفتاوى ٣/١٠٣. وانظر: مقالات الإسلاميين ١/٣٥٠، ٣٥١،، ٢/٢٢٥-٢٢٧. وذكر مذاهب الفرق الثنتين والسبعين المخالفة للسنة والمبتدعين ص ١٣٩-١٤٠. ٢ أصحاب ابن خزيمة: المقصود بهم: أبو علي الثقفي، وأبو بكر الصيفي، وكانا من أخص تلاميذ ابن خزيمة وكانا يقولان بقول ابن كلاب في كلام الله: أنّه أزليّ، وأنّه لا يتكلّم إذا شاء، متى شاء، ولا يتعلّق ذلك بمشيئته. فوقع بين ابن خزيمة وبينهما في ذلك نزاع، حتى أظهروا موافقتهم له فيما لا نزاع فيه. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/٩، ٧٧-٨٣، ١٠١. ومجموع الفتاوى ١٧/٥٦. وسير أعلام النبلاء ١٤/٣٧٧-٣٨١. وابن كُلاّب كان قد نفى أن يكون كلام الله تعالى من صفات الأفعال، وأثبته على أنّه كلامٌ يقوم بذات المتكلّم بلا قدرة ولا مشيئة، أزليّ كأزليّة العلم والقدرة. انظر: شرح حديث النزول لابن تيمية ص ١٦٩-١٧٠. ودرء تعارض العقل والنقل له ٢/١٨. ٣ ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنّ هذه المشاجرة التي وقعت بين ابن خزيمة وبعض أصحابه، وما نتج عنها، ذكرها بطولها الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في تاريخ نيسابور. انظر: مجموع الفتاوى ١٧/٥٦. ودرء تعارض العقل والنقل ٢/٧٨-٨٣.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وكان ابن خزيمة وغيره على القول المعروف للمسلمين وأهل السنّة: أنّ الله يتكلّم بمشيئته وقدرته، وكان قد بلغه عن الإمام أحمد أنّه كان يذمّ الكلابيّة، وأنّه أمر بهجر الحارث المحاسبي١ لما بلغه أنه على قول ابن كلاب٢. وكان يقول: حذروا عن حارث الفقير؛ فإنّه جهميّ٣. واشتهر هذا عن أحمد٤.
_________________
(١) ١ هو الحارث بن أسد المحاسبي، أبو عبد الله. من شيوخ الصوفية. قال عنه الذهبي: صدوق في نفسه. وقد نقموا عليه بعض تصوفه وتصانيفه. سير أعلام النبلاء١٢/١١٠-١١٢. وقال شيخ الإسلام ﵀: "وبسبب مذهب ابن كلاب هجره الإمام أحمد بن حنبل، وقيل تاب منه". منهاج السنة النبوية ١/٤٢٤. وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٢/٣٦٨. وقد نقل ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص٢٤٠ عن أبي عبد الرحمن السلمي - صاحب طبقات الصوفية ت ٤١٢ أنه قال "وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام والصفات، فهجره أحمد بن حنبل، فاختفى إلى أن مات". ٢ في «ط»: ابن كلام. وهو خطأ مطبعيّ. ٣ لم أجد هذه العبارة بنصها فيما اطلعت عليه من مصادر. ولكن ذكر أبو يعلى في الطبقات: عن الإمام أحمد أنه قال: "حارث أصل البليّة ما الآفة إلاّ حارِث حذّروا عن حارث أشدّ التحذير..". الطبقات ١/٦٢-٦٣. ونقل ابن الجوزي عن الخلال في كتابه السنة، عن أحمد بن حنبل أنه قال: "احذروا من الحارث أشد التحذير.. الحارث أصل البلية - يعني في حوادث كلام جهم - ذاك جالسه فلان وفلان، وأخرجهم إلى رأي جهم، وما زال مأوى أصحاب الكلام.. حارث بمنزلة الأسد المرابط، انظر: أي يوم يثب على الناس". تلبيس إبليس ص ٢٤٠. ٤ لعل كلمة الإمام أحمد ﵀ فيه قبل أن يتوب ويرجع كما ذكر ذلك ابن تيمية ﵀.. قال شيخ الإسلام ﵀: "وكان الحارث المحاسبي يوافقه - أي ابن كلاب، ثم قيل إنه رجع عن موافقته؛ فإنّ أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك.. كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقي بعض كلام الحارث. فذكروا أنّ الحارث ﵀ تاب من ذلك، وكان له من العلم والفضل والزهد". مجموع الفتاوى ٦/٥٢١-٥٢٢. وانظر: المصدر نفسه ١٢/٣٦٨، ١٧/٥٦. ودرء تعارض العقل والنقل ٢/٦، ٧/١٤٨-١٤٩. ومنهاج السنة النبوية ١/٤٢٤. وقال أيضًا ﵀: "وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين؛ فأهل السنة والجماعة يُثبتون ما قام بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها. والجهميّة من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا. فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلّق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري، وغيرهما. وأما الحارث المحاسبي: فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه، ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله". درء تعارض العقل والنقل ٢/٦. وانظر: مجموع الفتاوى ١٢/٣٦٦-٣٦٨.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وكان بنيسابور١ طائفة من الجهميّة والمعتزلة ممّن يقولون٢ إنّ القرآن وغيره من كلام الله مخلوق، ويُطلقون القول بأنّه متكلّم بمشيئته وقدرته، ولكنّ مرادهم بذلك أنّه يخلق كلامًا بائنًا عنه، قائمًا بغيره؛ كسائر المخلوقات. وكان من هؤلاء من عرف أصل ابن كلاب، فأراد التفريق بين ابن خزيمة وبين طائفة من أصحابه، فأطلعه على حقيقة قولهم٣، فنَفَرَ
_________________
(١) ١ نيسابور: مدينة عظيمة من بلاد خراسان، سمّيت بذلك لأنّ سابور بن أزدشير بن بابك مرّ بها. ومنها ما لا يحصى من العلماء والأئمة؛ كالإمام مسلم وغيره. وقد دخلها التتر سنة ٦١٨ هـ فدمّروها. انظر: معجم البلدان ٥/٣٣١. ولطائف المعارف ص ١٩١. ٢ في «خ» يقول: وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أي أنّ هذا المعتزلي - أو الجهميّ - الذي أراد التفريق بين ابن خزيمة وبعض أصحابه أطلع ابن خزيمة على موافقة بعض أصحابه لابن كلاب في معتقده في كلام الله تعالى.
[ ١ / ٢٧٠ ]
منه١. وهم كانوا قد بنوا ذلك على أصل ابن كلاب، واعتقدوا أنّه لا تقوم به الحوادث بناءً على هذه الطريقة؛ طريقة الأعراض. وابن خزيمة شيخهم، وهو الملقّب بإمام الأئمة، وأكثر الناس معه، ولكن لا يفهمون حقيقة النزاع؛ فاحتاجوا لذلك إلى ذكر عقيدة لا يقع فيها نزاع بين الكلابيّة وبين أهل الحديث والسنّة؛ فذكروا فيها: أنّ كلام الله غير مخلوق، وأنّه لم يزل متكلّمًا٢، وأنّ فعله أيضًا غير مخلوق؛ فالمفعول مخلوق، ونفس فعل الربّ له قديم غير مخلوق٣.
وهذا قول الحنفيّة، وكثير من الحنبليّة، والشافعيّة، والمالكيّة، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره في آخر عمره. وبَسْطُ هذا له موضع آخر٤.
_________________
(١) ١ قال الحاكم: "فلما ورد منصور بن يحيى الطوسي نيسابور، وكان يكثر الاختلاف إلى ابن خزيمة للسماع منه، وهو معتزلي، وعاين ما عاين من الأربعة الذين سميناهم، حسدهم، واجتمع مع أبي عبد الرحمن الواعظ القدري بباي معمر في أمورهم غير مرة، فقالا: هذا إمام لا يسرع في الكلام، وينهى أصحابه عن التنازع في الكلام وتعليمه، وقد نبغ له أصحاب يُخالفونه، وهو لا يدري، فإنّهم على مذهب الكلابية، فاستحكم طمعهما في إيقاع الوحشة بين هؤلاء الأئمة. سير أعلام النبلاء ١٤/٣٧٧، ٣٨١. وكذلك ذكر تلك القصة شيخ الإسلام ﵀ في درء تعارض العقل والنقل ٢/٧٨-٨٣، وفي مجموع الفتاوى ٦/١٦٩-١٧٢. ٢ وقد روى الحاكم بسنده عن الإمام ابن خزيمة أنّه قال: "القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال شيء منه مخلوق فهو جهميّ". نقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٤/٣٧٩. وتذكرة الحفاظ ٢/٧٢٦. وابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل ٢/٧٩. ٣ انظر: هذه العقيدة في: مجموع الفتاوى ٦/١٦٩-١٧٢. وسير أعلام النبلاء ١٤/٣٨١. وتذكرة الحفاظ ٢/٧٢٧. ٤ انظر: موقف الإمام ابن خزيمة من بعض أصحابه ممّن كان يقول بقول ابن كلاب في: درء تعارض العقل والنقل ٢/٦٠، ٧٧-٨٣، ١٠١. وشرح العقيدة الأصفهانية ص ٣٤. ومجموع الفتاوى ٦/١٦٩-١٧٢. وشرح حديث النزول ص ١٥٨-١٥٩. وسير أعلام النبلاء ١٤/٣٧٧-٣٨١.
[ ١ / ٢٧١ ]
افتراق الأمة بسبب طريقة الأعراض
والمقصود التنبيه على افتراق الأمة بسبب هذه الطريقة.
ولما عرف كثير من النّاس باطن قول ابن كلاب، وأنّه يقول: إنّ الله لم يتكلّم بالقرآن العربيّ، وإنّ كلامه شيء واحد؛ هو معنى آية الكرسيّ، وآية الدَّيْن١ عرفوا ما فيه من مخالفة الشرع والعقل؛ فنفروا٢ عنه، وعرفوا أنّ هؤلاء يقولون: إنّه لا يتكلّم بمشيئته وقدرته، فأنكروه.
وكان ممّن أنكر ذلك الكرّامية٣، وغير الكرّاميّة؛ كأصحاب أبي معاذ
_________________
(١) ١ ذكر أبو الحسن الأشعريّ أنّ ابن كُلاّب زعم أنّ كلام الله: "ليس بحروف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا يتجزّأ، ولا يتبعّض، ولا يتغاير. وأنّه معنى واحد قائم بالله ﷿، وأنّ الرسم هو الحروف المتغايرة، وهو قراءة القرآن. وأنّه خطأ أن يقال: كلام الله هو هو، أو بعضه، أو غيره. وأنّ العبارات عن كلام الله تختلف وتتغاير، وكلام الله سبحانه ليس بمختلف ولا متغاير؛ كما أنّ ذكرنا لله ﷿ يختلف ويتغاير، والمذكور لا يختلف ولا يتغاير. وإنّما سُمّيَ كلام الله سبحانه عربيًا؛ لأنّ الرسم الذي هو العبارة عنه، وهو قراءته: عربيّ؛ فسُمّي عربيًا لعلّة، وكذلك سُمّي عبرانيًا لعلّة؛ وهي أنّ الرسم الذي هو عبارة عنه عبرانيّ ". مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ٢/٢٥٧-٢٥٨. وانظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٨/٤٢٤-٤٢٥، ١٢/٤٩، ١٦٥، ٣٧٠-٣٧١، ١٧/٥٠-٥١، ١٤٧. والفتاوى المصرية ٥/١٥. ٢ في «خ»: فيفرّوا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ الكرامية: فرقة من فرق المرجئة، تنتسب إلى محمد بن كرّام. قال عنه الذهبي: عابد متكلّم شيخ الكرامية. مات بالشام سنة ٢٥٥ هـ. قال شيخ الإسلام عنهم: "الكرامية قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم إليه أحد؛ حيث جعلوا الإيمان قول باللسان وإن كان مع عدم تصديق القلب؛ فيجعلون المنافق مؤمنًا، لكنّه يخلد في النّار؛ فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم. وأمّا في الصفات والقدر والوعيد فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنّة". مجموع الفتاوى ٣/١٠٣. وقال - ﵀ - أيضًا إنّ الكراميّة المجسمة كلّهم حنفيّة. مجموع الفتاوى ٣/١٨٥. وانظر: في بيان معتقد الكرامية: مجموع الفتاوى ٦/٣٦. والملل والنحل ١/١٠٨. والفرق بين الفرق ص ٢١٥-٢٢٥. وميزان الاعتدال ٤/٢١.
[ ١ / ٢٧٢ ]
التومني١، وزهير البابي٢، وداود بن٣ عليّ٤، وطوائف. فصار كثير من هؤلاء يقولون: إنّه يتكلّم بمشيئته وقدرته، فأنكروه، لكن يراعي تلك الطريقة لاعتقاده صحتها؛ فيقول: إنّه لم يكن في الأزل متكلّمًا؛ لأنّه إذا
_________________
(١) ١ أبو معاذ التومني ينتسب إلى قرية تومن من قرى مصر. من أئمة المرجئة، ورأس الفرقة التومنية. لا يُعرف تاريخ وفاته. وأشار كل من الأشعريّ، والشهرستاني، والبغدادي إلى أقواله وآرائه بالتفصيل. انظر: المقالات لأبي الحسن الأشعري ١/٣٥١. والملل والنحل للشهرستاني ١/١٤٤. والفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢٠٣-٢٠٤. والأنساب للسمعاني ٣/١١١. ٢ كذا في جامع الرسائل ٢/٦: البابي. وأحيانًا يُذكر باسم زهير اليامي - ولعله تصحيف - انظر: مجموع الفتاوى ٦/٢١٩) . لم أقف على ترجمته. وكثيرًا ما يقرن شيخ الإسلام بينه وبين أبي معاذ التومني في عرض آرائهما العقديّة، وأنّهما من أهل الكلام من المرجئة. ويُسمّيه في درء تعارض العقل والنقل، وشرح حديث النزول: زهير الأبريّ. وقد أفاد د/محمد رشاد سالم ﵀ أنّ هذه التسمية خاطئة، والصحيح أنّه زهير الأثريّ؛ كما ذكر ذلك الأشعريّ في المقالات، وقال: وكان أبو معاذ التومني يوافق زهيرًا في أكثر أقواله. وقد ذكر الأشعريّ في المقالات آراءه بالتفصيل. انظر: مقالات الإسلاميين ١/٣٥١، ٢/٢٣٢. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/١٩. وشرح حديث النزول ص ٤٠٤. ومنهاج السنة النبوية ٢/٣٦١. ٣ في «خ»: بابن. ٤ هو داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان، الملقّب بالظاهريّ. قال عنه الخطيب: (هو إمام أصحاب الظاهر، وكان ورعًا ناسكًا زاهدًا. مات سنة ٢٧٠؟، وقيل سنة ٢٧٥؟) . تاريخ بغداد ٨/٣٦٩. وانظر: البداية والنهاية ١١/٥٥ والأعلام للزركلي ٢/٣٣٣.
[ ١ / ٢٧٣ ]
كان لم يزل متكلمًا بمشيئته، لزم وجود حوادث لا تتناهى١٢.
وأصل الطريقة أنّ هذا ممتنع، فصار حقيقة قول هؤلاء أنّه صار متكلّمًا بعد أن لم يكن متكلّمًا.
فخالفوا قول السلف والأئمة، أنه لم يزل متكلّمًا إذا شاء.
وبسط هذه الأمور له موضع آخر٣.
ذم السلف للكلام والمتكلمين
والمقصود هنا أنّ كثيرًا من أهل النظر صار ما يوجبونه من النظر والاستدلال ويجعلونه أصل الدين والإيمان هو هذه الطريقة المبتدعة في الشرع، المخالفة للعقل، التي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمها وذمّ أهلها:
فذمّهم للجهميّة الذين ابتدعوا هذه الطريقة أولًا متواترٌ مشهور، قد صُنِّف فيه مصنّفات٤. وذمّهم للكلام والمتكلّمين ممّا عني به أهل هذه الطريقة؛
_________________
(١) ١ في «خ»: (تتناهى) بدلًا من (لا تتناهى)، وهو غير مستقيم. والصواب ما في «م»، و«ط» . ٢ وهم يقولون: إنّ الله تعالى لم يكن في الأزل متكلمًا إلا بمعنى القدرة على الكلام؛ لأنه لو كان متكلّمًا أزلًا بكلام متعلق بمشيئته وقدرته للزم وجود حوادث لا تتناهى في القدم، ويمتنع وجود حوادث لا أول لها. انظر: توضيح معتقدهم في صفة الكلام في كتب ابن تيمية: مجموع الفتاوى ٦/٥٢٤. والفرقان بين الحق والباطل ص ١٠٠. وبغية المرتاد ص ٣٦١. ٣ بسط شيخ الإسلام ﵀ الكلام عن موقف المشبهة من صفة الكلام، ومخالفتهم للسلف والأئمة في هذه القضيّة في كتابه: رسالة في العقل والروح - موجود ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ٢/٣٣ -. وفي قاعدة نافعة في صفة الكلام - يوجد أيضًا ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ٢/٧٥ -. وفي الفرقان بين الحق والباطل ص١٠٠-١٠١. وفي مجموع الفتاوى ٦/٥٢٤. ٤ فالإمام نعيم بن حماد، قال عنه الذهبي: "وضع ثلاثة عشر كتابًا في الردّ على الجهميّة". انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/٥٩٩. والإمام أحمد بن حنبل صنّف كتابًا في الردّ على الجهميّة والزنادقة. وهو مطبوع. والإمام محمد بن أسلم الطوسيّ، له كتاب «الرد على الجهميّة» . انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/١٩٧. والإمام ابن أبي حاتم له كتاب «الرد على الجهميّة» . انظر: سير أعلام النبلاء١٣/٢٦٤. والإمام ابن قتيبة له كتاب «الرد على الجهميّة» . انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/٢٩٨. والإمام عثمان بن سعيد الدارمي صنّف في الردّ على بشر المريسي، وفي الرد على الجهميّة، وكلاهما مطبوع. وغير هؤلاء كثير جدًا ممّن لا يُحصون في موضع واحد
[ ١ / ٢٧٤ ]
كذمّ الشافعيّ لحفص الفرد١٢، الذي كان على قول ضرار بن٣ عمرو٤.
_________________
(١) ١ حفص الفرد من المجبرة، ومن أكابرهم، نظير النجّار، ويكنى أبا عمرو، وكان من أهل مصر. كان أول أمره معتزليًا، ثمّ قال بخلق الأفعال، وهو من أتباع ضرار بن عمرو، وسمع من أبي الهذيل العلاف من كتبه: الاستطاعة، وكتاب التوحيد، وكتاب الرد على النصارى، وغيرها. قال عنه الذهبي: "حفص الفرد مبتدع، قال النسائي: صاحب كلام لا يكتب حديثه. وكفّره الشافعيّ في مناظرته". ميزان الاعتدال١/٥٦٤. وانظر: الفرق بين الفرق ص ٢١٤. والفهرست لابن النديم ص ٢٥٥. ٢ وأمّا ذم الشافعي له، ففيما رواه البيهقي عن أبي الوليد بن الجارود، قال: "دخل حفص الفرد على الشافعي، فقال - أي الشافعي - لنا: لأن يلقى اللهَ العبدُ بذنوب مثل جبال تهامة، خير له من أن يلقاه باعتقاد حرف ممّا عليه هذا الرجل وأصحابه. وكان يقول بخلق القرآن". أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي ١/٤٥٢، وفي الاعتقاد ص ٢٣٩. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٧/٢٥٠. وشرح الأصفهانية ٢/٣٢١. ٣ في «خ» ابن. ٤ هو ضرار بن عمرو القاضي. قال عنه الذهبي: "من رؤوس المعتزلة، شيخ الضراريّة. قال الإمام أحمد بن حنبل: شهدت على ضرار بن عمرو عند سعيد بن عبد الرحمن، فأمر بضرب عنقه، فهرب". سير أعلام النبلاء ١٠/٥٤٤-٥٤٥. وانظر: الملل والنحل ١/٩٠. والمقالات ١/٣٣٩. والفرق بين الفرق ص ٢١٣-٢١٤
[ ١ / ٢٧٥ ]
وذمّ أحمد بن حنبل لأبي عيسى؛ محمد بن١ عيسى برغوث٢٣، الذي كان على قول حسين النجار٤. وذمّهما، وذمّ أبي يوسف٥٦،
_________________
(١) ١ في «خ»: ابن. ٢ برغوث: أبو عبد الله محمد بن عيسى. وكان على مذهب النجّار. قال عنه الذهبي: وهو رأس البدعة.. الجهميّ، أحد من كان يناظر الإمام أحمد وقت المحنة. صنّف كتاب الاستطاعة، وكتاب المقالات، وكتاب الاجتهاد، وكتاب الردّ على جعفر ابن حرب، وكتاب المضاهاة. قيل توفي سنة أربعين ومائتين، وقيل سنة إحدى وأربعين. وإليه تنسب الفرقة البرغوثيّة. سير أعلام النبلاء ١٠/٥٤٤. وانظر: الفرق بين الفرق ص ٢٠٩. والمقالات ٢/٢٣٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٧/٢٥٧. وشرح حديث النزول ص ٢٥١-٢٥٢. وشرح الأصفهانية ٢/٣٢٢. ٣ ومن أقوال الإمام أحمد في ذمّ أهل الكلام: (علماء الكلام زنادقة)، "لا يفلح صاحب كلام أبدًا، ولا يرى أحد نظر في الكلام إلا في قلبه دغل". انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/٩٥. وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص ٨٣. ودرء تعارض العقل والنقل ٧/٢٧٥. ٤ هو أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله النجار، وكان حائكًا في حراز العباس ابن محمد الهاشمي. من كبار المجبرة ومتكلميهم. والسبب في موته أنّه اجتمع مع إبراهيم النظّام، فأفحمه النظّام في مناظرات جرت بينهما، فانصرف محمومًا، فكان ذلك سبب علته التي مات فيها. انظر: الفهرست لابن النديم ص ٢٠٤. وذكر الأشعريّ في المقالات ٢/٣٤٠ أنّ أصحابه يسمون الحسينيّة. وأما الشهرستاني في الملل والنحل فسمّأهم النجّاريّة، وذكر أنّ أكثرهم معتزلة. وكذلك ذكرهم البغدادي في الفرق بين الفرق ص ٢٠٧. ٥ هو القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، تلميذ أبي حنيفة. عالم، فقيه، محدث. قال يحيى بن معين: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث، ولا أحفظ، ولا أصلح رواية من أبي يوسف. توفي ﵀ سنة ١٨٢ هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ١/٢٩٢. والجواهر المضيئة ٢/٢٢٠. ٦ ومن ذم أبي يوسف لأهل الكلام، قوله: "من طلب العلم بالكلام تزندق". انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٢٣٢. والصواعق المرسلة لابن القيم ٤/١٢٦٤. وقد ذكر الذهبي ﵀ في العلو ص١١٢ قول أبي يوسف: (من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن تتبع غريب الحديث كذب) .
[ ١ / ٢٧٦ ]
ومالك١، وغيرهم٢ لأمثال هؤلاء الذين سلكوا هذه الطريقة٣.
وقد صنّف في ذمّ الكلام وأهله مصنّفات أيضًا٤، وهو متناول لأهل
_________________
(١) ١ ومن ذمّ الإمام مالك لأهل الكلام، قوله: (لعن الله عمرًا - يعني عمرو بن عبيد؛ فإنّه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علمًا، لتكلّم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع. ولكنّه باطل يدلّ على باطل". شرح السنة للبغوي ١/٢١٧. وانظر: الفتاوى المصرية لابن تيمية ٦/٥٦٠. ومن أقواله: "لا تجوز شهادة أهل الأهواء والبدع..". انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم ٤/١٢٦٤. ٢ كالقاضي ابن سريج «مجموع الفتاوى ١٧/٣٠٥»، والإمام البغوي «شرح السنة ١/٢١٦»، وغيرهما. ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فقول ضرار والنجار وأتباعهما كبرغوث وحفص، وقول بشر المريسي ونحوه من أهل الكلام الذين ذمهم الشافعي، وأحمد، وغيرهما من الأئمة: ليس فيه إنكار للقدر، بل فيه إثبات له، وإنّما ذموهم لما في قولهم من نفي ما وصف الله به نفسه، مع أنّ قول النجار وضرار خير من قول المعتزلة، وقولهما في الرؤية يشبه قول من ينفي العلوّ ويُثبت الرؤية من الأشعريّة ونحوهم. وأصل كلامهم الذي بنوا عليه نفي ذلك ما تقدّم من الأصول الثلاثة ليس لهم غيرها، وهي: دليل الأعراض، والتركيب، والاختصاص". درء تعارض العقل والنقل ٧/٢٧٨. ٤ يقول الشيخ عبد الرحمن الشبل في مقدمة تحقيق كتاب ذم الكلام للهروي ١/٢: "أمّا الكتب التي ألفها أهل العلم في بيان زيف علم الكلام وبطلانه، وفضح أهله، والرد عليهم، فأكثر من أن تحصى. ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ النصيب الأكبر منها، بل إنّ كلّ كتاب ألّفه لا بُدّ أن يُشير غالبًا إلى شيء من ذلك. لكن من باب التمثيل أيضًا أُشير إلى الكتب الآتية:
(٢) الغنية عن الكلام وأهله لأبي سليمان الخطابي.
(٣) إلجام العوام عن علم الكلام لأبي حامد الغزالي. وله أيضًا:
(٤) تهافت الفلاسفة.
(٥) الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية. وله أيضًا: نقض المنطق.
(٦) نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان.
(٧) فصل الكلام في ذم الكلام لجلال الدين السيوطي. وله أيضًا:
(٨) القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق.
(٩) صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام.
(١٠) جهد القريحة في تجريد النصيحة. لخّص فيه السيوطي كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية المذكور آنفًا. وانظر: أيضًا درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية، والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن قيم الجوزية، ومختصره لمحمد الموصلي؛ ففيهما مباحث قيّمة تتعلّق بهذا الباب".
[ ١ / ٢٧٧ ]
هذه الطريقة قطعًا. فكان إيجاب النظر بهذا التفسير باطلًا قطعًا، بل هذا نظر فاسد يُناقض الحقّ والإيمان.
حذاق الطوائف ببينوا فساد طريقة الأعراض
ولهذا صار من يسلك هذه الطريقة١ من حذّاق الطوائف يتبيّن لهم فسادها٢؛ كما ذكر مثل ذلك أبو حامد الغزالي٣، وأبو عبد الله الرازي٤، وأمثالهما٥.
_________________
(١) ١ طريقة الأعرض وحدوث الأجسام. ٢ كذا في «خ»، و«م» . وفي «ط»: فاسدها. وهو خطأ. ٣ وقد تقدّم قوله: "فليت شعري متى نُقل عن رسول الله ﷺ أو عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قالوا لمن جاءهم مسلمًا: الدليل على أنّ العالم حادث: أنّه لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث حادث". فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص ٨٩. وفي قوله توهين لقيمة هذه الطريقة، وتقليل من شأنها، ودليل على أنّه لا يرى - في قرارة نفسه - أنّ هذه الطريقة صالحة للاستدلال على إثبات الصانع. ٤ وقد تقدّم أنّ الرازي ضعّف البراهين الخمسة التي احتُجّ بها على حدوث العالم وحدوث الأجسام. انظر: المطالب العالية للرازي ١/٧١، والمباحث المشرقية له١/٣٢٧. ٥ ذكر أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر أنّ الرسل لم تدع إلى هذا الدليل المبتدع انظر: ص ١٨٥-١٩٢) . وكذلك نقل الشهرستاني والخطابي ذمّها. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٧/٢٢٧، ٢٩٣، وما بعدها.
[ ١ / ٢٧٨ ]
ثمّ الذي يتبيّن له فسادها: إذا لم يجد عند من يعرفه من المتكلمين في أصول الدين غيرها بقي حائرًا مضطربًا١.
الفلاسفة تسلطوا على المتكلمين بسبب فساد طريقة الأعراض
والقائلون بقدم العالم؛ من الفلاسفة، والملاحدة، وغيرهم تبيّن٢ لهم فسادها؛ فصار ذلك من أعظم حججهم على قولهم الباطل؛ فيُبطلون قول هؤلاء أنّه صار فاعلًا، أو فاعلًا ومتكلمًا بمشيئته بعد أن لم يكن٣، ويُثبتون وجوب دوام نوع الحوادث، ويظنّون أنّهم إذا أبطلوا كلام أولئك المتكلمين بهذا حصل مقصودهم٤. وهم٥ أضلّ وأجهل من أولئك٦؛ فإنّ أدلتهم لا توجب قدم شيء بعينه من العالم، بل كلّ ما سوى الله فهو حادث مخلوق كائن بعد أن لم يكن، ودلائل كثيرة غير تلك الطريقة٧.
_________________
(١) ١ لذلك نجد أكثر من سلك هذا المسلك أصابته الحيرة في آخر عمره؛ فمنهم من تاب وأناب، ومنهم من صرّح بما كان يخفيه، وأعلن عن رأيه في الكلام والمنطق. وسيأتي كلام الرازي، والشهرستاني، والغزالي، وغيرهم لاحقًا إن شاء الله. ٢ في «خ» يبين. والصواب من «م»، و«ط» . ٣ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية حاكيًا عن طريقة الأعراض التي سلكها المتكلمون: "فطريقتهم التي أثبتوا بها أنه خالق للخلق، مرسل للرسل، إذا حُقّقت عليهم، وُجد لازمها أنه ليس بخالق ولا مُرسِل. فيبقى المسلم العاقل إذا تبيّن له حقية الأمر، وكيف انقلب العقل والسمع على هؤلاء، متعجبًا. ولهذا تسلّط عليهم بها أعداء الإسلام من الفلاسفة والملاحدة وغيرهم؛ لما بيّنوا أنّه لا يثبت بها خلق ولا إرسال؛ فادّعى أولئك قدم العالم، وأثبتوا موجبًا بذاته، وقالوا: إنّ الرسالة فيض يفيض على النبيّ من جهة العقل الفعّال، لا أنّ هناك كلامًا تكلّم الله تعالى به قائمًا به أو مخلوقًا في غيره". شرح العقيدة الأصفهانية - بتحقيق السعوي - ص ٣٢٩-٣٣٠. ٤ أي مقصود الفلاسفة. ٥ أي الفلاسفة. ٦ أي من المتكلمين. ٧ انظر: كلام شيخ الإسلام ﵀ على تسلط الفلاسفة وملاحدة الصوفية على المتكلمين في: الرد على المنطقيين ص ٣١٠-٣١١. وشرح الأصفهانية ص ٣٢٩-٣٣١. ومجموع الفتاوى ١٣/١٥٧. وشرح حديث النزول ص ٤٢٠-٤٢٢، ٤٢٨. ومنهاج السنة النبوية ١/٣٥٢. قال شيخ الإسلام: "إنّ هؤلاء المتكلمين الذين زعموا أنهم ردوا عليهم، لم يكن الأمر كما قالوه، بل هم فتحوا لهم دهليز الزندقة. ولهذا يوجد كثير ممن دخل في هؤلاء الملاحدة إنما دخل من باب أولئك المتكلمين؛ كابن عربي، وابن سبعين، وغيرهم. وإذا قام من يرد على هؤلاء الملاحدة، فإنهم يستنصرون ويستعينون بأولئك المتكلمين المبتدعين، ويعينهم أولئك على من ينصر الله ورسوله؛ فهم جندهم على محاربة الله ورسوله كما قد وجد ذلك عيانًا". شرح حديث النزول ص ٤٢٢-٤٢٣.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وإن كان الفاعل لم يزل فاعلًا لما يشاء، ومتكلمًا بما يشاء، وصار كثير من أولئك١ إذا ظهر له فساد أصل أولئك المتكلمين المبتدعين، وليس عنده إلا قولهم، وقول هؤلاء٢، يميل إلى قول هؤلاء الملاحدة، ثمّ قد يُبطن ذلك، وقد يُظهر لمن يأمنه.
أثر طريقة الأعراض على المتصوفة
وابتُلِيَ بهذا كثير من أهل النظر والعبادة والتصوف، وصاروا يُظهرون هذا في قالب المكاشفة٣، ويزعمون أنّهم أهل التحقيق والتوحيد
_________________
(١) ١ ممّن سلكوا طريقة الأعراض وحدوث الأجسام. ٢ الفلاسفة والملاحدة. ٣ المكاشفة: هي عبارة عن بيان ما يستتر عن الفهم، فيُكشف للعبد عنه كأنّه يراه رأي العين. انظر: حياة القلوب في كيفية الوصول إلى المحبوب - بهامش قوت القلوب - (٢/٢٧٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فما كان من الخوارق من باب العلم، فتارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ومنامًا، وتارة بأن يعلم ما لا يعلم غيره وحيًا وإلهامًا. أو إنزال علم ضروري، أو فراسة صادقة، ويُسمّى كشفًا ومشاهدات ومكاشفات ومخاطبات. فالسماع مخاطبات، والرؤية مشاهدات، والعلم مكاشفة. ويُسمّى ذلك كله (كشفًا) و(مكاشفة)؛ أي كشف له عنه". مجموع الفتاوى ١١/٣١٣. وانظر: الصفدية ١/١٨٦.
[ ١ / ٢٨٠ ]
والعرفان. فأخذوا من نفي الصفات أنّ صانع العالم١ لا داخل العالم، ولا خارجه. ومن قول هؤلاء: إنّ العالم قديم، ولم يروا موجودًا سوى العالم، فقالوا: إنّه هو الله، وقالوا: هو الوجود المطلق، والوجود واحد، وتكلّموا في وحدة الوجود٢، وأنه الله بكلام ليس هذا موضع بسطه٣.
_________________
(١) ١ في «خ» العلم. وهو خطأ. وما أثبته من «م»، و«ط» . ٢ وحدة الوجود: من أبرز عقائد ملاحدة الصوفية. وقد أوضح شيخ الإسلام مقصودهم به فقال: "معناه أن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى، وليس وجودها غيره، ولا شيء سواه البتة". مجموع الفتاوى ١١/١٤٠. وانظر: المصدر نفسه ١١/١٧٢-١٧٣. والباطنية: باطنية الشيعة والمتصوّفة؛ كابن سبعين وابن عربي هم في الباطن كذلك، بل يقولون: الوجود واحد: وجود الخالق هو وجود الخلق، فيجب أن يكون كل موجود عابدًا لنفسه، شاكرًا لنفسه، حامدًا لنفسه. وابن عربي يجعل الأعيان ثابتة في العدم، وقد صرّح بأنّ الله لم يعط أحدًا شيئًا، وأنّ جميع ما للعباد فهو منهم لا منه، وهو مفتقر إليهم لظهور وجوده في أعينهم، وهم مفتقرون إليه لكون أعيانهم ظهرت في وجوده، فالربّ إن ظهر فهو العبد، والعبد إن بطن فهو ربّ، ولهذا قال: لا تحمد ولا تشكر إلا نفسك، فما في أحد من الله شيء ولا في أحد من نفسه شيء. ولهذا قال: إنه يستحيل من العبد أن يدعوه لأنه يشهد أحدية العين، فالداعي هو المدعو، فكيف يدعو نفسه. وزعم أن هذا هو خلاصة غاية الغاية، فما بعد هذا شيء. انظر: جامع المسائل ٢/١٠٤-١٠٥. ٣ وقد تكلّم شيخ الإسلام ﵀ عن هذا الموضوع بكثرة. انظر: على سبيل المثال: الجزء الثاني من الفتاوى؛ فقد حوى رسائل في هذا الموضوع، منها رسالة تسمى «حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود» من ص ١٣٤-٢٨٥، وكذلك «رسالة إلى نصر المنبجي» من ص ٤٥٢-٤٧٩. وانظر: جامع الرسائل ٢/١٠٤-١١٦، ٢٠١-٢٠٦.
[ ١ / ٢٨١ ]
ثمّ لمّا ظهر أنّ كلامهم يُخالف الشرع والعقل، صاروا يقولون: ثَبَتَ١ عندنا في الكشف ما يُناقض صريح العقل، ويقولون: القرآن كله شرك، وإنّما التوحيد في كلامنا، ومن أراد أن يحصل له هذا العلم اللدنيّ الأعلى، فليترك العقل والنقل٢. وصار حقيقة قولهم الكفر بالله، وبكتبه، ورسله، وباليوم الآخر من جنس قول الملاحدة الذين يظهرون التشيّع. لكنّ أولئك لمّا كان ظاهر قولهم هو ذمّ الخلفاء كأبي بكر وعمر وعثمان [﵃] ٣، صارت وصمة الرفض تنفر عنهم خلقًا كثيرًا لم يعرفوا باطن أمرهم، وهؤلاء صاروا ينتسبون إلى المعرفة والتوحيد واتباع شيوخ الطرق؛
_________________
(١) ١ كذا في «خ» . وفي «م»، و«ط»: يثبت. ٢ انظر: كلام هؤلاء في الفرقان ص ٢٢٩. والفتاوى ٢/٤٧٢. قال شيخ الإسلام ﵀ عنهم: "ولهذا كان هؤلاء الاتحاديّة والحلوليّة يصفونه بما توصف به الأجسام المذمومة، ويصرحون بذلك، وهؤلاء من أعظم النّاس كفرًا وشتمًا لله، وسبًّا لله سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا ويُسمّون أنفسهم المنزِّهون، وهم أبعد الخلق عن تنزيه الله وأقرب لتنجيس تقديسه وهذا التلمساني هو وسائر الاتحادية؛ كابن عربي الطائي صاحب الفصوص وغيره، وابن سبعين، وابن الفارض والقونوي صاحب ابن عربي شيخ التلمساني، وسعيد الفرغاني، إنما يدعون الكشف والشهود لما يخبرون عنه وأن تحقيقهم لا يوجد بالنظر والقياس والبحث، وإنما هو شهود الحقائق وكشفها. ويقولون: ثبت عندنا في الكشف ما يُناقض صريح العقل، ويقولون لمن يسلكونه لا بد أن يجمع بين النقيضين وأن يخالف العقل والنقل، ويقولون: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا، ويقولون: لا فرق عندنا بين الأخوات والبنات والزوجات؛ فإنّ الوجود واحد، لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام، فقلنا حرام عليكم ". بيان تلبيس الجهميّة ٢/٥٣٨-٥٣٩. وانظر: بغية المرتاد ص ٤٩١. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٢٢٩-٢٣٠. وكتاب الصفدية ص ٢٤٤. ٣ ليست في «خ» و«م»، وهي في «ط» .
[ ١ / ٢٨٢ ]
كالفضيل١، وإبراهيم بن أدهم٢، والتستري٣، والجنيد٤، وسهل بن٥ عبد الله٦، وأمثال هؤلاء ممّن له في الأمة لسان صدق، فاغترّ بهؤلاء من لم يعرف باطن أمرهم، وهم في الحقيقة من أعظم خلق الله خلافًا لهؤلاء المشايخ
_________________
(١) ١ الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي، الإمام القدوة الثبت، شيخ الإسلام، أبو علي. ولد بسمرقند وأصله من الكوفة، وسكن مكة. يُعدّ من العباد الصالحين، وكان ثقة نبيلًا فاضلًا عابدًا ورعًا كثير الحديث. توفي بمكة سنة ١٨٧؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٨/٤٢١-٤٤٢. وحلية الأولياء ٨/٨٤. وشذرات الذهب ١/٣١٦-٣١٧. وطبقات الصوفية ٦-١٤. والأعلام ٥/١٥٣. ٢ إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي نزيل الشام، مولده في حدود المائة. قال عنه ابن كثير ﵀: (أحد مشاهير العباد، كانت له همة عالية في ذلك ﵀) . توفي سنة ١٦٢؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٧/٣٨٧-٣٩٦. وحلية الأولياء٧/٣٦٧. وطبقات الصوفية ص ٢٧. والبداية والنهاية ١٠/١٣٨. ٣ في «خ» السّري، وما أُثبت من «م»، و«ط» . والتستري هو: سهل بن عبد الله بن يونس التستري، أبو محمد الصوفي الزاهد، وهو من كبار الصوفية. مات سنة ٢٨٣؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/٣٣٠. وطبقات الصوفية ص٢٠٦. وحلية الأولياء ١٠/١٨٩. وشذرات الذهب ٢/١٨٢. ٤ هو الجنيد بن محمد بن الجنيد، أبو القاسم. قال عنه الخطيب: (نشأ ببغداد، وسمع بها الحديث، ثمّ اشتغل بالعبادة ولازمها) . مات سنة ٢٩٨؟. انظر: تاريخ بغداد ٧/٢٤١. وسير أعلام النبلاء ٢٠/٢٧٢. وحلية الأولياء ١٠/٢٥٥. وشذرات الذهب ٢/٢٢٨. وطبقات الصوفية ص ١٥٥. ٥ في «خ» لبن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ لعله أبو طاهر سهل بن عبد الله بن الفرخان الأصبهاني. قال عنه الذهبي: أحد الثقات.. وكان من حملة الحجة، كبير القدر. قال أبو نعيم: لقيت أصحابه، وكان مجاب الدعوة وهو أول من حمل مختصر حرملة من علم الشافعي إلى أن قال: - ومات في سنة ست وسبعين ومائتين. انظر: سير أعلام النلاء ١٣/٣٣٣-٣٣٤. وحلية الأولياء ١٠/٢١٢-٢١٣ - وسماه الفرحان.
[ ١ / ٢٨٣ ]
السادة، ولمن هو أفضل منهم من السابقين الأولين، والأنبياء المرسلين١.
وكان من أسباب ذلك أنّ العبادة والتألّه والمحبة ونحو ذلك ممّا يتكلّم فيه شيوخ المعرفة والتصوّف أمر معظّم في القلوب، والرسل إنّما بُعثوا بدعاء الخلق إلى أن يعرفوا الله، ويكون أحبّ إليهم من كلّ ما سواه، فيعبدوه ويألهوه، ولا يكون لهم معبود مألوه غيره٢.
وقد أنكر جمهور أولئك المتكلمين أن يكون الله محبوبًا، أو أنّه يُحبّ شيئًا، أو يُحبّه أحد٣. وهذا في الحقيقة إنكار لكونه إلهًا معبودًا؛ فإنّ
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀: "فإنّ ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية، فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل الكلام، فضلًا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة؛ كالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبو سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثالهم رضوان الله عليهم أجمعين". الفرقان ص ٢١٣. ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "محبة الله، بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجلّ قواعده، بل هي أصل كلّ عمل من أعمال الإيمان؛ كما أن التصديق به أصل كلّ قول من أقوال الإيمان والدين". مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/٤٨-٤٩. وانظر: جامع الرسائل ٢/٢٣٥. وتقديم محبة الله تعالى على محبة ما سواه أحد الأسباب - بل أهمها - التي يجد العبد بها حلاوة الإيمان؛ كما أخبر رسول الله ﷺ: "ثلاث من كنّ فيه، وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممّا سواهما.." الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه ١/١٤، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان. ومسلم في صحيحه ١/٦٦، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتّصف بهنّ وجد حلاوة الإيمان. ٣ انظر: إنكار ابن كلاب لذلك في مقالات الإسلاميين ١/٢٥٠، ٢/٢٢٥. وإنكار الباقلاني في كتابه الإنصاف ص ٦٩. وابن فورك في مشكل الحديث وبيانه ص ٣٣٢. وابن جماعة في إيضاح الدليل ص ١٣٩. والقرطبي في تفسيره ٢٠/٤. ومدارك التنزيل للنسفي ١/٢٠٩. وعمدة القاري للعيني ٢٥/٨٤. وانظر: أيضًا: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/٦٦.
[ ١ / ٢٨٤ ]
الإله: هو المألوه الذي يستحق أن يؤله ويُعبد، والتألّه والتعبّد: يتضمن غاية الحب بغاية الذلّ١.
الإلهية: القدرة على الاختراع عند الأشعري
ولكن غلط كثير من أولئك، فظنّوا أنّ الإلهيّة هي القدرة على الخلق، وأنّ الإله بمعنى الآلِه، وأنّ العباد يألههم الله، لا أنّهم هم يألهون الله؛ كما ذكر ذلك طائفة منهم الأشعريّ وغيره٢.
وطائفة ثالثة٣ لما رأت ما دلّ على أنّ الله يُحِبّ أن يكون محبوبًا من أدلة الكتاب والسنة،
الذين غلطوا في مسمى المحبة والإرادة
وكلام السلف وشيوخ أهل المعرفة، صاروا يقرّون
_________________
(١) ١ انظر: كتاب العبودية للمؤلف؛ فقد تحدّث حول هذا الموضوع ص ٣٥. وانظر: أيضًا: مجموع الفتاوى له ١٣/٢٠٢-٢٠٣، والمصدر نفسه ٨/٣٧٨. والجواب الصحيح ٦/٣١. وجامع الرسائل ٢/١٩٦، ٢٥٤-٢٥٦. ٢ هذا الفهم الخاطئ قال به الأشعريّ، وتبعه عليه جميع الأشعريّة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/٩١. وانظر: أيضًا: الجواب الصحيح ٢/١٥٢. والصفدية ١/١٤٨. واقتضاء الصراط المستقيم ٢/٨٤٥. ودرء تعارض العقل والنقل ٩/٣٧٧. ومجموع الفتاوى ٨/١٠١. والتدمرية ص ١٨٥-١٨٦. وفهمهم هذا خاطئ؛ فإنّ الإله بمعنى المألوه المعبود، لا بمعنى الآلِه كما زعموا. وقد بيّن شيخ الإسلام خطأهم في ذلك، فقال: (والإله هو بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس هو الآلِه بمعنى القادر على الخلق. فإذا فسّر المفسر الإله بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أنّ هذا أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية - وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن وأتباعه - لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله؛ فإنّ مشركي العرب كانوا مقرّين بأنّ الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين؛ قال تعالى: ﴿وَمَاْ يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُوْنَ﴾ [يوسف ١٠٦] قال طائفة من السلف: تسألهم من خلق السموات والأرض، فيقولون: الله، وهم مع هذا يعبدون غيره..) . درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٢٢٦-٢٢٧. وانظر: مجموع الفتاوى ٨/٣٧٨. وشرح الأصفهانية ١/١٤٨. ٣ انظر: مجموع الفتاوى ١٠/٧٤-٧٥.
[ ١ / ٢٨٥ ]
بأنّه محبوب، لكنّه هو نفسه لا يحبّ شيئًا إلا بمعنى المشيئة، وجميع الأشياء مرادة له فهي محبوبة له. وهذه طريقة كثير من أهل النظر والعبادة والحديث؛ كأبي إسماعيل الأنصاري١، وأبي حامد الغزالي، وأبي بكر بن العربي٢٣.
_________________
(١) ١ هو أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي الأنصاري، ولد سنة ٣٩٦، وتوفي سنة ٤٨١؟. قال عنه الذهبي: "شيخ الإسلام الإمام القدوة الحافظ الكبير، وشيخ خراسان من ذرية صاحب النبيّ ﷺ أبي أيوب الأنصاري". انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/٥٠٣. وطبقات الحنابلة ٢/٢٤٧-٢٤٨. وشذرات الذهب ٣/٣٦٥-٣٦٦. وانظر: كلامه في مدارج السالكين ١/٢٢٧، وقد علّق عليه ابن القيم ﵀ بأنّه من أبطل الباطل. كما نقل كلامه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وسمى هذه المسألة مسألة إرادة الكائنات وخلق الأفعال. وقال عنه بأنّه في هذه المسألة (أبلغ من الأشعريّة؛ لا يُثبت سببًا ولا حكمة، بل يقول: إنّ مشاهدة العارف الحكم لا يبقى له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة، والحكم عنده هو المشيئة؛ لأنّ العارف عنده من يصل إلى مقام الفناء) . مجموع الفتاوى ٨/٢٣٠. وانظر: المصدر نفسه ٨/٣٣٩-٣٤٠. ٢ في «خ»:ابن عربي. وما أثبت من «م»، و«ط» . وأبو بكر بن العربي، هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن العربي الأندلسي الأشبيلي المالكي. ولد في أشبيلية سنة ٤٦٨؟، وتوفي سنة ٥٤٣؟. رحل إلى المشرق، وأخذ من العلماء وأشهرهم الغزالي، ثم رجع إلى الأندلس وتولى قضاء أشبيلية. يعتبر من أئمة المالكية، ومن كبار حفّاظهم وفقهائهم إلا أنه أشعري تتلمذ على الغزالي وتأثر ببعض أفكاره. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠/١٩٧. والبداية والنهاية ١٢/٢٤٥ - وقال عن وفاته: إنها سنة ٥٤٥ هـ. قانون التأويل - قسم التحقيق - لابن العربي ص ١١٧، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٢/٦٤٧. ٣ بل هذا قول المعتزلة والجهميّة وأغلب الأشعريّة. انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل لعبد الجبار المعتزلي ٦/٥١-٥٦. والإنصاف للباقلاني ص ٦٩-٧٠. ولباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول للمكلاتي ص ٢٨٨.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وحقيقة هذا القول أنّ الله يُحبّ الكفر، والفسوق، والعصيان، ويرضاه١. وهذا هو المشهور من قول الأشعريّ وأصحابه٢، وقد ذكر أبو المعالي أنه أول من قال ذلك٣، وكذلك ذكر ابن عقيل٤ أنّ أوّل من قال إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان هو الأشعريّ وأصحابه، وهم قد يقولون لا يُحبّه دينًا، ولا يرضاه دينًا، كما يقولون: لا يريده دينًا؛ أي لا يريد أن يكون فاعله مأجورًا، وأما هو نفسه فهو محبوب له كسائر المخلوقات؛ فإنّها عندهم محبوبة له؛ إذ كان ليس عندهم إلا إرادة واحدة
_________________
(١) ١ لأنّ من جوّز إطلاق المحبة على الإرادة، فلازم قوله أنّ الله يحب الكفر ويرضاه كفرًا. انظر: مجموع الفتاوى ٨/٣٤٣. ٢ يقول أبو المعالي الجويني: "إذا تعلّقت الإرادة بنعيم ينال عبدًا، فإنها تسمى محبة ورضى. وإذا تعلّقت بنقمة تنال عبدًا فإنها تسمى سخطًا". الإرشاد للجويني ص ٢٣٩. وانظر: الإنصاف للباقلاني ص ٦٩-٧٠. والتمهيد له ص ٣٨٥-٣٨٦. وانظر: مدارج السالكين لابن القيم ١/٢٢٨، ٢٥١، ٢/١٨٩. ومنهاج السنة النبوية ١/١٣٤-١٣٥، ٥/٣٦٠. وسيأتي مزيد إيضاح لهذا الموضوع، حين نقل كلام الأشعري نفسه في اللمع، في ص ٣٠١ من هذا الكتاب. ٣ انظر: الإرشاد للجويني ص ٢٣٧-٢٣٩. وانظر: أيضًا: أصول الدين للبغدادي ص ١٠٢-١٠٤. ومجموع فتاوى ابن تيمية ٨/٢٣٠. وفي منهاج السنة ٥/٣٦٠ قال: إن أبا الحسن أول من سوّى بينهما. ٤ وكان يميل إلى بعض كلام المعتزلة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀ درء تعارض العقل والنقل ١/٢٧٠. وقد نقل في منهاج السنة النبوية ٥/٣٦٠ عنه قوله: (أجمع المسلمون على أن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولم يقل إنه يحبه غير الأشعري) .
[ ١ / ٢٨٧ ]
شاملة لكل مخلوق؛ فكل مخلوق، فهو عندهم محبوب مرضيّ١.
وجماهير المسلمين يعرفون أنّ هذا القول معلوم الفساد بالضرورة من دين أهل الملل، وأنّ المسلمين واليهود والنصارى متفقون على أنّ الله لا يُحبّ الشرك، ولا تكذيب الرسل، ولا يرضى ذلك، بل هو يُبغض ذلك ويمقته ويكرهه؛ كما ذكر الله في سورة بني إسرائيل ما ذكره من المحرّمات، ثمّ قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَاْنَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوْهًَا﴾ ٢. وبسط هذه الأمور له مواضع أُخَر٣.
_________________
(١) ١ وهذا نجم عن قولهم "إنّ الإرادة تستلزم الرضى والمحبة"، وقد تقدّم نقل ذلك عنهم. وخطؤهم الذي وقعوا فيه وحدا بهم إلى هذه المآزق هو ظنّهم أنّ الإرادة في النصوص كلها بمعنى واحد، بل ولا تتجدّد أيضًا. وهذا خطأ عظيم، ووهم كبير، وقول مخالف للكتاب والسنّة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رادًا على معتقدهم هذا: "وإثبات إرادة كما ذكروه لا يُعرف بشرع ولا عقل، بل هو مخالف للشرع والعقل؛ فإنّه ليس في الكتاب والسنّة ما يقتضي أنّ جميع الكائنات حصلت بإرادة واحدة بالعين تسبق جميع المرادات بما لا نهاية له". درء تعارض العقل والنقل ٨/٢٨٣. وانظر: أصول الدين للبغدادي ص ١٠٢. ومراتب الإرادة لابن تيمية - ضمن مجموع الفتاوى٨/١٨٨-١٩٠، ١٩٧. ومجموع الفتاوى ٦/١١٥-١١٦، ٨/٢٢-٢٣، ٣٣٩، ٣٤٠-٣٤١، ٤٤٠، ٤٧٤-٤٧٦، ١٦/٣٠١-٣٠٣، ١٧/١٠١، ١٨/١٣٢. ودرء تعارض العقل والنقل ٢/١٧٢. وشرح الأصفهانيّة - ت مخلوف - ص ٢٧. ومدارج السالكين لابن القيم ١/٢٢٨، ٢٥١-٢٥٢. ٢ سورة الإسراء، الآية ٣٨. ٣ انظر: مجموع الفتاوى ٦/١١٥-١١٦، ٨/٢٢-٢٣، ٢٣٠-٢٣٤، ٣٣٧-٣٥٥، ٣٧٠، ٤٤٠، ٤٧٤-٤٧٦، ١٦/٣٠١-٣٠٣، ١٧/١٠١، ١٨/١٣٢. ودرء تعارض العقل والنقل ٢/١٧٢، ٨/٢٨٣. وشرح الأصفهانيّة - ت مخلوف - ص ٢٧. ومنهاج السنة النبوية ٥/٣٥٩-٣٦١.
[ ١ / ٢٨٨ ]
الذين أوجبوا النظر أعرضوا عن طريق الرسول
والمقصود هنا أنّ الذين أعرضوا عن طريق الرسول في العلم و١العمل وقعوا في الضلال والزلل، وأنّ أولئك لما أوجبوا النظر الذي ابتدعوه، صارت فروعه فاسدة، إن قالوا إنّ من لم يسلكها كفر أو عصى٢، فقد عُرف بالاضطرار من دين الإسلام أنّ الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يسلكوا طريقهم، وهم خير الأمة٣. وإن قالوا: إنّ من ليس عنده علم ولا بصيرة بالإيمان، بل قاله تقليدًا محضًا من غير معرفة يكون مؤمنًا، فالكتاب والسنّة يُخالف٤ ذلك. ولو أنّهم سلكوا طريقة الرسول، لحفظهم الله من هذا التناقض؛ فإنّ ما جاء به الرسول جاء من عند الله٥،
_________________
(١) ١ في «خ»: أو. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ذكر الإمام ابن حزم عنهم ذلك، فقال: "ذهب محمد بن جرير الطبري، والأشعريّة كلها، حاشا السمناني إلى أنّه لا يكون مسلمًا إلا من استدلّ، وإلا فليس مسلمًا. وقال الطبري: من بلغ الاحتلام أو الإشعار من الرجال والنساء، أو بلغ المحيض من النساء، ولم يعرف الله ﷿ بجميع أسمائه وصفاته من طريق الاستدلال، فهو كافر حلال الدم والمال". الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٤/٣٥. وانظر: كلام شيخ الإسلام ﵀ عنهم في هذه المسألة في درء تعارض العقل والنقل ٧/٤٠٧. وانظر: رسالة السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص ١٣٩. ٣ وهذا سبق بيانه ص ٢٩٧- ٣٠٣. ٤ في «خ»: تخالف. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر: معارج الوصول إلى أنّ أصول الدين وفروعه قد بيّنها الرسول ﷺ. وكذلك درء تعارض العقل والنقل ١/١٦-٢٧، ٣٨-٤٣، ١٩٤-١٩٥، ٥/٣٦٣-٣٧٠. وانظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن تناقض الأشاعرة في الشرعيّات والعقليّأت في التسعينيّة ص ٢٥٩-٢٦٠. وانظر: كلامه - ﵀ - عن أول واجب على المكلف في درء تعارض العقل والنقل ٨/٦-٧. ومجموع الفتاوى ١٦/٣٢٨.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وما ابتدعوه جاؤوا به من عند غير الله، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَاْنَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوْا فِيْهِ اخْتِلافًَا كَثِيْرًَا﴾ ١.
وهؤلاء٢ بنوا دينهم على النظر، والصوفية بنوا دينهم على الإرادة، وكلاهما لفظ مجمل، يدخل فيه الحق والباطل.
فالحق: هو النظر الشرعيّ، والإرادة الشرعيّة.
النظر الشرعي
[فالنظر الشرعيّ] ٣: [هو] ٤ النظر فيما بُعث به الرسول من الآيات والهدى؛ كما قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَاْنَ الَّذِيْ أُنْزِلَ فِيْهِ الْقُرْآنُ هُدَىً لِلنَّاْسِ وَبَيِّنَاْتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَاْن﴾ ٥.
الإرادة الشرعية والسماع الشرعي والدليل الشرعي
والإرادة الشرعيّة: إرادة ما أمر الله به ورسوله. والسماع الشرعيّ: سماع ما أحبّ الله سماعه كالقرآن. والدليل الذي يستدلّ به هو الدليل الشرعيّ، وهو الذي دلّ الله به عباده، وهداهم به إلى صراط مستقيم٦؛ فإنّه لمّا ظهرت البدع، والتبس الحقّ بالباطل صار اسم النظر، والدليل، والسماع، [والإرادة يُطلق على ثلاثة أمور:
إطلاقات النظر والإرادة والسماع والدليل
منهم: من يريد به البدعيّ دون الشرعيّ؛ فيريدون بالدليل: ما ابتدعوه من الأدلة الفاسدة، والنظر فيها. ومن السماع والإرادة] ٧: ما ابتدعوه من
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية ٨٢. ٢ أي المتكلمون. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: وهو. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ سورة البقرة، الآية ١٨٥. ٦ كالنظر في المخلوقات، ودلالة المعجزات، وغير ذلك من الأدلة الشرعية. انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٧/٣٠٠-٣٠٢. وشرح حديث النزول ص ٢٧-٢٨. ومجموع الفتاوى ١١/٣٧٨. ٧ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . وهو في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٩٠ ]
اتباع ذوقهم ووجدهم، وما تهواه أنفسهم، وسماع الشعر والغناء الذي يُحرّك هذا الوجد التابع لهذه الإرادة النفسانيّة التي مضمونها اتباع ما تهوى الأنفس بغير هدى من الله.
ومنهم: من يريد مطلق الدليل والنظر، ومطلق السماع والإرادة، من غير تقييدها لا بشرعيّ ولا ببدعيّ. فهؤلاء يُفسّرون قوله: ﴿الَّذِيْنَ يَسْتَمِعُوْنَ الْقَوْلَ﴾ ١: بمطلق القول الذي يدخل فيه القرآن والغناء، ويستمعون إلى هذه وهذا، وأولئك٢ يُفسّرون الإرادة بمطلق المحبة للإله٣ من غير تقييدها بشرعيّ ولا بدعيّ، ويجعلون الجميع من أهل الإرادة؛ سواء عبد الله بما أمر الله به ورسوله من التوحيد وطاعة الرسول، أو كان عابدًا للشيطان مشركًا، عابدًا بالبدع، وهؤلاء أوسطهم، وهم أحسن حالًا من الذين قيّدوا ذلك بالبدعيّ
وأما القسم الثالث: فهم صفوة الأمة، وخيارها المتبعون للرسول علمًا وعملًا، يدعون إلى النظر والاستدلال والاعتبار بالآيات والأدلة والبراهين التي بعث الله بها رسوله، وتدبّر القرآن وما فيه من البيان، ويدعون إلى المحبة والإرادة الشرعيّة؛ وهي محبة الله وحده، وإرادة عبادته وحده لا شريك له بما أمر به على لسان رسوله؛ فهم لا يعبدون إلا الله، ويعبدونه بما شرع وأمر، ويستمعون ما أحبّ استماعه، وهو قوله الذي قال فيه: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَرُوْا الْقَوْلَ﴾ ٤، وهو الذي قال فيه: ﴿فَبَشِّرْ عِبَاْدِ الَّذِيْنَ يَسْتَمِعُوْنَ الْقَوْلَ
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية ١٨. ٢ يقصد الصوفية. ٣ في «خ»: للتأله. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة المؤمنون، الآية ٦٨.
[ ١ / ٢٩١ ]
فَيَتَّبِعُوْنَ أَحْسَنَهُ﴾ ١؛ كما قال: ﴿وَاتَّبِعُوْا أَحْسَنَ مَاْ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ منْ رَبِّكُمْ﴾ ٢. وقال: ﴿وَكَتَبْنَاْ لَهُ فِيْ الألْوَاْحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيْلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَاْ بِقُوَّةٍ وَاْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوْا بِأحْسَنِهَاْ﴾ ٣.
[والله] ٤ سبحانه بيَّنَ القدرة على الابتداء؛ كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِيْ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّاْ خَلَقْنَاْكُمْ مِنْ تُرَاْبٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية٥، ومثل قوله: ﴿وَيَقُوْلُ الإِنْسَاْنُ أَإِذَاْ مَاْ مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًَّا أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَاْنُ أَنَّاْ خَلَقْنَاْهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًَا﴾ ٦ الآية، ومثل قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَاْ مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَاْلَ مَنْ يُحْيِيْ الْعِظَاْمَ وَهِيَ رَمِيْم قُلْ يُحْيِيْهَاْ الَّذِيْ أَنْشَأَهَاْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيْم﴾ ٧، وغير ذلك.
الاستدلال على الخالق بخلق الإنسان طريق عقلي صحيح
فالاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة عقليّة صحيحة. وهي شرعيّة؛ دلّ القرآن عليها، وهدى النّاس إليها، وبيّنها وأرشد إليها. وهي عقليّة٨؛ فإنّ نفس كون الإنسان حادثًا
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآيتان ١٧، ١٨. ٢ سورة الزمر، الآية ٥٥. ٣ سورة الأعراف، الآية ١٤٥. ٤ ليست في «خ»، و«م» . ٥ سورة الحج، الآية ٥. ٦ سورة مريم، الآيتان ٦٦، ٦٧. ٧ سورة يس، الآيتان ٧٨، ٧٩. ٨ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإنّ الفاضل إذا تأمّل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية، وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق. وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما قد نبهنا على بعضه في غير هذا الموضع". شرح الأصفهانية - ت السعوي - ١/٤١. وانظر: الاستدلال بهذه الطريقة في: نقض أساس التقديس ١/٨٠-٨٢. ودرء تعارض العقل والنقل ٧/٣٠٠-٣٠٢.
[ ١ / ٢٩٢ ]
بعد أن لم يكن، ومولودًا ومخلوقًا من نطفة، ثمّ من علقة، هذا لم يُعلم بمجرّد خبر الرسول، بل هذا يعلمه النّاس كلهم بعقولهم؛ سواء أخبر به الرسول، أو لم يُخبر. لكنّ الرسول أمر أن يُستدلّ به، ودلّ به، وبيّنه، واحتجّ به؛ فهو دليل شرعيّ؛ لأنّ الشارع استدلّ به، وأمر أن يُستدلّ به؛ وهو عقليّ؛ لأنّه بالعقل تُعلم صحته. وكثيرٌ من المتنازعين في المعرفة هل تحصل بالشرع، أو بالعقل لا يسلكونه. وهو عقليّ شرعيّ، وكذلك غيره من الأدلة التي في القرآن؛ مثل الاستدلال بالسحاب والمطر؛ هو مذكور في القرآن في غير موضع، وهو عقليّ شرعيّ؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّاْ نَسُوْقُ الْمَاْءَ إِلَىْ الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًَا تأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَاْمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُوْنَ﴾ ١؛ فهذا مرئيّ بالعيون. وقال تعالى: ﴿سَنُرِيْهِمْ آيَاْتِنَاْ فِيْ الآفَاْقِ وَفِيْ أَنْفُسِهِمْ حَتَّىْ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ٢، ثمّ قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىْ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيْدٌ﴾ ٣.
فالآيات التي يُريها الناس، حتى يعلموا أنّ القرآن حق، هي آيات عقليّة؛ يستدلّ بها العقل على أنّ القرآن حقّ، وهي شرعيّة؛ دلّ الشرع عليها، وأمر بها. والقرآن مملوء من ذكر الآيات العقليّة التي يستدلّ بها العقل، وهي شرعيّة؛ لأنّ الشرع دلّ عليها، وأرشد إليها.
ولكنْ كثيرٌ٤ من النّاس لا يُسمّي دليلًا شرعيًّا إلا ما دلّ بمجرّد خبر الرسول، وهو اصطلاح قاصر، ولهذا يجعلون أصول الفقه هو لبيان الأدلة
_________________
(١) ١ سورة السجدة، الآية ٢٧. ٢ سورة فصلت، الآية ٥٣. ٣ سورة فصلت، الآية ٥٣. ٤ ما أثبت من «خ»، و«م»؛ على أنّ (لكنْ) - بالنون الساكنة - للاستدراك. وما في «ط»: (لكنّ) - بالنون المشدّدة - من أخوات (إنّ) .
[ ١ / ٢٩٣ ]
الشرعيّة؛ الكتاب، والسنّة، والإجماع. والكتاب يُريدون به أن يعلم مراد الرسول فقط. والمقصود من أصول الفقه: هو معرفة الأحكام الشرعيّة العمليّة؛ فيجعلون الأدلة الشرعيّة: ما دلّت على الأحكام العمليّة فقط، ويُخرجون ما دلّ بإخبار الرسول عن أن يكون شرعًا، فضلًا عمّا دلّ بإرشاده وتعليمه. ولكن قد يُسمّون هذا دليلًا سمعيًّا، ولا يُسمّونه شرعيًّا، وهو اصطلاح قاصر. والأحكام العمليّة أكثر الناس يقولون إنها تُعلم بالعقل أيضًا، وأنّ العقل قد يعرف الحسن والقبح، فتكون الأدلة العقليّة دالّة على الأحكام العمليّة أيضًا.
ويجوز أن تُسمّى شرعيّة؛ لأنّ الشرع قرّرها، ووافقها، أو دلّ عليها وأرشد إليها؛ كما قيل مثل ذلك في المطالب الخبريّة؛ كإثبات الربّ، ووحدانيته، وصدق رسله، وقدرته على المعاد: أنّ الشرع دلّ عليها، وأرشد إليها. وبسط هذا له موضع آخر١.
_________________
(١) ١ انظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في اختلاف الناس في مسألة (الحسن والقبح) في منهاج السنة النبوية ١/٣١٦-٣١٧. ومجموع الفتاوى ٨/٩٠، ٣٠٩-٣١٠، ٦٧٧-٦٨٦،، ١١/٣٤٧-٣٥٥، ٦٧٦-٦٧٧،، ١٦/٢٤٦-٢٤٧، ٤٩٨. والتسعينيّة ص ٢٤٧. وشرح الأصفهانيّة - ت مخلوف - ص ١٦١. ودرء تعارض العقل والنقل ٨/٢٢، ٤٩٢،، ٩/٤٩-٦٢. والرد على المنطقيين ص ٤٢٠-٤٣٧. والجواب الصحيح ١/٣١٤-٣١٥. وقال الأشعريّ: "العقل لا يقتضي حسن شيء، ولا قبحه، وإنّما عُرف القبيح والحسن بالسمع، ولولا السمع ما عُرف قبح الشيء، ولا حسنه". انظر: رسالة السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص ١٣٩. والملل والنحل للشهرستاني ١/١٠١. والإرشاد للجويني ص ٢٥٨. والمحصل للرازي ص ٢٠٢. وشرح المواقف للجرجاني ٨/١٨١-١٨٢. فالأشاعرة يقولون: "لا حسن، ولا قبح قبل مجيء الرسول، وإنّما الحسن ما قيل فيه: افعل. والقبيح ما قيل فيه: لا تفعل".
[ ١ / ٢٩٤ ]
الأشعري بنى أصول الدين على دليل الحوادث
والمقصود هنا: أنّ الأشعريّ بنى أصول الدين في «اللمع»، و«رسالة الثغر» على كون الإنسان مخلوقًا محدثًا، فلا بُدّ له من محدِث١، لكون هذا الدليل مذكورًا في القرآن، فيكون شرعيًّا عقليًّا.
لكنّه في نفس الأمر سلك في ذلك طريقة الجهميّة بعينها٢؛ وهو الاستدلال على حدوث الإنسان بأنّه مُركّب من الجواهر المفردة٣، فلم يخل من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث؛ فجعل العلم بكون الإنسان محدَثًا، وبكون غيره من الأجسام المشهودة محدثًا إنّما يُعلم بهذه الطريقة؛ وهو أنّه مؤلّف من الجواهر المفردة، وهي لا تخلو من اجتماع وافتراق - وتلك أعراض حادثة٤ - وما لم ينفكّ من الحوادث، فهو محدَث٥.
_________________
(١) ١ انظر: اللمع للأشعريّ ص ٦ - ط مكارثي -. ورسالة إلى أهل الثغر ص ١٤٤. ٢ وهذا تقدّم توضيحه قريبًا ص ٣٠٣. ٣ الجواهر المفردة: تُعرف بأنها الجزء الذي لا يتجزأ، وهو متحيّز لا ينقسم لا بالفكّ والقطع، ولا بالوهم والغرض. انظر: الصحائف الإلهيّة للسمرقندي ص ٢٥٥. وقال صاحب التعريفات عنها: "والجزء الذي لا يتجزأ: جوهر ذو وضع لا يقبل الانقسام أصلًا، لا بحسب الوهم أو الغرض العقليّ. وتتألف الأجسام من أفراده بانضمام بعضها إلى بعض كما هو مذهب المتكلمين". التعريفات للجرجاني ص ١٠٣. وانظر: الإرشاد للجويني ص ١٧. وأصول الدين للبغدادي ص ٣٣. ٤ وهي من الأكوان الأربعة. والأكوان بعض الأعراض؛ كما تقدّم ص ٢٥٨. ٥ وقد نقل عنه تمسّكه بهذه الطريقة - طريقة الأعراض وحدوث الأجسام -، وبناءه عليها، وتأويله للنصوص كي يُوافقها من جاء بعده من أعلام الأشاعرة؛ كابن فورك في المجرد ص ٦٧. والجويني في الإرشاد ص ١٢٠. والبغدادي في أصول الدين ص ١١٣. والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٥١٧، ٥٦٤. والشهرستاني في نهاية الإقدام ص ٣٠٤.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وهذه الطريقة أصل ضلال هؤلاء؛ فإنّهم أنكروا المعلوم بالحسّ، والمشاهدة، والضرورة العقليّة؛ من حدوث المحدثات المشهود حدوثها، وادّعوا أنه إنما يُشهد١ حدوث أعراض لا حدوث أعيان، مع تنازعهم في الأعراض. ثمّ قالوا: والأجسام لا تخلو من الأعراض - وهذا صحيح، ثمّ قالوا: والأعراض حادثة. فاضطربوا هنا. ثمّ قالوا: وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. وهذا أصل دينهم، وهو أصل فاسد مخالف للسمع والعقل، كما قد بُسط في غير هذا الموضع٢.
والمتفلسفة أشدّ مخالفة للعقل والسمع منهم، لكنهم عرفوا فساد طريقتهم هذه العقليّة، فاستطالوا عليهم بذلك، وسلكوا ما هو أفسد منها كطريقة الإمكان والوجوب٣؛ كما قد بُسط في موضع آخر٤؛
فلبّسوا هذا الباطل بالحقّ الذي جاء به الرسول؛ وهو الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره
_________________
(١) ١ في «ط»: شُهد، وما أُثبت من «خ»، و«م» . ٢ انظر: من كتب شيخ الإسلام: مجموع الفتاوى ٦/٣١٣، ٣٣٠. وشرح العقيدة الأصفهانية - ت مخلوف - ص ٧٠. وشرح حديث النزول ص ٧٣، وص ٤١٣-٤٢٠ - محقق -. وكتاب الصفدية ٢/١٦٣. ودرء تعارض العقل والنقل ٨/١٧٣. ورسالة في الصفات الاختيارية - ضمن جامع الرسائل ٢/٣١-٣٢ -. والفتاوى المصريّة ٦/٥٥٢-٥٥٦. ٣ تقدّم الكلام على مسلكهم - الوجوب والإمكان - قريبًا ص ٣٠٧. ٤ انظر: من كتب شيخ الإسلام: شرح العقيدة الأصفهانية - ت السعوي - ص ٣٣١، ٤٤٢-٤٤٣. وشرح حديث النزول - محقق - ص ٤٢٠، ٤٢٢، ٤٢٨، ٤٣٦، ٤٣٨. والفرقان بين الحق والباطل ص ١٠٢. ومنهاج السنة النبوية ١/٣٠٣-٣٠٤، ٣٥٢-٣٥٩، و٣/٣٦١-٣٦٢. ودرء تعارض العقل والنقل ٣/٣٣٦-٣٤٢، ٧/٢٤٢، ٣٤٥-٣٥٢، ٨/٩٧، ٩/٦٨، ٣٧٩، و١٠/٣١٦-٣١٧. ومجموع الفتاوى ١٢/٥٩٠، ١٣/١٥٧. ونقض تأسيس الجهميّة ١/٢٢٣، ومجموع الرسائل الكبرى ١/٣٢٩-٣٣٠، ولابن القيم رحمه: مختصر الصواعق المرسلة ١/١٩٧-١٩٩، ومفتاح دار السعادة ١/١٥٨.
[ ١ / ٢٩٦ ]
من المحدثات التي يُشهد حدوثها. فصار في كلامهم حق وباطل، من جنس ما أحدثه أهل الكتاب؛ حيث لبسوا الحقّ بالباطل، واحتاجوا في ذلك إلى كتمان الحق - الذي جاء به الرسول - الذي يخالف ما أحدثوه، فصاروا يكرهون ظهور ما جاء به الرسول، بل يمنعون عن قراءة الأحاديث وسماعها، وقراءة كلام السلف وسماعه.
ومنهم من يكره قراءة القرآن وحفظه. والذين لا يقدرون على المنع من ذلك، صاروا يقرأون حروفه، ولا يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله، بل إن اشتغلوا بعلومه اشتغلوا بتفسير من يشركهم في بدعتهم؛ ممّن يُحرّف١ الكلم؛ كلم الله عن مواضعه. والأصل العقليّ الحسيّ الذي به فارقوا العقل والسمع، هو: حدوث ما يُشهد حدوثه؛ مثل حدوث الزرع، والثمار، وحدوث الإنسان، وغيره من الحيوان، وحدوث السحاب، والمطر، ونحو ذلك من الأعيان القائمة بنفسها، غير حدوث الأعراض؛ كالحركة، والحرارة، والبرودة، والضوء، والظلمة، وغير ذلك. بل تلك الأعيان التي يُسمّونها أجسامًا وجواهر هي حادثة؛ فإنه معلوم أنّ الإنسان مخلوق من نطفة، ثمّ من علقة، ثمّ من مضغة، وأنّ الثمار تُخلق من الأشجار، وأنّ الزرع تُخلق من الحبّ، والشجر تُخلق من النوى؛ قال
تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ فَاْلِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّىْ تُؤْفَكُوْنَ فَاْلِقُ الإِصْبَاْحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاْنًَا ذَلِكَ تَقْدِيْرُ الْعَزِيْزِ الْعَلِيْمِ وَهُوَ الَّذِيْ جَعَلَ لَكُمُ النُّجُوْمَ لِتَهْتَدُوْا بِهَاْ فِيْ ظُلُمَاْتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَاْ الآيَاْتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُوْنَ وَهُوَ الَّذِيْ أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاْحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَاْ الآيَاْتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُوْنَ وَهُوَ الَّذِيْ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاْءِ مَاْءً فَأَخْرَجْنَاْ بِهِ نَبَاْتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَاْ مِنْهُ خَضِرًَا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًَّا مُتَرَاْكِبًَا وَمِنَ
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يُحرّفون.
[ ١ / ٢٩٧ ]
النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَاْ قِنْوَاْنٌ دَاْنِيَةٌ وَجَنَّاتِ مِنْ أَعْنَاْبِ وَالزَّيْتُوْنَ وَالرُّمَّاْنَ مُشْتَبِهًَا وَغَيْرَ مُتَشَاْبِهٍ أُنْظُرُوْا إِلَىْ ثَمَرِهِ إِذَاْ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِيْ ذَلِكم لآيَاْتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُوْنَ﴾ ١.
طريقة الجهمية في خلق الإنسان هي تركيب الجواهر لا إحداثها
فهذا الإنسان، والشجر، والزرع المخلوق من مادّة قد خُلق منها عين قائمة بنفسها، [وهم يقولون: إنّما هي من] ٢ الجسم٣ القائم بنفسه، وهو الجوهر العامّ في اصطلاحهم، الذي يقولون إنّه مُركّبٌ من الجواهر المفردة٤. [وهل الذي خُلق من المادّة هو] ٥ أعيان، أم لم يخلق إلا أعراض قائمة بغيرها، وأمّا الأعيان فهي الجواهر المفردة، [وتلك لم يُخلق منها] ٦ شيء في هذه الحوادث، ولكن أُحدِث فيها جمعٌ وتفريقٌ؛ فكان خلقُ الإنسان وغيره هو تركيب تلك الجواهر، وإحداث هذا التركيب لا إحداث تلك الجواهر. وأمّا حدوث تلك الجواهر فإنّما يُعلم بالاستدلال، فيُستدلّ عليه بأنّ الجواهر التي تركّبت منها هذه الأجسام لا تخلو٧ من اجتماع وافتراق، والاجتماع والافتراق حادِث، وما لم يخلُ من الحوادِث فهو حادِث. فهذه طريق هؤلاء الجهميّة أهل الكلام المُحدَث.
وأما جمهور العقلاء فيقولون: بل نحن نعلم حدوث هذه الأعيان القائمة بنفسها، لا نقول أنّه لم يحدث٨ إلا عرض؛ فإنّ هذا القول يقتضي
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآيات ٩٥-٩٩. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: وهو الجسم. وما أُثبت من «م»، و«ط» . ٤ وهذا أحد تعريفات الجوهر عند المتكلمين. ٥ ما بين المعقوفتين من «م»، و«ط» . وفي «خ»: [وهذه الأعيان خلقت من مادّة هي أعيان] . ٦ في «م»، و«ط»: وتلك منها. ٧ في «خ»: لا يخلوا. وما أُثبت من «م»، و«ط» . ٨ في «ط» فقط: لا محدث.
[ ١ / ٢٩٨ ]
أنّ تلك الجواهر التي رُكّب منها آدم باقية لم يزل في كلّ آدميّ منها شيء. وهذا مكابرة؛ فإنّ بدن آدم لا يحتمل هذا كلّه، لا يحتمل أن يكون فيه جواهر بعدد ذريته، لا سيّما وكلّ آدميّ إنّما خُلق من مني أبويه. وهم يقولون: تلك الجواهر التي في مني الأبوين باقية بأعيانها في الولد. وهم يقولون: إنّ الجواهر لا تفنى، بل تنتقل من حال إلى حال. وكثير منهم يقول إنّها مستغنية عن الربّ بعد أن خلقها. وتحيّروا فيما إذا أراد أن يفنيها: كيف يفنيها؟ كما قد ذُكر في غير هذا الموضع١؛ إذ المقصود هنا التنبيه على أنّ أصل الأصول معرفة حدوث الشيء من الشيء؛ كحدوث الإنسان من المني، فهؤلاء ظنّوا أنه لا يحدث إلا الأعراض٢.
ولهذا لمّا ذكر أبو عبد الله بن الخطيب الرازي في كتبه (الكبار والصغار) الطرقَ الدالّة على إثبات الصانع لم يذكر طريقًا صحيحًا، وليس في كتبه وكتب أمثاله طريق صحيح لإثبات الصانع، بل عدلوا عن الطرق العقليّة التي يعلمها العقلاء بفطرتهم؛ وهي التي دلّتهم عليها الرسل، إلى طرق سلكوها
_________________
(١) ١ وقد بسط شيخ الإسلام ﵀ الكلام في ذلك في: مجموع الفتاوى ٥/٤٢١-٤٢٥، ١٧/٢٤٢-٢٦٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٣/٨٣-٨٦، ٤٤٤-٤٤٦. وشرح الأصفهانية ١/٢٦٢. ومنهاج السنة النبوية ١/٣٦٠، ٢/١٣٩-١٤١، ٢٠٢، ٥/٤٤٣-٤٤٤. ودرء تعارض العقل والنقل ١/١٢٢-١٢٤، ٣٠٨، ٥/١٩٥-٢٠٣، ٨/٢٥٢. وبيان تلبيس الجهمية ١/١٧٨، ٢٧٣. وذكر الدكتور محمد رشاد سالم ﵀ في أثناء تحقيقه لكتاب منهاج السنة النبوية ٢/١٤١، حاشية رقم (٤) أن لابن تيمية ﵀ كتابًا اسمه: «إبطال قول الفلاسفة بإثبات الجواهر العقلية»، ذكره ابن عبد الهادي في كتابه العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ص ٣٦، وابن قيم الجوزية في أسماء مؤلفات ابن تيمية ص ٢٠. وهذا الكتاب من كتب شيخ الإسلام المفقودة. ٢ في «خ»: عرض. وما أُثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٩٩ ]
مخالفة للشرع والعقل، لا سيّما من سلك طريقة الوجوب والإمكان متابعة لابن سينا؛ كالرازي، فإنّ هؤلاء من أفسد النّاس استدلالًا كما قد ذكرنا طرق عامّة النّظّار في غير هذا الموضع؛ مثل كتاب منع تعارض العقل والنقل١، وغير ذلك٢.
طرق الرازي العقلية في إثبات الصانع
والمقصود هنا أنّ الرازي ذكر أنّ ما يُستدلّ به على إثبات الصانع٣؛ إمّا حدوث الأجسام٤، وإما حدوث صفاتها٥، وإمّا
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٣٨-٣٩، ٩٦-٩٧، ٣٠٧-٣٠٨، ٣/٧٣، ٧/٧١، ١٤١-١٤٢، ٢٤٢، ٣٨٢، ٨/١٧-١٨، ٩٣،، ٩/١٣٢، ١٠/٢٦٠. ٢ انظر: من كتب شيخ الإسلام: الاستقامة ١/١٠٢. وكتاب الصفدية ٢/٤١-٥٥. ومنهاج السنة النبوية ١/٣٠٩-٣١٠، ٣١٥. والفتاوى المصرية ٦/٦٤٤-٦٤٥. وشرح حديث النزول ص ١٦٠-١٦١. والفرقان بين الحق والباطل ص ٤٧. ونقض تأسيس الجهمية ١/١٤١-١٤٤، ٢٥٧-٢٥٨. والرسالة التدمرية ص ١٤٨. ومجموع الفتاوى ٦/٣١٣، ٣٣٠،، ١٢/٤٤. ٣ وهذه المسالك جميعها ذكرها الرازي مطوّلة في كتابه نهاية العقول - مخطوط - ق ٥٨/أ ٦٣/أ. وذكرها مختصرة في كتابه الأربعين ص ٧٠. ومعالم أصول الدين - على هامش محصل أفكار المتقدمين - ص ٢٦-٢٩. ٤ وهذه هي طريقة الأشعريّة، وعامة من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى؛ استدلّوا بقيام الأعراض بالأجسام على حدوثها - أي الأجسام -. وقد ذمّها الأشعريّ كما تقدّم لطولها وغموضها. وسيأتي بيان المصنّف لهذه الطريق، والقائلين بها قريبًا. وشيخ الإسلام قد ناقشها وبيّن بطلانها في الكثير من مصنفاته. انظر: شرح الأصفهانيّة - ت السعوي - ص ٢٦٠-٢٦١. ودرء تعارض العقل والنقل ١/٩٦، ٣٠٧-٣٠٨، ٣/٧٢-٨٧، ٥/٢٩٢-٢٩٤، ٧/٢٢٩-٢٣٢. ٥ كصيرورة النطفة علقة، ثمّ مضغة، ثمّ إنسانًا - في النهاية، وتحوّل الطين إلى آجرّ، ولبن، ثمّ دار - في النهاية. وهذا التحوّل في صفات الأجسام يدلّ على أنّ لها فاعلًا فعلها. وهذا المسلك ذكره الأشعريّ في كتابه: اللمع ص ٦-٧، ط مكارثي. وفي رسالة إلى أهل الثغر ص ٣٤-٤٠. وشيخ الإسلام يرى أنّ هذا المسلك صحيح لو جُرّد من الأمور الباطلة التي أُدخلت فيه. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/٨٣.
[ ١ / ٣٠٠ ]
إمكانها١، وإمّا إمكان صفاتها٢، وذكر في بعض المواضع: وإمّا الإحكام والإتقان٣، لكن الإحكام والإتقان يدلّ٤ على العلم ابتداءً، والاستدلال بحدوث الأجسام، وإمكانها، وإمكان صفاتها طرق فاسدة؛
_________________
(١) ١ أي الأجسام. وهذا المسلك عمدة المتفلسفة؛ كابن سينا وأمثاله. انظر: النجاة لابن سينا ص ٣٨٣. والرسالة العرشية له ص ٢. والتعليقات للفارابي ص ٣٧. وطريقتهم أنّ الوجود ينقسم إلى واجب وممكن. وكلّ ممكن فلا بُدّ له من واجب. وهذه الطريقة قد نصّ على ضعفها شيخ الإسلام في العديد من مصنفاته. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/٧٥، ١٣٨،، ٥/٢٩٣،، ٧/٢٣٠،، ٨/١٢٥، ١٢٧. ومجموع الفتاوى ١/٤٩. وشرح الأصفهانيّة - ت السعوي - ص ١٤١-١٤٥) . ٢ وهذا يُعرف بدليل الاختصاص. وقد بنوه على أنّ الأجسام متماثلة، وتخصيص بعضها بالصفات دون بعض يفتقر إلى مخصّص. وقالوا: لا يجوز أن يكون الله تعالى جسمًا، ونفوا لأجل ذلك صفتَي العلو والاستواء. وهو مسلك بعض الأشعريّة. انظر: أصول الدين للبغدادي ص٦٩. ونهاية الإقدام للشهرستاني ص ١٠٥، ٢٤٥. وقد بيّن شيخ الإسلام ﵀ فساد هذه الطريقة في مواضع عديدة من تصانيفه. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٥/١٩٢-٢٠٣،، ٧/١١٢-١١٤، ١٠/٣١٢-٣١٦. ونقض تأسيس الجهمية ١/١٨٣) . وانظر: لهذه الطرق عند الرازي: مجموع الفتاوى ١٧/٢٤٦. وشرح الأصفهانية ١/٢٦٠. ودرء تعارض العقل والنقل ١/٣٠٧. ٣ وهذا المسلك أورده شيخ الإسلام، وبيّن ما فيه من حق وما أدخل سالكوه فيه من باطل. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/١٢٨-١٣٧. ٤ في «خ»: تدلّ. وما أُثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٠١ ]
فإنّ [دلالة] ١ حدوثها مبنيّة٢ على امتناع حوادث لا أول لها؛ و[دلالة] ٣ إمكانها مبنية٤ على أنّ ما قامت به الصفات يمتنع أن يكون واجبًا بنفسه؛ لأنّه مُركّب؛ و[دلالة] ٥ إمكان صفاتها مبنيّة٦ على تماثلها، فلا بُدّ لتخصيص٧ بعضها بالصفات من مُخصّص. وهذه كلها طرق باطلة.
قال٨: وأمّا الاستدلال بحدوث الصفات، فهو الاستدلال بحدوث الأعراض٩.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: مبنيّ. وما أثبته من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: مبنيّ. وما أثبته من «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: مبنيّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ كذا في «خ»، و«م» . وفي «ط»: للتخصيص. ٨ القائل هو الباقلاني الذي قصد شيخ الإسلام ﵀ بتأليفه لكتابه «النبوات» الردّ عليه. وهذه المقولة ليست في كتاب «البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات» له، بل هي في كتابه: «شرح اللمع» وهو غير موجود. وقد نقل عنه شيخ الإسلام ﵀ في مواضع متفرقة من درء تعارض العقل والنقل. ٩ تقدّم أنّ من الأمثلة على حدوث الصفات: صيرورة النطفة علقة، ثمّ مضغة، ثمّ إنسانًا. أو: تحوّل القطن إلى غزل مفتول، ثمّ ثوب. أو تحوّل الطين إلى آجر ولبن، ثمّ إلى دار. وهذا التحوّل في هذه الأجسام يدلّ على أنّ لها فاعلًا فعلها. وكذا النطفة: لا بُدّ لها من صانع صنعها، وهو الله تعالى. وهذا الدليل ذكره الأشعريّ في كتابه: «اللمع» ص ٦-٧ - ط مكارثي. ثمّ جاء بعده الباقلاني، وشرح كتابه: «اللمع»، وحاول أن يُفسّر أقوال الأشعريّ في هذه المسألة ليُقرّب مذهبه؛ فذكر أنّ الأشعريّ أراد تعميم النطفة، لتشمل سائر الأعراض، كما حاول الباقلاني أن يُدلّل على أنّ مسألة (المحدَث لا بُدّ له من محدِث) مسألة نظرية تحتاج إلى برهان. بينما لم يتعرّض الأشعريّ لهذه المسألة لاعتقاده أنها بدهيّة، لا نظريّة. وقد أطال شيخ الإسلام ﵀ النَّفَسَ في مناقشة الباقلاني في هذه القضيّة في درء تعارض العقل والنقل ٧/٣٠٤-٣٠٧، ٨/٧٠-٨٨، ١٠٦، ٣٠٠-٣٤٣. وخلص إلى أنّ ما قرّره الأشعريّ في «اللمع» خير ممّا قاله الباقلاني في شرحه لهذا الكتاب.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وهذه الطريق١ أجود ما سلكوه من الطرق مع أنها قاصرة؛ فإنّ مدارها على أنهم لم يعرفوا حدوث شيء من الأعيان، وإنّما علموا حدوث بعض الصفات. وهذا يدلّ على أنّه لا بُدّ لها من محدث٢.
قال٣: وهذا لا ينفي كون المحدَث جسمًا، بخلاف تلك الطرق٤.
وهذه الطريق تدلّ على أنّ الأعراض؛ كتركيب الإنسان لا بُدّ له من مُركّب، ولا ينفي بها شيء من قدم الأجسام والجواهر، بل يجوز أن يكون جميع جواهر الإنسان وغيره قديمة أزليّة، لكن حدثت٥ فيها الأعراض. ويجوز أن يكون المحدث للأعراض بعض أجسام العالم.
_________________
(١) ١ أي: الاستدلال بحدوث الصفات. ٢ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ - في موضع آخر - أنّ طريقة القرآن هي الاستدلال بحدوث الأعيان والمخلوقات ذاتها؛ من إنسان، وحيوان، وغير ذلك، لا بحدوث الصفات؛ يقول ﵀: (الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من المحدثات المعلوم حدوثها بالمشاهدة ونحوها على وجود الخالق ﷾، فحدوث الإنسان يستدلّ به على المحدث، لا يحتاج أن يُستدلّ على حدوثه بمقارنة التغيّر أو الحوادث له ووجوب تناهي الحوادث. والفرق بين الاستدلال بحدوثه، والاستدلال على حدوثه بيِّن. والذي في القرآن هو الأول لا الثاني؛ كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوْا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَاْلِقُوْنَ﴾ [الطور ٣٥]، فنفس حدوث الحيوان، والنبات، والمعدن، والمطر، والسحاب، ونحو ذلك معلومٌ بالضرورة، بل مشهود لا يحتاج إلى دليل، وإنّما يُعلم بالدليل ما لم يُعلم بالحسّ وبالضرورة) . درء تعارض العقل والنقل ٧/٢١٩. وانظر: شرح الأصفهانية - ت السعوي - ١/٤٠-٤١. ٣ أي: الباقلاني. ٤ كأنّ الباقلاني يرى أنّ هذه الطريق أدلّ على مذهبه - في نفي الصفات خشية التجسيم - من سائر الطرق الأخرى. ٥ في «خ»: حديث. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٠٣ ]
فهذه الطريق لا تنفي أن يكون الربّ بعض أجسام العالم.
وتلك باطلة، مع أنّ مضمونها أنّ الربّ لا يتصف بشيء من الصفات، فهي لا تدلّ على صانع، وإن دلّت على صانع، فليس بموجود، بل معدوم، أو متصف بالوجود والعدم؛ كما قد بُسط في غير موضع١.
ولهذا يقول الرازي في آخر مصنّفاته٢: لقد تأمّلتُ الطرق الكلاميّة، والمناهج الفلسفيّة، فما رأيتُها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيتُ أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٣، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَىْ الْعرْشِ استَوَىْ﴾ ٤، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيْءٌ﴾ ٥،
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/٨٣،، ٧/٢١٩، ٢٢٤-٢٣٢، ٣٠٠، ٣٠٤-٣٠٧،، ٨/٧٠-٨٨، ١٠٠، ١٠٦، ٣٠٠-٣٤٣. وشرح العقيدة الأصفهانيّة - ت السعوي - ص ٢٦١-٢٦٢. ومجموع الفتاوى ١٧/٢٦٧-٢٧٠. ٢ في كتاب «أقسام اللذات» . وقد صرح شيخ الإسلام ﵀ بذكر اسمه بقوله: وقد ذكر هذا الإمام لأتباعه أبو عبد الله الرازي في كتابه أقسام اللذات لما ذكر اللذة العقلية، وأنها العلم، وأن أعرف العلوم العلم بالله، لكنه العلم بالذات والصفات والأفعال، وعلى كل واحدة من ذلك عقدة: هل الوجود هو الماهية أم قدر زائد؟ وهل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وهل الفعل مقارن أم محدث؟ ثم قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب، أو ذاق من هذا الشراب! ". بيان تلبيس الجهمية ١/١٢٨-١٢٩. وقال الحافظ ابن القيم ﵀ عن هذا الكتاب: (وهو كتاب مفيد، صنّفه في آخر عمره) . اجتماع الجيوش الإسلامية ص ١٢١. ٣ سورة فاطر، الآية ١٠. ٤ سورة طه، الآية ٥. ٥ سورة الشورى، الآية ١١.
[ ١ / ٣٠٤ ]
﴿وَلا يُحِيْطُوْنَ بِهِ عِلْمًَا﴾ ١. قال: ومن جرّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي٢.
ولما ذكر الرازي الاستدلال بحدث الصفات٣؛ كالحيوان، والنبات، والمطر، ذكر أنّ هذه طريقة القرآن٤.
ولا ريب أنّ القرآن يُذكر فيه الاستدلال بآيات الله؛ كقوله: ﴿إِنَّ فِيْ خَلْقِ السَّمَوَاْتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَاْرِ وَالْفُلْكِ الَّتِيْ تَجْرِيْ فِيْ الْبَحْرِ بِمَاْ يَنْفَعُ النَّاْسَ وَمَاْ اَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاْءِ مِنْ مَاْءٍ فَأَحْيَاْ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ وَبَثَّ فِيْهَاْ مِنْ كُلِّ دَاْبَّةٍ وَتَصْرِيْفِ الرِّيَاْحِ وَالسَّحَاْبِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاْءِ وَالأَرْضِ لآيَاْتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُوْنَ﴾ ٥. وهذا مذكورٌ بعد قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاْحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيْم﴾ ٦، وقبل قوله: ﴿وَمِنَ النَّاْسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُوْنِ اللهِ أَنْدَاْدًَا يُحِبُّوْنَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ ٧.
لكن القرآن لم يذكر أنّ هذه صفات حادثة، وأنّه ليس فيها إحداثُ عين
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية ١١٠. ٢ نقل شيخ الإسلام ﵀ كلام الرازي هذا في الكثير من مصنفاته. انظر: مجموع الفتاوى ٤/٧٢-٧٣. ودرء تعارض العقل والنقل ١/١٥٩-١٦٠. وشرح حديث النزول ص ٤٤١. والفتوى الحموية ص١٥. ومنهاج السنة النبوية ٥/٢٧١-٢٧٢. ونقض المنطق ص ٦٠-٦١. ومعارج الوصول ص ٢٠. والفرقان بين الحق والباطل ص ٨٤. وبيان تلبيس الجهمية ١/١٢٨-١٢٩. ٣ تقدّم ص ٣٥١ - ٣٥٢ أنّ الرازي ذكرها مطوّلة في كتابه نهاية العقول، ومختصرة في كتابه الأربعين. ٤ انظر: نهاية العقول للرازي - مخطوط - ق ٥٨/ب. ٥ سورة البقرة، الآية ١٦٤. ٦ سورة البقرة، الآية ١٦٣. ٧ سورة البقرة، الآية ١٦٥.
[ ١ / ٣٠٥ ]
قائمة بنفسها، بل القرآن يُبيِّن أنّ في خلق الأعيان القائمة بنفسها آيات، ويذكر الآيات في خلق الأعيان والأعراض؛ كقوله: ﴿إِنَّ فِيْ خَلْقِ السَّمَوَاْتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَاْرِ وَالْفُلْكِ الَّتِيْ تَجْرِيْ فِيْ الْبَحْرِ بِمَاْ يَنْفَعُ النَّاْسَ﴾ ١، وهي أعيان. ثمّ قال: [﴿وَمَاْ أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاْءِ مِنْ مَاْءٍ﴾، والماء عينٌ قائمةٌ بنفسها. وقوله:] ٢ ﴿فَأَحْيَاْ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ﴾ ٣؛ هو ما يخلقه فيها من النبات، وهو أعيان. وكذلك قوله: ﴿وَبَثَّ فِيْهاْ مِنْ كُلِّ دَاْبَّة﴾، وقوله: ﴿وَتَصْرِيْفِ الرِّيَاْحِ﴾؛ فالرياح أعيان، وتصريفها أعراض. وقوله: ﴿وَالسَّحَاْبِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاْءِ وَالأَرْضِ﴾، والسحاب أعيان. ﴿لآيَاْتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُوْنَ﴾ ٤.
وقد تقدّم٥ أنّ أصل الاشتباه في هذا أنّ خلقَ الشيء من مادّة، هل هو خلق عين، أم إحداث اجتماع [و] ٦ افتراق وأعراض فقط.
اختلاف الناس في خلق الشيء هل هو خلق عين، أم إحداث اجتماع وافتراق على ثلاثة أقوال
والناس مختلفون في هذا على ثلاثة أقوال٧: فالقائلون بالجواهر المفردة٨ من أهل الكلام القائلون بأنّ الأجسام مُركّبة من الجواهر الصغار التي قد بلغت من الصغر إلى حدّ لا يتميّز منها جانب عن جانب يقولون: تلك الجواهر باقية تنقّلت في الحوادث، ولكن تعتقب عليها الأعراض الحادثة. والاستدلال بالأعراض على حدوث ما يلزمه من الجواهر، ثمّ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٦٤. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٣ سورة البقرة، الآية ١٦٤. ٤ سورة البقرة، الآية ١٦٤. ٥ انظر: ما تقدم ص ٣٤٥-٣٥١، وما سيأتي ص ١٣٤٠-١٣٤٩ من هذا الكتاب. ٦ ليست في «خ» . وأثبتها من «م»، و«ط» . ٧ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ اختلاف الناس وأقوالهم في هذه المسألة.. انظر: منهاج السنة النبوية ٢١٤٠-١٤٢. ومجموع الفتاوى ١٧٢٤٣-٢٤٥. ودرء تعارض العقل والنقل ٣٨٣-٨٦. ٨ تقدم تعريف الجوهر الفرد ص ٣٤٥.
[ ١ / ٣٠٦ ]
الاستدلال بذلك على المحدِث، غير الاستدلال بحدوث هذه الأعراض على المحدِث لها؛ فتلك١ هي طريقة الجهميّة المشهورة، وهي التي سلكها الأشعريّ في كتبه كلها متابعة للمعتزلة٢، ولهذا قيل: الأشعريّة مخانيث المعتزلة٣.
وأما الاستدلال بالحوادث على المحدِث، فهي الطريقة المعروفة لكل أحد٤، لكن تسمية هذه أعراضًا هو تسمية القائلين بالجوهر الفرد٥، مع
_________________
(١) ١ أي الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث الجواهر والأجسام، ثمّ الاستدلال بحدوث الجواهر والأجسام على أنّ لها محدِثًا. هذه هي طريقة الجهميّة، ومن تابعهم. ٢ انظر: اللمع ص ٧، ٢٢ - ط مكارثي -. ورسالة إلى أهل الثغر ص ٢١٨-٢١٩. والإبانة - ت فوقية - ص ٦٧، ٨٠-٨١، ١٠٢. ٣ هذه العبارة يذكرها شيخ الإسلام ﵀ كثيرًا بقوله: قيل. وقد نسبها في الفتاوى ٨٢٢٧ لأبي إسماعيل الأنصاري ﵀، أنّه قال: "الأشعريّة الإناث، هم مخانيث المعتزلة". وأحيانًا يذكر ﵀ هذه العبارة بقوله: "فالمعتزلة في الصفات مخانيث الجهميّة". وأمّا الكلابيّة: فيُثبتون الصفات في الجملة، وكذلك الأشعريّون، ولكنّهم كما قال الشيخ أبو إسماعيل الأنصاري: "الأشعريّة الإناث، وهم مخانيث المعتزلة". انظر: مجموع الفتاوى ١٤٣٤٨-٣٤٩. أو يذكرها بقوله: "كما قيل: المعتزلة مخانيث الفلاسفة". انظر: مجموع الفتاوى ١٢٣١. ٤ وهذه طريقة شرعيّة عقليّة؛ فالقرآن مليء بالآيات التي تحثّ على التفكّر والتدبّر في خلق الله للاستدلال به على الخالق. وهو أمرٌ معلوم بضرورة العقل. انظر: مجموع الفتاوى ١٤٢٥. والرسالة التدمرية ص ٢٠. ومنهاج السنة النبوية ٣٢٩-٣٠. ٥ وهم متأخّروا المعتزلة والأشعريّة. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص ٣٢٨. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص١٦٥. والصحائف الإلهية للسمرقندي ص٢٥٥.
[ ١ / ٣٠٧ ]
أنّ الرازي توقّف في آخر أمره فيه؛ كما ذَكَرَ ذلك في نهاية العقول١. وذُكِر أيضًا عن أبي الحسين البصري٢، وأبي المعالي٣ أنّهما توقّفا فيه٤.
والمقصود أنّ القائلين بالجوهر الفرد يقولون: إنّما أحدث أعراضًا لجمع الجواهر وتفريقها. فالمادّة٥ التي هي الجواهر المنفردة باقية عندهم بأعيانها، ولكن أحدث صورًا هي أعراض قائمة بهذه الجواهر٦.
_________________
(١) ١ انظر: نهاية العقول - مخطوط - ق ٦٧أ. ٢ هو أبو الحسين؛ محمد بن علي الطيب البصري. ولد في البصرة، ودرس في بغداد على القاضي عبد الجبار. من متأخري المعتزلة، ومن أئمتهم. وقال عنه ابن حجر: "شيخ المعتزلة، ليس بأهل للرواية". مات سنة ٤٣٦؟. انظر: لسان الميزان ٥٥٩٨. وشذرات الذهب ٣٥٩. ٣ الجويني. ٤ بل إنّ أكثر طوائف أهل الكلام لم يتكلّموا به. انظر: من كتب ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل ٤١٣٥-١٣٦. والرد على المنطقيين ص ٦٧. ومجموع الفتاوى ١٢٣١٨. ومنهاج السنة النبوية ٢٢١١. وتفسير سورة الإخلاص ص ٨٦. ٥ المادّة تُسمّى عند المتفلسفة: هيولى. وهي أحد جُزأي الجسم، والجزء الآخر هو الصورة. وكلّ جزء من هذا الجسم محلّه الجزء الآخر. فالصورة صورة للمادة؛ أي أنّها تحلّ بها. والمادّة محلّ للصورة. انظر: التعليقات للفارابي ص ٤١، ٤٣، ٦٠. والمبين في ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص ١١٠. يقول شيخ الإسلام: "التحقيق أنّ المادّة والصورة لفظ يقع على معان؛ كالمادّة والصورة الصناعيّة، والطبيعيّة، والكليّة، والأوليّة. فالأوّل: مثل الفضة إذا جعلت درهمًا وخاتمًا وسبيكةً، والخشب إذا جُعل كرسيًّا، واللبِن والحجر إذا جعل بيتًا، والغزل إذا نُسج ثوبًا، ونحو ذلك. فلا ريب أنّ المادّة هنا التي يُسمّونها الهيولى هي أجسام قائمة بنفسها، وأنّ الصورة أعراض قائمة بها، فتحوُّل الفضة من صورة إلى صورة هو تحوُّلها من شكل إلى شكل، مع أنّ حقيقتها لم تتغيّر أصلًا". درء تعارض العقل والنقل ٣٨٤. ٦ انظر: منهاج السنة النبوية ٢١٣٩-١٤٠.
[ ١ / ٣٠٨ ]
قول الفلاسفة
وأمّا المتفلسفة فيقولون: أحدث صورًا في موادّ باقية كما يقول هؤلاء، لكن [يقولون] ١: أحدث صورًا هي جواهر في مادّة هي جوهر، وعندهم ثمّ مادّة باقية بعينها، والصور الجوهرية؛ كصورة الماء، والهواء، والتراب، والمولّدات تعتقب عليها٢.
أقسام الموجودات عند الفلاسفة
وهذه المادة - عندهم٣ - جوهر عقليّ، وكذلك الصورة المجرّدة جوهر عقليّ٤، ولكن الجسم مُركّب من المادّة والصورة٥، ولهذا قسّموا الموجودات، فقالوا: إما أن يكون الموجود حالا [بغيره] ٦، أو محلا، أو مركبا من الحال، والمحل، [أو] ٧ لا هذا ولا هذا. فالحال في غيره هو الصورة، والمحلّ هو المادّة، والمركّب منهما هو الجسم، وما ليس كذلك؛ إن كان متعلّقًا بالجسم، فهو النفس، وإلا فهو العقل٨.
وهذا التقسيم فيه خطأ كثير من وجوه، ليس هذا موضعها٩؛ إذ
_________________
(١) ١ ملحقة بهامش «خ» . ٢ انظر منهاج السنة النبوية ١٣٦٠. ٣ أي عند الفلاسفة. ٤ انظر كتاب الشفا لابن سينا ٣٦١. ٥ انظر تهافت الفلاسفة للغزالي ص ١٦٣. ٦ في «خ»: لغيره. وما أثبت من «م» و«ط» . ٧ ليست في «خ» وهي في «م» و«ط» . ٨ انظر: كتاب الشفا لابن سينا ٣٧٢. والتعليقات للفارابي ص ٤١، ٤٣، ٦٠. وتهافت الفلاسفة للغزالي ص ١٦٣. والمبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص ١١٠. والتعريفات للجرجاني ص ١٣٥، ١٣٦، ٢٥٧. ٩ وقد بيّن شيخ الإسلام ﵀ خطأ هذا التقسيم في مواضع متعدّدة من كتبه. انظر: منهاج السنة النبوية ٢٢١١. ودرء تعارض العقل والنقل ٤١٤٦. وبغية المرتاد ص ٤١٦. والرد على المنطقيين ص ٦٧. وكتاب الصفدية ٢٢٢٩.
[ ١ / ٣٠٩ ]
المقصود أنّهم يقولون أيضًا أنّه لم يُحدِث جسمًا قائمًا بنفسه، بل إنما أحدث صورة في مادّة باقية١.
ولا ريب أنّ الأجسام بينها قدر مشترك في الطول والعرض والعمق، وهو المقدار المجرّد الذي لا يختصّ بجسم بعينه٢، ولكنّ هذا المقدار المجرّد هو في الذهن، لا في الخارج؛ كالعدد المجرّد، والسطح المجرّد، والنقطة المجرّدة، وكالجسم التعليميّ٣؛ وهو الطويل العريض العميق الذي لا يختصّ بمادّة بعينها٤.
_________________
(١) ١ راجع المصادر المتقدّمة في هامش (٦) من الصفحة السابقة. ٢ فكلّ جسم له طول، وعرض، وعمق. ولكن هذه الأبعاد لا تُسمّى تركيبًا. يقول شيخ الإسلام ﵀: "وإذا سمّى مسمّ هذه مركّبًا كان إما غالطًا في عقله؛ لاعتقاده اشتمالها على حقيقتين؛ وجودها، وحقيقتها المغايرة لوجودها. أو على حقيقتين؛ ذات قائمة بنفسها معقولة مستغنية عن صفاتها، وصفات زائدة عليها قائمة بها. أو على جواهر منفردة، أو معقولة، أو نحو ذلك من الأمور التي يُثبتها طائفة من الناس ويُسمّونها تركيبًا". انظر: درء تعارض العقل والنقل٥١٤٦. ٣ الجسم التعليمي: هو الذي يقبل الإنقسام طولًا وعرضًا وعمقًا، ونهايته السطح، وهو نهاية الجسم الطبيعيّ. ويُسمّى جسمًا تعليميًا إذ يُبحث عنه في العلوم التعليميّة؛ أي الرياضيّة الباحثة عن أحوال الكمّ المتصل والمنفصل منسوبة إلى التعليم والرياضة؛ فإنهم كانوا يبتدؤون بها في تعاليمهم ورياضتهم لنفوس الصبيان لأنها أسهل إدراكًا. انظر: التعريفات للجرجاني ص ٧٦. وانظر: زيادة إيضاح حول هذا الموضوع من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الجواب الصحيح ٤٣٠٧. وفي درء تعارض العقل والنقل ١٠٢٩٠. ٤ قال شيخ الإسلام ﵀ - في موضع آخر - عن لفظ الجسم: " وكذلك النظار، يُريدون بلفظ الجسم تارة المقدار، وقد يُسمونه الجسم التعليمي، وتارة يريدون به الشيء المقدر، وهو الجسمي الطبيعي والمقدار المجرد عن المقدار، كالعدد المجرد عن المعدود، وذلك لا يوجد إلا في الأذهان دون الأعيان، وكذلك السطح والخط والنقطة المجردة عن المحل الذي تقوم به لا يوجد إلا في الذهن ". مجموع الفتاوى ١٢٣١٦-٣١٧.
[ ١ / ٣١٠ ]
فهذه المادة المشتركة التي أثبتوها هي في الذهن، وليس بين الجسمين في الخارج شيء اشتركا فيه بعينه، فهؤلاء جعلوا الأجسام مشتركة في جوهر عقليّ، وأولئك جعلوها مشتركة في الجواهر الحسيّة. وهؤلاء قالوا: إذا خلق كلّ شيء من شيء، فإنّما أُحدِثت صورة، مع أنّ المادّة باقية بعينها، لكن أفسدت صورة، وكونت صورة. ولهذا يقولون عن ما تحت الفلك: عالم الكون والفساد١.
ولهذا قال ابن رشد٢: "إنّ الأجسام المركبة من المادة والصورة هي في عالم الكون والفساد، بخلاف الفَلَك؛ فإنه ليس مركبًا من مادة وصورة عند الفلاسفة".
حيرة المتكلمين والفلاسفة في خلق الشيء من مادة
قال٣: وإنّما ذكر أنه مركّب من هذا، وهذا: ابن سينا٤.
_________________
(١) ١ انظر: الإرشاد للجويني ص ٢٥، وقد أشار إلى هذا القول للفلاسفة. ٢ هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي الفيلسوف. ولد سنة ٥٢٠؟. من أهل قرطبة. وهو المعروف بابن رشد الحفيد تمييزًا له عن جدّه شيخ المالكية. عني بكلام أرسطو وترجمه إلى العربية، وزاد عليه زيادات. قرّبه المنصور أولًا، ثمّ اتهمه خصومه بالزندقة والإلحاد، فنفاه إلى مراكش وأحرق بعض كتبه، ثمّ رضي عنه، وأذن له بالعودة، فعاجلته الوفاة بمراكش سنة ٥٩٥؟. من مصنفاته: تهافت التهافت، ومناهج الأدلة. انظر: شذرات الذهب ٤٣٢٠. والأعلام ٥٣١٨. وسير أعلام النبلاء ٢١٣٠٧. ٣ أي ابن رشد. ٤ تقدمت ترجمته.
[ ١ / ٣١١ ]
[وهؤلاء، وهؤلاء] ١ تحيّروا في خلق الشيء من مادة؛ كخلق الإنسان من النطفة، والحب من الحب، والشجرة من النواة، وظنّوا أنّ هذا لا يكون إلا مع بقاء أصل تلك المادّة؛ إمّا الجواهر عند قوم٢، وإمّا المادّة المشتركة عند قوم٣. وهم في الحقيقة يُنكرون أن يخلق الله شيئًا من شيء؛ فإنّه عندهم لم يُحدِث إلا الصورة التي هي عرض عند قوم، أو جوهر عقليّ عند قوم. وكلاهما لم يخلق من مادّة، والمادّة عندهم باقية بعينها، لم يخلق، و[لن] ٤ يخلق منها شيء.
وقد ذكروا في قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوْا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ ٥ ثلاثة أمور:
قال ابن عباس والأكثرون: أم خُلقوا من غير خالق، وهو الذي ذكره٦ الخطابي٧.
_________________
(١) ١ كذا وردت في «خ» مكرّرة. ولا يوجد التكرار في النسختين الأخريين. ٢ وهم المتكلمون. انظر: شرح الأصفهانية ١٢٦٢. ومجموع الفتاوى ٥٤٢٤-٤٢٥. ٣ وهم الفلاسفة. انظر: منهاج السنة النبوية ١٣٦٠. وشرح الأصفهانية ١٢٦٢. ٤ في «خ»: لم. وما أثبته من «م»، و«ط» . ٥ سورة الطور، الآية ٣٥. ٦ في «خ»: ذكر. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ هو حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، أبو سليمان. فقيه، مُحدِّث، من أهل بست من بلاد كابل، من نسل زيد بن الخطاب. له معالم السنن في شرح سنن أبي داود، وغريب الحديث، والغنية عن الكلام وأهله. توفي في بست سنة ٣٨٨؟. انظر: شذرات الذهب ٢١٢٧. والبداية والنهاية ١١٣٤٦. والأعلام ٢٢٧٣.
[ ١ / ٣١٢ ]
وقال الزجاج١، وابن كيسان٢: "أم خلقوا عبثًا وسُدى، فلا يُبعثون، ولا يُحاسبون، ولا يؤمرون، ولا يُنهون؛ كما يقولون: فعلتُ هذا من غير شيء؛ أي: لغير علّة"٣.
وقيل: أم خُلقوا من غير مادّة؛ أي: من غير أب وأمّ. ثمّ من هؤلاء من قال: فهم كالجماد. ومنهم من قال: كالسموات؛ ظنًّا منه أنّها خُلقت من غير مادّة. ذكر الأربعة أبو الفرج٤٥.
وذكر البغوي٦ الوجهين الأولين٧.
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج. كان فاضلًا دينًا حسن الاعتقاد. وله المصنفات الحسنة، منها كتاب معاني القرآن. مات سنة ٣١١؟. انظر: البداية والنهاية ١١١٥٩. وتاريخ بغداد ٦٨٩. ٢ هو محمد بن أحمد بن كيسان النحوي، أحد حفاظه والمكثرين منه. كان يحفظ طريقة البصريين والكوفيين معًا. قال ابن مجاهد: كان ابن كيسان أنحى من الشيخين؛ المبرد وثعلب. توفي سنة ٢٩٩؟. انظر: البداية والنهاية ١١١٢٥. وسير أعلام النبلاء ١٦٣٢٩؛ وقد ترجم لولديه، ولم يفرده بترجمة. ٣ انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٥٦٥. ٤ هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي القرشي البكري الحنبلي. ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق. قال عنه الذهبي: "الإمام، العلامة، الحافظ، عالم العراق، وواعظ الآفاق". توفي سنة ٥٩٥؟. انظر: تذكرة الحفاظ ٤١٣٤٢. وسير أعلام النبلاء ٢١٣٦٥. وذيل طبقات الحنابلة ١٣٩٩. وشذرات الذهب ٤٢٣٩. ٥ زاد المسير لابن الجوزي ٨٥٥-٥٦. ٦ هو الحسين بن مسعود بن محمد البغوي، صاحب التفسير، وشرح السنة، والتهذيب في الفقه. قال عنه الذهبي: الإمام الحافظ الفقيه المجتهد محيي السنة". وقال عنه ابن كثير: "وكان علامة زمانه فيها، وكان دينًا ورعًا زاهدًا عابدًا صالحًا". توفي سنة ٥١٦؟. انظر: تذكرة الحفاظ ٤١٢٥٧. والبداية والنهاية ١٢٢٠٦. وشذرات الذهب ٤٤٨. ٧ انظر: تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل ٤٢٤١.
[ ١ / ٣١٣ ]
قول الفلاسفة في المادة
والذي ذكرناه من قول أولئك المتكلمين والفلاسفة معنى آخر؛ وهو: أنّ من قال المادّة باقية بعينها، وإنما حدث عرض، أو صورة، وذلك لم يُخلق من غيره، ولكن أُحدِث في المادّة الباقية. فلا يكون الله خلق شيئًا من شيء؛ لأنّ المادّة عندهم لم تُخلق. أمّا المتفلسفة: فعندهم المادّة قديمة أزليّة باقية بعينها.
قول المتكلمين في الجواهر
وأمّا المتكلّمون: فالجواهر عندهم موجودة، ما زالت موجودة، لكن من قال إنّها حادثة من أهل الملل وغيرهم قالوا: يُستدلّ على حدوثها بالدليل، لا أنّ خلقها معلوم للناس؛ فهو عندهم ممّا يُستدلّ عليه بالأدلة الدقيقة الخفيّة، مع أنّ ما يذكرونه منتهاه إلى أنّ ما لا يخلو عن الحوادِث فهو حادث. وهو دليل باطل. فلا دليل عندهم على حدوثها. وإذا كانت لم تُخلق إذ خُلق الإنسان، بل هي باقية في الإنسان، والأعراض الحادثة لم تخلق من مادّة، فإذا خلق الإنسان لم [يُخلق] ١ من شيء؛ لا جواهره، ولا أعراضه. وعلى قولهم، ما جعل الله من الماء كلّ شيء حيّ، ولا خلق كلّ دابّة من ماء، ولا خلق آدم من تراب، ولا ذريّته من نطفة، بل نفس الجواهر الترابيّة باقية بعينها لم تخلق حينئذ، ولكن أُحدث فيها أعراض، أو صورة حادثة، وتلك الأعراض ليست من التراب. فلمّا خُلق آدم، لم يُخلق شيءٌ من تراب، وكذلك النطفة جواهرها باقية؛ إمّا الجواهر المنفردة، وإمّا المادّة. والحادث هو عرض، أو صورة في مادّة. ولا هذا، ولا هذا خلق من نطفة. وليس قولهم أنّه لم يُخلق من مادّة، معناه أنّ الخالق أبدعه لا من شيء، وأنّهم قصدوا بها تعظيم الخالق، بل الإنسان لا ريب أنّه جوهر قائم بنفسه. وعندهم ذلك القائم بنفسه ما زال موجودًا،
_________________
(١) ١ في «ط» فقط: يخل.
[ ١ / ٣١٤ ]
لم يخلق إذ خلق الإنسان. والجوهر الحامل لصورته ما زال موجودًا أيضًا؛ فلم يخلق عند [هؤلاء١ إلا الأعراض] ٢، وعند هؤلاء٣ إلا صورة مجرّدة.
المخلوق عند المتكلمين والفلاسفة
وكلاهما ليس هو الإنسان، بل صفة له، أو صورة له. هذا هو المخلوق٤ عندهم؛ يُخلق الإنسان فقط.
وقد قال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكرُ الإِنْسَاْنُ أَنَّاْ خَلَقْنَاْهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًَا﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًَا﴾ ٦. فقد أمر الإنسان أن يتذكّر أنّ الله خلقه ولم يكُ شيئًا. والإنسان إذا تذكرّ إنّما يذكر أنّه خلق من نطفة.
الجواهر والأعراض عند المتكلمين
وعندهم ما زال جواهر الإنسان شيئًا، وذلك الشيء باق، وإنّما حدث أعراض لتلك الأشياء. ومعلوم أنّ تلك الأعراض وحدها ليست هي الإنسان؛ فإنّ الإنسان مأمورٌ، منهيّ، حيّ، عليم، قدير، متكلّم، سميع، بصير، موصوفٌ بالحركة والسكون. وهذه صفات الجواهر، والعرض لا يُوصف بشيء؛ لا سيّما وهم يقولون: العرض لا يبقى زمانين٧. فالمخلوق - على قولهم - لا يبقى زمانين، بل يفنى عقِب ما يُخلق.
اضطرابهم في البعث
ولهذا اضطربوا في المعاد؛ فإنّ معرفة المعاد مبنيّة على معرفة المبدأ، والبعث مبنيّ على الخلق. فقال بعضهم: هو تفريق تلك الأجزاء، ثمّ جمعها، وهي
_________________
(١) ١ أي المتكلمون. ٢ في «خ»: هؤلاء الأعراض. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أي الفلاسفة. ٤ كذا في «خ»، و«م»، و«ط» . وفي حاشية «خ» كُتب: لعله المراد. ٥ سورة مريم، الآية ٦٧. ٦ سورة مريم، الآية ٩. ٧ تقدّمت مقولتهم هذه ص ٣١٠.
[ ١ / ٣١٥ ]
باقية بأعيانها. وقال بعضهم: بل يُعدمها، ويُعدم الأعراض القائمة بها، ثمّ يُعيدها، وإذا أعادها فإنّه يُعيد تلك الجواهر التي كانت باقية، إلى أن حصلت في هذا الإنسان.
اضطرابهم في جواهر المأكول إذا أُعيدت من الآكل
فلهذا اضطربوا لما قيل لهم: فالإنسان إذا أكله حيوان آخر، فإن أُعيدت تلك الجواهر من الأول، نقصت من الثاني، وبالعكس. أما على قول من يقول إنّها تُفرّق ثمّ تجمع، فقيل له: تلك الجواهر إن جمعت للآكل، نقصت من المأكول، وإن [أُعيدت] ١ للمأكول، نقصت من الآكل٢.
وأما الذي يقول: تُعدم ثمّ تُعاد بأعيانها، فقيل له: أتُعدم لما أكلها الآكل، أم قبل أن يأكلها؟ فإن كان بعد أن أكلها؛ فإنّها تُعاد في الآكل، فينقص المأكول. وإن كان قبل الأكل، فالآكل لم يأكل إلا أعراضًا، لم يأكل جواهر. [فهذا] ٣ مكابرة. ثمّ إنّ المشهور أنّ الإنسان يبلى ويصير ترابًا كما خُلق من تراب، وبذلك أخبر الله. فإن قيل: إنّه إذا صار ترابًا عُدمت تلك الجواهر؛ فهو لما خُلق من تراب عُدمت أيضًا تلك الجواهر. فكونهم يجعلون الجواهر باقية في جميع الاستحالات - إلا إذا صار ترابًا - تناقضٌ بيِّن، ويلزمهم عليه الحيوان المأكول، وغير ذلك.
وكأنّ هذا الضلال [أصل] ٤ ضلالهم في تصوّر الخلق الأوّل، والنشأة
_________________
(١) ١ في «ط»: أعقيدت. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٢ وقد بحث شيخ الإسلام ﵀ هذه المسألة في مواضع أخرى. انظر: مجموع الفتاوى ١٧٢٤٧، ٢٥٧. وانظر: هذه المسألة في شرح الطحاوية ص ٥٢٣. وفي لوامع الأنوار ٢١٦٠. ٣ في «خ»: وهذا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: أصله. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣١٦ ]
الأولى التي أمرهم الرب أن يتذكروها ويستدلوا بها على قدرته على الثانية١. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَاْ تُمْنُوْنَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُوْنَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَاْلِقُوْن نَحْنُ قَدَّرْنَاْ بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَاْ نَحْنُ بِمَسْبُوْقِيْنَ عَلَىْ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَاْلَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِيْمَاْ لا تَعْلَمُوْنَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُوْلَىْ فَلَوْلا تَذْكُرُوْنَ﴾ ٢.
والفلاسفة أجود تصوّرًا في هذا الموضع؛ حيث قالوا: تفسد الصورة الأولى وهي جوهر، وتحدث صورة أخرى. فإنّ هذا أجود من أن يُقال: يزول عرض ويحدث عرض.
ولكنّ الفلاسفة غلطوا في توهمهم أنّ هناك مادة باقية بعينها، وإنما تفسد صورتها.
التحقيق في مسألة المادة
والحقّ أنّ المادّة التي منها يُخلق الثاني تفسد، وتستحيل، وتتلاشى، ويُنشئ الله الثانيَ ويبتديه، ويخلق٣ من غير أن يبقى من الأول شيء؛ لا مادة، ولا صورة، ولا جوهر، ولا عرض. فإذا خلق الله الإنسان من المني، فالمني استحال وصار علقةً، والعلقة استحالت وصارت مضغةً، والمضغة استحالت إلى عظام وغير عظام. والإنسان بعد أن خُلق، خُلق كلّه؛ جواهره وأعراضه، وابتدأه الله ابتداءً؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِيْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَاْنِ مِنْ طِيْنٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاْءٍ مَهِيْنٍ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَاْنُ أَنَّاْ خَلَقْنَاْهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًَا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ أي النشأة الثانية. ٢ سورة الواقعة، الآيات ٥٨-٦٢. ٣ في «خ»: يخلقه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة السجدة، الآيتان ٧-٨. ٥ سورة مريم، الآية ٦٧.
[ ١ / ٣١٧ ]
فالإنسان مخلوق، خلق الله جواهره وأعراضه كلّها من المني؛ من مادّة استحالت، ليست باقية بعد خلقه؛ كما تقول المتفلسفة أنّ هناك مادّة باقية١.
ولفظ المادّة مشترك:
فالجمهور يُريدون به ما منه خُلق، وهو أصله وعنصره.
وهؤلاء يُريدون بالمادّة جوهر باق، وهو محلّ للصورة الجوهرية. فلم يُخلق عندهم الإنسان من مادّة، بل المادّة باقية، وأحدث٢ صورته فيها؛ كما أنّ الصور الصناعيّة؛ كصورة الخاتم، والسرير، والثياب، والبيوت، وغير ذلك إنّما أحدث الصانع صورته العرضيّة في مادّة لم تزل موجودة ولم تفسد، ولكن حُوِّلَت من صفة إلى صفة. فهكذا تقول الجهميّة المتكلّمة المبتدعة أنّ الله أحدث صورة عرضيّة في مادّة باقية لم تفسد؛ فيجعلون خلق الإنسان بمنزلة عمل الخاتم، والسرير، والثوب.
والمتفلسفة تقول أيضًا: إنّ مادّته باقية لم تفسد؛ كمادّة الصورة الصناعيّة، لكن يقولون: إنّه أحدث صورة جوهريّة. وهم قد يخلطون ولا يفرقون بين الصور العرضيّة والجوهريّة؛ فإنّهم يُسمّون صورة الإنسان صورةً في مادّة، وصورة الخاتم صورةً في مادّة؛ فيكون خلق الإنسان عند هؤلاء وهؤلاء من جنس ما يُحدِثه الناس في الصور من الموادّ، ويكون خلقه بمنزلة تركيب الحائط من اللَّبِن. ولهذا قال من قال منهم: إنّه يستغني عن الخالق بعد الخلق، كما يستغني الحائط عن البَنَّاء.
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٣٠٨،، ٥١٩٥-٢٠٣. ومنهاج السنة النبوية ٢١٤٠. ٢ في «خ»: وأحدثت. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣١٨ ]
والأشعريّة عندهم أنّ البَنَّاءَ، والخيَّاط، وسائر أهل الصنائع لم يُحدِثوا في تلك الموادّ شيئًا؛ فإنّ القدرة المُحدثة - عندهم - لا تتعلّق إلا بما هو في محلّها، لا خارجًا عن محلّها. ويقولون: إنّ تلك المصنوعات كلّها مخلوقة لله، ليس للإنسان فيها صنع.
وخَلْقُ اللهِ على أصلهم: هو إحداث أعراض فيها كما تقدّم١.
فيُنكرون ما يصنعه الإنسان، وهو في الحقيقة مثلما يجعلونه [مخلوقًا] ٢ للرحمن، وهم لا يشهدون للرحمن إحداثًا ولا إفناءً، بل إنما يحدث عندهم الأعراض، وهي تفنى بأنفسها، لا بإفنائه، وهي تفنى عقب إحداثها.
إفناء الأعراض والجواهر عند المتكلمين
وهذا لا يُعقل، وهم حائرون؛ إذا أراد أن يُعدم الأجسام، كيف يُعدمها؟. والمشهور - عندهم - أنّها تعدم بأنفسها إذا لم يخلق لها أعراضًا. فالعرض يفني عندهم بنفسه، والجوهر يفني بنفسه إذا لم يخلق له عرض بعد عرض. هذا في الإفناء. وأمّا في الإحداث: فإنّهم استدلوا على حدوثها بدليل باطل، لو كان صحيحًا، للزم حدوث كلّ شيء من غير مُحدِث.
فحقيقة أصل [أهل] الكلام المتبعين للجهمية: أنّه لا يُحدِث شيئًا، ولا يُفني شيئًا، بل يُحدث كلَّ شيءٍ بنفسه، ويُفني بنفسه، ويلزمهم جواز أن يكون الربّ مُحدثًا أيضًا بلا محدث.
وهذه الأصول [هي] ٣ أصول دينهم العقلية التي بها يعارضون الكتاب، والسنّة، والمعقولات الصريحة، وهي في الحقيقة لا عقل،
_________________
(١) ١ انظر: ص ٣٦١-٣٦٧ من هذا الكتاب. ٢ في «خ»: مخلوقة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهي في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣١٩ ]
ولا سمع؛ كما حكى [الله] ١ عن من قال: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِير﴾ ٢.
والخلق يشهدون إحداث الله لما يحدثه، وإفناءه لما يُفنيه؛ كالمني الذي استحال، وفني، وتلاشى، وأحدث منه هذا الإنسان؛ وكالحبة التي فنيت، واستحالت، وأحدث منها الزرع؛ وكالهواء الذي استحال، وفني، وحدث منه النار أو الماء؛ وكالنار التي استحالت، وحدث منها الدخان. فهو - سبحانه - دائمًا يُحدث ما يُحدثه ويكوّنه، ويُفني ما يُفنيه ويُعدمه. والإنسان إذا مات وصار ترابًا فَنِي وعُدِم، وكذلك سائر ما على الأرض؛ كما قال: ﴿كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ٣، ثمّ يُعيده من التراب كما خلقه ابتداءً من التراب، ويخلقه خلقًا جديدًا.
ولكنْ للنشأةِ الثانية [أحكامٌ] ٤ وصفات ليست للأولى.
فمعرفة الإنسان بالخلق الأول، وما يخلقه من بني آدم وغيرهم من الحيوان، وما يخلقه من الشجر والنبات والثمار، وما يخلقه من السحاب والمطر وغير ذلك: هو أصلٌ لمعرفته بالخلق، والبعث بالمبدأ والمعاد، وإن لم يعرف أنّ الله يخلقه كلّه من المنيّ؛ جواهره وأعراضه، وإلا فما عرف أنّ الله خلقه. ومن ظنّ أنّ جواهره لم يخلقها إذ خلقه، بل جواهر المنيّ، وجواهر ما يأكله ويشربه باقية بعينها فيه، لم يخلقها، أو أنّ مادته التي تقوم بها صورته لم يخلقها إذ خلقه، بل هي باقية أزليّة أبديّة، لم يكن قد عرف أنّه مخلوقٌ مُحدَثٌ.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهي في «م»، و«ط» . ٢ سورة الملك، الآية ١٠. ٣ سورة الرحمن، الآية ٢٦. ٤ في «ط» فقط: أحكامًا.
[ ١ / ٣٢٠ ]
والعلماء ينكرون على من يقول إنّ روح الإنسان قديمةٌ أزليّة من المنتسبين إلى الإسلام.
وهؤلاء الذين يقولون١ إنّ مادة جسمه باقية بعينها، وهي أزليّة أبديّة، أبعد عن العقل والنقل منهم. وأولئك أنكروا عليهم حيث قالوا: [الإنسان] ٢ مركّبٌ من قديمٍ ومحدَثٍ؛ من لاهوتٍ قديم، وناسوتٍ محدَثٍ.
[و] ٣ هؤلاء٤ جعلوه مركبًا من مادة قديمة أزلية، وصورة محدثة، وجعلوا القديم الأزلي فيه أخس ما فيه، وهو المادة؛ فإنّها عندهم أخسّ الموجودات، وهي قديمة أزلية. وأولئك٥ جعلوا القديم الأزلي أشرف ما فيه وهي النفس الناطقة. وكلتا الطائفتين وإن كان ضالًا؛ فالشريف العالي أولى بالقدم من الخسيس السافل، وهذا أولى بالحدوث.
وأما المتكلمة الجهمية: فهم لا يتصوّرون ما يشهدونه؛ من حدوث هذه الجواهر في جواهرَ أُخَر من مادة، ثمّ يدّعون أنّ الجواهر جميعها أُبدعت ابتداءً لا من شيء. وهم لم يعرفوا قطّ جوهرًا أُحدث لا من شيء، كما لم يعرفوا عرضًا أُحدِث لا في محلّ. وحقيقة قولهم: أنّ الله لا يُحدث شيئًا من شيء؛ لا جوهرًا، ولا عرضًا؛ فإنّ الجواهر كلّها أُحدثت لا من شيء، والأعراض كذلك.
_________________
(١) ١ وهم الفلاسفة المنتسبون للإسلام، والمتكلمون. ٢ في «ط» فقط: لإنسان. ٣ في «م»، و«ط»: أو. ٤ الذين يقولون: إنّ مادة جسم الإنسان باقية بعينها، وهي أزليّة أبديّة. ٥ الذين قالوا: "إنّ روح الإنسان قديمة أزليّة، وإنّ الإنسان مُركّب من لاهوتٍ قديم، وناسوتٍ مُحدَث.
[ ١ / ٣٢١ ]
والمشهود المعلوم للناس إنّما هو إحداثه لما يحدثه من غيره، لا إحداثًا من غير مادة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًَا﴾ ١، ولم يقل خلقتك لا من شيء، وقال تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ٢، ولم يقل خلق كل دابة لا من شيء، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ٣.
الرد على الجهمية
وهذا٤ هو القدرة التي تبهر العقول؛ وهو أن يقلب حقائق الموجودات فيحيل الأول ويُفنيه ويُلاشيه، ويُحدث شيئًا آخر؛ كما قال: ﴿فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ ٥، ويُخرج الشجرة الحية، والسنبلة الحية، من النواة والحبة الميتة، ويخرج النواة الميتة، والحبة الميتة، من الشجرة والسنبلة الحية؛ كما يخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة، والنطفة الميتة من الإنسان الحي.
وعندهم٦ لا يُخرج حيًّا من ميت، ولا ميتًا من حي؛ فإنّ الحيّ والميت إنّما هو الجوهر القائم بنفسه؛ فإنّ الحياة عرض لا يقوم إلا بجوهر، والعرض نفسه لا يقوم بعرض آخر. وإن كان العرض يوصف بأنّه حيّ؛ كما يقال: قد أحييت العلم والإيمان، وأحييت الدين، وأحييت السنة والعدل؛ كما يقال: [أمات] ٧ البدعة.
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية ٩. ٢ سورة النور، الآية ٤٥. ٣ سورة الأنبياء، الآية ٣٠. ٤ هكذا وردت في «خ»، و«م»، و«ط» . ٥ سورة الأنعام، الآية ٩٥. ٦ عند المتكلمة الجهمية. ٧ في «خ» رسمت هكذا: امه. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٢٢ ]
فهؤلاء١ عندهم لا يُخرج جوهرًا من جوهر، ولا عرضًا من عرض؛ فلا يُخرج حيًّا من ميت، ولا ميتًا من حيّ، بل الجواهر التي كانت في الميت هي بعينها باقية كما كانت، ولكن أحدث فيها حياة لم تكن.
وتلك الحياة لم تخرج من ميت؛ فما أُخرج عندهم حيّ من ميت، ولا ميت من حي، ولهذا ينكرون أن يقلب الله جنسًا إلى جنس آخر، ويقولون: الجواهر كلّها جنس واحد؛ فإذا خلق النطفة إنسانًا، لم يقلب عندهم جنسًا إلى جنس، بل نفس الجواهر هي باقية كما كانت. وخاصية الخلق إنما هي بقلب جنس إلى جنس، وهذا لا يقدر عليه إلا الله؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًَا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًَا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ﴾ ٢.
ولا ريب أنّ النخلة ما هي من جنس النواة، ولا السنبلة من جنس الحبّة، ولا الإنسان من جنس المني، ولا المني من جنس الإنسان. وهو يخرج هذا من هذا، وهذا من هذا؛ فيخرج كلّ جنسٍ من جنسٍ آخر بعيدٍ عن مماثلته٣، و﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٤.
وهو سبحانه إذا جعل الأبيض أسود، أعدم ذلك البياض، وجعل موضعه السواد، لا أنّ الأجسام تعدم تلك المادة [فتحيلها، وتلاشيها، وتجعل] ٥
_________________
(١) ١ المتكلمة الجهمية. ٢ سورة الحج، الآية ٧٣، ٧٤. ٣ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٣٠٨، ففيه كلام مماثل لما هنا. وكذا المصدر نفسه ٥٢٠١. ٤ سورة لقمان، الآية ١١. ٥ في «خ»: فيحيلها، ويلاشيها، ويجعل. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٢٣ ]
منها هذا المخلوق الجديد، ويخلق الضدّ من ضدّه؛ كما جعل من الشجر الأخضر نارًا، فإذا حك الأخضر بالأخضر، سخن ما يسخنه بالحركة، حتى ينقلب نفس الأخضر فيصير نارًا١. وعلى قولهم ما جعل فيه نارًا، بل تلك الجواهر باقية بعينها، وأُحْدِثَ فيها [عرضٌ] ٢ لم يكن.
وخلقُ الشيءِ من غير جنسه أبلغ في قدرة القادر الخالق ﷾؛ كما وصف نفسه بذلك في قوله: ﴿قُل اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْر إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ في اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ ٣. ولهذا قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًَا مِنْ طِين فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٤، وقال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ في قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ﴾ ٥.
ولهذا امتنع اللعين؛كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيْسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًَا﴾ ٦، وقال: ﴿لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون﴾ ٧.
_________________
(١) ١ كما قال تعالى: ﴿الَّذي جَعَلَ لَكُم مِن الشَّجَر الأخضَرِ نارًا فَإذَا أنتُم منهُ تُوقِدُون﴾ . سورة يس، الآية ٨٠. والمقصود به ما يُشاهدونه من جعله النّار من العفار والمرخ، وهما شجرتان خضراوان، إذا حكت إحداهما بالأخرى بتحريك الريح لها، اشتعل النار فيها. انظر: تفسير الطبري ٢٣٣٢. ورسالة إلى أهل الثغر ص ١٦٠. ٢ في «ط» فقط: عرضًا. ٣ سورة آل عمران، الآيتان ٢٦-٢٧. ٤ سورة ص، الآيتان ٧١-٧٢. ٥ سورة المرسلات، الآية ٢٠-٢٣. ٦ سورة الإسراء، الآية ٦١. ٧ سورة الحجر، الآية ٣٣.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وأيضًا: فكون الشيء مخلوقًا من مادّة وعنصر، أبلغ في العبودية من كونه خُلق لا من شيء، وأبعد عن مشابهة الربوبية؛ فإنّ الرب هو أحدٌ، صمدٌ، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد؛ فليس له أصل وجد منه، ولا فرع يحصل عنه.
فإذا كان المخلوق له أصلٌ وُجد منه، كان بمنزلة الولد له، وإذا خلق له شيء آخر، كان بمنزلة الوالد، وإذا كان والدًا ومولودًا كان أبعد عن مشابهة الربوبية والصمدية؛ فإنه خرج من غيره، ويخرج منه غيره؛ لا سيما إذا كانت المادة التي خلق منها مهينة؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ١، وقال تعالى ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِق خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ ٢.
وفي المسند عن [بسر] ٣ بن جحاش٤ قال: "بصق رسول الله ﷺ في كفه، فوضع عليها إصبعه، ثم قال: يقول الله تعالى: ابن آدم أنّى [تُعجزني] ٥، وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيتَ بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعتَ، ومنعتَ، حتى إذا بلغت التراقي، قلتَ أتصدَّقُ، وأنّى أوان الصدقة"٦.
_________________
(١) ١ سورة المرسلات، الآية ٢٠. ٢ سورة الطارق، الآيات ٥-١٠. ٣ في «خ»، و«م»، و«ط»: بشر - بالشين المعجمة. وقد قال الدارقطني، وابن زبر، وغيرهما: لا يصحّ بالمعجمة. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ١١٤٨. ٤ هو بسر بن جِحاش القرشيّ. صحابي، نزل حمص، ومات بها. الإصابة لابن حجر ١١٤٨. ٥ في «ط» فقط: تعج. ٦ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤٢١٠. وابن ماجه في سننه ١٩٠٣، وقال في الزوائد: إسناده صحيح.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وكذلك إذا خلق في محلّ مظلمٍ وضيّق؛ كما خلق الإنسان في ظلمات ثلاث، كان أبلغ في قدرة القادر، وأدلّ على عبودية الإنسان، وذلّه لربّه، وحاجته إليه.
وقد يقول [المعيّر] ١ للرجل: مالك أصل ولا فصل٢، و[لكنّ] ٣ الإنسان أصله التراب، وفصله الماء المهين.
ولهذا لمّا خُلق المسيح من غير أب، وقعت به الشبهة لطائفة٤، وقالوا: إنّه ابن الله، مع أنّه لم يُخلق إلاَّ من مادّة أمّه، ومن الروح التي نُفخ فيها؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ ٥، [وقال تعالى أيضًا] ٦: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًَا سَوِيًَّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًَّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ [لأَهَبَ] ٧ لَكَ غُلامًَا زَكِيًَّا﴾ ٨؛ فما خلق من غير مادة [يكون] ٩ كالأب له، قد يظن فيه أنّه ابن الله، وأنّ الله خلقه من ذاته.
_________________
(١) ١ في «خ» رسمت هكذا: المعري. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في مجمع الأمثال للميداني: "لا أصل له ولا فصل". قال الكسائي: "الأصل: الحسب، والفصل: اللسان؛ يعني النطق". مجمع الأمثال ٢٢٨٥. وانظر: اللسان ١١١٧، مادة أصل. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ المقصود بهم النصارى. ٥ سورة التحريم، الآية ١٢. ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٧ في «خ»: ليهب. ٨ سورة مريم، الآيات ١٧-١٩. ٩ في «م»، و«ط»: تكون.
[ ١ / ٣٢٦ ]
فلهذا كانت الأنبياء مخلوقة من مادة لها أصول، ومنها فروع، لها والد ومولود. والأحد الصمد: لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
وحدوث الشيء لا من مادة، قد يُشبه حدوثه من غير رب خالق، وقد يُظنّ أنّه حَدَثَ من ذات الرب؛ كما قيل مثل ذلك في المسيح، والملائكة أنّها بنات الله، لمّا لم يكن لها [أب] ١، مع أنّها مخلوقة من مادّة؛ كما ثبت في الصحيح؛ صحيح مسلم عن عائشة: أنّ النبيّ ﷺ قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم ممّا وُصف لكم"٢.
ولمّا ظنّ طائفة أنّها لم تُخلق من مادة، ظنّوا أنّها قديمة أزلية. وأيضًا فالدليل الذي احتجّ به كثيرٌ من النّاس على أنّ كُلّ حادث لا يحدث إلا من شيء، أو في شيء؛ فإن كان عرضًا لا يحدث إلاَّ [في] ٣ محلّ، وإن كان عينًا قائمة بنفسها لم [تحدث] ٤ إلاَّ من مادة، فإنّ الحادث إنّما يحدث إذا كان حدوثه ممكنًا، وكان يقبل الوجود والعدم، فهو مسبوق بإمكان الحدوث وجوازه، فلا بُدَّ له من محلّ يقوم به هذا الإمكان والجواز.
وقد تنازعوا في هذا: هل الإمكان صفة خارجية، لا بُدّ لها من محلّ، أو هي حكم عقلي لا يفتقر إلى غير الذهن؟
_________________
(١) ١ في «خ»: أبا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤٢٢٩٤. والإمام أحمد في مسنده ٦١٥٣، ١٦٨. ٣ في «خ»: من. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: يحدث. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٢٧ ]
الإمكان نوعان
والتحقيق: أنّه نوعان: فالإمكان الذهني: وهو تجويز الشيء، أو عدم العلم بامتناعه، محلّه الذهن. والإمكان الخارجي المتعلق بالفاعل، أو المحل؛ مثل أن [تقول] ١: يمكن القادر أن يفعل، والمحل؛ مثل أن [تقول] ٢: هذه الأرض يمكن أن تزرع، وهذه المرأة يمكن أن تحبل. [و] ٣ هذا لا بُدّ له من محلّ خارجيّ، فإذا قيل عن الربّ: يمكن أن يخلق؛ فمعناه أنّه يقدر على ذلك، ويتمكّن منه. وهذه صفة قائمة به.
وإذا قيل: يمكن أن يحدث حادث؛ فإن قيل يمكن حدوثه بدون سبب حادث، فهو ممتنع، وإذا كان الحدوث لا بُدّ له من سبب حادث؛ فذاك السبب إن كان قائمًا بذات الرب، فذاته قديمةٌ أزليّةٌ، واختصاص ذلك الوقت بقيام مشيئةٍ، أو تمام تمكّنٍ، ونحو ذلك، لا يكون إلا لسببٍ قد أحدثه قبل هذا في غيره، فلا يحدث حادثٌ مبايِنٌ إلاَّ مسبوقًا بحادثٍ مباينٍ له.
فالحدوث مسبوقًا بإمكانه، ولا بُدّ لإمكانه من محلّ، ولهذا لم يذكر الله قط أنّه أحدث شيئًا إلا من شيء. والذي يقول إنّ جنس الحوادث حدثت لا من شيء، هو كقولهم: إنها حدثت بلا سبب حادث، مع قولهم إنّها كانت ممتنعة، ثم صارت ممكنة، من غير تجدّد سبب، بل حقيقة قولهم أنّ الربّ صار قادرًا بعد أن لم يكن، من غير تجدّد شيءٍ يُوجِب ذلك.
وهذه الأمور كلّها من أقوال الجهمية؛ أهل الكلام المحدَث المبتَدَع المذموم، وهو بناء على قولهم: إنّه تمتنع حوادث لا أوّل لها. وهؤلاء وأمثالهم غلطوا فيما جاء به الشرع، وأخبرت به الرسل؛ كما غلطوا في المعقولات؛ فكلّ واحدٍ ممّا يُسمّى شرعًا، وعقلًا، وسمعًا، قد وقع فيه اشتباه.
_________________
(١) ١ في «خ»: يقول. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: يقول. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٢٨ ]
معنى الشرع
فالشرع يطلق تارة على ما جاء به الرسول؛ من الكتاب والسنة. هذا هو الشرع المنزل، وهو الحق الذي ليس لأحد خلافه، ويُطلق على ما يضيفه بعض الناس إلى الشرع إمّا بالكذب والافتراء، وإما بالتأويل والغلط، وهذا شرع مبدل لا منزّل ولا يجب، بل ولا يجوز اتباعه.
لفظ السنة
وكذلك لفظ السنة: فإنّ السنّة التي يجب اتباعها هي سنة رسول الله ﷺ، والسنة تُذكر في الأصول والإعتقادات، وتُذكر في الأعمال والعبادات. وكلاهما يدخل فيما أخبر به وأمر به؛ فما أخبر به وجب تصديقه فيه، وما أوجبه وأمر به وجبت طاعته فيه.
ثم كثيرٌ من الناس يُضيف إلى السنّة ما أدخله بعض الناس فيها؛ إمّا بالكذب، وإما بالتأويل؛ مثل أحاديث كثيرة ضعيفة، بل موضوعة، واستدلالات بأقواله على ما لا يدلّ عليه، ومثل أقوال أحدثها قوم انتسبوا إلى السنة في بعض الأمور؛ مثل إثبات الصفات، والقدر؛ فإنّ [المنتسبين] ١ لذلك يُضافون إلى السنة؛ لأنّ نفاة الصفات، والقدر مبتدعة.
وكذلك حب الخلفاء الراشدين، وموالاتهم يضاف أهله إلى السنّة؛ لأنّ الطاعنين فيهم أهل بدعة.
ومثل الإستدلال بالنصوص على موارد النزاع؛ فإنّ أهل ذلك يُضافون إلى السنّة؛ لكونهم يقصدون اتباع القرآن والحديث، والمخالفون لذلك الذين يردّون الأخبار الصحيحة، أو لا يحتجّون بالقرآن مبتدعون.
ثم قد يقول المضافون إلى السنّة أشياء ليست من السنة؛ مثل أحاديث كثيرة يروونها في فضائل بعض الصحابة، وهي كذب؛ ومثل [نفي] ٢
_________________
(١) ١ في «خ»: المنتبين. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «ط» فقط: تقى.
[ ١ / ٣٢٩ ]
الحكمة والأسباب في مسائل القدر؛ ومثل كلامهم في الأجسام والاعراض، وتناهي الحوادث، ونحو ذلك ممّا لم يأخذوه عن الرسول. فهذا ليس من السنّة، وإن كان أهلها وافقوا السنة في مواضع خالفهم [فيها] ١ من تنازعهم في هذه المسائل.
فلا يجب إذا كانوا أصابوا حيث وافقوا السنة، أن يُصيبوا حيث لم يوافقوها.
وكذلك مسمى العقل؛ فإنّ مسمّى العقل قد مدحه الله في القرآن في غير آية٢.
لكن لمّا أحدث قومٌ من الكلام المبتدَع المخالِف للكتاب والسنّة - بل وهو في نفس الأمر مخالفٌ للمعقول، وصاروا يُسمّون ذلك عقليّات، وأصولَ دين، وكلامًا في أصول الدين، صار من عَرَفَ أنّهم مبتدعة ضُلاّل في ذلك ينفر عن جنس المعقول، والرأي، والقياس، والكلام، والجدل. فإّذا رأى من يتكلّم بهذا الجنس اعتقده مبتدِعًا مبطلًا؛
وهؤلاء وهؤلاء أدخلوا في مسمى الشرع والعقل ما هو محمود وما هو مذموم
كما أنّ هؤلاء٣ لمّا رأوا أنّ جنس المنتسبين إلى السنّة والشرع والحديث قد أخطأوا في مواضع، وخالفوا فيها صريح المعقول، وهم يقولون إنّ السنّة جاءت بذلك، صار هؤلاء ينفرون عن جنس ما يُستدلّ في الأصول بالشرع والسنّة،
_________________
(١) ١ في «خ»: فيه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [سورة الملك، الآية ١٠] . وقال تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية ٧٣] . وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت، الآية ٤٣] . وقال تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الزمر، الآية ٤٣] . ٣ المتفلسفة.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ويُسمّونهم حشويّة وعامّة١. وكلّ من هؤلاء، وهؤلاء أدخلوا في مسمّى الشرع والعقل والسمع ما هو محمود ومذموم.
[ثمّ هؤلاء قبلوا من مسمّى الشرع والسنّة عندهم محموده ومذمومه، وخالفوا مسمّى العقل محموده ومذمومه] ٢. وأولئك قبلوا مسمّى العقل عندهم محموده، ومذمومه، [وخالفوا مسمّى الشرع محموده ومذمومه] ٣.
_________________
(١) ١ الحشو من الكلام: الفضل الذي لا يعتمد عليه. وكذلك هو من الناس؛ فحشوة الناس: رذالتهم. انظر: لسان العرب ١٤١٨٠. وتهذيب اللغة ٥١٣٧-١٣٨. وقال شيخ الإسلام ﵀: "مسمّى الحشو في لغة الناطقين به ليس هو اسمًا لطائفة معينة لها رئيس قال مقالة فاتبعته؛ كالجهمية، والكلابيّة، والأشعريّة، ولا اسمًا لقولٍ معين من قاله كان كذلك. والطائفة إنما تتميز بذكر قولها، أو بذكر رئيسها - إلى أن قال: - وإذا كان كذلك، فأوّل من عُرف أنّه تكلّم في الإسلام بهذا اللفظ: عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة؛ فقيههم وعابدهم، فإنّه ذُكر له عن ابن عمر شيء يُخالف قوله، فقال: كان ابن عمر حشويًا؛ نسبه إلى الحشو، وهم العامّة والجمهور. وكذلك تُسمّيهم الفلاسفة كما سمّاهم صاحب هذا الكتاب - يعني الرازي -. والمعتزلة ونحوهم يُسمّونهم الحشوية. والمعتزلة تعني بذلك كلّ من قال بالصفات وأثبت القدر. وأخذ ذلك عنها متأخرو الرافضة، فسمّوا هم الجمهور بهذا الاسم. وأخذ ذلك عنهم القرامطة الباطنية فسمّوا بذلك كل من اعتقد صحة ظاهر الشريعة؛ فمن قال عندهم بموجب الصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصوم رمضان، وحج البيت، وتحريم الفواحش والمظالم والشرك ونحو ذلك، سمّوه حشويًا؛ كما رأينا ذلك مذكورًا في مصنفاتهم. والفلاسفة تُسمّي من أقرّ بالمعاد الجسمي والنعيم الحسّي حشويًا. وأخذ ذلك عن المعتزلة تلامذتهم من الأشعريّة فسمّوا من أقرّ بما ينكرونه من الصفات، ومن يذمّ ما دخلوا فيه من بدع أهل الكلام والجهميّة والإرجاء حشويًا. ومنهم أخذ ذلك هذا المصنّف" - يعني الرازي -. بيان تلبيس الجهميّة ١٢٤٢، ٢٤٤-٢٤٥. وانظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن لفظ «الحشوية» في منهاج السنة النبوية ٢٥٢٠-٥٢٢. ومجموع الفتاوى ٤٨٧، ٨٩، ١٤٦،، ٣١٨٦،، ١٢١٧٦. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ١ / ٣٣١ ]
فيجب البيان والتفصيل والاستفسار، وبيان الفرقان بين الحق والباطل؛ فإنّ ذلك يوجب التصديق بما جاء به الشرع المنزّل، والسنّة الغرّاء؛ وهو المعقول الحقّ؛ وهو الكلام الصدق؛ وهو الجدل بالتي هي أحسن؛ ويُوجب ردّ ما أُدخل في الشرع والسنّة، وليس منها؛ وردّ ما سُمّي معقولًا، وهو باطل؛ وسُمّي كلامًا صدقًا، وهو كذب؛ وسُمّي جدلًا بالتي هي أحسن، وهو جدل بالباطل بغير علم.
ولهذا حصل من الذين لبسوا الحقّ بالباطل تبديل لما بدّلوه من الدين، وتحريف الكلم عن مواضعه، ومضاهاة لأهل الكتاب ممّا ذمهم الله عليه. والبخاري في أول كتاب «خلق أفعال العباد»: ذكر الردّ على المعطّلة الذين يُبدّلون كلام الله من الجهميّة، وذكر من كلام السلف والأئمة فيهم ما عُرِف به مقصودهم١.
التبديل نوعان
والتبديل نوعان: أحدهما: أن يُناقضوا خبره. والثاني: أن يُناقضوا أمره. فإنّ الله بعثه بالهدى ودين الحق، وهو صادقٌ فيما أخبر به عن الله، آمرٌ بما أمر الله به؛ كما قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُوْلَ فَقَدْ أَطَاْعَ اللهَ﴾ ٢. وأهل التبديل [الذين يُضيفون إلى دينه وشرعه ما ليس منه، وهم أهل الشرع المبدّل] ٣: تارةً يُناقضونه في خبره؛ فينفون ما أثبته، أو يُثبتون ما نفاه؛
_________________
(١) ١ وكتابه - ﵀ - قسمه إلى جزئين؛ الأوّل منهما في ذكر كلام السلف والأئمة؛ وابتدأه ببابٍ سمّاه: باب ما ذكر أهل العلم للمعطلة الذين يريدون أن يُبدّلوا كلام الله ﷿. انظر: ص ٧-٢٤. وأمّا الجزء الثاني فقد أفرده للردّ على الجهميّة، وابتدأه ببابٍ سمّاه: باب الردّ على الجهميّة وأصحاب التعطيل. انظر: ص ٧١ وما بعدها. ٢ سورة النساء، الآية ٨٠. ٣ ما بين المعقوفتين ملحقة بهامش «خ» .
[ ١ / ٣٣٢ ]
كالجهميّة الذين ينفون ما أثبته من صفات الله وأسمائه؛ والقدريّة الذين ينفون ما أثبته من قدر الله ومشيئته وخلقه وقدرته؛ والقدرية المجبرة الذين ينفون ما أثبته من عدل الله وحكمته ورحمته، ويُثبتون ما نفاه من الظلم والعبث والبخل ونحو ذلك عنه. وأمثال ذلك.
ومسائل أصول الدين عامّتها من هذا الباب.
الذين أوجبوا النظر لإثبات الصانع
ثمّ إنّهم أيضًا يُوجبون ما لم يُوجبه، بل حرّمه، ويُحرّمون ما لم يُحرّمه، بل أوجبه؛ فيوجبون اعتقاد هذه الأقوال والمذاهب المناقضة لخبره، وموالاة أهلها، ومعاداة من خالفها. ويُوجبون النظر المعيّن في طريقهم الذي أحدثوه؛ كما أوجبوا النظر في دليل الأعراض الذي استدلّوا به على حدوث الأجسام١، وقالوا: يجب على كلّ مكلّف أن ينظر فيه ليحصل له العلم بإثبات الصانع٢،
_________________
(١) ١ وهذا نظر مخصوص؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في موضع آخر: "جعلوا ذلك نظرًا مخصوصًا؛ وهو النظر في الأعراض، وأنّها لازمة للأجسام، فيمتنع وجود الأجسام بدونها". مجموع فتاوى ابن تيمية ١٦٣٢٩. ٢ يقول الماتريديّ عن الله جلّ وعلا: "لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالَم عليه بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه، أو شهادة السمع". التوحيد للماتريدي ص ١٢٩. وقد أورد شيخ الإسلام ﵀ طريقة المتكلمين في إثبات الصانع، فقال: "قالوا: لأنّه لا يعرف بالنظر والاستدلال المفضي إلى العلم بإثبات الصانع، قالوا: ولا طريق إلى ذلك إلا بإثبات حدوث العالم. ثمّ قالوا: ولا طريق إلى ذلك إلا بإثبات حدوث الأجسام، قالوا: ولا دليل على ذلك إلا الاستدلال بالأعراض، أو ببعض الأعراض؛ كالحركة والسكون، أو الاجتماع والافتراق؛ وهي الأكوان؛ فإنّ الجسم لا يخلو منها، وهي حادثة، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث". ثمّ ذكر ﵀ ذمّ السلف لهذه الطريقة، واللوازم التي تلزم سالكيها، فقال: "وهذه الطريقة هي أساس الكلام الذي اشتهر ذم السلف والأئمة له، ولأجلها قالوا بأنّ القرآن مخلوق، وأنّ الله لا يُرى في الآخرة، وأنه ليس فوق العرش، وأنكروا الصفات. والذامون لها نوعان: منهم من يذمها لأنها بدعة في الإسلام؛ فإنّا نعلم أنّ النبيّ ﷺ لم يدع الناس بها، ولا الصحابة؛ لأنها طويلة مخطرة كثيرة الممانعات والمعارضات، فصار السالك فيها كراكب البحر عند هيجانه. وهذه طريقة الأشعري في ذمّه لها، والخطابي، والغزالي، وغيرهم ممن لا يُفصح ببطلانها. ومنهم من ذمها لأنها مشتملة على مقامات باطلة لا تحصل المقصود، بل تناقضه. وهذا قول أئمة الحديث وجمهور السلف". كتاب الصفدية ١٢٧٤-٢٧٥.
[ ١ / ٣٣٣ ]
قالوا: لأنّ معرفة الله واجبة،
ولا طريق إليها إلا هذا النظر وهذا الدليل١.
الرسول لم يوجب النظر
ولما علم كثيرٌ من موافقيهم٢ أنّ الاستدلال بهذا الدليل لم يُوجبه الرسول، خالفوهم في إيجابهم، مع موافقتهم لهم على صحته٣.
والتحقيق ما عليه السلف؛ أنّه ليس بواجب أمرًا، ولا هو صحيح خبرًا، بل هو باطلٌ منهيّ٤ عنه شرعًا؛ فإنّ الله تعالى لا يأمر بقول الكذب والباطل، بل ينهى عن ذلك. لكن غلطوا حيث اعتقدوا أنّه حقّ، وأنّ الدين لا يقوم إلا على هذا الأصل الذي أصّلوه.
_________________
(١) ١ يقول أبو حامد الغزالي: "من لا يعتقد حدوث الأجسام، فلا أصل لاعتقاده في الصانع أصلًا". تهافت الفلاسفة ص ١٩٧. وانظر: الإرشاد للجويني ص ٨-٩. والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٤٣٥. ورسالة السجزي ص ١٩٨. وقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه المسألة ونقل كلام بعض من ردّ على هذا القول، أو تبنّاه. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٧٣٥٢-٤٤٥. ٢ في «خ»: موافقتهم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ومن هؤلاء: أبو الحسن الأشعريّ في رسالته إلى أهل الثغر ص ١٨٦. والخطابي في الغنية عن الكلام وأهله - انظر: نقض تأسيس الجهمية ١٢٥٤، والغزالي في فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص ١٢٧. وغيرهم. ٤ في «ط»: منهم. وما أثبت من «خ»، و«م» .
[ ١ / ٣٣٤ ]
الذين ضلوا عن طريق الرسول ﷺ
كما أنّ طوائف من أهل العبادة، والزهد، والإرادة، والمحبة، والتصوف سلكوا طرقًا١ ظنّوا أنّه لا يُوصل إلى الله إلا بها. ثمّ منهم من يوجبها ويذمّ من لم يسلكها، ومنهم من لم ير أنّ سالكيها أفضل من غيرهم، ويوسع الرحمة؛ لأنّه قد علم أنّ الرسول والصحابة لم يأمروا بها النّاس، مع اعتقادهم أنّها طرق صحيحة موصلة إلى رضوان الله. وهي عند التحقيق طرق مضلّة إنّما توصل إلى رضى الشيطان، وسخط الرحمن؛ كالعبادات التي ابتدعها ضلاّل أهل الكتاب والمشركين، وخالفوا بها دين المرسلين؛ فهؤلاء في الأحوال البدعيّة، وأولئك في الأقوال البدعيّة.
والقول الحقّ هو القرآن، والحال الحق هو الإيمان؛ كما قال جندب٢، وابن عمر: "تعلّمنا الإيمان، ثمّ تعلّمنا القرآن، فازددنا إيمانًا"٣.
وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "مَثَلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُترجّة طعمها طيّب، وريحها طيّب. ومثل المؤمن الذي
_________________
(١) ١ كسلوك الصوفيّة للكشف، والوجد، والذوق، وجعل ذلك أساسًا للمعرفة؛ فلا تنال حقائق الأمور عندهم إلا بهذه الطرق التي تُعدّ السبيل الأوحد - لديهم - لتحصيل المعارف، ودرك العلوم. وقد نبذوا لأجل هذه الطرق الكتاب والسنّة، بل وعارضوهما بها، وقدموها عليهما. انظر: تفصيل ذلك في كتاب المصادر العامة للتلقي عند الصوفية - عرضًا ونقدًا - لصادق سليم صادق -. ٢ ابن عبد الله بن سفيان البجليّ. صحابي. مات بعد الستين. انظر: تقريب التهذيب ١١٦٦. ٣ أخرجه ابن ماجه في السنن ١٢٣، وكذا أخرجه الخلال في السنة ٥٥٤، وأشار محققه إلى أنّ إسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ١١٦.
[ ١ / ٣٣٥ ]
لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيّب، ولا ريح لها. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيّب، وطعمها مُرّ. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مرّ، ولا ريح لها"١.
الناس أربعة أصناف
فالنّاس أربعة أصناف: صاحب قول قرآنيّ، [وحال إيمانيّ؛ فهم أفضل الخلق. وصاحب قول قرآني] ٢، وحال ليس بإيمانيّ. وصاحب حال إيمانيّ، وليس له قول. ومن ليس له لا قول قرآنيّ، ولا حال إيمانيّ.
وكثيرٌ من المنتسبين إلى القول، والكلام، والعلم، والنظر، والفقه، والاستدلال ابتدعوا أقوالًا تُخالف القرآن. وكثيرٌ من المنتسبين إلى العمل، والعبادة، والإرادة، والمحبّة، وحسن الخلق، والمجاهدة ابتدعوا أحوالًا وأعمالًا تُخالف الإيمان، وصار مع كلّ طائفة نوعٌ من الحقّ الذي جاء به الرسول، لكن ملبوسٌ بغيره. وصار كثيرٌ من الطائفتين يُنكر ما عليه الأخرى مطلقًا؛ كما قالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء٣.
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه البخاري في الصحيح عن أبي موسى ٤١٩١٧، كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن على سائر الكلام،، و٥٢٠٧٠، كتاب الأطعمة، باب ذكر الطعام، و٦٢٧٤٨، كتاب التوحيد، باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم. ومسلم في صحيحه ١٥٤٩، كتاب صلاة المسافرين، باب فضيلة حافظ القرآن. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ يشير إلى قوله تعالى حاكيًا عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَاْلَتِ الْيَهُوْدُ لَيْسَتِ النَّصَاْرَى عَلَىْ شَيْءٍ وَقَاْلَتِ النَّصَاْرَى لَيْسَتِ الْيَهُوْدُ عَلَىْ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُوْنَ الْكِتَاْبَ كَذَلِكَ قَاْلَ الَّذِيْنَ لا يَعْلَمُوْنَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَاْمَةِ فِيْمَاْ كَاْنُوْا فِيْهِ يَخْتَلِفُوْنَ﴾ سورة البقرة، الآية ١١٣.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وفي كلّ من الطائفتين شَبَهٌ من إحدى١ الأمتين؛ ففي المنتسبين إلى العلم إذا لم يُوافقوا العلم النبويّ ويعملوا به شَبَهٌ من اليهود٢. وفي أهل العمل إذا لم يُوافقوا العمل الشرعيّ، ويعملوا بعلمٍ شَبَهٌ من النّصَارى٣٤. وصار كثيرٌ من أهل الكلام والرأي يُنكرون جنس محبّة الله، وإرادته؛ [كما صار كثيرٌ من أهل الزهد، والتصوّف يُنكر جنس العلم، والكلام، والنظر. وأولئك الذين أنكروا محبّة الله وإرادته] ٥، بَنَوْا ذلك على أصل لهم للقدريّة المجبرة٦، والنافية؛ وهو: أنّ المحبّة، والإرادة، والرضا، والمشيئة شيءٌ واحدٌ، ولا يتعلّق ذلك إلا بمعدوم؛ وهو إرادة الفاعل أن يفعل ما لم يكن فَعَلَه؛ فاعتقدوا أنّ المحبّة، والإرادة لا تتعلّق إلا بمعدوم. فالموجود لا يُحَبّ، ولا يُراد. والقديم الأزليّ لا يُحَبّ، ولا يُراد. والباقي لا يُحَبّ، ولا يُراد؛ فأنكروا أن يكون الله محبوبًا، أو مُرادًا٧. وهم لإنكار
_________________
(١) ١ في «ط»، و«م»: أحد. وما أثبت من «خ» . ٢ الذين عرفوا الحق، فلم يعملوا به، بل عملوا بخلافه. ٣ الذين لم يعرفوا الحقّ، فعملوا على جهالة. ٤ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ولهذا كان السلف؛ سفيان بن عيينة وغيره يقولون: إنّ من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود. ومن فسد من عُبّادنا ففيه شبه من النصارى". اقتضاء الصراط المستقيم ١٦٧. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٨٦٩-٧٠. ومجموع الفتاوى ٨١٩٧. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٦ في «ط»: للقدرية والمجبرة. وهو خطأ. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٧ ففسّروا محبّة العبد لربه بأنّها إرادة العبادة له، وإرادة التقرب إليه، ولم يُثبتوا أنّ العبد يُحبّ الله. انظر: قاعدة في المحبة لابن تيمية ص ٥١.
[ ١ / ٣٣٧ ]
كونه يُحِبّ أبلغ وأبلغ؛ فلا يُثبتون إلا مشيئته أن يخلق فقط، وهي لا تتعلّق إلا بمعدوم. فأمّا أن يُحِبّ موجودًا من خَلْقِه، فهذا باطل عند الطائفتين١. لكنّ المجبرة يقولون: محبّته هي مشيئته، وقد شاء خَلْقَ كلّ شيء، فهو يُحِبّ كلّ شيء٢. والنفاة يقولون: محبّته هي إرادته إثابة المطيعين؛ وهي مشيئة خاصّة٣.
والذي جاء به الكتاب والسنّة، واتفق عليه سلف الأمة، وعليه مشايخ المعرفة، وعموم المسلمين: أنّ الله يُحِبّ، ويُحَبّ؛ كما نطق بذلك الكتاب والسنّة في مثل قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّوْنَهُ﴾ ٤، ومثل قوله: ﴿وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا أَشَدُّ حُبًَّا لِلَّهِ﴾ ٥، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوْنَ اللهَ فاتَّبِعُوْنِيْ يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ٦.
لا يُحبّ لذاته محبة مطلقة إلا الله وحده
بل لا شيء يُستحقّ أن يُحَبّ لذاته محبّة مطلقة إلا الله وحده. وهذا من معنى كونه معبودًا٧؛ فحيث جاء القرآن بالأمر بالعبادة، والثناء على أهلها، أو على المنيبين إلى الله، والتوّابين إليه، أو الأوّابين، أو المطمئنّين بذكره، أو المحبين له، ونحو ذلك: فهذا كلّه يتضمّن محبته. وما لا يُحَبّ يمتنع٨
_________________
(١) ١ القدرية المجبرة، والقدرية النافية على السواء في ذلك. ٢ نقل ذلك عنهم القاضي عبد الجبار المعتزلي في المحيط بالتكليف ص ٤٠٨. ٣ انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل لعبد الجبار ٦٣، ٤، ٥. وانظر: منهاج السنة النبوية ٥٣٨٨. ٤ سورة المائدة، الآية ٥٤. ٥ سورة البقرة، الآية ١٦٥. ٦ سورة آل عمران، الآية ٣١. ٧ إذ العبادة تتضمّن معنى الحبّ، ومعنى الذلّ؛ فهي تتضمّن كما قال شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر: (غاية الذلّ لله، بغاية المحبّة له) . انظر: العبودية ص ٦. ٨ في «م»، و«ط»: ممتنع.
[ ١ / ٣٣٨ ]
كونه معبودًا، ومألوهًا، [و] ١ مُطْمَأَنًَا بذكره. ومن أُطيع لعوضٍ يُؤخذ منه، أو لدفع ضرره، فهذا ليس بمعبود ولا إله، بل قد يكون الشخص كافرًا، وظالمًا يُبغَض، ويُلعَن، ومع هذا يُعمل معه عمل بعوض. فمن جعل العمل لله لا يكون إلا لذلك، فلم يُثبت الربّ إلهًا معبودًا، ولا ربًّا محمودًا، وهو حقيقة قول النفاة من الجهميّة، والقدريّة النافية، والمثبتة. والله سبحانه [وتعالى] ٢ رغَّب في عبادته، والعمل له بما ذكره من الوعد، ورهَّب من الكفر به، والشرك بما ذكره من الوعيد، وهو حقّ، لكنّه لم يقل إنّ العابد لله، والعامل له لا يحصل له إلا ما ذُكِرَ، بل وقد قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاْ أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ٣. وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: "أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذُخْرًا، بله ما أطلعتهم عليه. اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاْ أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاْءً بِمَاْ كَاْنُوْا يَعْمَلُوْنَ﴾ ٤ ٥. وقد ثبت في [الحديث] ٦ الصحيح عن صهيب، عن النبيّ ﷺ قال: "يقول الله: يا أهل الجنّة ! إنّ لكم عندي موعدًا أُريد أن أُنجزكموه. فيقولون: ما هو؟ ألم [تُبَيِّض] ٧ وجوهنا، وتثقل موازيننا، وتُدخلنا الجنّة، وتُجرنا من النّار؟
_________________
(١) ١ في «خ»: أو. وما أثبت من «م»، و«ط» . (وتعالى) ليست في «خ»، وهي في «م»، و«ط» . ٣ سورة السجدة، الآية ١٧. ٤ سورة السجدة، الآية ١٧. ٥ أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٧٩٤، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاْ أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية. ومسلم في صحيحه ٤٢١٧٤-٢١٧٥، كتاب الجنة وصفة نعيمها. وأحمد في مسنده ٢٣١٣، ٤١٦. ٦ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٧ في «م»، و«ط»: تنتضر.
[ ١ / ٣٣٩ ]
قال: فيَكشفُ الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبّ إليهم من النّظر إليه، وهي الزيادة"١.
وفي الحديث الذي رواه النسائي: لمّا صلّى عمّار، فأوجز، وقال: دعوتُ في الصلاة بدعاء سمعته من النبيّ ﷺ: "اللهمّ بعلمك٢ الغيبَ، وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. اللهمّ إنّي أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحقّ في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وقُرّة عينٍ لا تنقطع. وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذّة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضرّاء مُضرّة، ولا فتنة مُضلّة. اللهمّ زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين"٣. وروي نحوَ هذا من وجه آخر٤؛ فقد أخبر الصادق المصدوق أنّه لم يُعطَ
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١١٦٣، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾. وأحمد في المسند ٤٣٣٢، ٣٣٣. والترمذي في جامعه ٤٦٨٧، كتاب صفة الجنة، باب في رؤية الرب ﵎. وابن ماجه في سننه ١٦٧؛ في المقدمة، حديث رقم (١٨٧) . كلّهم أخرجوه بألفاظ مقاربة للّفظ الذي ساقه المصنّف. ٢ في «خ»: بعملك. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أخرجه النسائي في سننه ٣٥٤-٥٥، كتاب السهو، باب نوع آخر في الدعاء بعد الذكر، رقم (٦٢) . وأحمد في المسند ٤٢٦٤. والحاكم في المستدرك ١٠٥٢٤-٥٢٥، وصححه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ١٢٨٠-٢٨١، رقم ١٢٣٧-١٢٣٨. ٤ من رواية زيد بن ثابت ﵁؛ كما في مسند الإمام أحمد ٥١٩١. وهو حديث طويل، ومنه قوله ﷺ: " أسألك اللهم الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الممات، ولذةَ نظرٍ إلى وجهك، وشوقًا إلى لقائك، من غير ضرّاء مضرّة، ولا فتنة مُضلّة..". وقد صرّح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى ٨٣٥٦ أنّه يقصد بهذا الوجه رواية زيد بن ثابت ﵁ هذه.
[ ١ / ٣٤٠ ]
أهلُ الجنّة أحبّ إليهم من النظر إليه. وسُنّ أن يُدعى بلذة النظر إلى وجهه الكريم. وأهل الجنّة قد تنعّموا من أنواع النّعيم بالمخلوقات بما هو غاية النّعيم، فلمّا كان نظرهم إليه أحبّ إليهم من كلّ أنواع النّعيم، عُلم أنّ لذّة النّظر إليه أعظم عند أهل الجنّة من جميع أنواع اللَّذَّات.
الذين أنكروا محبة الله حزبان الحزب الأول
والجنّةُ فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذّ الأعين؛ فما لذّت أعينهم بأعظم من لذّتها بالنظر إليه. واللّذّة تحصل بإدراك المحبوب، فلو لم يكن أحبّ إليهم من كلّ شيء، [ما كان النظر إليه أحبّ إليهم من كلّ شيء] ١، وكانت لذّته أعظم من كلّ لذّة. والله تعالى وعد عباده المؤمنين بالجنّة؛ وهي اسمٌ لدارٍ فيها جميع أنواع اللّذّات المتعلقة بالمخلوق، وبالخالق؛ كما أنّ النّار اسمٌ لدارٍ فيها أنواع الآلام، لكن غلط من ظنّ أنّ التنعيم بالنظر إليه ليس من نعيم أهل الجنّة. وصار هؤلاء حزبين: حزبًا أنكروا التنعيم بالنظر إليه؛ وهم المنكرون للمحبّة٢؛ حتى قال أبو المعالي٣ ونحوه ممّن يُنكر محبّته أنّهم إذا رأَوْه لم يلتذوا بنفس النظر، بل يخلق لهم لذّة ببعض المخلوقات مع
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والمنكرون لرؤيته من الجهميّة والمعتزلة تُنكر هذه اللذة. وقد يُفسّرها من يتأوّل الرؤية - بمزيد العلم - على لذة العلم به؛ كاللذة التي في الدنيا بذكره، لكن تلك أكمل. وهذا قول متصوفة الفلاسفة والنفاة؛ كالفارابي، وأبي حامد، وأمثاله، فإنّ ما في كتبه من الإحياء وغيره من لذة النظر إلى وجهه هو بهذا المعنى". منهاج السنة النبوية ٥٣٩٠. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٧٦٢-٧٨. ٣ الجويني.
[ ١ / ٣٤١ ]
النّظر١. وكذلك قال من شاركهم في التجهّم؛ من أهل الوحدة٢؛ كابن عربي؛ قال: ما التذّ عارفٌ بمشاهدة قطّ٣. وادّعى أبو المعالي أنّ إنكار محبّته من أسرار التوحيد٤. وهو من أسرار توحيد الجهميّة المعطّلة المبدّلة. وحُكِيَ عن ابن عقيل أنّه سمع رجلًا يقول: أسألك لذّة النظر إلى وجهك الكريم. فقال له: هَبْ أنّ له وجهًا، أله وجهٌ يُلتذّ بالنظر إليه٥. وهذا بناءً على هذا الأصل؛ فإنّه وشيخه أبا يعلى، ونحوهما وافقوا الجهميّة في إنكار أن يكون الله محبوبًا، واتّبعوا في ذلك قول أبي بكر بن الباقلاني٦ ونحوه ممّن يُنكر محبّة الله، وجعل القول بإثباتها قول الحلوليّة٧.
_________________
(١) ١ انظر: العقيدة النظامية للجويني ص ٣٩. والإرشاد له ص ١٧١. وقواعد العقائد للغزالي ص ١٧١-١٧٢. وانظر: توضيح هذه المسألة في كتب شيخ الإسلام التالية: مجموع الفتاوى ٨٣٤٥، ١٠٦٩٥. ومنهاج السنة ٥٣٩١-٣٩٢. والاستقامة ٢٩٨. ٢ وحدة الوجود. تقدّم تعريفها ٣٢٨. ٣ لم أعثر عليه في مظانّه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والفلاسفة تُثبت اللذّة العقليّة، وأبو نصر الفارابي وأمثاله من المتفلسفة يُثبت الرؤية لله، ويُفسّرها بهذا المعنى". منهاج السنة النبوية ٥٣٨٨-٤٠٠. ٤ انظر: مجموع الفتاوى ٨٣٤٥، ١٠ ٦٩٥. ودرء تعارض العقل والنقل ٦٦٥-٧٧ - فقد ردّ فيه على من أنكر لذّة النظر إلى وجه الله ﷾. ٥ انظر: مجموع الفتاوى ٨٣٥٥، ١٠٦٩٥. ومنهاج السنة النبوية ٥٣٩٢. والاستقامة ٢٩٨. ٦ يقول الباقلاني: "واعلم أنّه لا فرق بين الإرادة، والمشيئة، والاختيار، والرضى، والمحبّة، على ما قدّمنا. واعلم أنّ الاعتبار في ذلك كلّه بالمآل لا بالحال". الانصاف للباقلاني ص ٦٩. ٧ انظر: مجموع الفتاوى ١٠٦٩٧. ومنهاج السنة النبوية ٥٣٩٢.
[ ١ / ٣٤٢ ]
الحزب الثاني
[والحزب الثاني] ١ أنّ طائفة من الصوفيّة والعبّاد شاركوا هؤلاء في أنّ مسمّى الجنّة لا يدخل فيه النظر إلى الله. وهؤلاء لهم نصيب من محبّة الله تعالى والتلذّذ بعبادته، وعندهم نصيب من الخوف والشوق والغرام، فلمّا ظنّوا أنّ الجنّة لا يدخل فيها النظر إليه، صاروا يستخفّون بمسمّى الجنّة، ويقول أحدهم: ما عبدتُك شوقًا إلى جنّتك، ولا خوفًا من نارك٢.
وهم قد غلطوا من وجهين:
الرد عليهم من وجهين
أحدهما: أنّ ما يطلبونه من النظر إليه والتمتع بذكره ومشاهدته، كلّ ذلك في الجنّة.
الثاني: أنّ الواحد من هؤلاء لو جاع في الدنيا أيامًا، أو أُلقي في بعض عذابها، طار عقله، وخرج من قلبه كلّ محبّة.
ولهذا قال سمنون٣:
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: الجواب الثاني. ٢ نقل الغزالي عن معروفٍ الكرخيّ نحوًا من هذه المقالة؛ أنّه عبد الله لا خوفًا من ناره، ولا شوقًا إلى جنّته، بل حُبًّا له. انظر: إحياء علوم الدين ٤٢٨٧. ونقل الغزالي أيضًا عن أبي سليمان الدارانيّ قوله: (إنّ لله عبادًا ليس يشغلهم عن الله خوف النّار، ولا رجاء الجنّة) . إحياء علوم الدين ٤٢٨٧. ونقل الغزالي أيضًا قول الثوريّ لرابعة العدويّة: (ما حقيقة إيمانك؟ قالت: ما عبدتُه خوفًا من ناره، ولا حبًّا لجنّته..) . إحياء علوم الدين ٤٢٨٧. والنقول في ذلك عن الصوفيّة كثيرة جدًا. وانظر: مجموع الفتاوى ١٠٢٤٠، ٦٩٩. والاستقامة ٢١٠٤، ١٠٥. ٣ هو سمنون بن حمزة، أبو الحسن الخواص. موسوس في آخر عمره، وله كلام في المحبّة مستقيم، وسمّى نفسه سمنون الكذّاب. توفي سنة ٢٩٨؟. انظر: البداية والنهاية ١١١٢٣. وطبقات الصوفيّة ص ١٩٥. وحلية الأولياء ١٠٣٠٩. وسير أعلام النبلاء ١٧٤٤١، ٦٥١.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وليس لي في سواك حظٌّ فكيفما شئتَ فامْتحنّي
ابتلي بعسر البول، فصار يطوف على المكاتب ويقول: ادعوا لعمّكم الكذّاب١.
وأبو سليمان٢ لمّا قال: قد أُعطيتُ من الرضا نصيبًا لو ألقاني في النّار لكنتُ راضيًا٣، ذُكِرَ أنّه ابتُليَ بمرض، فقال: إن لم يُعافني وإلا كفرتُ، أو نحو هذا.
والفضيل بن عياض ابتُلي بعسر البول، فقال: "بحبّي لك إلا فرّجتَ عنّي٤. فَبَذَلَ حبّه في عسر البول".
فلا طاقة لمخلوق بعذاب الله، ولا غنى به عن رحمته.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب نتائج الأفكار القدسيّة ١١٦٠، وذكر فيه بيتًا آخر زيادة على الذي أورده المصنّف، وهو قوله: إن كان يرجو سواك قلبي لانلتُ سُؤلي، ولا التمنّي وانظر: أيضًا: حلية الأولياء ١٠٣٠٩-٣١٠. وإحياء علوم الدين للغزالي ٤١٤١ ومجموع الفتاوى ١٠٢٤١، ٦٩٠. والبداية والنهاية ١١١٢٣. ٢ هو أبو سليمان عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي الدارانيّ - نسبة إلى داريّا؛ قرية من قرى دمشق، له كلام في الزهد. توفي سنة ٢١٥؟. انظر: حلية الأولياء ٩٢٥٤. وطبقات الصوفية ص ٧٥. وسير أعلام النبلاء ١٠١٨٢. ٣ هذه الكلمة رواها أبو نعيم بسنده عن أبي سليمان في حلية الأولياء ٩١٦٣. وكذا أسندها القشيريّ في رسالته ٢٢٤٦. وانظر: مجموع الفتاوى ١٠٢٤١، ٦٨٩. ٤ أوردها القشيريّ في رسالته ٢٦٢٣. وانظر: مجوع الفتاوى ١٠٦٩١.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وقد قال النبيّ ﷺ لرجلٍ: "ما تدعو في صلاتك؟ ". قال: أسأل اللهَ الجنّة، وأعوذ به من النّار، أما أنّي لا أُحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ. فقال: "حولها ندندن" ١.
ودَخَلَ على أعرابيّ قد صار مثل الفَرْخ، فقال: "هل كنتَ تدعو الله بشيء؟ ". قال: كنتُ أقول: اللهمّ ما كنتَ معاقبي به في الآخرة، فعجّله [لي] ٢ في الدنيا. فقال: "سبحان الله! إنّك لا تستطيعه، ولا تُطيقه، [هلاّ] ٣ قلتَ: اللهمّ آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النّار"٤.
والعدوان في الإرادة، والعبادة، والعمل حصل من إعراضهم عن العلم الشرعيّ، واتّباع الرسول، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوْنَ اللهَ فَاتَّبِعُوْنِيْ يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المستد ٣٤٧٤. وأبو داود في السنن ١٥٠١، كتاب الصلاة، باب في تخفيف الصلاة، رقم ٧٩٢. وابن ماجه في السنن ١٢٩٥، كتاب إقامة الصلاة، باب ما يُقال في التشهد، والصلاة على النبيّ ﷺ، رقم ٩١٠. وصحّح النوويّ إسناده في الأذكار ١١٩٧، والألباني في صحيح سنن أبي داود ١١٥٠، وفي صحيح سنن ابن ماجه ١١٥٠، وفي تخريج أحاديث الكلم الطيب ١٠٣. ٢ في «خ»: له. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: هل لا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤٢٠٦٨-٢٠٦٩، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا. والإمام أحمد في مسنده ٣١٠٧، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظ الحديث. ٥ سورة آل عمران، الآية ٣١.
[ ١ / ٣٤٥ ]
قال بعضهم: ليس الشأن في أن تُحبّه، الشأنُ في أن يكونَ هو يُحِبُّكَ١. وهو إنّما يُحِبُّ من اتَّبع الرسول، وإلا فالمشركون وأهل الكتاب يدّعون أنّهم يُحبُّونه، وأولئك٢ غلطوا [بنفي] ٣ محبّته، وهؤلاء٤ أثبتوا محبّة شركيّة، لم يثُبتوا محبّة توحيديّة خالصة٥، وقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاْسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُوْنِ اللهِ أَنْدَاْدًَا يُحِبُّوْنَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ٦.
أقسام الناس في المحبة
فالأقسام ثلاثة٧: أولئك٨ معطّلة للمحبّة، وحقيقة قولهم تعطيل العبادة مطلقًا. وهؤلاء٩ مشركون في المحبّة؛ فهم مشركون في العبادة. أولئك مستكبرون عن عبادته، والكبر لليهود. وهؤلاء مشركون في عبادته، والشرك للنصارى.
لفظ الإسلام
وكلّ واحدٍ من المستكبرين والمشركين ليسوا مسلمين، بل الإسلام هو الاستسلام لله وحده. ولفظ الإسلام يتضمّن الإسلام، ويتضمّن
_________________
(١) ١ نقله ابن كثير في تفسيره ١٣٥٨ عند تفسيرقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوْنَ اللهَ فَاتَّبِعُوْنِيْ﴾ [آل عمران ٣١] وقال: عن بعض العلماء والحكماء.. ولم يعزه لأحد. ٢ أي الجهميّة، ومن تبعهم من أهل الكلام.. ٣ ليست في «خ» . وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ أي الصوفيّة. ٥ وقد قال عنهم شيخ الإسلام ﵀: "لكنهم قصروا في الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأفرطوا حتى غلا بهم إلى الإلحاد، فصاروا من جنس المشركين". مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣٠٠. ٦ سورة البقرة، الآية ١٦٥. ٧ انظر: بيانها في مجموع الفتاوى ١٠٨٢، ٦٨٣، ٦٨٤. ٨ أي الجهميّة ومن تبعهم من المتكلمين. ٩ أي الصوفيّة.
[ ١ / ٣٤٦ ]
إخلاصه لله١. وقد ذكر ذلك غير واحدٍ، حتى أهل العربيّة؛ كأبي بكر ابن الأنباري٢، وغيره.
ومن المفسرين من يجعلهما قولين؛ كما يذكر طائفة منهم البغويّ أنّ المسلم هو: المستسلم لله. وقيل: هو المخلص٣.
والتحقيق: أنّ المسلم يجمع هذا وهذا؛ فمن لم يستسلم له، لم يكن مسلمًا؛ ومن استسلم لغيره كما يستسلم له، لم يكن مسلمًا؛ ومن استسلم له وحده، فهو المسلم؛ كما في القرآن: ﴿بَلَىْ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُوْنَ﴾ ٤، وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيْنًَا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاْهِيْمَ حَنِيْفًَا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاْهِيْمَ خَلِيْلًا﴾ ٥.
والاستسلام له يتضمّن الاستسلام [لقضائه] ٦، وأمره، [ونهيه] ٧؛ فيتناول فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور: ﴿إِنَّهُ مَنْ
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ٨٦٢٣، ٦٣٥، ١٠١٤. والجواب الصحيح ٦٣١. وجامع الرسائل ٢٢٥٤. ٢ هو أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري. ولد في الأنبار سنة ٢٧١؟. من أعلم أهل زمانه بالآداب واللغة. كان حافظًا للشعر والأخبار، كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن. توفي في بغداد سنة ٣٢٨؟. انظر: طبقات النحويين ص ١٧١. والأعلام ٦٣٣٤. ٣ تفسير البغوي ١١٠٦. ٤ سورة البقرة، الآية ١١٢. ٥ سورة النساء، الآية ١٢٥. ٦ في «خ»: لخلقه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ ليست في «خ»، وهي في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٤٧ ]
يَتَّقِ وَيَصْبِرُ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيْعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِيْنَ﴾ ١.
قال ابن أبي حاتم٢: حدثنا عصام٣ بن [رواد] ٤، [حدثنا] ٥ آدم٦، عن أبي جعفر٧، عن الربيع، عن أبي العالية٨ في قوله: ﴿بَلَىْ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ ٩؛ يقول: من أخلص لله. قال ابن أبي حاتم: وروي عن الربيع
_________________
(١) ١ سورة يوسف، الآية ٩٠. ٢ هو أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر بن مهران التميمي الرازيّ. ولد سنة٢٤٠؟، ورحل في طلب الحديث إلى البلاد مع أبيه وبعده، وصنّف التصانيف، من جملتها: كتاب السنة، والتفسير، وكتاب الرد على الجهمية، وفضائل الإمام أحمد. توفي ٣٢٧؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣٢٦٣. وطبقات الحنابلة ٢٥٥. وشذرات الذهب ٢٣٠٨-٣٠٩. وطبقات الشافعية للسبكي ٣٣٢٤-٣٢٨. ٣ هو عصام بن رواد بن الجراح العسقلاني. انظر: الجرح والتعديل ٧٢٦. وميزان الاعتدال ٣٦٦. ولسان الميزان ٤١٦٧) . ٤ في «ط»: وران. وما أثبت من «خ»، و«م»، وتفسير ابن أبي حاتم. ٥ في «خ»: ثنا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ هو آدم بن أبي إياس العسقلاني. توفي سنة ٢٢٠؟. انظر: الجرح والتعديل ٢٢٦٨. وتهذيب التهذيب ١١٩٦) . ٧ هو عيسى بن عبد الله بن ماهان الرازي. انظر: الجرح والتعديل ٥٢٢٧. وميزان الاعتدال ٢٤٠٤. وتهذيب التهذيب ٥١٧٦. ٨ هو رفيع بن مهران البصري، أبو العالية الرياحي. توفي سنة ٩٣؟. انظر: الجرح والتعديل ٣٥١٠. وسير أعلام النبلاء ٤٢٠٧. وتهذيب التهذيب ٣٢٨٤. ٩ سورة البقرة، الآية ١١٢.
[ ١ / ٣٤٨ ]
نحو ذلك١. وقال: ذُكِرَ عن يحيى بن آدم٢، حدثنا ابن المبارك٣، عن حيوة بن شريح٤، عن عطاء بن دينار٥، عن سعيد بن جبير٦: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾، قال: دينه٧.
_________________
(١) ١ تفسير ابن أبي حاتم ١٢٣٧. وأخرجه ابن جرير ١٤٩٣. وابن كثير ١٢٢٢. وانظر: الدر المنثور ١١٠٨. وفتح القدير ١١٢٠. وقال محقق تفسير ابن أبي حاتم عن رجال هذا الإسناد: "يُحتجّ بروايتهم، لكنّ أبا العالية يُرسل كثيرًا، ورواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس مضطربة". تفسير ابن أبي حاتم ١٢٨، ٣٥، ٤٢. فالأثر في سنده اضطراب. ٢ هو يحيى بن آدم بن سليمان الأموي، أبو زكريا الكوفي، توفي سنة ٢٠٣؟. انظر: الجرح والتعديل ٩١٢٨. وتهذيب التهذيب ١١١٧٥، ٥٨٠، ٥٨٤. ٣ هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم. ولد سنة ١١٨؟، وتوفي سنة ١٨١. أحد الأئمة الحفاظ. انظر: تذكرة الحفاظ ١٢٨٤. وتهذيب التهذيب ٥٣٨٢. ٤ هو حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي، أبو زرعة المصري. توفي سنة ١٥٨؟. انظر: الجرح والتعديل ٣٣٠٦. وتهذيب التهذيب ٣٦٩. ٥ هو عطاء بن دينار الهذلي، مولاهم المصري. توفي سنة ١٢٦؟. له مراسيل عن سعيد بن جبير. انظر: الجرح والتعديل ٦٣٣٢. وميزان الاعتدال ٣٦٩. وتهذيب التهذيب ٧١٩٨. ٦ هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، أبو محمد. تابعي ثقة، أخذ العلم في التفسير عن ابن عباس، وقتله الحجاج سنة ٩٥؟، ومات بعده بأيام. انظر: الجرح والتعديل ٤٩. والثقات ٤٢٧٥. وتهذيب التهذيب ٤١١. ٧ تفسير ابن أبي حاتم ١٣٣٧-٣٣٨. وقال محقق تفسير ابن أبي حاتم أيضًا: رجال إسناده ثقات، لكن رواية عطاء - التفسير - عن سعيد بن جبير مرسلة؛ حيث لم يأخذ عنه مباشرة، وإنما وجد صحيفة عن سعيد، فاكتتبها.
[ ١ / ٣٤٩ ]
وقال أبو الفرج١: "أسلم: أخلص. وفي الوجه قولان: أحدهما: أنّه الدين، والثاني: العمل"٢.
وقال البغوي: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾: أخلص دينه لله، وقيل: أخلص عبادته لله، وقيل: خضع وتواضع لله، وأصل الإسلام: الاستسلام والخضوع، وخُصّ الوجه لأنّه إذا جاد بوجهه في السجود، لم يبخل بسائر جوارحه. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله، قيل: مؤمنٌ، وقيل: مُخلصٌ٣.
قلت: قول من قال: خضع وتواضع لربّه، هو داخلٌ في قول من قال: أخلص دينه، أو عمله، أو عبادته لله؛ فإنّ هذا إنّما يكون إذا خضع له وتواضع له دون غيره؛ فإنّ العبادة والدين والعمل له لا يكون إلا مع الخضوع له والتواضع، وهو مستلزمٌ لذلك. ولكنّ أولئك٤ ذكروا مع هذا أن يكون هذا الإسلام لله وحده؛ فذكروا المعنيَيْن: الاستلزام، وأن يكون لله.
حقيقة دين االإسلام
[و] ٥ قول من قال: خضع وتواضع لله، يتضمّن أيضًا أنّه أخلص عبادته ودينه لله؛ فإنّ ذلك يتضمّن الخضوع والتواضع لله دون غيره. وأمّا ذكره [التوجه] ٦: فقد بُسط الكلام عليه في غير هذا الموضع٧، وتبيّن أنّ الله ذكر إسلام الوجه له، وذكر إقامة الوجه له في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ
_________________
(١) ١ ابن الجوزي. ٢ زاد المسير (تفسير ابن الجوزي) ١١٣٣. ٣ تفسير البغوي ١١٠٦. ٤ الذين فسّروا إسلام الوجه بإخلاص الدين أو العبادة أو العمل. ٥ ليست في «ط»، وهي في «خ»، و«م» . ٦ في «خ»: الوجه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ انظر: الجواب الصحيح ٦٣١.
[ ١ / ٣٥٠ ]
لِلدِّيْنِ﴾ ١، وذكر توجيه الوجه له في قوله: ﴿إِنِّيْ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِيْ فَطَرَ السَّمَوَاْتِ وَالأرْضَ﴾ ٢؛ لأنّ الوجه إنّما يتوَجّه إلى حيث توجَّه القلب، والقلب هو الملك، فإذا توجَّه الوجه نحو جهةٍ كان القلب متوجّهًا إليها، ولا يُمكن الوجه أن يتوجّه بدون القلب؛ فكان إسلام الوجه، وإقامته، وتوجيهه، مستلزمًا لإسلام القلب، وإقامته، وتوجيهه. وذلك يستلزم إسلام كلّه لله، وتوجيه كله لله، وإقامة [كلّه] ٣ [لله] ٤. وبسط الكلام على ما يُناسب ذلك٥٦.
الذين أنكروا المحبة لهم شبهتان
وهذا حقيقة دين الإسلام٧. لكن الذين أنكروا ذلك لهم شبهتان: إحداهما: أنّ المحبّة تقتضي المناسبة٨، قالوا: وهي منتفية؛ فلا مناسبة بين المحدَث والقديم٩.
الشبهة الأولى والرد عليها
فيُقال لهم: هذا كلامٌ مجملٌ. تعنون بالمناسبة: الولادة؟ أو المماثلة؟ ونحو ذلك ممّا يجب تنزيه الربّ عنه؟؛ فإنّ الشيء
_________________
(١) ١ سورة الروم، الآية ٣٠. ٢ سورة الأنعام، الآية ٧٩. ٣ في «ط»: كلها. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٤ ليست في «خ»، وهي في «م»، و«ط» . ٥ انظر: الرد على المنطقيين ص ٤٤٨. ٦ ها هنا في «خ» بياض بمقدار سطرين. وقد أُشير إلى ذلك في «م»، و«ط» . ٧ انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠١٤،، ١١٢٠٠، ٢١٨. ٨ المناسبة بين المحِبّ والمحَبّ. ٩ ومثل هذا القول صدرمنهم في الرؤية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنّ مثبتة الرؤية، منهم من أنكر أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤية ربّه؛ قالوا: لأنّه لا مناسبة بين المحدَث والقديم؛ كما ذكر ذلك الأستاذ أبو المعالي الجويني في الرسالة النظاميّة، وكما ذكره أبو الوفاء بن عقيل في بعض كتبه". مجموع الفتاوى ١٠٦٩٥.
[ ١ / ٣٥١ ]
يُنسب إلى أصله بأنّه ابن فلان، وإلى فرعه بأنّه أبو فلان، وإلى نظيره بأنّه مثل فلان. ولمّا سأل المشركون النّبيّ ﷺ عن نسب ربّه١، أنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًَا أَحَد﴾ ٢؛ فلم يخرج من شيء، ولا يخرج منه شيء، ولا له مثل.
فإن عنيتُم هذا، لم نُسلِّم أنّ المحبّة لا بُدّ فيها من هذا. وإن أردتم بالمناسبة أن يكون المحبوب متّصفًا بمعنى يُحبّه المحِبّ، فهذا لازم المحبّة، والربّ متّصفٌ بكل صفةٍ تُحَبّ. وكلّ ما يُحبّ فإنّما هو منه؛ فهو أحقّ بالمحبّة من كلّ محبوب. وإذا كان الإنسان يُحِبّ الملائكة، وهم من غير جنسه، لما اتصفوا به من الصفات الحميدة؛ فالسُبُّوح القُدُّوس ربُّ الملائكة والروح الذي كلّ ما اتّصفت به الملائكة وغيرهم، فهو من جوده وإحسانه، وهو العزيز الرحيم، إذ كان المخلوق كثيرًا ما يتّصف بالعزّة دون الرحمة، أو تكون فيه رحمة بلا عزّة. وهو سبحانه: العزيز، الرحيم، الغفور، الودود، المجيد.
معنى اسم الودود
والودود: فعولٌ من الودّ. وقال شعيب: ﴿إنَّ رَبِّيْ رَحِيْمٌ وَدُوْدٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾ ٤؛ فقرنه بالرحيم في موضع، وبالغفور في موضع.
_________________
(١) ١ قال الطبري: "ذُكِرَ أنّ المشركين سألوا رسول الله ﷺ عن نسب ربّ العزّة، فأنزل الله هذه السورة جوابًا لهم. وقال بعضهم: بل نزلت من أجل اليهود: سألوه، فقالوا له: هذا الله خلق الخلقَ، فمن خلق الله؟ فأنزلت جوابًا لهم". تفسير الطبري ١٥٣٤٢. ٢ سورة الإخلاص ١-٤. ٣ سورة هود، الآية ٩٠. ٤ سورة البروج، الآية ١٤.
[ ١ / ٣٥٢ ]
قال أبو بكر بن١ الأنباري٢: الودود معناه: المحِبّ لعباده؛ من قولهم: وددتُ الرجل أودّه [وُدًّا، ووِدًّا، ووَدًّا] ٣، ويُقال: وددتُ الرجلَ [وَدَادًا، ووِدَادًا، ووَدادةً] ٤.
وقال الخطابي٥: "هو اسمٌ مأخوذٌ من الودّ، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون فعولًا في محلّ مفعول؛ كما قيل: رجل هيوب بمعنى مهيب، وفرس رَكوب بمعنى مركوب. والله سبحانه [وتعالى] ٦ مودودٌ في قلوب أوليائه، لما [يتعرّفونه] ٧ من إحسانه إليهم٨. والوجه الآخر: [أن يكون بمعنى الوادّ] ٩؛ أي أنّه يودُّ عباده الصالحين؛ بمعنى أنّه يرضى عنهم، ويتقبّل أعمالهم١٠. [ويكون] ١١ معناه أن يُودِّدهم إلى خلقه؛ كقوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَُهمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾ ١٢ "١٣.
_________________
(١) ١ في «خ»: ابن. ٢ انظر: كلام ابن الأنباري في تفسير ابن الجوزي؛ زاد المسير ٤١٥٢. وانظر: كذلك تهذيب اللغة للأزهري؛ فقد نقل كلام ابن الأنباري في ١٤٢٣٦. وابن لأنباري هو: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري. تقدمت ترجمته. ٣ ما بين المعقوفتين ضُبطت هكذا في «خ» . ٤ ما بين المعقوفتين ضبطت هكذا في «خ» . ٥ تقدمت ترجمته. ٦ ما بين المعقوفتين ليست في «خ»، ولا في شأن الدعاء للخطابي. وهي في «م»، و«ط» . ٧ كذا في «خ»، وفي شأن الدعاء. وفي «م»، و«ط»: يعرفونه. ٨ في «شأن الدعاء» زيادة: وكثرة عوائده عندهم. ٩ ما بين المعقوفتين في شأن الدعاء هكذا: أن يكون الودّ بمعنى الوادّ. وما أثبت من «خ»، وفي «م»، و«ط»: أن يكون بمعنى الودّ. ١٠ وهذا تأويل للصفة؛ لأنّ المحبّة غير الرضى، وغير قبول الأعمال. ١١ في «شأن الدعاء» للخطابي: وقد يكون. وفرق بين العبارتين؛ فالأولى فسّرت الوجه الآخر، وهذه أتت بمعنى جديد. ١٢ سورة مريم، الآية ٩٦. ١٣ شأن الدعاء للخطابي ص٧٤. وانظر: كلامه في زاد المسير لابن الجوزي ٤١٥٢.
[ ١ / ٣٥٣ ]
الأدلة على أن الله يحب عباده ويحبونه
قلت: قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾ ١ فسّروها بأنّه يُحبُّهم، ويُحبِّبُهم إلى عباده٢؛ كما في الصحيحين عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "إذا أحبَّ اللهُ العبدَ نادى: يا جبريل إنّي أُحِبُّ فلانًا فأحبَّه، فيُحبُّهُ جبريل، ثمّ يُنادى في السماء: إنّ الله يُحِبُّ فلانًا فأحبُّوه، فيُحبُّه أهل السماء، ثمّ يُوضع له القبول في الأرض". وقال في البغض مثل ذلك٣.
وقال عبد [بن] ٤ حُميد٥: أنبأ عبيد الله بن موسى٦، عن ابن أبي
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية ٩٦. ٢ انظر: تفسير الطبري ١١٣٢-١٣٣. وزاد المسير ٥٢٦٦. وانظر: أيضًا مجموع الفتاوى ١٥٢٣٢. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه ٣١١٧٥، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، و٥٢١٤٦، كتاب الأدب، باب الحبّ في الله، و٦٢٧٢١، كتاب التوحيد، باب كلام الربّ مع جبريل، ونداء الله الملائكة. - وفي كلّ هذه المواضع لم يذكر في البُغض مثل ذلك - ومسلم في صحيحه ٤٢٠٣٠، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب إذا أحبّ الله عبدًا حبّبه إلى عباده. ومالك في الموطأ ٢٩٥٣. وأحمد في المسند ٢٥١٤. - وقد ذُكر فيها في البُغض مثل ما ذُكِر في الحبّ -. ٤ في «خ»: ابن بإثبات ألف ابن. ٥ هو عبد بن حميد بن نصر، أبو محمد الكِسِّيّ، اسمه عبد الحميد، فخُفِّف. والكِسِّيّ نسبة إلى بلدة في ما وراء النهر، تُقارب سمرقند، يُقال لها: كِسّ. ويُقال له أيضًا: الكِشِّيّ؛ منسوب إلى كِشّ؛ قرية من قرى جرجان، وإذا أعرب كتب بالسين. ولد عبد بن حميد بعد السبعين ومائة بكِشّ، ونشأ بها، ثمّ رحل وطوّف في البلاد الإسلاميّة للسماع والتلقّي. قال عنه الذهبيّ: كان من الأئمة الثقات. وقال ابن حجر: ثقة حافظ من الحادية عشرة. مات سنة تسع وأربعين. ومن مصنفاته: التفسير، والمسند. انظر: الأنساب للسمعانيّ ١١١٠٨. وسير أعلام النبلاء ١٢٢٣٥. وتذكرة الحفّاظ ٢٥٢٤. وتقريب التهذيب ١٦٤٠. ٦ هو عبيد الله بن موسى بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي، أبو محمد، من التاسعة. مات سنة ٢١٣؟. انظر: الجرح والتعديل ٥٣٣٤. وميزان الاعتدال ٣١٦. وتقريب التهذيب ١٦٤٠.
[ ١ / ٣٥٤ ]
ليلى١، عن الحكم٢، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾ ٣، قال: "يُحبُّهم، ويُحبِّبُهم"٤. ورواه ابن أبي حاتم أيضًا٥.
وقال عبدُ: أخبرني شبّابة٦، عن ورقاء٧، عن ابن أبي نجيح٨، عن مجاهد٩: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾، قال: "يُحبُّهم، ويُحبِّبُهم إلى المؤمنين"١٠.
_________________
(١) ١ ستأتي ترجمته. ٢ هو الحكم بن عتيبة الكندي - بالولاء -، أبو محمد. توفي سنة ١١٣؟. انظر: الجرح والتعديل ٣١٢٣. وتهذيب التهذيب ٢٤٣٣. ٣ سورة مريم، الآية ٩٦. ٤ أخرجها الطبري في تفسيره ١١٣٢. وانظر: زاد المسير ٥٢٦٦. والدر المنثور ٤٢٨٧. ٥ انظر: الدر المنثور ٤٢٨٧. ٦ هو شبابة بن سوار الفزاري، مولاهم أبو عمر المدائني الخراساني. توفي سنة ٢٥٤؟. انظر: الجرح والتعديل ٤٣٩٢. وميزان الاعتدال ٢٢٦٠. ٧ هو ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري، أبو بشر الكوفي. ثقة. انظر: الجرح والتعديل ٩٥٠. وميزان الاعتدال ٤٣٣٢. وتهذيب التهذيب ١١١١٣. ٨ هو عبد الله بن أبي نجيح؛ يسار الثقفي، أبو يسار المكي. توفي سنة ١٠١؟. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن تفسيره: "تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد من أصح التفاسير". مجموع الفتاوى ١٧٤٠٩. ٩ هو مجاهد بن جبر المكي، أبو الحجاج المخزومي. ولد سنة ٢١، وتوفي سنة ١٠٣؟. انظر: الجرح والتعديل ٨٣١٩. وميزان الاعتدال ٣٤٣٩. وتهذيب التهذيب ١٠٤٢. ١٠ تفسير مجاهد - تحقيق عبد الرحمن السورتي - ص ٣٩١. وانظر: تفسير الطبري ١١٣٢.
[ ١ / ٣٥٥ ]
أخبرنا١ عبد الرزاق٢، عن الثوري٣، عن مسلم٤، عن مجاهد، عن ابن عبّاس: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾، قال: محبّةً٥.
وهذا فيه إثبات حبّه لهم، بعد أعمالهم؛ بقوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾، وهو نظير قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوْنَ اللهَ فَاتَّبِعُوْنِيْ يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ٦؛ فهو يُحبُّهم إذا اتّبعوا الرسول. ونظير قوله في الحديث الصحيح: "ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها"٧.
_________________
(١) ١ القائل عبد بن حميد. ٢ هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم الصنعاني. ولد سنة ١٢٦، وتوفي سنة ٢١١؟. انظر: الجرح والتعديل ٦٣٩. وميزان الاعتدال ٢٦٠٩. وتهذيب التهذيب ٦٣١١. ٣ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي. الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث. ولد سنة ٩٧؟، وتوفي سنة ١٦١؟. انظر: الجرح والتعديل ٤٢٢٢. وتاريخ بغداد ٩١٥١. وتهذيب التهذيب ٤١١١. ٤ هو مسلم بن عمران، أو ابن أبي عمران البطين الكوفي. انظر: الجرح والتعديل ٨١٩١. وتهذيب التهذيب ١٠١٣٤. ٥ تفسير القرآن للإمام عبد الرزاق - تحقيق مصطفى مسلم - ٢١٤. وانظر: تفسير الطبري ١١٣٢. والدر المنثور ٤٢٨٧. ٦ سورة آل عمران، الآية ٣١. ٧ أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٣٨٤-٢٣٨٥، كتاب الرقاق، باب قول النبي ﷺ: "بُعثت أنا والساعة كهاتين". وأحمد في مسنده ٦٢٥٦.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وكذلك قوله: ﴿وَأَحْسِنُوْا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِيْنَ﴾ ١. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّاْبِيْنَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِيْنَ﴾ ٢. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِيْنَ﴾ ٣. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِيْنَ يُقَاْتِلُوْنَ فِيْ سَبِيْلِهِ صَفًَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَاْنٌ مَرْصُوْصٌ﴾ ٤.
وهذه الآيات وأشباهها تقتضي أنّ الله يُحِبّ أصحاب هذه الأعمال؛ فهو يُحِبّ التوابين، وإنّما يكونون توّابين بعد الذنب، ففي هذه الحال يُحِبُّهم. وهذا مبنيّ على الصفات الاختياريّة٥، فمن نفاها٦ ردّ هذا كلّه.
من نفى الصفات الاختيارية لهم في المحبة قولان
ولهم٧ قولان: أحدهما: أنّ المحبّة قديمة؛ فهو يُحبّهم في الأزل إذا علِم
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٩٥. ٢ سورة البقرة، الآية ٢٢٢. ٣ سورة التوبة، الآية ٤. ٤ سورة الصف، الآية ٤. ٥ الصفات الاختياريّة: هي الأمور التي يتصف بها الربّ ﷿، فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته؛ مثل كلامه، وسمعه، وبصره، وإرادته، ومحبّته إلخ. فالجهميّة، ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم يقولون: لا يقوم بذاته شيء من الصفات، ولا غيرها. جامع الرسائل ٢٣-٤. ولشيخ الإسلام ﵀ رسالة صغيرة في هذا الموضوع، اسمها: «رسالة في الصفات الاختياريّة» ضمن جامع الرسائل ٢٤-٧٠. وانظر: كلامه أيضًا ﵀ عن مسألة قيام الأفعال الاختياريّة بالله تعالى، وأقوال السلف فيها، ومن أثبتها، أو نفاها في درء تعارض العقل والنقل ٢١٨-٢٤. ٦ قال شيخ الإسلام ﵀: فباب محبّة الله ضلّ فيه فريقان من الناس؛ فريق من أهل النظر والكلام والمنتسبين إلى العلم جحدوها، وكذّبوا بحقيقتها. وفريق من أهل التعبّد والتصوّف والزهد، أدخلوا فيها من الاعتقادات، والإرادات الفاسدة ما ضاهوا بها المشركين". جامع الرسائل ٢٢٤٥. ٧ أي للمتكلّمة الكلابيّة والآشعريّة، ومن وافقهم في نفي الصفات الاختياريّة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
أنّهم يموتون على حالٍ [مرضيّة] ١، ويقولون: إنّ الله يُحِبّ الكفّار في حال كفرهم إذا علم أنّهم يموتون على الإيمان، ويُبغض المؤمن إذا علم أنّه يرتدّ. هذا قول ابن كلاّب٢، ومن [تبعه] ٣. ثمّ منهم من يُفسّر المحبّة بالإرادة٤، ومنهم من يقول: هي صفة زائدة على الإرادة٥. والقول الثاني: يجعلون هذا من باب الفعل؛ فالمحبّة عندهم: إحسانه إليهم،
_________________
(١) ١ ليست في «خ» . وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: الإنصاف للباقلاني ص ٦٩. وذكر الأشعريّ في المقالات قول أصحاب ابن كلاّب "أنّ الله لم يزل راضيًا عمّن يعلم أنّه يموت مؤمنًا، ساخطًا على من يعلم أنّه يموت كافرًا"، وذكر أنّ هذا هو قولهم في الولاية، والعداوة، والمحبّة. مقالات الإسلاميّين للأشعريّ ١٣٥٠. وانظر: المصدر نفسه ٢٢٢٥، ٢٥٥. وقال شيخ الإسلام ﵀ مبيّنًا حال ابن كلاب وعقيدته: "أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، له فضيلة ومعرفة ردّ بها على الجهميّة والمعتزلة نفاة الصفات، وبيّن أنّ الله نفسه فوق العرش، وبسط الكلام في ذلك. ولم يتخلّص من شبهة الجهميّة كلّ التخلّص، بل ظنّ أنّ الربّ لا يتصف بالأمور الاختياريّة التي تتعلّق بقدرته ومشيئته؛ فلا يتكلّم بمشيئته وقدرته، ولا يُحب العبد ويرضى عنه بعد إيمانه وطاعته، ولا يغضب عليه ويسخط بعد كفره ومعصيته، بل محبًا راضيًا، أو غضبان ساخطًا على من علم أنّه يموت مؤمنًا أو كافرًا. ولا يتكلّم بكلام بعد كلام ". مجموع الفتاوى ٧٦٦٢. وانظر: المصدر نفسه ٨٣٤٠-٣٤٣. ٣ في «خ»: اتبعه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: مشكل الحديث وبيانه لابن فورك ص ٣٣٢. وانظر: الإنصاف للباقلاني ص ٦٩. وجامع الرسائل ٢٢٣٧. ومجموع الفتاوى ١٠٦٩٧. ٥ انظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص ٣٧. وإيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لابن جماعه ص ١٣٩، ١٤٣-١٤٤. وتأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه للسيوطي ص ١٢٠. وانظر: أيضًا مجموع الفتاوى لابن تيمية ٨٣٤٠-٣٤١.
[ ١ / ٣٥٨ ]
والإحسان عندهم ليس فعلًا قائمًا به، بل بائنًا عنه١.
والكتاب، والسنّة، وأقوال السلف والأئمة، والأدلة العقليّة إنّما تدلّ على القول الأوّل٢، كما قد بُسط في غير هذا الموضع٣؛ إذ المقصود هنا [ذِكرُ اسمه (الودود)، والأكثرون على ما ذكره] ٤ ابن الأنباري٥، وأنّه فعولٌ بمعنى فاعل؛ أي هو الوادُّ، كما قرنه بالغفور؛ وهو الذي يغفر، وبالرحيم؛ وهو الذي يرحم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي٦، ثنا عيسى بن جعفر؛ قاضي الريّ٧، ثنا سفيان في قوله: ﴿إَنَّ رَبِّيْ رَحِيْمٌ وَدُوْدٌ﴾ ٨، قال: مُحِبّ. وقال٩:
_________________
(١) ١ انظر: الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز للعز بن عبد السلام ص ١٤٤- ١٤٥ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي١١٥٠. وانظر: جامع الرسائل ٢٢٣٧. ٢ القول الأوّل: هو تفسير الودود بأنّه المُحِبّ لعباده. وليس المراد به القول الأول من أقوال المؤوّلة لصفة المحبّة - والذي تقدّم آنفًا -. ٣ انظر: من كتب شيخ الإسلام: قاعدة في المحبّة - ضمن جامع الرسائل ٢١٩٣-٤٠١. ومجموع الفتاوى ٨٣٣٧، ٣٧٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٦٦٢-٦٥. ٤ ما بين المعقوفتين ساقط من «ط» . وهي في «خ»، و«م» . ٥ انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٤١٥٢. ٦ هو محمد بن إدريس بن المنذر بن داود، أبو حاتم الرازي الحنظلي. الإمام الحافظ شيخ المحدثين. انظر: الجرح والتعديل ١٣٤٩-٣٧٥. وسير أعلام النبلاء ١٣٢٤٧. وشذرات الذهب ٢١٧١. ٧ انظر: ترجمته في الجرح والتعديل ٦٢٧٣. ٨ سورة هود، الآية ٩٠. ٩ أي ابن أبي حاتم.
[ ١ / ٣٥٩ ]
قُرئ على يونس١: ثنا ابن وهب٢، قال: وقال ابن زيد٣: قوله: (الودود)، قال: الرحيم. وقد ذَكَرَ٤ فيه [قولين] ٥؛ القول الأوّل رواه من تفسير الوالبي٦
_________________
(١) ١ هو يونس بن حبيب بن عبد القاهر بن عبد العزيز الأصبهاني، أبو بشر. توفي سنة ٢٦٧؟. قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه بأصبهان وهو ثقة. انظر: الجرح والتعديل ٩٢٣٧. أو: يونس بن راشد الجزري، أبو إسحاق الحراني القاضي. انظر: الجرح والتعديل ٩٢٣٩. وميزان الاعتدال ٤٤٨٠. وتهذيب التهذيب ١١٤٣٩. ٢ هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، مولاهم، أبو محمد المصري. توفي سنة ١٩٨؟. انظر: الجرح والتعديل ٥١٨٩. وتهذيب التهذيب ٦٧١. ٣ هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم، المدني. توفي سنة ١٨٢؟. انظر: الجرح والتعديل ٥٢٣٣. وميزان الاعتدال ٢٥٦٤. وتهذيب التهذيب ٦١٧٧. ٤ أي ابن أبي حاتم. والظاهر أنّه ذكر هذين القولين في تفسيره، ولكن لم يُطبع منه إلا الأجزاء الأولى. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٦ هو علي بن أبي طلحة؛ سالم بن مخارق الوالبي. قال عنه الذهبي: "أخذ تفسير ابن عباس عن مجاهد، فلم يذكر مجاهدًا، بل أرسله عن ابن عباس". مات سنة ١٢٣ هـ. صنّف تفسير القرآن. وطريقه عن ابن عباس من أجود الطرق، قال عنه الإمام أحمد ﵀: (إنّ بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجلٌ فيها إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا) . انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٣١٣٤. وتهذيب التهذيب لابن حجر ٧٣٣٩. والاتقان للسيوطي ٢١٨٨. والتفسير والمفسرون للذهبي - المعاصر - ١٧٧. وتفسير الوالبي نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مرارًا في كتبه بهذا الاسم. انظر: على سبيل المثال: درء تعارض العقل والنقل ٨٤٧٨، ٤٨٠. وشرح حديث النزول ص ٣١٢. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ص ٣٨٠. ومنهاج السنة النبوية ٢١٨٦، ٥١٣٦، ١٣٩، ٢٩٠. وجامع الرسائل والمسائل ٤-٥٣٤٠. وأخذ عنه في هذا الكتاب - النبوات - عدّة مرات. ولقب الوالبي يشترك فيه ثلاثة أشخاص، كلهم يروي عن ابن عباس ﵄، وكلهم من المفسرين؛ أولهم: سعيد بن جبير الأسدي الوالبي مولاهم، الكوفي. قال عنه ابن حجر: ثقة. قتله الحجاج سنة ٩٥؟. انظر: تقريب التهذيب ١٢٩٢. وحلية الأولياء ٤٢٧٢. وثانيهم: أبو خالد هرمز مولى بني والبة، من بني أسد، من أهل الكوفة. ثقة، مات سنة ١٠٠؟ انظر: طبقات ابن سعد ٦٢٢٨. وتهذيب التهذيب ١٢٨٣-٨٤. والثالث: علي بن أبي طلحة؛ سالم بن مخارق الوالبي؛ كما صرّح باسمه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، مبيِّنًا أنّه هو المقصود، وقال عنه: إنه لم يسمع التفسير عن ابن عباس. انظر: جامع الرسائل والمسائل ٤-٥٥٤٠. وشرح الأصفهانية ١٣٨٠.
[ ١ / ٣٦٠ ]
عن ابن عباس قوله: (الودود)، قال: الحبيب١. والثاني: قول ابن زيد: الرحيم٢. وما ذكره الوالبي [أنّه] ٣ الحبيب، قد يُراد به المعنيان؛ أنّه يُحِبُّ، ويُحَبُّ٤؛ فإنّ الله يُحب من يحبه، وأولياؤه يُحبهم ويُحبُّونه.
_________________
(١) ١ رواه الطبري في تفسيره عن ابن عباس ١٥١٣٨، عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾ . وانظر: صحيح البخاري ٤١٨٨٥، كتاب التفسير، باب تفسير سورة البروج؛ فإنّه ذكره عن ابن عباس. وانظر: أيضًا فتح القدير للشوكاني ٥٤١٧. ٢ رواه الطبري في تفسيره عن ابن زيد ١٥١٣٩ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾، وانظر: تفسير القرطبي ١٩١٩٥. وفتح القدير للشوكاني ٥٤١٣. ٣ ما بين المعقوفتين ساقط من «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٤ قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية ٢٨٩ - شرح الهراس -: وهو الودود يُحِبّهم ويُحبُّهُ أحبابه والفضل للمنّان وهو الذي جعل المحبّة في قلوبهم وجازاهم بحب ثان وانظر: توضيح المقاصد - شرح ابن عيسى - ٢٢٣٠. وبدائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن القيم ﵀ ٥١٧٢ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾ . وانظر: كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١١٩٨.
[ ١ / ٣٦١ ]
والبغويّ ذكر الأمرين، فقال: وللودود معنيان؛ [أنّه] ١ يُحِبّ المؤمنين، وقيل: هو بمعنى المودود؛ أي محبوب المؤمنين٢.
وقال٣ أيضًا في قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾ ٤: أي المحبّ لهم، وقيل: معناه المودود؛ كالحَلُوب، والرَّكوب؛ بمعنى المحلوب والمركوب، وقيل: يغفر، ويودّ أن يغفر، وقيل: المتودّد إلى أوليائه بالمغفرة٥.
قلت: هذا اللفظ معروفٌ في اللغة أنّه بمعنى الفاعل٦؛ كقول النبيّ [ﷺ]: "تزوّجوا الودود الولود"٧. وفعول بمعنى فاعل كثيرٌ؛ كالصبور، والشكور، وأمّا بمعنى مفعول، فقليلٌ. وأيضًا: فإنّ سياق القرآن يدلّ على
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: أن. ٢ تفسير البغوي ٢٣٩٩. ٣ أي البغويّ. ٤ سورة البروج، الآية ١٤. ٥ تفسير البغوي ٥٤٧١. ٦ انظر: اشتقاق أسماء الله ص ١٥٢ لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي؛ فإنه قال: "الودود فيه قولان: أحدهما: أنّه فعول بمعنى فاعل؛ كقولك غفور بمعنى غافر، وكما قالوا: رجل صَبور بمعنى صابر، وشَكور بمعنى شاكر؛ فيكون الودود في صفات الله تعالى ﷿ على هذا المذهب أنّه يودّ عباده الصالحين ويُحبّهم. والودّ، والمودّة، والمحبّة في المعنى سواء؛ فالله ﷿ ودودٌ لأوليائه والصالحين من عباده، وهو محبّ لهم. والقول الآخر: أنّه فعول بمعنى مفعول؛ كما يُقال: رجلٌ هَيوب؛ أي مهيب؛ فتقديره: أنّه ﷿ مودودٌ؛ أي يودّه عباده ويحبّونه. وهما وجهان جيّدان". اشتقاق أسماء الله لأبي القاسم الزجاجي ص ١٥٢. وانظر: تفسير الأسماء للزجاج ص ٥٢. ٧ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣١٥٨، ٢٤٥. ورواه ابن حبان في صحيحه وصححه في كتاب النكاح، باب ما جاء في التزويج واستحبابه، رقم ١٢٢٨. ورواه سعيد بن منصور في سننه ١١٣٩، باب الترغيب في النكاح.
[ ١ / ٣٦٢ ]
أنّه١ أراد أنّه هو الذي يودّ عباده؛ كما أنّه هو الذي يرحمهم ويغفر لهم؛ فإنّ شعيبًا قال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوْا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوْبُوْا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّيْ رَحِيْمٌ وَدُوْدٌ﴾ ٢؛ فذكر رحمته وودّه؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٣. وهو أراد وصفًا يُبيّن لهم أنّه سبحانه يغفر الذنب، ويُقبل على التائب؛ وهو كونه وَدودًا؛ كما قال: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّاْبِيْنَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِيْنَ﴾ ٤. وقد ثبت في الصحاح من غير وجهٍ عن النبيّ [ﷺ] أنّ الله يفرح بتوبة التائب أشدّ من فرح من فقد راحلته بأرضٍ دَوِّيَّةٍ٥ مُهلكة، ثمّ وجدها بعد اليأس٦.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط» زيادة كلمة (صح) بعد: أنّه، وهي ليست في «خ» . ولا وجه لإثباتها. ٢ سورة هود، الآية ٩٠. ٣ سورة الروم، الآية ٢١. ٤ سورة البقرة، الآية ٢٢٢. ٥ الأرض الدويّة: هي الأرض القفر، والفلاة الخالية. قال الخليل: هي المفازة، قالوا: ويُقال: دوية، وداوية: مهلكة: هي موضع خوف الهلاك. ويُقال لها مفازة، قيل: إنّه من قولهم: فوز الرجل إذا هلك. وقيل: على سبيل التفاؤل بفوزه ونجاته منها؛ كما يُقال للّديغ: سليم. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٢١٤٣، ٥٢٧١. وشرح النووي على صحيح مسلم ١٧٦١. ٦ يُشير ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما، ولفظه: "لله أشدّ فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجلٍ في أرضٍ دوّيّة مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت. فطلبها، حتى أدركه العطش، ثمّ قال: أرجع إلى مكاني الذي كنتُ فيه، فأنام حتى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، وعليها زاده وطعامه وشرابه. فالله أشدّ فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده" الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٣٢٤-٢٣٢٥، كتاب الدعوات، باب التوبة. ومسلم في صحيحه ٤٢١٠٢-٢١٠٣، كتاب التوبة، باب في الحضّ على التوبة والفرح بها. ومسند الإمام أحمد ٣٨٣؛ كلهم أخرجوه بألفاظ متقاربة.
[ ١ / ٣٦٣ ]
فهذا الفرح منه بتوبة التائب يُناسب محبّته له، ومودّته له. وكذلك قوله في الآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾ ١، فإنّه مثل قوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيْم الْغَفُوْرُ﴾ ٢.
وأيضًا: فإنّ كونه مودودًا؛ أي محبوبًا، يُذكر على الوجه الكامل الذي يتبيّن اختصاصه به؛ مثل: [اسم] ٣ الإله؛ فإنّ الإله: المعبود هو مودودٌ بذلك، ومثل اسمه الصمد، ومثل ذي الجلال والإكرام، ونحو ذلك٤.
وكونه مودودًا ليس بعجيب، وإنّما العجب: جوده، وإحسانه؛ فإنّه يتودّد إلى عباده، كما جاء في الأثر: "يا عبدي! كم أتودّد إليك بالنّعم، وأنت تتمقّت إليّ بالمعاصي، ولا يزال مَلَكٌ كريم يصعد إليّ منك بعمل سيء"٥. وفي
الصحيحين عن النبيّ [ﷺ] أنّه قال: يقول الله تعالى: "من
_________________
(١) ١ سورة البروج، الآية ١٤. ٢ سورة سبأ، الآية ٢. ٣ في «ط»: الاسم. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٤ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهو سبحانه يحب عباده الذين يحبونه، والمحبوب لغيره أولى أن يكون محبوبًا. فإذا كنّا إذا أحببنا شيئًا لله كان الله هو المحبوب في الحقيقة، وحبّنا لذلك بطريق التبع. وكنّا نحب من يحب الله لأنّه يُحب الله، فالله تعالى يُحبّ الذين يحبونه؛ فهو المستحق أن يكون هو المحبوب المألوه المعبود، وأن يكون غاية كل حب". درء تعارض العقل والنقل ٤١٥. وانظر: أيضًا المصدر نفسه - عن المحبّة - ٩٣٧٤-٣٧٦،، ٦٧٢-٧٣. وجامع الرسائل ٢٢٥٤. ٥ روى أبو نعيم الأصبهاني عن مالك بن دينار أنّه قال: "قرأت في بعض الكتب أنّ الله تعالى يقول: يا ابن آدم خيري ينزل عليك، وشرّك يصعد إليّ، وأتحبّب إليك بالنّعم، وتتبغّض إليّ بالمعاصي، ولا يزال ملك كريم قد عرج منك إليّ بعمل قبيح". حلية الأولياء ٢٣٥٨. وانظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ١١٩٤. وإثبات صفة العلو لابن قدامه ص ١١٣وقال محققه: إسناده ضعيف لجهالة الشيخ القرشي. وأورده الذهبي من طريق ابن أبي الدنيا ص ٩٧ وقال: إسناده مظلم. وانظر: اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص ٢٦٨، فقد ذكر أنّ هذا الأثر رواه ابن أبي الدنيا.
[ ١ / ٣٦٤ ]
تقرّب إليّ شبرًا تقرّبتُ إليه ذراعًا، ومن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبتُ إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة"١.
وجاء في تفسير اسمه الحنّان، المنّان: أنّ الحنّان: الذي يُقبل على من أعرض عنه.
معنى الحنان والمنان
والمنّان: الذي يجود بالنوال قبل السؤال٢.
وأيضًا: فمبدأ الحبّ والودّ منه، لكن اسمه الودود يجمع المعنَيَيْن؛ كما قال الوالبيّ عن ابن عبّاس: أنّه الحبيب٣؛ وذلك أنّه إذا كان يودّ عباده، فهو مستحقٌ لأن يودّه العباد بالضرورة. ولهذا من قال إنّه يُحبّ المؤمنين، قال: إنّهم يُحِبّونه؛ فإنّ كثيرًا من النّاس يقول إنّه محبوب، وهو
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦٢٧٤١، كتاب التوحيد، باب ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه، و٦٢٦٩٤، كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿ويُحذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [سورة آل عمران ٢٨]، باختلاف يسير في بعض الألفاظ. ومسلم في صحيحه ٤٢٠٦٧-٢٠٦٨، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الذكر والدعاء. وأحمد في مسنده ٢٤١٣، ٣٤٠، ١٢٢. ٢ قال الأزهريّ في تهذيب اللغة ١٥٤٧١: "ومن صفات الله تعالى: المنّان؛ ومعناه: المعطي ابتداءً. ولله المنّة على عباده، ولا منّة لأحدٍ منهم عليه". وانظر: أيضًا شأن الدعاء للخطّابيّ ص ١٠٠. وهذا الأثر أورده القرطبي بدون عزو في كتاب: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى - مخطوط - ق ٧٠أ. وفيه: أنّ أكينة بن عبد الله التميمي سمع علي بن أبي طالب يقول وقد سئل عن الحنّان المنّان، فذكره وانظر: شرح حديث النزول لابن تيمية ص ٤٥٣، تعليق المحقق رقم ١٣، والفتاوى ٥٥٧٣، و١٦٢١٧. ٣ انظر: تفسير الطبريّ ١٥١٣٩.
[ ١ / ٣٦٥ ]
لا يُحِبّ شيئًا مخصوصًا، لكن محبّته بمعنى مشيئته العامّة١. ومن النّاس من قال: أنّه لا يُحَبّ، مع أنّه يُثبت محبّته للمؤمنين.
القسمة في المحبة رباعية
فالقسمة في المحبّة رباعيّة؛ فالسلف وأهل المعرفة أثبتوا النوعين؛ قالوا: إنّه يُحِبّ، ويُحَبّ. والجهميّة والمعتزلة تُنكر الأمرين٢. ومن النّاس من قال: إنّه يُحبّه المؤمنون، وأمّا هو، فلا يُحبّ شيئًا دون شيء. ومنهم من عكس فقال: بل هو يُحبّ المؤمنين، مع أنّ ذاتَه لا يُحَبّ٣؛ كما
_________________
(١) ١ ومن هؤلاء: غلاة الصوفيّة؛ فإنّهم يعتقدون أنّه ليس في مشهدهم لله محبوبٌ، مرضيّ، مرادٌ إلا ما يقع، فما وقع فالله يُحِبّه ويرضاه، وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه. فمشيئة الله العامّة التي تقع كلّها محبوبة له، يُريدها، ويرضى عنها كما زعموا. انظر: رسالة الاحتجاج بالقدر لابن تيمية ص ٨٠-٨١. ومن هؤلاء: الأشاعرة، ومن وافقهم؛ فإنّه لما ثبت عندهم أنّ المشيئة، والإرادة، والمحبّة، والرضى كلّها بمعنى واحد - على حدّ زعمهم، قالوا: فالمعاصي والكفر كلها محبوبة لله؛ لأنّ الله شاءها وخلقها. انظر: رسالة الاحتجاج بالقدر لابن تيمية ص ٦٧. ومدارج السالكين لابن القيم ١٢٢٨، ٢٥١، ٢١٨٩. ولازم هذا القول: أنّ الله - تعالى عن ذلك - يُحِبّ الكفر والمعاصي. انظر: الرسالة الأكملية - ضمن مجموع الفتاوى ٦١١٥-١١٦ -. ٢ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٦٦٢-٦٦. وجامع الرسائل ٢٢٤٥. ومجموع الفتاوى ٨٣٥٦. ٣ وقد بيّن شيخ الإسلام ﵀ بطلان هذا القول، وذكر أنّ المحبوبات على قسمين، فقال: "المحبوبات على قسمين: قسمٌ يُحبّ لنفسه، وقسمٌ يُحب لغيره. إذ لا بُدّ من محبوبٍ يُحبّ لنفسه. وليس شيء شُرع أن يُحبّ لذاته إلا الله تعالى. وكذلك التعظيم لذاته، تارة يُعظّم الشيء لنفسه، وتارة يعظّم لغيره. وليس شيء يستحق التعظيم لذاته إلا الله تعالى. وكلّ ما أمر الله أن يُحَبّ ويُعظّم، فإنّما محبّته لله وتعظيمه عبادة لله؛ فالله هو المحبوب المعظَّم في المحبّة والتعظيم، المقصود المستقر الذي إليه المنتهى ". جامع الرسائل - قاعدة في المحبّة - ٢٢٨٧.
[ ١ / ٣٦٦ ]
يقولون أنّه يَرحَم، ولا يُرحَم. فإذا قيل: إنّ الودود بمعنى الوادّ، لزم أن يكون مودودًا، بخلاف العكس. فالصواب القطع بأنّ الودود هو الذي يُوَدّ، وإن كان ذلك مُتَضَمَّنًَا؛ لأنّه يستحقّ أن يُوَدّ، ليس هو بمعنى الودود فقط.
ولفظ الوِداد بالكسر هو مثل الموادّة والتوادّ، وذاك يكون من الطرفين؛ كالتحابّ. وهو سبحانه لمّا جَعَلَ بين الزوجين مودّة ورحمة، كان كلّ منهما يودّ الآخر ويرحمه.
وهو سبحانه كما ثبت في الحديث الصحيح أرحم بعباده من الوالدة بولدها١، وقد بيّن الحديث الصحيح أنّ فرحه بتوبة التائب أعظم من فرح الفاقد ماله ومركوبه في مهلكة، إذ أوجدهما بعد اليأس٢. وهذا الفرح [يقتضي] ٣ أنّه أعظم مودّة لعبده المؤمن من المؤمنين بعضهم لبعض. كيف، وكلّ وُدِّ في الوجود فهو من فعله. فالذي جعل الودّ في القلوب هو أولى بالودّ؛ كما قال ابن عبّاس، ومجاهد، وغيرهما٤ في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾ ٥؛ قال: يُحِبّهم، ويُحَبِّبهم٦. وقد دلّ الحديث
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٢٣٥، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته. ومسلم في صحيحه ٤٢١٠٩، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنّها سبقت غضبه. وابن ماجه في السنن ٢١٤٣٦، كتاب الزهد، باب ما يُرجى من رحمة الله يوم القيامة. وأبو داود في سننه ٣٤٦٩، كتاب الجنائز، باب الأمراض المكفرة للذنوب. ٢ سبق تخريجه في ص ٤٢٥. ٣ في «خ»: تقتضي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سبق نقل كلامهم قريبًا، ص ٤١٥-٤١٧. ٥ سورة مريم، الآية ٩٦. ٦ تقدّم ص ٤١٧.
[ ١ / ٣٦٧ ]
الذي في الصحيحين١ على أنّ ما يجعل من المحبّة في قلوب النّاس هو بعد أن يكون هو قد أحبّه، وأمر جبريل أن يُنادي بأنّ الله يُحبّه. فنادى جبريل في السماء أنّ الله يُحِبّ فلانًا فأحبّوه٢. وبسط هذا له موضعٌ آخر٣.
وفي مناجاة بعض الداعين: ليس العجب من حبّي لك مع حاجتي إليك، العجب من حبّك لي مع غناك عنّي٤.
وفي أثرٍ آخر: يا عبدي! وحقّي إنّي لك محبّ، فبحقّي عليك كن لي محبًّا٥.
ورُوِيَ: يا داود حبّبني إلي عبادي، وحبّب عبادي إليّ؛ مرهم بطاعتي فأحبّهم، وذكّرهم آلائي فيُحبّوني؛ فإنّهم لا يعرفون منّي إلا الحسن الجميل٦.
وهو سبحانه كما قال؛ كلّ ما خلقه، فإنّه من نعمه على عباده. ولهذا يقول: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَاْ تُكَذِّبَاْن﴾ ٧. والخير بيديه، لا يأتي بالحسنات إلا
_________________
(١) ١ وهو قوله ﵇: " إذا أحبّ الله عبدًا.." الحديث. ٢ سبق تخريج هذا الحديث ص ٤١٤. ٣ انظر: قاعدة في المحبّة - ضمن جامع الرسائل ٢٢٨٧ -. ٤ انظر: حلية الأولياء لأبي نعيم ١٠٣٤؛ عن أبي يزيد البسطامي. ٥ قال أبو حامد الغزالي: "وفي بعض الكتب: عبدي! أنا - وحقّك - لك محبّ، فبحقّي عليك كن لي محبًّا". إحياء علوم الدين ٤٢٧٤. ٦ انظر: إحياء علوم الدين ٤١٣٨. وقال محقّقه: "الحديث لم أجد له أصلًا، وكأنّه من الإسرائيليّات". وانظر: كتاب تصفية القلوب لليماني الذمار ص ٢٩٨-٢٩٩. وقال محقّقه: "رواه ابن حبان من حديث أبي هريرة". ولم أقف عليه في صحيح ابن حبان. ٧ سورة الرحمن، وردت في آيات كثيرة.
[ ١ / ٣٦٨ ]
هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا حول ولا قوّة إلا به، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه.
وودّه سبحانه هو لمن تاب إليه وأناب إليه؛ كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِيْنَ آمَنُوْا وَعَمِلُوْا الصَّاْلِحَاْتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾ ١، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّاْبِيْنَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِيْنَ﴾ ٢؛ فلا يستوحش أهل الذنوب، وينفرون منه كأنّهم حمرٌ مستنفرة؛ فإنّه ودودٌ رحيمٌ بالمؤمنين، يُحبّ التوابين، ويُحبّ المتطهّرين.
ولهذا قال شعيب: ﴿وَاسْتَغْفِرُوْا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوْبُوْا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّيْ رَحِيْمٌ وَدُوْدٌ﴾ ٣، وقال هنا: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾ ٤؛ فذكر (الودود) في الموضعين لبيان مودّته للمذنب إذا تاب إليه، بخلاف القاسي الجافي الغليظ الذي لا ودّ فيه.
الشبهة الثانية لمن ينكر المحبة
والحجّة الثانية لهم: قالوا: إنّ الإرادة والمحبّة لا تتعلّق إلا بمعدومٍ يُراد فعله؛ فإنّه لو جاز أن يُراد الموجود، وأن يُراد القديم، لجاز أن يكون العالَم قديمًا مع كونه مُرادًا مقدورًا؛ كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة٥؛ فإنّ القائلين أنّه موجب بذاته والعالَم قديم؛ منهم من يصفه
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية ٩٦. ٢ سورة البقرة، الآية ٢٢٢. ٣ سورة هود، الآية ٩٠. ٤ سورة البروج، الآية ١٤. ٥ انظر: كلام الفلاسفة في هذا الموضوع في: قاعدة في المحبة - ضمن جامع الرسائل ٢٣٩٧-٣٩٨ -. والجواب الصحيح ٦٢٢-٤٥. ومجموع الفتاوى ٧٥٨٦-٥٩٧.
[ ١ / ٣٦٩ ]
بالإرادة؛ كأبي البركات١، وغيره؛ قالوا: ومن المعلوم بالاضطرار للعقلاء إذ قالوا: هذا الأمر حصل بالإرادة أن يكون محدَثًا، كائنًا بعد أن لم يكن، ولهذا لا يجوز أن يُقال إنّ قدرته ومشيئته تعلّقت بوجوده، ولا ببقائه، ولا بكونه حيًّا، ومن قال إنّ صفاته قديمة الأعيان، لا يقول إنّ كلامه وإرادته حصلت بإرادته وقدرته.
فيقال: هذا الذي قالوه، صحيحٌ. لكن هنا نوعان؛
أحدهما: إرادة أن يفعل الشيء ويكون. فهذه لا تكون إلا مع حدوثه.
والثانية: محبّة نفس ذاته، من غير أن يفعل في الذات شيء. فهذه التي تتعلّق بالموجود، والباقي، والقديم. وإرادة الفعل تابعة لهذه؛ فإنّه لولا أن تكون الإرادة متعلّقة بنفس الشيء الموجود، امتنع أن يراد إيجاده؛ فإنّ من أراد [أن] ٢ يبنيَ بيتًا ليسكنه، إنّما مراده نفس البيت لسكناه والانتفاع، وإنّما البناء وسيلة إلى ذلك. لولا إرادة الغاية المقصودة بالذات لم تُرد الوسيلة. وإذا بناه، فهو مريد له بعد البناء، ولهذا يكره خرابه وزواله. وكذلك من أراد أن يلبس ثوبًا، فلبسه، فهو في حال اللبس مريدٌ له. فمن أراد إحداث أمر وفعله، كانت إرادة فعله لغاية مقصودة بعد الفعل، هي العلّة [الغائيّة] ٣.
_________________
(١) ١ هو أبو البركات، هبة الله بن علي بن ملكا البلدي. قال عنه الذهبي: "العلامة الفيلسوف، شيخ الطب، أوحد الزمان". وكان يهوديًا، وأسلم في آخر عمره. ولد نحو سنة ٤٨٠؟، وتوفي سنة ٥٦٠؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠٤١٩. والأعلام ٨٧٤. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين في «ط»: الغائبة. وما أثبت من «خ»، و«م» . والعلّة الغائيّة هي: ما يوجد الشيء لأجله. انظر: التعريفات للجرجاني ص ٢٠٢. والمبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص ١٢٣. ومعيار العلم في فنّ المنطق للغزالي ص ٣١٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالعلة الغائية متقدّمة في التصوّر والإرادة، وهي متأخرة في الوجود؛ فالمؤمن يقصد عبادة الله ابتداءً، وهو يعلم أنّ ذلك لا يحصل إلا بإعانته، فيقول: ﴿إِيَّاْكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاْكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ . مجموع الفتاوى ١٠٢٨٤. وانظر: المصدر نفسه ٨١٨٧. ودرء تعارض العقل والنقل ١٣٢٩-٣٣٠.
[ ١ / ٣٧٠ ]
والفعل المطلوب لغاية، لفاعله إرادتان: إرادة الفعل، وإرادة الغاية. وهذه١ هي الأصل، وتلك٢ تبعٌ لهذه.
والإرادة إرادة لا تتعلّق بالمعدوم من جهة كونه معدومًا، بل تتعلّق بوجود الفعل، لكن يمتنع أن يراد فعله إلا إذا كان معدومًا٣.
فالعدم شرطٌ في إرادة فعله، ولهذا جُعل من جملة علل الفعل.
ولهذا كان جماهير العقلاء مطبقين على أنّ كلّ مفعولٍ فهو حادث، وكلّ ما أريد أن يُفعل فإنّه يكون حادثًا، وكلّ ما تعلّقت المشيئة والقدرة بفعله فهو حادث.
ثمّ من النّاس من يقول: هذا مختصّ بكونه مفعولًا بالاختيار، وإلا إذا كان معلولًا لعلّة موجبة، لم يلزم حدوثه.
وهو غلط. بل كلّ ما فُعل، فلا يكون إلا مُحدَثًا؛ سواءٌ كان ذلك ممكنًا، أو ممتنعًا. بل نفس كونه مفعولًا مستلزمٌ حدوثه، ونفس تصوّر
_________________
(١) ١ أي إرادة الغاية. ٢ أي إرادة الفعل. ٣ انظر: قاعدة في المحبة - ضمن جامع الرسائل ٢٣٩٨ -.
[ ١ / ٣٧١ ]
العلم بكونه مفعولًا يوجب العلم بحدوثه، وإن لم يخطر بالبال كونه مفعولًا بالقدرة والاختيار١.
ثمّ قد يُقال: ما من مفعول إلا وهو مفعولٌ بالاختيار. والقديم إذا قُدّر فاعلًا بلا مشيئة، كان ذلك ممتنعًا. والموجب بالذات إذا قيل هو موجب بذاته المتصفة بمشيئته وقدرته لما يشاؤه، و[هذا] ٢ حقّ، وهو مستلزمٌ لكونه فاعلًا بمشيئته وقدرته. وأمّا موجب بلا مشيئة، أو موجب يُقارنه موجب، فهذان باطلان، وبهما ضلّ من ضلّ من االمتفلسفة القائلين بقدم الفلك ونفي الصفات. ولكن: من أراد إحداث شيء وأحدثه، لم يجب أن تنقطع إرادته، بل قد يكون مريدًا له ما دام موجودًا، ولولا أنّه مريد لوجوده لما فعله. فكلّ ما شاء الله وجوده، فهو مريد إحداثه وبقاءه ما دام باقيًا. وأمّا الإرادة والمحبّة المتعلّقة بالقديم: فليست إرادة فعل فيه، بل هي محبّة ذاته. وكلّ إرادة ومحبّة، فلا بُدّ أن تنتهي إلى محبوبٍ لذاته. وكلّ فاعل بالإرادة، فإرادته تستلزم محبّة عامّة لأجلها فعل٣.
فالحبّ أصل وجود كلّ موجود، والربّ تعالى يُحبّ نفسه. ومن لوازم [حبّه] ٤ نفسه: أنّها محبّة مريدة لما يريد أن يفعله، وما أراد فعله، فهو يريده لغاية يُحبّها؛ فالحبّ هو العلّة الغائيّة التي لأجله كان كلّ شيء.
_________________
(١) ١ انظر: مختصر الصواعق لابن الموصلي ٢١١٦. ٢ في «خ»: ولهذا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر: قاعدة في المحبّة - ضمن جامع الرسائل ٢٤٠١ -. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٧٢ ]
الفلاسفة يصفون الله بالابتهاج والفرح
والمتفلسفة يصفونه بالابتهاج و[الفرح] ١؛ كما جاءت به النصوص النبويّة، لكنّهم يُقصّرون في معرفة هذا وأمثاله من الأمور الإلهيّة؛ فإنّهم يقولون: اللّذّة إدراك الملائم من حيث هو ملائم، وهو مدرك لذاته بأفضل إدراك٢؛ فهو أفضل مدرِك لأفضل مدرَك بأفضل [إدراك] ٣.
تقصير الفلاسفة في ذلك من ثلاثة أوجه
وقد قصّروا في ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّ اللّذّة والفرح والسرور والبهجة ليس هو مجرّد الإدراك، بل هو حاصل عقب الإدراك؛ فالإدراك موجب له، ولا بُدّ في وجوده من محبّة. فهنا ثلاثة أمور: محبّة، وإدراك لمحبوب، ولذّة تحصل بالإدراك. وهذا في اللّذّات الدنيويّة الحسيّة وغيرها؛ فإنّ الإنسان يشتهي الحلو ويُحبّه، فإذا ذاقه التذّ بذوقه، والذوق هو الإدراك٤. وكذلك في لذّات قلبه يُحِبّ الله؛ فإنّه إذا ذكره، وصلّى له، وجد حلاوة ذلك؛ كما قال ﷺ: "جُعِلَتْ قُرّة عيني في الصلاة"٥.
وأهل الجنّة إذا تجلّى لهم، فنظروا إليه، قال: فما أعطاهم شيئًا أحبّ إليهم من النّظر إليه٦.
_________________
(١) ١ في «خ»: الفرج. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: المباحث المشرقية في علم الإلهيّات والطبيعيّات للرازي ١٥١٣-٥١٤. ٣ في «خ»: ادرك. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: المباحث المشرقية للرازي ١٥١٤؛ فقد ذكر نحوًا من كلام شيخ الإسلام هذا. ٥ الحديث رواه أحمد في المسند ٣١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥. والنسائي ٧٦١ في عشرة النساء، باب حبّ النساء. والحاكم في المستدرك ٢١٦٠، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ من حديث أنس. ٦ هو جزء من حديث سبق تخريجه ص ٣٩٨.
[ ١ / ٣٧٣ ]
والله أعلم١٢.
_________________
(١) ١ وانظر: أقسام النّاس في مقاصد العبادات - سيّما الفلاسفة - في: الجواب الصحيح ٦٣٧-٤١. وجامع الرسائل ٢٢٥١-٢٥٢. ومجموع الفتاوى ٧٥٣٦. ٢ كتب الناسخ عند نهاية هذا الكلام: آخر المجلد الحادي والعشرين من بعد المائة الملحق بالكواكب الدراري، ولله الحمد والمنّة، لا نحصي ثناءً عليه. وصلواته وسلامه وبركاته على سيدنا محمد وآله وأصحابه. ختم آخره [] بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي عشيّة يوم الخميس حادي وعشرين شهر شوال سنة ثلاثين وثمان مائة من الهجرة النبوية، عفى الله لمؤلفه ولكاتبه ولقارئه ولجميع المسلمين. يتلوه فصل في تمام القول في محبة الله وانقسام المراد إلى ما يراد لذاته إلخ. ملاحظة: في الأصل بين المعقوفتين - التي بعد ختم آخره - بياض، وقد ظهر لي أن اسمه إبراهيم، وذلك من خلال جزء من مخطوطة الكواكب الدراري التي كتبها. وكذلك في البطاقة التي فيها الفهارس والتعريف بكتاب النبوات في مكتبة الجامعة الإسلامية.
[ ١ / ٣٧٤ ]
فصل١