وقد ذكر القاضي أبو بكر أنّ من المثبتة المجيزين للكرامات من أجاب عن حجة النفاة، بأن قال: الأدلّة على ضربين: عقلية، ووضعية؛ فالعقليّ يدلّ لنفسه وجنسه، والوضعيّ يدلّ مع المواطأة، ولا يدلّ مثله مع عدمها؛ كعقد العشرة.
وضعف أبو بكر هذا، بأن قال لهم أن يقولوا: إذا كانت المعجزات تجري مجرى القول، فحيث قصدت دلّت. وعنده أنّ الأمر ليس كذلك١.
قلت: بل هذا القائل أحسن؛ لأنّها تدلّ إذا قصدت بها الدلالة؛ مثل قيام الأمر، وقعوده إذا طلب ذلك منه؛ ومثل العلامة التي تكون للشخص إذا جعلها علامة؛ فحيث قصد الدلالة به دلّ. لكن لازم هذا أن لا يكون إلا إذا طلب الاستدلال بها، [لا نفس] ٢ الدعوى.
ثم إنّه٣ ذكر أنّ الخارق للعادة لا بُدّ أن يكون خارقًا لعادة جميع المرسَل إليهم٤.
_________________
(١) ١ لعلّ ما نقله شيخ الإسلام ﵀ هنا عن القاضي أبي بكر الباقلاني هو من القسم المفقود من كتاب البيان؛ إذ المطبوع منه ناقصٌ من آخره. ٢ في «ط»: لأنفس. ٣ أي القاضي أبو بكر الباقلاني. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٥٠، ٥٥.
[ ١ / ٥٤٤ ]
ثمّ جوَّز أن يكون ممّا اعتاده كثيٌر منهم، بشرط أن يمنعهم عن المعارضة، فيكون ذلك خرق عادة١.
ثم قال في الكرامات: لا يجوز أن تكثر حتى تصير عادة؛ لأنّ من حق المعجز على قولنا وقولهم أن يكون خارقًا للعادة، فلا تجوز إدامة ظهوره فيصير عادة، بل يقع نادرًا٢. وقد [جوَّزوا] ٣ في السحر والكهانة أن يكون عادة، لكن عند دعوى النبوة يمنعهم من المعارضة، فكانت الكرامات أولى بذلك هي عادة للصالحين، وإذا ادّعى النبوّة صادقٌ منع من المعارضة٤. فهذا اضطرابٌ آخر.
قول الباقلاني الخوارق لاتظهر إلا على يد نبي أو ولي. والرد عليه
وادّعى إجماع الأمة على أنّها لا تظهر على فاسق. ولولا الإجماع لجوّز ذلك؛ لأنّه لا ينقض دليل النبوة، فصارت تدلّ على الولاية بالإجماع. على أنّها لا تظهر إلا على يد نبيّ أو وليّ. فبهذا الإجماع يعلم أن من ظهرت [على] ٥ يده وليّ٦.
وهذا تناقضٌ من وجهين:
أحدهما: أنّهم قد قالوا: إنّها لا تدلّ على الولاية؛ لأن الولي من مات على الإيمان. وهذا غير معلوم.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ١٦-٢٠، ٢٣، ٧٢. ٢ هذا الكلام غير موجود في المطبوع من كتاب البيان للباقلاني. وقد تقدمت الإشارة إلى أنّ الكتاب ناقص من آخره. ٣ في «خ»: جوّز. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥، ٩٦-٩٧، ١٠٠. ٥ في «ط»: عغى. وهو خطأ مطبعي. ٦ انظر: البيان للباقلاني ص ٩١، ١٠٣-١٠٤، ١٠٥.
[ ١ / ٥٤٥ ]
الفرق بين المعجزات والسحر عند الأشاعرة
الثاني: أنّه يقال: إذا جوَّزتَ أن يظهر على يد الساحر، والكاهن، ونحوهما من الكفار ما هو من جنس المعجزات والكرامات، وقلتَ١: يجب أن لا يستثنى من السحر شيء لا يفعل عنده، إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنه لا يكون بضرب من السحر، ولا يفعل عنده؛ كفلق البحر ونحوه؛ فيكون الفرق بين السحر وغيره [إنّما] ٢ يُعلم بهذا الإجماع، إن ثبت. وإلا فعندك يجوز أن يظهر على يد الساحر كل ما يظهر على يد النبيّ إذا لم يدع النبوة، [ويحتجّ] ٣ بذلك إذا ادّعى النبوة، وعارضه معارضٌ بالمثل. فكيف [تقول] ٤ مع هذا: إنّ الخوارق تدلّ على الولاية بالإجماع، وأنت تجوّز ظهورها على أيدي الكفار؛ من السحرة، والكهان.
فإن قال: السحر والكهانة كانا قبل الرسول، فلما جاء بطلا.
قيل: أنت قد أثبتَّ أنّ نفسه سُحِر بعد النبوة٥، وأنّ السحر كان على عهد الصحابة، وقتلوا الساحر، وذكرتَ إجماع الفقهاء على أنَّ السحر يكون من المسلمين، وأهل الكتاب٦، والساحر ليس [بوليٍّ لله] ٧. والسحر عندك هو من جنس الكرامات. الجميع خارق للعادة، لم يستدل به على النبوّة٨.
_________________
(١) ١ انظر: قول الباقلاني في كتابه البيان ص ٩١-٩٨. ٢ في «ط»: تأنما. ٣ في «م»، و«ط»: ولا يحتجّ. ٤ في «خ»: يقول. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٨٢-٨٣. ٦ انظر: البيان للباقلاني ص ٧٨-٨٧. ٧ في «ط»: بولي الله. ٨ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٣-٩٧. فالباقلاني يجعل عمل الساحر من الخوارق، وأنه مما يفعله الله عند سحر الساحر، ولا يستثني من عمل الساحر للخوارق إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنّه لا يكون بضربٍ من السحر؛ كالآيات الكبرى للأنبياء. أما الفرق بين السحر والمعجزات: فإنه إن ادّعى الساحر بسحره النبوة أبطله الله تعالى بوجهين: أحدهما: أنه إذا علم ذلك في حال الساحر، وأنه سيدعي به النبوة، أنساه عمل السحر جملة. والثاني: أن يهيئ الله خلقًا من السحرة يفعلون مثل فعله، ويعارضونه، فينتقض بذلك ما ادعاه، ويبطل. انظر: البيان للباقلاني ص ٩١، ٩٤-٩٥. أما الفرق بين المعجزة والكرامة: فليس موجودًا في المطبوعة الناقصة من البيان. ولكن الباقلاني ذكر ذلك في رسالته إلى أحد العلماء؛ إذ ذكر فيها أنّ الفرق هو أنّ الأمر الخارق للنبيّ مقرونٌ بالتحدي والاحتجاج، وأنّ صاحب الكرامة لا يدّعي النبوة بكرامته، ولو علم الله أنه يدعي بها، لما أجراها على يديه. انظر المعيار المعرب ١١ ٢٥٠-٢٥١، ضمنه رسالة كتبها الباقلاني إلى محمد بن أحمد بن المعتمر المرقي. وقد نقلت النصّ من كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٢ ٥٤٩. وهذا يؤكد ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عنهم أنهم يجعلون الكرامات من جنس السحر. وقد صرّح الجويني بهذا في كتابه الإرشاد. انظر: الإرشاد ص ٣٢٢، ٣٢٨.
[ ١ / ٥٤٦ ]
فكيف تقول مع هذا: إنّ الخوارق [لا تكون] ١ إلاَّ لنبيّ، أو وليّ، وأنت [تُثبتها] ٢ للكفار٣.
وهذا كلّه من جهة أنّه أخذ جنس [الخارق] ٤ مشتركًا؛ فجوّز أن يكون للنبيّ، وغير النبيّ، مع قوله: إنّ الخارق لا بُدّ أن يكون خارقًا لعادة جميع
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ في «م»، و«ط»: أثبتها. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٨-٤٩، ٩١-٩٨. وانظر: أيضًا أصول الدين للبغدادي ص ١٧٠. ٤ في «م»، و«ط»: الخوارق.
[ ١ / ٥٤٧ ]
المرسَل إليهم. ولكن عنده هذا يحصل بعدم المعارضة. وحينئذٍ فاشتراط كونه خارقًا، ومختصًا بمقدور [الربّ] ١ باطلٌ.
وهو قد حكى أنّ الاجماع على أن المعجز لا بُدّ أن يكون خارقًا للعادة، فقال: اعلموا رحمكم الله أنّ الكلّ من سائر الأمم قد شرطوا في صفة المعجز أن يكون خارقًا للعادة٢.
[ثم قال٣ في فصول الكرامات] ٤:
_________________
(١) ١ في «خ»: للربّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ البيان للباقلاني ص ٥٠. ٣ أي الباقلاني. ٤ قال في «ط»: "فصل. ثمّ قال في فصول الكرامات ". ولا يُسلّم له صنيعه؛ لأنّ الكلام متعلّق بما سبق؛ من ذكر أقوال القاضي أبي بكر الباقلاني في الكرامات.
[ ١ / ٥٤٨ ]
[ثم قال١ في فصول الكرامات] ٢