بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين. قال شيخ الإسلام تقي الدّين بن تيميّة - ﵀:
فصل «في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم» «كما سماها الله آيات وبراهين»
[فإنّ لهم١ طرقًا] ٢ في التمييز بينها وبين غيرها، وفي وجه دلالتها.
طرق النظار في التمييز بين المعجزة وغيرها
أمّا الأول: فإنّ [منهم] ٣ من رأى [أنّ] ٤ [كلّ ما] ٥ يخرج عن الأمر المعتاد، فإنه معجزة؛ وهو الخارق للعادة إذا اقترن بدعوى النبوة.
وقد علموا أنّ الدليل مستلزمٌ للمدلول، فيلزم أن يكون كلّ من خُرِقت له العادة نبيًّا.
_________________
(١) قول المعتزلة وغيرهم: إن العادة لا تنخرق إلا لنبي [فقالت] ٦ طائفة٧: لا تخرق العادة إلا لنبي. وكذبوا بما يذكر من ١ أي للنظّار؛ كما هو مثبتٌ في «م»، و«ط» . ٢ في «م»: وللنظّار طرقٌ. وفي «ط»: للنظّار طرق - بإسقاط الواو. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٥ في «خ»: كلما - موصولة. ٦ في «ط» فقط: قالت. ٧ وهم أكثر المعتزلة؛ كما سيأتي قول شيخ الإسلام ﵀ في ذلك. وهم يقولون إنّ الخوارق لا تظهر على يد غير الأنبياء. يقول القاضي عبد الجبار:"إنّ العادة لا تُخرق إلا عند إرسال الرسل. ولا تنخرق لغير هذا الوجه؛ لأنّ خرقها لغير هذا الوجه يكون بمنزلة العبث". انظر: المغني في أبواب العدل والتوحيد، لعبد الجبار ١٥/١٨٩.
[ ١ / ١٢٩ ]
خوارق السحرة والكهان، وبكرامات الصالحين.
وهذه طريقة أكثر المعتزلة١، وغيرهم؛ كأبي محمد بن حزم٢، وغيره٣.
_________________
(١) ١ المعتزلة: سموا بذلك لاعتزال رئيسهم واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري. وقيل لاعتزالهم قول الأمة في دعواهم أنّ الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر. والأول أرجح. ولهم أصول خمسة اشتهروا بها، هي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص٢٠، ١١٤. والملل والنحل للشهرستاني١/٤٣. وخطط المقريزي ٢/٣٤٥. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص ٤٩. ٢ هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسيّ الأصل، الأموي مولاهم، القرطبي الظاهري. قال عنه الذهبي: "الإمام الأوحد، البحر ذو الفنون والمعارف، أبو محمد". ولد بقرطبة في سنة ٣٨٤ هـ، وتوفي سنة ٤٥٦؟. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٨/١٨٤. وشذرات الذهب لابن العماد ٣/٢٩٩. ولأبي محمد بن حزم قول في أنّ الخوارق لا تظهر على يد غير الأنبياء. يقول: " وأنّ المعجزات لا يأتي بها أحدٌ إلا الأنبياء ﵈. قال ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر، ٧٨] " المحلّى لابن حزم ١/٣٦. وانظر: الفصل له ٥/٢-٤، ٨. والدر فيما يحب اعتقاده، له ص ١٩٢. ٣ مثل أبي عبد الله الحليمي. انظر: المواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٧٠. ولوامع الأنوار للسفاريني ٢/٣٩٤. وقال الإيجي في «المواقف» عن الكرامات: "وهي جائزة عندنا خلافًا للأستاذ أبي إسحاق، والحليمي منّا، وغير أبي الحسين من المعتزلة". وأبو إسحاق الاستراباذي من أصحاب الشافعي. انظر: تفسير القرطبي ٧/٣٢.
[ ١ / ١٣٠ ]
من اشتهر عنهم إنكار المعجزات
بل يُحكى هذا القول عن أبي إسحاق الاسفراييني١، وأبي محمد بن أبي زيد٢. ولكن كأنّ في الحكاية عنهما غلطًا٣
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الاسفراييني. الأصوليّ، الشافعيّ، الملقب: ركن الدين. من مصنفاته: جامع الخلي في أصول الدين، والرد على الملحدين في خمس مجلدات. توفي سنة ٤١٨؟ بنيسابور. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٣٥٣. وشذرات الذهب ٣/٢٠٩. وطبقات الشافعيّة ٤/٢٥٦. أمّا عن إنكاره لكرامات الأولياء؛ فقد ذكر الجويني في الإرشاد ص ٣١٩ أنه أنكر الكرامات. وذكر ذلك الذهبي عنه في السير، فقال: (وحكى أبو القاسم القشيري عنه أنّه كان يُنكر كرامات الأولياء، ولا يُجوّزها. وهذه زلة كبيرة) . سير أعلام النبلاء ١٧/٣٥٣. وقال السبكي عنه: "ويزداد تعجبي عند نسبة إنكارها إلى الأستاذ أبي إسحاق الاسفراييني، وهو من أساطين أهل السنة والجماعة، على أن نسبة إنكارها إليه على الإطلاق كذب عليه. والذي ذكره الرجل في مصنفاته أن الكرامات لا تبلغ مبلغ خرق العادة". طبقات الشافعية للسبكي ٢/٣١٥. وكذلك ابن خلدون في مقدمته اعتذر لأبي إسحاق الاسفراييني بأن النقل عن الأستاذ في ذلك ليس صريحًا. مقدمة ابن خلدون ١/٤٠٢. ٢ هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي. ويُقال له: مالك الصغير. قال عنه الذهبي: "الإمام، العلامة، القدوة، الفقيه، عالم أهل المغرب وكان ﵀ على طريقة السلف في الأصول، لا يدري الكلام، ولا يتأوّل". توفي سنة ٣٨٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/١٠. وشذرات الذهب ٣/١٣١. ٣ وقد اعتذر الباقلاني قبل شيخ الإسلام لابن أبي زيد القيرواني، وكأنّه استبعد صدور ذلك عنه. انظر: البيان للباقلاني ص ٥. وممّن أنكرها: أبو منصور الماتريدي. انظر كتاب السحر بين الحقيقة والخيال لناصر بن محمد الحمد ص ٣٨. وقد أوضح د/ محمد باكريم با عبد الله موقف ابن أبي زيد القيرواني من الكرامات، ولخّص المسألة، فقال: "ونخلص من ذلك إلى احتمالين: الأول: أنّ ابن أبي زيد لم ينكر الكرامات الثابتة للصالحين، وإنّما أنكر ما يدّعيه أهل البدع من وقوع خوارق العادات، واعتبارها كرامات لهم؛ فلم يفهم كثيرٌ مقصودَه، ونسب إليه القول بإنكار الكرامات. وهذا الرأي يميل إليه الباقلاني، والقاضي عياض، وابن تيمية. الثاني: أنه وقع منه ذلك لأسباب، منها: داعي المناظرة والجدل والإلزام، لكنه رجع عن ذلك. وهذا ما ذهب إليه الطلمنكي. وعلى كلا الاحتمالين، فلا يعتبر منكرًا لكرامات الأولياء؛ لأنّه إما لم يكن وقع منه أصلًا، أو يكون قد وقع منه، ورجع عنه. والله أعلم) . انظر تعليق الدكتور محمد باكريم با عبد الله على رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص ٢٢٨. وانظر مزيدًا حول هذه المسألة: ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض: ٦/٢١٨، وكتاب الاستغاثة هامش: ١/٤٦، تحقيق: عبد الله بن دجين السهلي، وقسم الدراسة من الجامع لابن أبي زيد القيراوني: ص ٤٩-٥٠.
[ ١ / ١٣١ ]
وإنما أرادوا الفرق بين الجنسين١.
وهؤلاء يقولون [إن] ٢ ما جرى لمريم٣، وعند مولد الرسول٤ [ﷺ]؛
_________________
(١) ١ جنس المعجزات وجنس خوارق الكهان والسحرة. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ لقد أكرم الله تعالى مريم بكرامات كثيرة، منها:
(٢) إكرامها بالرزق؛ قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران ٣٧]
(٣) حملها بعيسى ﵇ بواسطة نفخ الملك، بدون أن يمسها بشر؛ قال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ٩١] .
(٤) تبرئة ابنها لها، وكلامه في المهد؛ قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم ٢٩-٣٠ وما بعدها] . ٤ فمما جرى عند مولده ﷺ، ما أخرجه قوام السنة في دلائل النبوة، عن أبي أمامة الباهلي - ﵁، قال: قيل: يا رسول الله! ما كان بُدؤ أمرك؟ قال: "دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي خرج منها نورٌ أضاءت له قصور الشام". دلائل النبوة ١/٢٣٩، وقد حسّنه محقق الكتاب مساعد الراشد. وقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/٢٦٢، وصححه الألباني. انظر الصحيحة رقم ١٥٤٦.
[ ١ / ١٣٢ ]
فهو إرهاصٌ١؛ أي توطئةٌ، وإعلامٌ بمجيء الرسول، فما خُرقت في الحقيقة إلاّ لنبيّ.
الرد على من أنكر الكرامات
فيُقال لهم: وهكذا الأولياء، إنّما خُرقت لهم لمتابعتهم الرسول؛ فكما أنّ ما تقدّمه فهو من معجزاته، فكذلك ما تأخّر عنه.
وهؤلاء٢ يستثنون ما يكون أمام الساعة.
لكن هؤلاء كذّبوا بما تواتر من الخوارق لغير الأنبياء.
الرد على من أنكر الكرامات
والمنازع لهم يقول: هي موجودةٌ مشهودةٌ لمن شهدها، متواترةٌ عند كثير من الناس، أعظم ممّا تواترت عندهم بعض معجزات الأنبياء. وقد شهدها خلق كثير لم يشهدوا معجزات الأنبياء، فكيف يكذّبون بما شهدوه، ويصدّقون بما غاب عنهم، ويكذّبون بما تواتر عندهم أعظم مما تواتر غيره؟!
قول الأشاعرة في الفرق بين المعجزة وغيرها
وقالت طائفة٣: بل كل هذا حقٌ، وخرق العادة جائزٌ مطلقًا، وكلّ ما
_________________
(١) ١ الإرهاص لغة مشتقة من الرِّهص - بالكسر؛ وهو العرق الأسفل من الحائط. والإرهاص هو المقدّمة للشيء، والإيذان به. والإرهاص اصطلاحًا: ما يصدر من النبيّ ﷺ قبل النبوة من أمرٍ خارق للعادة تمهيدًا لها. انظر: القاموس المحيط للفيروزأبادي ص ٨٠١. وكتاب التعريفات للجرجاني ص ٣١. ولسان العرب لابن منظور ٧/٤٤. ٢ أي المعتزلة، ومن وافقهم. ٣ وهم الأشاعرة. انظر مقولتهم في: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٨، ٩٠، ٩٤-٩٥، ١٠٥-١٠٦. والإرشاد للجويني ص ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٢، ٣٢٦، ٣٢٨. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٥، ١٨٥. والمواقف للإيجي ص ٣٤٦. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/٧٣، ٧٥. وانظر: الجواب الصحيح ٦/٤٠٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
خُرق لنبيّ من العادات يجوز أن يُخرق لغيره من الصالحين، بل ومن السحرة والكهان.
لكن الفرق أنّ هذه تقترن بها [دعوى] ١ النبوّة؛ وهو التحدّي٢.
من أصول الأشاعرة
وقد يقولون: إنّه لا يمكن أحدًا أن يعارضها، بخلاف تلك. وهذا قول من اتّبع جهمًا٣ على أصله في أفعال الرب من الجهمية٤، وغيرهم؛ حيث جوّزوا أن
يفعل كلّ ممكن٥؛ فلزمهم جواز خرق العادات مطلقًا على
_________________
(١) ١ في «خ»: دعوة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٨. ٣ هو الجهم بن صفوان الراسبي مولاهم، أبو محرز السمرقندي. رأس الفرقة الجهمية. قتله سلم بن أحوز نائب أصبهان سنة ثمان وعشرين ومائة. كان يقول: إنّ العباد مجبورون على أفعالهم، وإنّ الإيمان هو المعرفة بالله فقط، وإنّ الجنّة والنار تفنيان وتبيدان، وإنّ القرآن مخلوق. وكان يُنكر صفات الله ﷿ وأسماءه، ويقول: إنّ الله في الأمكنة كلها. تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًا كبيرًا. انظر: الفرق بين الفرق ص ٢١١. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص ٣٤. وسير أعلام النبلاء ٦/٢٦. والبداية والنهاية ٩/٣٦٤. والخطط للمقريزي ٢/٣٤٩. ٤ هي فرقة تنتسب للجهم بن صفوان الراسبي. وقد تبعته في معتقداته كلها. لاحظ التعليقة السابقة. ٥ وهذا قول من يُنكر حكمة الله، والأسباب التي جعلها الله سببًا لحصول بعض الأشياء. ولا فعلَ للعبد عندهم، والله هو الفاعل. وهذا هو قول الأشاعرة. انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٢، ٣٢٦. وأصول الدين للبغدادي ص ١٣٨، ١٧٢، ١٧٦. والملل والنحل للشهرستاني ١/٩٧. ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية ٣/١٣، ١١٢. وسيأتي توضيح لهذا الأصل عند الأشعري. وانظر شرح الأصفهانية ٢/٦١٧.
[ ١ / ١٣٤ ]
يد كلّ أحد. واحتاجوا مع ذلك إلى الفرق بين النبي وغيره، فلم يأتوا بفرق معقول، بل قالوا: هذا يقترن به التحدي، فمن ادّعى النبوة وهو كاذب، لم يجز أن يخرق الله له العادة أو يخرقها له، ولا [تكون] ١ دليلًا على صدقه لما يقترن بها [من ما] ٢ يناقض ذلك؛ فان هذين قولان لهم٣.
الرد على الأشاعرة
فقيل لهم: لِمَ أوجبتم هذا في هذا الموضع، دون غيره، وأنتم لا توجبون على الله شيئًا؟ فقالوا: لأنّ المعجزةَ علمُ الصدق؛ فيمتنع أن يكون لغير صادق٤. [فقلنا: المجموع] ٥ هو الممتنع؛ وهو خارق العادة، ودعوى النبوة. أو هذان مع السلامة عن المعارض.
فقيل لهم: ولم قلتم أنه علم الصدق على قولكم؟ فقالوا: إمّا لأنّه يُفضي منع ذلك إلى عجزه؛ وإمّا لأنّه علم دلالته على الصدق بالضرورة.
فقيل لهم: إنّما يلزم العجز، [أن] ٦ لو كان التصديق على قولكم ممكنًا. وكون دلالتها معلومةٌ بالضرورة؛ هو مُسَلّم، لكنّه يُناقض أصولكم، ويُوجب أن يكون أحد الشيئين معلومًا بالضرورة، دون نظيره. وهذا
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يكون. ٢ في «م»، و«ط»: مما. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٣٧-٣٨. والجواب الصحيح ٦/٣٩٩. ٥ في «م» و«ط»: فالمجموع - بإسقاط: فقلنا. وزيادة الفاء. ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٣٥ ]
ممتنع؛ فإنّكم تقولون: يجوز أن يخلق على يد مدّعي النبوة، والساحر، والصالح. لكن إن ادّعى النبوّة، دلّت على صدقه، وإن لم يدّع النبوّة، لم يدل على شيء١، مع أنّه لا فرق عند الله بين أن يخلقها على يد مدّعي النبوّة، وغير مدّعي النبوة، بل كلاهما جائز فيه.
فإذا كان هذا مثل هذا: [لِمَ] ٢ كان أحدهما دليلًا دون الآخر؟ ولِمَ اقترن العلم بأحد المتماثلين دون الآخر؟ ومن أين علمتم أنّ الرب لا يخرقها مع دعوى النبوة إلاّ على يد صادق، وأنتم تجوّزون على أصلكم كلّ فعل مقدور٣، وخلقها على يد الكذاب مقدور؟!.
الأشاعرة لم يجعلوا بين المعجزات والكرامات فرقًا
ثمّ هؤلاء٤ جوّزوا كرامات الصالحين، ولم يذكروا بين جنسها٥ وجنس كرامات الأنبياء فرقٌ، بل صرّح أئمتهم٦ [أنّ كلّ ما] ٧ خُرق لنبيّ،
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٠. ٢ في «م»، و«ط»: فلِمَ. ٣ من أصول الأشاعرة: لا فاعل إلا الله، وليس للإنسان إلا الكسب الذي هو - عندهم - مقارنة القدرة والإرادة للفعل، من غير أن يكون هناك من العبد تأثير، أو مدخل في وجوده، سوى كونه محلًا له. وقد تقدّم نقل هذا عنهم فيما مضى. وانظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٢، ٣٢٨. وشرح المواقف للجرجاني ص ٢٣٧. وانظر: الجواب الصحيح ٦/٣٩٤-٤٠٠. ٤ أي الأشاعرة. ٥ أي معجزات الرسل. ٦ انظر: أصول الدين للبغدادي ص ١٧٤، ١٧٥. والإرشاد للجويني ص ٣١٧. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٧٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/٧٣، ٧٤. وشرح الفقه الأكبر للقاري ص ٧٩. ٧ في «خ»: كما. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٣٦ ]
يجوز أن يخرق للأولياء؛ حتى معراج محمد١، وفرق البحر لموسى٢، وناقة صالح٣، وغير ذلك.
ولم يذكروا بين المعجزة والسحر فرقًا معقولًا، بل قد يجوّزون أن يأتي الساحر بمثل ذلك٤. لكن بينهما فرق دعوى النبوة، وبين الصالح والساحر، والبر والفجور.
طريقة الفلاسفة في المعجزات
وحذّاق٥ الفلاسفة الذين تكلموا في هذا الباب٦؛ مثل ابن سينا٧،
_________________
(١) ١ المعراج: الطريق الذي تصعد فيه الملائكة. انظر: تهذيب اللغة ١/٣٥٥. وهو بمنزلة السلم، لكن لا نعلم كيف هو. وحكمه كحكم غيره من المغيّبات؛ نؤمن به، ولا نشتغل بكيفيّته. انظر شرح الطحاوية ص ٢٧٠. وحديث الإسراء والمعراج مخرّج في الصحيحين. أخرجه البخاري في صحيحه ٣/٦٣-٦٥، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج. ومسلم في صحيحه ١/١٤٥-١٤٧، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات. ٢ قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء ٦٣] . ٣ قال تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء ١٥٥] . ٤ انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٥/٢. ونسب هذا القول للباقلاني. وانظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥. والإرشاد للجويني ص ٣٢٧-٣٢٨. ٥ الحذق، والحذاقة: المهارة في كلّ العمل. انظر تهذيب اللغة ٤/٣٥. ٦ في النبوات. ٧ هو الحسين بن عبد الله بن سيناء، أبو علي. الملقّب بالرئيس، الحكيم. قال عنه ابن حجر: "ما أعلمه روى شيئًا من العلم، ولو روى لما حلّت الرواية عنه؛ لأنّه فلسفيّ النحلة، ضالّ. لا ﵁. كان يقول بقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني. ونُقل عنه أنّه قال: إنّ الله لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي، بل بعلم كليّ. من مصنفاته: الشفا، والنجاة، والإشارات والتنبيهات. مات سنة ٤٢٨؟. انظر: لسان الميزان لابن حجر ٢/٢٩١. والأعلام للزركلي ٢/٢٤١. ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ٤/٢٠. وقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأهل بيت ابن سينا كانوا من أتباع هؤلاء - يعني القرامطة والباطنية والإسماعيلية - وأبوه وجده من أهل دعوتهم، وبسبب ذلك دخل في مذاهب الفلاسفة؛ فإن هؤلاء يتظاهرون باتباع الملل، ويدعون أن للملة باطنًا يُناقض ظاهرها". كتاب «الصفدية» ١/٣-٤. وانظر: شرح الأصفهانية ٢/٦٣٤. والرد على المنطقيين ص ١٤١-١٤٤، ٢٧٩، ٢٨١، ٣٩٦. ومجموع الفتاوى ٣٥/١٨٦.
[ ١ / ١٣٧ ]
[و] ١ هو أفضل طائفتهم، [وهو] ٢ أجهل من تكلم في هذا الباب فإنهم جعلوا ذلك كلّه من قوى النفس، لكنّ الفرق أنّ النبيّ والصالح نفسُه طاهرةٌ يقصد الخير، والساحر نفسُه خبيثةٌ.
وأما الفرق بين النبي والصالح فمتعذّرٌ على قول هؤلاء.
الرد على من فرق بين المعجزة والكرامة بفروق ضعيفة
ومن الناس٣ من فرّق بين معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء بفروق ضعيفة؛ مثل قولهم: الكرامة يُخفيها صاحبها، أو الكرامة لا يُتحدّى بها. ومن الكرامات ما أظهرها أصحابها؛ كإظهار العلاء بن الحضرمي٤ المشي
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ في «م»، و«ط»: ولكنه. ٣ وهم الأشاعرة. انظر: أصول الدين للبغدادي ص ١٧٤. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص٣٧٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/٧٤. وطبقات الشافعية للسبكي٢/٣١٧. واليواقيت والجواهر لعبد الوهاب الشعراني ١/١٦١. ٤ هو العلاء بن عبد الله بن عماد الحضرمي. من سادة المهاجرين. ولاّه رسول الله ﷺ البحرين. ثمّ وليها لأبي بكر، وعمر ﵄. وكان أبو هريرة ﵁ يقول: رأيت من العلاء ثلاثة أشياء، لا أزال أحبه أبدًا: قطع البحر على فرسه يوم دارين. وقدم يريد البحرين، فدعا الله بالدهناء، فنبع لهم ماء، فارتووا. ونسي رجل منهم بعض متاعه فرد، فلقيه ولم يجد الماء، ومات ونحن على غير ماء، فأبدى الله لنا سحابة، فمطرنا، فغسلناه، وحفرنا له بسيوفنا، ولم نلحد له. انظر: سير أعلام النبلاء ١/٢٦٢. والبداية والنهاية ٦/١٦٢-١٦٣. وقال شيخ الإسلام ﵀ في العلاء بن الحضرمي ﵁: "والعلاء بن الحضرمي - ﵁ - كان عامل رسول الله ﷺ على البحرين، وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم، فيستجاب له. ودعا الله بأن يسقوا ويتوضؤوا لما عدموا الماء، ولا يبقى الماء بعدهم، فأجيب. ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم، فمروا كلهم على الماء، فابتلت سرج خيولهم. ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات، فلم يجدوه في اللحد". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٣١١. وانظر: حلية الأولياء لأبي نعيم ١/٧. وصفوة الصفوة لابن الجوزي ١/٦٩٤. وذكر ابن كثير أنه توفي سنة أربع عشرة. البداية والنهاية ٧/١٢٣.
[ ١ / ١٣٨ ]
على الماء، وإظهار عمر مخاطبة سارية١ على المنبر٢، وإظهار أبي
_________________
(١) ١ هو سارية بن زنيم بن عمرو الكناني. قال ابن عساكر: له صحبة. كان في الجاهلية كثير الغارات، يسبق الفرس عدوًا على رجليه، ولما ظهر الإسلام أسلم. قال الواقدي: أمّره عمر على جيش، وسيّره إلى فارس سنة ثلاث وعشرين، وفتح بلادًا منها أصبهان. توفي سنة ٣٠؟. انظر: الإصابة لابن حجر ٤/٩٦. والأعلام للرزكلي ٣/٦٩. ٢ وذلك لما كان عمر بن الخطاب ﵁ يخطب على المنبر في المدينة، وسارية ابن زنيم يُجاهد في العراق، فتذكّر عمر سارية، فنادى: يا سارية الجبل. يقول سارية: سمعت صوت عمر، فصعدتُ الجبل. أورده ابن كثير في البداية والنهاية ٧/١٣٥، وقال: إسناده جيد حسن. وكذلك حسّن أسانيده الحافظ ابن حجر في الإصابة ٤/٩٨.
[ ١ / ١٣٩ ]
مسلم١ لما أُلقي في النار أنّها صارت عليه بردًا وسلامًا. وهذا بخلاف من يدخلها بالشياطين، فإنّه قد يُطفئها، إلاّ أنّها لا تصير عليه بردًا وسلامًا. وإطفاء النار مقدورٌ للإنس والجنّ.
ومنها: ما يتحدّى بها صاحبها أنّ دين الإسلام حقّ؛ كما فعل خالد ابن الوليد لما شرب السُّمَّ٢؛ وكالغلام الذي أتى الراهب، وترك الساحر،
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن ثوب الخولاني، من خولان ببلاد اليمن. دعاه الأسود العنسي إلى أن يشهد أنّه رسول الله، فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا أسمع، أشهد أنّ محمدًا رسول الله. فأجّج له نارًا، وألقاه فيها، فلم تضرّه وأنجاه الله منها. فكان يُشبّه بإبراهيم الخليل. ثمّ هاجر، فوجد رسولَ الله ﷺ قد مات، فقدم على الصديق أبي بكر ﵁، فأجلسه بينه وبين عمر، وقال له عمر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى في أمة محمد من فُعل له كما فعل بإبراهيم الخليل ﵇. توفي أبو مسلم الخولاني سنة ٦٠؟. وقد ذكر له شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عددًا من الكرامات؛ منها: أنه مشى هو ومن معه في المعسكر على دجلة وهي ترمي بالخشب في مدّها. ووضعت له جارية السمّ في طعامه، فلم يضرّه. وخبّبت امرأةٌ عليه زوجتَه، فدعا عليها، فعميت، فجاءت وتابت، فدعا لها، فردّ الله عليها بصرها. انظر: مجموع الفتاوى ١١/٢٧٩. وانظر: حلية الأولياء ٢/١٢٢، ١٣١. وجامع العلوم والحكم لابن رجب ص ٣٢٢. وسير أعلام النبلاء ٤/٧. والبداية والنهاية لابن كثير ٨/١٤٩. والتقريب لابن حجر ٢/٤٧٣، وفيه ذكر أن اسمه عبد الله بن ثوب. ٢ وذلك لمّا نزل الحيرة - بالعراق، وأراد الأعاجم أن يُسقوه السمّ، فأخذه بيده، ثمّ اقتحمه، وقال: بسم الله، وشرب، فلم يضرّه شيئًا. الخبر أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٤/١٢٣-١٢٤. وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٥٠ أنّ أبا يعلى أخرجه، والطبراني في المعجم الكبير بإسنادين؛ رجال أحدهما رجال الصحيح، ورجال الآخر ثقات. وذكر كذلك أنّ رجال إسناد أبي يعلى ثقات. وانظر: مجموع الفتاوى ١١/٢٧٧-٢٧٨. وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ عند محاصرة خالد بن الوليد للحيرة، أن خالدًا أخذ السم من ابن بقيلة - من نصارى العرب، ثم قال: لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، ثم قال: بسم الله خير الأسماء، رب الأرض والسماء، الذي ليس يضرّ مع اسمه داء، الرحمن الرحيم. قال: وأهوى إليه الأمراء ليمنعوه منه، فبادرهم فابتلعه. فلما رأى ذلك ابن بقيلة، قال: والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد. ثم التفت إلى أهل الحيرة فقال: لم أر كاليوم أوضح إقبالًا من هذا. ثم دعاهم، وسألوا خالدًا الصلح فصالحهم. البداية والنهاية ٦/٣٥١. وانظر: طبقات الشافعية للسبكي ٢/٣٣٣. وقد خالفه الصحابة في ذلك. ويكفي خالدًا كرامة أن جعله الله عزًا للإسلام وأهله، وذلًا للكفر، وشتاتًا لشمله.. وقد سماه رسول الله ﷺ سيف الله، وقال الصديق - ﵁ - في حقه: (يا معشر قريش إن أسدكم قد عدا على الأسد فغلبه على خراديله، عجزت النساء أن يلدن مثل خالد بن الوليد) . البداية والنهاية ٦/٣٥١.
[ ١ / ١٤٠ ]
وأمر بقتل نفسه بسهمه باسم ربّه، وكان قبل ذلك قد خُرِقت له العادة فلم يتمكّنوا من قتله١. ومثل هذا كثير.
مراتب الخوارق
فيقال المراتب ثلاثة: آيات الأنبياء، ثمّ كرامات الصالحين، ثمّ خوارق الكفار والفجار؛ كالسحرة والكهان، وما يحصل لبعض المشركين، وأهل الكتاب، والضلاّل من المسلمين.
الكرامات سببها اتباع الأنبياء
أمّا الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها، فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء؛ فإنّهم يقولون: نحن إنّما حصل لنا هذا باتّباع الأنبياء، ولو لم نتّبعهم لم يحصل لنا هذا.
فهؤلاء إذا قُدّر أنه جرى على يد أحدهم ما هو من جنس ما جرى للأنبياء؛ كما صارت النار بردًا وسلامًا على أبي مسلم٢، كما صارت على
_________________
(١) ١ وخبر الغلام طويلٌ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤/٢٢٩٩-٢٣٠١، كتاب الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام. ٢ الخولاني. تقدّمت قصته قريبًا ص ١٥٩.
[ ١ / ١٤١ ]
إبراهيم١؛ وكما يكثّر الله الطعام والشراب لكثيرٍ من الصّالحين٢؛ كما جرى في بعض المواطن للنبيّ ٣، أو إحياء الله ميتًا لبعض الصالحين٤ كما أحياه للأنبياء٥.
كرامات الأولياء معجزات للأنبياء
فهذه الأمور٦ هي مؤكدة لآيات الأنبياء، وهي أيضًا من معجزاتهم بمنزلة ما تقدّمهم من الإرهاص.
ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحدٍ قطّ إلى مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ . [الأنبياء ٦٩] . ٢ مثل قصة أبي بكر مع أضيافه، في تكثير الطعام. انظر صحيح البخاري ٦/٤٣٦. ٣ انظر على سبيل المثال: صحيح البخاري ٤/٢٣٤. وقد عقد القاضي عياض في كتابه الشفا ١/٤١٠ فصلًا: من معجزاته ﷺ تكثير الطعام ببركته ودعائه. ٤ من ذلك إحياء الله تعالى لصلة بن أشيم العدوي فرسَه بعد أن ماتت وهو في الغزو، فأحياها الله له، ووصل إلى أهله، وقال لابنه: ألق السرج عن الفرس فإنّها عارية، فلمّا ألقى السرج عنها، سقطت ميتة. انظر: حلية الأولياء لأبي نعيم ٢/٢٣٩. وطبقات الشافعية للسبكي ٢/٣٢٠. وسير أعلام النبلاء للذهبي ٣/٤٩٩، وقال الذهبي عن هذه القصة: وهذه كرامة ثابتة. وانظر: مجموع الفتاوى ١١/٢٨٠. ٥ مثل عيسى ﵇. قال الله تعالى عنه: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٤٩] . وكذلك عزير ﵇ الذي أماته الله وحماره مائة عام، ثمّ بعثهما. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة ٢٥٩] . وانظر كتاب الشفا للقاضي عياض١/٤٤٤، حيث عقد فصلًا في: إحياء الموتى، وكلامهم. ٦ يقصد كرامات الأولياء.
[ ١ / ١٤٢ ]
درجاتهم، ولكن قد يُشاركونهم في بعضها، كما قد يُشاركونهم في بعض أعمالهم.
كرامات الأولياء لا تجعلهم معصومين
وكرامات الصالحين [تدلّ] ١ على صحة الدّين الذي جاء به الرسول، لا تدلّ على أنّ الولي معصومٌ، ولا على أنّه يجب طاعته في كلّ ما يقوله٢.
ومن هنا ضلّ كثيرٌ من النّاس من النّصارى وغيرهم٣؛ فإنّ الحواريّين٤، وغيرهم كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة، فظنّوا أنّ ذلك يستلزم عصمتهم كما يستلزم عصمة الأنبياء، فصاروا يُوجبون موافقتهم في كلّ ما يقولون.
النبي صارت طاعته واجبة بأمور
وهذا غلطٌ؛ فإنّ النبيّ وجب قبول كلّ ما يقول لكونه نبيًّا [ادّعى] ٥ النّبوّة، ودلّت المعجزة على صدقه، والنبيّ معصومٌ. وهنا المعجزة٦ ما دلّت على النبوة بل على متابعة النبيّ وصحّة دين النبيّ، فلا يلزم أن يكون هذا التابع معصومًا. من أسباب تأليف الكتاب
ولكن الذي يحتاج إلى الفرقان الفرق بين الأنبياء وأتباعهم، وبين من خالفهم من الكفار والفجار؛ كالسحرة، والكهان، وغيرهم؛ حتى يظهر
_________________
(١) ١ في «خ»: يدلّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٤٤. والجواب الصحيح ٢/٣٣٨؛ فقد فصّل شيخ الإسلام ﵀ في هذين الموضعين تفصيلًا طيّبًا. ٣ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أصناف الناس بالنسبة لمواقفهم ممن يجري على أيديهم بعض الأمور الخارقة في «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» ص ١٤٧. ٤ الحواريّون هم أصحاب عيسى ﵇ وخاصّته الذين اختارهم ليكونوا تلامذته؛ حيث بادروا إلى الإيمان به، وتعلّموا منه، وكانوا اثني عشر رجلًا. انظر: الجواب الصحيح ٢/٣٩٨-٤٠٠،، ٤/١٧. ٥ في «خ» رسمت ادعاء. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ يقصد الكرامة.
[ ١ / ١٤٣ ]
الفرق بين الحقّ والباطل، وبين ما يكون دليلًا على صدق صاحبه؛ كمدّعي النبوّة، و[بين] ١ ما لا يكون دليلًا على صدق صاحبه؛ فإنّ الدليلَ لا يكون دليلًا حتى يكون مستلزمًا للمدلول؛ متى وُجِدَ وُجِدَ المدلول، وإلاّ فإذا وُجِدَ تارةً مع وجود المدلول، وتارةً مع عدمه [فليس بدليل] ٢.
فآيات الأنبياء وبراهينهم لا [توجد] ٣ إلاّ مع النبوّة، ولا توجد مع ما يناقض النبوة.
ومدّعي النبوّة إمّا صادق، وإمّا كاذب.
والكذب يُناقض النبوة، فلا يجوز أن يُوجد مع المناقض لها، مثل ما يوجد معها. وليس هنا شيءٌ مخالفٌ لها؛ [لا موافقٌ] ٤، ولا مناقضٌ؛ فإنّ الكفر، والسحر، والكهانة، كلّ هذا يناقض النبوّة، لا يجتمع هو [و] ٥ النبوة.
والنّاس رجلان: رجلٌ موافقٌ لهم، ورجلٌ مخالفٌ لهم.
فالمخالف مناقض.
الفرق بين جنس آيات الأنبياء وخوارق من خالفهم
وإذا كان كذلك، فيُقال: جنس آيات الأنبياء خارجة عن مقدور البشر، بل وعن مقدور جنس الحيوان.
وأمّا خوارق مخالفيهم؛ كالسحرة، والكُهّان؛ فإنّها من جنس أفعال الحيوان؛ من الإنس، وغيره من الحيوان، والجنّ؛ مثل قتل الساحر، وتمريضه لغيره؛ فهذا أمرٌ مقدورٌ، معروفٌ للنّاس بالسّحر، وغير السّحر؛
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ في «خ» يوجد. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين.
[ ١ / ١٤٤ ]
وكذلك ركوب المكنسة١، أو الخابية٢، أو غير ذلك؛ حتّى تطير به، وطيرانه في الهواء من بلد إلى بلد؛ هذا فعلٌ مقدورٌ للحيوان؛ فإنّ الطير [يفعل] ٣ ذلك، والجنّ تفعل ذلك. وقد أخبر الله أنّ العفريت قال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ ٤؛ وهذا تصرّف في أعراض٥ الحيّ؛ فإنّ الموت، والمرض، والحركة أعراضٌ، والحيوان يقبل في العادة مثل هذه الأعراض، ليس في هذا قلب جنس إلى جنس، ولا في هذا ما يختصّ الربّ بالقدرة عليه، ولا ما يختصّ به الملائكة.
وكذلك إحضار ما يُحضر من طعامٍ، أو نفقة، أو ثياب، أو غير ذلك من الغيب. [و] ٦ هذا [إنّما هو] ٧ نقل مالٍ من مكانٍ إلى مكانٍ. وهذا تفعله الإنس والجنّ، لكن الجنّ تفعله، والنّاس لا يُبصرون ذلك. وهذا بخلاف كون الماء القليل نفسه يفيض حتى يصير كثيرًا، بأن ينبع من بين الأصابع من غير زيادة يُزادها٨. فهذا لا يقدر عليه إنسيّ ولا جنّي.
_________________
(١) ١ المكنسة - بكسر الميم - ما يُكنس به. والكُناسة - بالضمّ - ما يُكنس؛ وهي الزبالة. انظر: المصباح المنير ص ٥٤٢. ٢ الخابية: وعاء الماء الذي يحفظ فيه. وجمعه خوابي. المعجم الوسيط ١/١٣. ٣ في «م»، و«ط» تفعل. ٤ سورة النمل، الآية ٣٩. ٥ العَرَض في اللغة: ما يعرض للإنسان من مرض، وموت، ونحو ذلك. انظر: الصحاح للجوهري ٣/١٠٣٨. والمعجم الوسيط ص ٥٩٤. ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٧ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٨ مثل ما حدث في غزوة الحديبية؛ حيث وضع رسول الله ﷺ يده في الإناء، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ - وهو راوي الحديث: "فوضع النبي ﷺ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال فشربنا. قال الراوي: فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ، قال: لو كنّا مائة ألف لكفانا، كنّا خمس عشرة مائة". أخرجه البخاري في صحيحه ٤/١٥٢٦، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية. وقد ذكر أنس بن مالك - ﵁ - قصة أخرى في نبع الماء من بين أصابع نبيّنا ﷺ. فعنه - ﵁ - أن النبي ﷺ دعا بماء، فأُتي بقدح رحراح، فجعل القوم يتوضؤون، فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين، قال: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه. صحيح مسلم ٤/١٧٨٣، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ.
[ ١ / ١٤٥ ]
أخبار الأنبياء لا كذب فيها، بخلاف من خالفهم
وكذلك الإخبار ببعض الأمور الغائبة، مع الكذب في بعض الأخبار. فهذا تفعله الجن / كثيرًا مع الكُهّان١، وهو معتادٌ لهم، مقدورٌ، بخلاف إخبارهم بما يأكلون، وما يدّخرون، مع تسمية الله على ذلك؛ فهذا لا تظهر عليه الشياطين٢.
_________________
(١) ١ مثل حال ابن صياد، لمّا قال له رسول الله ﷺ: "إنّي خبّأتُ لك خبيئًا" فقال: هو الدّخّ. فقال الرسول ﷺ: "اخسأ، فلن تعدو قدرك". الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه٤/٢٢٤٠، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صيّاد. ٢ قال رسول الله ﷺ: "إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء..". الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٣/١٥٩٨، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما. وقال رسول الله ﷺ: "غطوا الإناء، وأوكئوا السقاء، وأغلقوا الأبواب، وأطفئوا السراج، فإنّ الشيطان لا يحلّ سقاءً، ولا يفتح بابًا، ولا يكشف إناءً ". الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ١٠/٧٧، والإمام مسلم في صحيحه ٣/١٥٩٤، كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها..
[ ١ / ١٤٦ ]
وبنو إسرائيل كانوا مسلمين يسمّون الله١.
وأيضًا: فخبر المسيح٢، وغيره من الأنبياء ليس فيه كذب قط. والكهان لا بُدّ لهم من الكذب. والربُّ قد أخبر في القرآن أنّ الشياطين [تنزل] ٣ على بعض الناس، فتخبره ببعض الأمور الغائبة، لكن ذكر الفَرْقَ، فقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ٤.
الحكمة من مسرى النبي ﷺ
وكذلك مسرى الرسول ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ليريه الربّ من آياته٥. فخاصّة الرسول ليست مجرّد قطع هذه المسافة، بل قطعها ليريه الربّ من الآيات الغائبة ما يُخبر به. فهذا لا يقدر عليه الجنّ، وهو نفسه لم يحتجّ بالمسرى على نبوته، بل جعله مما يؤمن به؛ فأخبرهم به ليؤمنوا به.
_________________
(١) ١ قال الله تعالى في شأنهم: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة، ١٣٣] . وأما عن تسميتهم الله، فقد قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ.﴾ [المائدة، ٥] . ومعلوم أنّهم لو لم يكونوا يُسمّون الله تعالى عند الذبح، لم يكن طعامهم حلًا لنا؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام، ١٢١] . ٢ وهو إخباره ﵇ عمّا يأكل بنو إسرائيل وما يدّخرون في بيوتهم. قال تعالى عن معجزات عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران الآية، ٤٩] . ٣ في «خ»: ينزل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة الشعراء، الآيات ٢٢١-٢٢٣. ٥ قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ . [الإسراء، ١] .
[ ١ / ١٤٧ ]
والمقصود إيمانهم بما أخبرهم من الغيب الذي رآه تلك الليلة، وإلاّ فهم كانوا يعرفون المسجد الأقصى، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَة المَلْعُونَةَ فِيْ القُرْآن﴾ ١.
قال ابن عباس [﵁] ٢: هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أُسري به٣. وهذا كما قال في الآية: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ ٤.
وكذلك ما يُخبر به الرسول من أنباء الغيب؛ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًَا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًَا﴾ ٥. فهذا غيب الربّ الذي اختص به؛ مثل علمه بما سيكون من تفصيل الأمور الكبار على وجه الصدق، فإنّ هذا لا يقدر عليه إلا الله.
الفرق بين خبر الرسول وخبر الجنّ
والجنّ غايتها أن تخبر ببعض الأمور المستقبلة؛ كالذي يسترقه الجن من السماء٦، مع ما في الجنّ من الكذب، فلا بُدّ لهم من الكذب، والذي يخبرون به هو ممّا يُعلم بالمنامات وغير المنامات، فهو من جنس المعتاد للناس.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية ٦٠. ٢ ما بين المعقوفتين من «ط»، وليس في «خ»، و«م» . ٣ انظر: صحيح البخاري ٤/١٧٤٨. ٤ سورة النجم، الآيات ١٣-١٨. ٥ سورة الجن، الآيتان ٢٦-٢٧. ٦ قال تعالى يحكي عن الجنّ: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن، ٩] .
[ ١ / ١٤٨ ]
وأما ما يخبر الرسل من الأمور البعيدة الكبيرة مفصلًا؛ مثل إخباره: "إنكم تقاتلون الترك، صغار الأعين، ذُلْفُ الآنُفِ١، ينتعلون الشعر، كأنّ وجوههم المَجَانُّ المُطْرَقَة٢"٣، وقوله: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تُضيء لها أعناق الإبل ببُصرى٤"٥، ونحو ذلك. فهذا لا يقدر عليه جني، ولا إنسيّ.
_________________
(١) ١ الذَّلَف بالتحريك: قصر الأنف وانبطاحه. وقيل: ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته. والذُّلْف بسكون اللام: جمع أذلف؛ كأحمُر، وحمر. والآنُف: جمع قلة للأنف، وضع موضع جمع الكثرة، ويحتمل أنّه قللها لصغرها. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٢/١٦٥. ٢ وهي التروس التي يُطرق بعضها على بعض. انظر الصحاح للجوهري ٤/١٥١٦) . والمراد: تشبيه وجوه الترك في عرضها، وتلوّن وجناتها بالترسة المطرقة. ٣ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٣/١٠٧٠. ومسلم في صحيحه ٤/٢٢٣٣، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكانه من البلاء. والإمام أحمد في المسند ح ٧٢٦٢ - تحقيق أحمد شاكر. ٤ بُصرى - بضمّ الباء - آخرها مقصور: مدينة بالشام، ويُقال لها حوران. انظر معجم البلدان لياقوت الحموي ١/٤٤١. وهي اليوم مدينة من مدن الجمهورية السورية، في شرقها. ٥ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٢٦٠٥. ومسلم في صحيحه ٤/٢٢٢٧-٢٢٢٨، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز. وهذا الغيب الذي أخبر عنه النبيّ ﷺ قد وقع - كما ذكر المؤرخون - سنة أربع وخمسين وستمائة. وقد أخبر غير واحد أنّه لمّا ظهرت النار في بعض أودية المدينة النبوية، واستمرت شهرًا، وكان الناس يسيرون على ضوئها بالليل إلى تيماء - قرب تبوك - شاهد من كان بحاضرة بلد بُصرى أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز. انظر: الفتن والملاحم - النهاية - لابن كثير ١/١٨-١٩.
[ ١ / ١٤٩ ]
والمقصود أنّ ما يُخبر به غير النبي من الغيب معتادٌ، معروفٌ نظيره من الجن والإنس، فهو من غيب الله الذي قال فيه: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًَا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ١.
والآيات الخارقة جنسان: جنسٌ في نوع العلم، وجنسٌ في نوع القدرة٢.
أقسام الخوارق
فما اختصّ به النبيّ من العلم خارجٌ عن قدرة الإنس والجنّ، وما اختصّ به من المقدورات خارجٌ عن قدرة الإنس والجنّ.
خوارق الجنّ
وقدرة الجنّ في هذا الباب٣ كقدرة الإنس؛ لأنّ الجن هم من جملة من دعاه الأنبياء إلى الإيمان، وأرسلت الرسل إليهم؛ قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّوْنَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الجن، الآيتان ٢٦-٢٧. ٢ ولشيخ الإسلام ﵀ زيادة إيضاح لهذا الموضوع، حيث قال: (الخوارق منها ما هو من جنس العلم؛ كالمكاشفات. ومنها ما هو من جنس القدرة والملك؛ كالتصرفات الخارقة للعادات. ومنها ما هو من جنس الغنى عن جنس ما يُعطاه الناس في الظاهر من العلم والسلطان والمال والغنى) . «مجموع الفتاوى» ١١/٢٩٨-٢٩٩. وقال أيضًا: "فالأقسام ثلاثة: إما أن يتعلق بالعلم والقدرة، أو بالدين فقط، أو بالكون فقط. ثمّ فصّل، واستدلّ لكلّ نوع". انظر: مجموع الفتاوى ١١/٣٢٣-٣٢٤. وانظر قاعدة في المعجزات ص ٩. وانظر كتاب الصفدية ١/١٨٣، فإنه جعل الخوارق ثلاثة أقسام. وقد أفاض المؤلف ﵀ في ذكر أقسام المعجزات بالتفصيل. انظر: الجواب الصحيح ٦/٨٠-٢٩٦. ٣ باب الخوارق. ٤ سورة الأنعام، الآية ١٣٠.
[ ١ / ١٥٠ ]
ومعلومٌ أنّ النبيّ إذا دعا الجن إلى الإيمان به، فلا بُدّ أن يأتي بآية خارجة عن مقدور الجنّ؛ فلا بُدّ أن تكون آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الإنس والجنّ.
وما يأتي به الكاهن من خبر [الجنّ] ١ غايته أنّه سمعه الجني لمّا استرق السمع؛ مثل الذي يستمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون.
وما أعطاه اللهُ سليمانَ مجموعه يخرج عن قدرة الإنس والجنّ؛ كتسخير الرياح، والطير.
خوارق الملائكة تختص بالأنبياء وأتباعهم
وأما الملائكة: فالأنبياء لا تدعوا الملائكةَ إلى الإيمان بهم، بل الملائكة [تنزل] ٢ بالوحي على الأنبياء، وتعينهم، وتؤيدهم. فالخوارق التي [تكون] ٣ بأفعال الملائكة تختص بالأنبياء وأتباعهم، لا تكون للكفّار، والسحرة، والكُهّان.
ولهذا أخبر الله تعالى أنّ الذي جاءه بالقرآن مَلَكٌ لا شيطان؛ فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِيْ العَرْشِ مَكِين * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون * وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين * وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِضَنِين * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ ٤، وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين؟ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِين﴾ ٥، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدُسِ منْ رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ ٦، وقال: ﴿قل مَنْ كَانَ
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ في «خ»: ينزل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة التكوير، الآيات ١٩-٢٥. ٥ سورة الشعراء، الآيتان ١٩٣-١٩٤. ٦ سورة النحل، الآية ١٠٢.
[ ١ / ١٥١ ]
عَدُوًَّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ١، وقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ٢.
الواجب معرفة الفروق بين آيات الأنبياء وبين من خالفهم
فينبغي أن يُتدبّر هذا الموضع، وتُعرف الفروق الكثيرة بين آيات الأنبياء، وبين ما يشتبه بها؛ كما يُعرف الفرق بين النبي، وبين المتنبي؛ وبين ما يجيء به النبي، وما يجيء به المتنبي.
فالفرق حاصلٌ في نفس صفات هذا، وصفات هذا، وأفعال هذا، وأفعال هذا، وأمر هذا، وأمر هذا، وخبر هذا، وخبر هذا، وآيات هذا، وآيات هذا؛ إذ الناس محتاجون إلى هذا الفرقان أعظم من حاجتهم إلى غيره، والله تعالى يبيّنه، ويُيسّره.
ولهذا أخبر أنه أرسل رسله بالآيات البيّنات. وكيف [يشبّه] ٣ خير الناس بشر الناس. ولهذا لما مثّلوا الرسول بالساحر، وغيره، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ٤.
وقد تنازع النّاس في الخوارق: هل تدلّ على صلاح صاحبها، وعلى ولايته لله٥؟.
هل الخوارق تدل على صلاح صاحبها أم لا؟
والتحقيق: أنّ من كان مؤمنًا بالأنبياء،لم يستدلّ على الصلاح بمجرّد
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ٩٧. ٢ سورة الشعراء، الآيات ٢٢١-٢٢٣. ٣ في «خ»: شبه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة الفرقان، الآية ٩. ٥ للاطلاع على خلافهم في ذلك، راجع: مجموع الفتاوى ١١/٢١٤، ٢٨٧. والجواب الصحيح ٢/٣٣٨. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٤٧-١٤٨. وقطر الولي على حديث الولي للشوكاني ص ٢٧٢.
[ ١ / ١٥٢ ]
الخوارق التي قد تكون للكفار والفسّاق، وإنّما يُستدلّ بمتابعة الرجل للنبيّ؛ فيُميّز بين أولياء الله وأعدائه بالفروق التي بيَّنَها اللهُ ورسوله؛ كقوله: ﴿[أَلاَ] ١ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٢.
وقد علق السعادة بالإيمان والتقوى في عدّة مواضع؛ كقوله لمّا ذكر السّحرة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٣، وقوله عن يوسف: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ؟ وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ للَّذِيْنَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤، وقوله في قصة صالح: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِيْنَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٥ وهذه طريقة الصحابة والسلف.
تنازع الناس في ولاية المعين على قولين
وأمّا دلالتها على ولاية المعيّن: فالناس متنازعون؛ هل الوليّ والمؤمن من مات على ذلك؛ بحيث إذا كان مؤمنًا تقيًّا، وقد عُلم أنّه يموت كافرًا، يكون في تلك الحال عدوًّا لله؟ أو ينتقل من إيمان وولاية إلى كفر وعداوة؟. وهما قولان معروفان٦.
فمن قال بالأول؛ فالوليّ عنده كالمؤمن [عند] ٧ من علم أنه يموت
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ سورة يونس، الآيتان ٦٢-٦٣. ٣ سورة البقرة، الآية ١٠٣. ٤ سورة يوسف، الآيتان ٥٦-٥٧. ٥ سورة فصلت، الآية ١٨. ٦ انظر: مجموع الفتاوى ١١/٦٢، ٦٥. ٧ في «خ»: عنده. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٥٣ ]
على تلك الحال، والخوارق لا تدلّ على ذلك.
ولهذا قال هؤلاء؛ كالقاضي أبي بكر١، وأبي يعلى٢، وغيرهما: أنّها لا تدلّ٣.
وأمّا من قال: الولاية تتبدّل؛ فالولاية هنا كالإيمان. وقد يُعلم أنّ الرجل مؤمنٌ في الباطن، تقيّ بدلائل كثيرة، وقد يُطلع الله بعضَ الناس على خاتمة غيره. فهذا لا يمتنع.
أقوال الناس في الشهادة لمعين بالجنة
لكن هذا مثل الشهادة لمعين بالجنة، وفيها ثلاثة أقوال٤:
قيل: لا يشهد بذلك لغير النبي. وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وعلي ابن المديني، وغيرهم.
_________________
(١) ١ الباقلاني. هو أبو بكر محمد بن طيب بن محمد بن جعفر البصريّ. سبقت ترجمته. ٢ هو القاضي أبو يعلى؛ محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي الفراء، شيخ الحنابلة، وعالم العراق في زمانه. توفي سنة ٤٥٨؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/٨٩. وطبقات الحنابلة ٢/١٩٣. والبداية والنهاية ١٢/١٠١. ٣ انظر: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات للباقلاني ص ٥١. والتمهيد له ص ٤٧-٤٨. والإنصاف ص ٦٩. ومقالات الإسلاميين للأشعري ١/٣٥٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ص ٧٣، ٧٥، ٧٦. ٤ انظر هذه الأقوال الثلاثة في: مجموع الفتاوى ١١/٥١٨. ومنهاج السنة النبوية ٣/٤٩٦-٤٩٧. وشرح الطحاوية ص ٥٣٨. وغاية الأماني في الرد على النبهاني للآلوسي ١/١٨٧. وكذلك في المقدمة السالمة في خوف الخاتمة لملا علي القاري - مخطوط - رقم اللوحة ٣٥، ضمن مجموع ابن سلطان رقم ١٥٨٩.
[ ١ / ١٥٤ ]
وقيل: يشهد به لمن جاء به نص، إن١ كان [خبرًا] ٢ صحيحًا؛ كمن شهد له النبيّ بالجنة فقط. وهذا قول كثيرٍ من أصحابنا، وغيرهم.
وقيل: يشهد به لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح٣؛ كعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وغيرهما.
وكان أبو ثور٤ يشهد لأحمد بن حنبل بالجنّة.
وقد جاء في الحديث الذي في المسند: "يُوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار". قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ"٥.
وفي الصحيحين: أنّ النبيّ ﷺ مُرّ عليه بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال: "وَجَبَت وَجَبَت". ومُرّ عليه بجنازة، فأثنوا عليها شرًا، فقال: "وَجَبَت وَجَبَت". فقيل: يا رسول الله! ما قولك: وجبت وجبت؟ قال:
_________________
(١) ١ في «خ»: وإن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: خيرًا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والأشبه أن يُشهد له بذلك. هذا في الأمر العام) . انظر مجموع الفتاوى ١١/٦٥. ٤ هو إبراهيم بن خالد. الإمام الحافظ الحجة المجتهد، مفتي العراق، أبو ثور. ولد في حدود سنة ١٧٠؟. قال الإمام أحمد لمّا سُئل عنه: أعرفه بالسنّة منذ خمسين سنة، وهو عندي في مسلاخ سفيان الثوري. وقال النسائي: ثقة مأمون، أحد الفقهاء. توفي في صفر ٢٤٠؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/٧٢. والبداية والنهاية ١٠/٣٢٢. ٥ الحديث رواه الإمام أحمد في المسند ٣/٤١٦، ٦/٤٦٦، من حديث أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه. وسنده حسن كما ذكر محققا شرح الطحاوية ص ٥٣١.
[ ١ / ١٥٥ ]
"هذه الجنازة أثنيتم عليها الخير، فقلت: وجبت لها الجنة. وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًا، فقلت: وجبت لها النار. أنتم شهداء الله في الأرض"١.
وفي حديث آخر: "إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنتَ، فقد أحسنت. وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأتَ، فقد أسأت"٢.
وسئل عن الرجل: يعمل العمل لنفسه، فيحمده الناس عليه، فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" ٣.
الثناء على رجل يعرف بأسباب
والتحقيق: أنّ هذا قد [يُعلم] ٤ بأسباب، وقد يغلب على الظن. ولا يجوز للرجل أن يقول بما لا يعلم؛ ولهذا لما قالت أم العلاء الأنصارية٥: لمّا قدم المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار على سكناهم، فصار لنا عثمان بن مظعون٦ في السكنى، / فمرض، فمرضناه، ثم توفي، فجاء رسول الله ﷺ، فدخل، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه ١/٤٦٠. ومسلم في صحيحه حديث ٩٤٩. ٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ١/٤٠٢١. وقال الساعاتي: (وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: حديث عبد الله بن مسعود هذا صحيح، رجاله ثقات، وأورده الهيثمي، وقال: رواه (طب) ورجاله رجال الصحيح. وغفل عن عزوه للإمام أحمد) . الفتح الرباني ١٩/٢١٩-٢٢٠. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، حديث ٢٦٤٢. ٤ في «خ»: يعمل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ هي أم العلاء بنت الحارث بن ثابت الخزرجية. يُقال إنها والدة خارجة بن زيد بن ثابت. إحدى الصحابيات ﵂. انظر الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٤/٤٧٨. ٦ هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب الجمحي، أبو السائب. من سادة المهاجرين، وممن فازوا بوفاتهم في حياة نبيّهم ﷺ، فصلى عليهم. وكان أول من دفن بالبقيع. انظر: حلية الأولياء ١/١٠٢. وسير أعلام النبلاء ١/١٥٣.
[ ١ / ١٥٦ ]
أن قد أكرمك الله. قال النبي ﷺ: " [وما يدريك] ١ أنّ الله قد أكرمه؟ ". قالت: لا والله، لا أدري. فقال النبي ﷺ: "أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير. والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي ولا بكم". قالت: فوالله لا أزكي بعده أحدًا أبدًا. قالت: ثم رأيت لعثمان [﵁] ٢ بعد في النوم عينًا تجري، فقصصتها على رسول الله ﷺ، فقال: "ذاك عمله"٣.
وأما من لم يكن مقرًا بالأنبياء، فهذا لا يعرف الولي من غيره؛ إذ الولي لا يكون وليًا إلا إذا آمن بالرسل.
لكن قد [تدل] ٤ الخوارق على أنّ هؤلاء على الحقّ، دون هؤلاء؛ لكونهم من أتباع الأنبياء؛ كما قد [يتنازع] ٥ المسلمون والكفار في الدين؛ فيؤيّد الله المؤمنين بخوارق تدل على صحة دينهم؛ كما صارت النار على أبي مسلم٦ بردًا وسلامًا؛ وكما شرب خالد السمّ٧، وأمثال ذلك. فهذه الخوارق هي من جنس آيات الأنبياء.
كل ما كان الإنسان أقرب إلى الإسلام فهو أقوى خوارق
وقد يجتمع كفار، ومسلمون، ومبتدعة، وفجّار؛ فيؤيّد هؤلاء بخوارق تعينهم عليها الجنّ و[الشياطين] ٨، ولكن جنهم وشياطينهم أقرب إلى
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ ما بين المعقوفتين يُوجد في «ط» فقط. ٣ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٢/٩٥٤، ٩٥٥. ٤ في «خ»: يدلّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «خ»: تتنازع. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ الخولاني. تقدمت قصته قريبًا، ص ١٥٩. ٧ تقدمت قصة شرب خالد بن الوليد ﵁ للسمّ قريبًا، ص ١٥٩. ٨ في «خ»: الشيطاطين. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٥٧ ]
الإسلام؛ فيترجّحون بها على أولئك الكفار عند من لا يعرف النبوّات؛ كما يجري لكثيرٍ من المبتدعة، والفجّار، مع الكفّار؛ مثل ما يجري للأحمدية١، وغيرهم، مع عبّاد المشركين البخشيّة٢ قدّام التتار٣، كانت خوارق هؤلاء أقوى لكونهم كانوا أقرب إلى الإسلام٤.
_________________
(١) ١ الأحمدية، والرفاعية من طرق الصوفية. وتنسب إلى أحمد الرفاعي بن سلطان علي. ويُوصل أتباعه نسبه إلى موسى الكاظم بن جعفر الصادق، إلى علي بن أبي طالب ﵁. ولد أحمد الرفاعي في قرية حسن بالقرب من أم عبيدة بالعراق سنة ٥١٢؟، وتوفي سنة ٥٧٨، ودفن في قرية أم عبيدة. انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٢/٣١٢. وسير أعلام النبلاء للذهبي ٢١/٧٦. وطبقات الشافعية للسبكي ٤/١٩. وشذرات الذهب لابن العماد ٤/٢٥٩. والفكر الصوفي لعبد الرحمن عبد الخالق ص ٣٦٦. وقد ناقش شيخ الإسلام - ﵀ - هؤلاء الرفاعية وكشف حقيقة ما يظهرونه من المخاريق مثل ملابسة النار والحيات وإظهار الدم، وذلك في مناقشة علنية بحضور نائب السلطان وأهل دمشق. انظر مجموع الفتاوى ١١/٤٤٥، ٤٧٦، ٤٩٤. (بخش) كلمة سنسكريتية، أصل الكلمة (بهشكو)، وهي تدلّ على كهنة بوذا. وهذا أحد معانيها. والكلمة بهذا المعنى ترادف الكلمة الصينيّة: (هو شانغ)، والتيبتية: (لاما)، والأويغورية: (تواين) . انظر: دائرة المعارف الإسلامية لمجموعة من المستشرقين ٦/٣٨٦. وقد تكلم شيخ الإسلام ﵀ عن هؤلاء البخشية في كتاب الصفدية ١/١٩١. ومنهاج السنة ٣/٤٤٦-٤٤٧. ٣ لعل المراد أنّ أحوال هؤلاء لا تظهر إلا عند التتار. ٤ ذكر شيخ الإسلام ﵀ قصة لشيخ من الأحمدية: أنه كان مرة عند بعض أمراء التتار، وكان لهذا الأمير صنم يعبده، فقال الأمير لذاك الشيخ: هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كلّ يوم، ويبقى أثر الأكل في الطعام. فأنكر الشيخ ذلك، فقال له الأمير: إن كان يأكل، فأنت تموت - يعني سيقتله لإنكاره ذلك. فقال له الشيخ: نعم. يقول ذاك الشيخ: فأقمت عنده إلى نصف النهار، ولم يظهر في الطعام أثر، فاستعظم ذلك التتري. قال شيخ الإسلام ﵀: فقلت لهذا الشيخ: أنا أُبيّن لك سبب ذلك؛ التتريّ كافر مشرك، ولصنمه شيطان يُغويه بما يُظهره من الأثر في الطعام. وأنتَ كان معك من نور الإسلام ما أوجب انصراف الشيطان فالتتري وأمثاله سود، وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بُلق؛ فيكم سواد وبياض) . «مجموع الفتاوى» ١١/٤٤٧-٤٤٨. ونقل شيخ الإسلام ﵀ عن شيخٍ من مشايخ الأحمدية قوله: أحوالنا تظهر عند التتار، لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله. انظر مجموع الفتاوى ١١/٤٥٥.
[ ١ / ١٥٨ ]
كلام الغزالي ينفع الفلسفي ويضر المسلم
وعند من هو أحق بالإسلام منهم لا تظهر خوارقهم، بل تظهر خوارق من هو أتمّ إيمانًا منهم. وهذا يُشبه ردّ أهل البدع على الكفّار بما فيه بدعة؛ فإنّهم وإن ضلّوا من هذا الوجه، فهم خير من أولئك الكفار، لكن من أراد أن يسلك إلى الله على ما جاء به الرسول يضرّه هؤلاء، ومن كان [حائرًا] ١ نفعه هؤلاء. بل كلام أبي حامد٢ ينفع المتفلسف ويصير أحسن؛ فإنّ المتفلسف يُسلم به إسلام الفلاسفة، والمؤمن يصير به إيمانه مثل إيمان الفلاسفة. وهذا [أردأ] ٣ من هذا، بخلاف ذاك.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: جائرًا. ٢ هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسيّ الشافعيّ الغزالي. توفي سنة ٥٠٥ هـ. قال عنه أبو بكر بن العربي: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيّأهم، فما استطاع. وقال عنه ابن الجوزي: صنّف أبو حامد الإحياء، وملأه بالأحاديث الباطلة، ولم يعلم بُطلانها، وتكلّم على الكشف، وخرج عن قانون الفقه. انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/٣٢٢. ٣ في «خ»: ردّه. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٥٩ ]
أنواع الخوارق
والخوارق ثلاثة أنواع١:
إمّا أن [تُعين] ٢ صاحبها على البر والتقوى؛ فهذه أحوال نبيّنا ومن اتبعه؛ خوارقهم لحجّة في الدين، أو حاجةً للمسلمين.
والثاني: أن تعينهم على مباحات؛ كمن [يُعينه] ٣ الجنّ على قضاء حوائجه المباحة؛ فهذا متوسط، وخوارقه لا ترفعه ولا تخفضه. وهذا يُشبه تسخير الجنّ لسليمان [﵇] ٤. والأول مثل إرسال نبيّنا إلى الجنّ يدعوهم إلى الإيمان؛ فهذا أكمل من استخدام الجنّ في بعض الأمور المباحة؛ كاستخدام سليمان [﵇] ٥ لهم في محاريبَ، وتماثيلَ، وجِفانٍ [كالجوابِ] ٦ وقدورٍ راسيات، [اعملوا آل داود شُكرًا] ٧؛ قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ [كَالجَوَابِ] ٨ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْملُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًَا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِير﴾ ١٠.
ونبيّنا أُرسل إليهم يدعوهم إلى الإيمان بالله وعبادته؛ كما أُرسل إلى الإنس. فإذا اتّبعوه، صاروا سعداء. فهذا أكمل له ولهم من ذاك.
_________________
(١) ١ انظر أيضًا: مجموع الفتاوى ١١/٣١٩-٣٢٠، ٣٢٣-٣٢٩. ٢ في «خ»: يعين. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: تعينه. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٦ في «م»، و«ط»: كالجوابي. ٧ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٨ في «م»، و«ط»: كالجوابي. ٩ سورة سبأ، الآية ١٣. ١٠ سورة سبأ، الآية ١٢.
[ ١ / ١٦٠ ]
العبد الرسول أكمل من الملك الرسول
كما أنّ العبدَ الرّسول أكمل من النبيّ الملِك١. ويوسف، وداود، وسليمان [﵈] ٢ أنبياء ملوك. وأمّا محمّد [ﷺ] ٣ فهو عبدٌ رسولٌ؛ كإبراهيم، وموسى، والمسيح [﵈] ٤. وهذا الصنف أفضل، وأتباعهم أفضل.
_________________
(١) ١ وقال شيخ الإسلام ﵀ أيضًا: "وانقسم الأنبياء ﵈ إلى عبدٍ رسول، ونبيّ ملك. وقد خيَّر الله سبحانه محمّدًا ﷺ بين أن يكون عبدًا رسولًا، وبين أن يكون نبيًّا ملكًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا فالنبيّ الملك يفعل ما فرض الله عليه، ويترك ما حرّم الله عليه، ويتصرّف في الولاية والمال بما يُحبّه، ويختار من غير إثم عليه. وأما العبد الرسول فلا يُعطي أحدًا إلا بأمر ربه، ولا يُعطي من يشاء ويحرم من يشاء؛ بل رُوي عنه أنّه قال: "إني والله لا أعطي أحدًا، ولا أمنع أحدًا، إنّما أنا قاسم حيث أمرت". مجموع الفتاوى ١١/١٨٠-١٨١. وانظر: المصدر نفسه ١٣/٨٨. ومنهاج السنة النبوية ٧/٤٦٨. والبداية والنهاية لابن كثير ٦/٥٠، ٢٩٤. وحديث "إني والله لا أُعطي أحدًا". رواه البخاري في كتاب فرض الخمس. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنّ رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: "إنّ عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختارما عنده.. فبكى أبو بكر.." انظر: صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة رقم ٤٥ - الفتح ٧/٢٢٧ -. وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من مناقب أبي بكر الصديق ﵁، رقم ٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: "جلس جبريل إلى النبيّ ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إنّ هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة. فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك فقال: أفملكًا نبيًا يجعلك، أو عبدًا رسولًا. قال جبريل: تواضع لربك يا محمد. قال: "بل عبدًا رسولًا". انظر: مسند الإمام أحمد ٢/٢٣١. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح (المسند ١٢/١٤٢-١٤٣)، والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان١٤/٢٨٠. وقال محققه: صحيح على شرط الشيخين. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» .
[ ١ / ١٦١ ]
أهل البدع أحوالهم من إعانة الشياطين
والثالث: أن تعينه على محرمات؛ مثل الفواحش، والظلم، والشرك، والقول الباطل؛ فهذا من جنس خوارق السحرة، والكهّان، والكفّار، والفجّار؛ مثل أهل البدع من الرفاعية١، وغيرهم؛ فإنهم يستعينون بها على الشرك، وقتل النفوس بغير حق، والفواحش. وهذه الثلاثة هي التي حرّمها الله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًَا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًَا﴾ ٢.
ولهذا كانت طريقهم من جنس طريق الكهّان، والشعراء، والمجانين - وقد نزّه الله نبيّه عن أن يكون مجنونًا، وشاعرًا، وكاهنًا٣ - فإنّ إخبارهم٤ بالمغيّبات عن شياطين تنزل عليهم كالكهّان، وأقوى أحوالهم لمؤلهيهم. وهم من جنس المجانين، وقد قال شيخهم: إن أصحاب الأحوال منهم يموتون على غير الإسلام. وأما سماعهم، ووجدهم فهو شعر الشعراء، ولهذا شبّههم من رآهم بعبّاد المشركين؛ من الهند الذين يعبدون الأنداد.
_________________
(١) ١ تقدم التعريف بهم ص ١٨٠. ٢ سورة الفرقان، الآية ٦٨. ٣ قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ . [سورة الطور، الآيات ٢٩-٣١] . ٤ يعني الكهان، والشعراء، والمجانين.
[ ١ / ١٦٢ ]