ومن تدبّر هذا١، وغيره، تبيَّن له أنَّ جميع ما ابتدعه المتكلمون، وغيرهم؛ مما يخالف الكتاب والسنة، فإنّه باطل.
المبتدعون المخالفون للكتاب والسنة
ولا ريب أن المؤمن يعلم من حيث الجملة أنّ ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل. لكنْ كثيرٌ من الناس لا يعلم ذلك في المسائل المفصلة؛ لا يعرف ما الذي يوافق الكتاب والسنة، وما الذي يخالفه؛ كما قد أصاب [كثيرًا] ٢ من النّاس في الكتب المصنفة في الكلام؛ في أصول الدين، وفي الرأي والتصوف، وغير ذلك؛ فكثيرٌ منهم قد اتّبع طائفة يظنّ أنّ ما يقولونه هو الحق، وكلّهم على خطأ وضلال.
خطبة الإمام أحمد
ولقد أحسن الإمام أحمد في قوله في خطبته، وإن كانت مأثورة عمن تقدم٣: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل
_________________
(١) ١ أي هذه الفروق بين آيات الأنبياء وغيرهم، والتي ذكرها آنفًا في الفصل السابق. ٢ في «م»، و«ط»: كثير. ٣ أخرجه ابن عدي في الكامل ١١٥٣، والخطيب البغدادي في كتاب أصحاب الحديث ص ٢٨. وقال الهيثمي: يتقوى الحديث بتعدد طرقه، فيكون جسنًا. انظر: إرشاد الساري ١٤. وذكر ابن القيم لهذا الحديث عدة طرق، في مفتاح دار السعادة ١٢٠٦-٢٠٧. وأورده التبريزي في مشكاة المصابيح رقم ٢٤٨، وفيه: عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله ﷺ: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين". رواه البيهقي. وقد علق الشيخ الألباني على هذا الحديث بأنه مرسل؛ لأن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري هذا تابعي مقلّ كما قال الذهبي، وراويه عنه معاذ بن رفاعة ليس بعمدة. لكن الحديث قد روي موصولًا من طريق جماعة من الصحابة، وصحح بعض طرقه الحافظ العلائي في بغية الملتمس (٣-٤) . وروى الخطيب في شرف أصحاب الحديث (٢٣٥) عن مهنا بن يحيى قال: سألت أحمد يعني ابن حنبل عن حديث معاذ بن رفاعة عن إبراهيم هذا، فقلت لأحمد: كأنه كلام موضوع؟ فقال: لا، هو صحيح. فقلتُ له: ممن سمعته أنت؟ قال: من غير واحد. قلت: من هم؟ قال: حدثني به مسكين، إلا أنه يقول: معاذ، عن القاسم بن عبد الرحمن. قال أحمد: معاذ بن رفاعة لا بأس به انظر: مشكاة المصابيح ١٨٢-٨٣. وقال الذهبي عن العذري في الميزان: "ما علمته واهيًا، أرسل حديث: "يحمل هذا العلم من كلّ خلفٍ عدوله"
[ ١ / ٥٦١ ]
العلم، يدعون من ضلّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويُبصّرون بنور الله أهل العمى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم. ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة؛ فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب. يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم. يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشّبهون عليهم. فنعوذ بالله من فتن المضلين"١.
فهؤلاء أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم، كما قال: مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مفارقة الكتاب.
_________________
(١) ١ انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص ٨٥ تحقيق عبد الرحمن عميرة.
[ ١ / ٥٦٢ ]
أهل البدع مخالفون للكتاب والسنة
وتصديق ما ذكره: أنّك لا تجد طائفة منهم توافق الكتاب والسنة فيما جعلوه أصول دينهم. بل [لكلّ] ١ طائفة أصول دين لهم؛ فهي أصول دينهم الذي هم عليه، ليس هي أصول الدين الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه.
وما هم عليه من الدين، ليس كله موافقًا للرسول، ولا كله مخالفًا له؛ بل بعضه موافق، وبعضه مخالف؛ بمنزلة أهل الكتاب الذين لبسوا الحق بالباطل؛ كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعمَتِيَ التِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهدِكُمْ وَإِيّاي فَارْهَبُون وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًَا لِمَا مَعَكُم وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًَا قَلِيلًا وَإِيَّاي فَاتَّقُون وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ ٣.
لكنّ بعض الطوائف أكثر مخالفةً للرسول من بعض، وبعضها أظهر مخالفة. ولكنّ الظهور أمرٌ نسبيّ؛ فمن عرف السنّة ظهرت له مخالفة من خالفها؛ فقد [تظهر] ٤ مخالفة بعضهم للسنة لبعض الناس؛ لعلمه بالسنة دون من لا يعلم منها ما يعلمه هو؛ وقد تكون السنة في ذلك معلومة عند جمهور الأمة؛ فتظهر مخالفة من خالفها؛ كما [تظهر] ٥ للجمهور مخالفة الرافضة للسنة. وعند الجمهور هم المخالفون للسنة، فيقولون: أنت سني، أو رافضي؟.
_________________
(١) ١ في «ط»: بكل. ٢ سورة البقرة، الآيات ٤٠-٤٢. ٣ سورة آل عمران، الآية ٧١. ٤ في «خ»: يظهر. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «خ»: يظهر. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٦٣ ]
وكذلك الخوارج: لمّا كانوا أهل سيف وقتال، ظهرت مخالفتهم للجماعة؛ حين كانوا يقاتلون الناس. وأما اليوم فلا يعرفهم أكثر الناس.
وبدع القدرية، والمرجئة، ونحوهم: لا تظهر مخالفتها بظهور هذين.
ظهور الخوارج
ظهور القدرية والمرجئة
وهاتان البدعتان ظهرتا١ لما قتل عثمان [﵁] ٢؛ في الفتنة؛ في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [﵁] ٣. وظهرت [الخوارج] ٤ بمفارقة أهل الجماعة، واستحلال دمائهم وأموالهم؛ حتى قاتلهم٥ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [﵁] ٦ في ذلك لأمر النبي ﷺ ٧.
_________________
(١) ١ وانظر: عرضًا لظهور الفتن، وانتشار البدع، والمذاهب في الإسلام في مجموع الفتاوى لابن تيمية ٨٢٢٨-٢٢٩،، ٢٨٤٩٠-٤٩١. وفي منهاج السنة النبوية له ١٣٠٦-٣٠٩. ٢ زيادة من «ط» . ٣ زيادة من «ط» . ٤ في «م»، و«ط»: الخوارق. ٥ انظر: سبب خروج الخوارج، وقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لهم في موقعة النهروان، في البداية والنهاية لابن كثير ٧٢٨٩-٣٢١. ٦ زيادة من «ط» . ٧ يُشير ﵀ إلى قول عليّ بن أبي طالب ﵁: "إذا حدّثتكم عن رسول الله ﷺ، فلأن أخر من السماء أحب إليّ من أن أقول عليه ما لم يقل. وإذا حدّثتكم فيما بيني وبينكم؛ فإنّ الحرب خدعة؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: " سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإنّ في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة"..". صحيح البخاري ٣١٣٢١-١٣٢٢، كتاب المناقب، باب علامة النبوة. وصحيح مسلم ٢٧٤٦-٧٤٧، كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج.
[ ١ / ٥٦٤ ]
الأحاديث في الخوارج
قال الإمام أحمد بن حنبل: صحّ الحديث في الخوارج من عشرة أوجه١.
وهذه٢ قد رواها صاحبه مسلم بن الحجاج في صحيحه٣، وروى البخاري قطعة منها٤.
اتفاق الصحابة على قتال الخوارج
واتفقت الصحابة على قتال الخوارج، حتى إنّ ابن عمر مع امتناعه عن الدخول في فرقة؛ كسعد٥، وغيره من السابقين٦. ولهذا لم يبايعوا
_________________
(١) ١ انظر: السنة للخلال ١١٤٥. وقال المحقق: إسناده صحيح. وقال شيخ الإسلام ﵀ في غير هذا الكتاب: "قال الإمام أحمد: صحّ الحديث في الخوارج من عشرة أوجه. وقد رواها مسلم في صحيحه، وروى البخاري منها ثلاثة أوجه؛ حديث عليّ، وأبي سعيد، وسهل بن حنيف. وفي السنن والمسانيد طرق أُخَر متعددة ". مجموع الفتاوى ٢٨٥١٢. ٢ الأوجه. ٣ انظر: صحيح مسلم ٢٧٤٠-٧٤٦، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، و٢٧٤٦-٧٤٩ كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، و٢٧٥٠، كتاب الزكاة، باب الخوارج شر الخلق والخليقة. ٤ انظر: صحيح البخاري ٣١١٤٨، كتاب الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يُعطي المؤلفة قلوبهم، ٣١٢١٩، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، ٤١٥٨٣، كتاب المغازي، باب بعث علي وخالد ﵄ إلى اليمن قبل حجة الوداع،، ٤١٩٢٧-١٩٢٨، كتاب فضائل القرآن، باب من راءى بقراءة القرآن، ٣١٣٢١-١٣٢٢، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، ٦٢٥٣٩، كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج، ٦٢٥٤٠، كتاب استتابة المرتدين، باب من ترك قتال الخوارج للتألف. ٥ ابن أبي وقاص ﵁. ٦ اعتزل كثير من الصحابة الفتنة التي وقعت بعد مقتل عثمان ﵁، فلم يُقاتلوا لا مع علي، ولا مع معاوية. ومن هؤلاء: سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبو بكرة، وعمران بن حصين، وأكثر السابقين الأولين. انظر: منهاج السنة النبوية ١٥٤١-٥٤٢.
[ ١ / ٥٦٥ ]
لأحدٍ إلا في الجماعة١قال٢ عند الموت: ما آسى على شيء إلا على أني لم أقاتل الطائفة الباغية مع علي رضي الله عنه٣؛ يريد بذلك قتال الخوارج، وإلا فهو لم يبايع؛ لا لعلي، ولا غيره، ولم يبايع معاوية إلا بعد أن اجتمع الناس عليه. فكيف يقاتل إحدى الطائفتين؟ وإنّما أراد المارقة التي قال فيها النبيّ ﷺ: "تمرُق مارقة على حين فرقةٍ من الناس، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق"٤. وهذا حدَّث به أبو سعيد٥، فلما بلغ ابن عمر قول النبي ﷺ في الخوارج، وأمره بقتالهم، تحسّر على ترك قتالهم.
الصحابة على ثلاثة أقوال في فتنة الجمل وصفين
فكان قتالهم ثابتًا بالسنة الصحيحة الصريحة، وباتفاق الصحابة؛ بخلاف فتنة الجمل وصفّين٦؛ فإنّ أكثر السابقين الأولين كرهوا القتال في هذا، وهذا.
السنة دلت على أن عليا أولى الطائفتين
وكثيرٌ من الصحابة قاتلوا إما من هذا [الجانب] ٧، وإما من هذا الجانب؛ فكانت الصحابة في ذلك على ثلاثة أقوال٨.
_________________
(١) ١ انظر: عن الذين اعتزلوا الفتنة؛ كسعد، وابن عمر، فلم يبايعوا لأحدٍ إلا في جماعة: منهاج السنة النبوية ٤٣٩٢-٣٩٣، و٨٥٢٥-٥٢٦. والبداية والنهاية ٧٢٣٧. ٢ القائل هو عبد الله بن عمر ﵁. ٣ انظر: سير أعلام النبلاء ٣٢٣١-٢٣٢. ٤ الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٢٧٤٥-٧٤٦، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم. والإمام أحمد في مسنده ٣٣٢، ٤٨. ٥ الخدري ﵁. ٦ انظر: خبرهما في البداية والنهاية ٧٢٤١، وما بعدها،، و٢٦٤ وما بعدها. وانظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المنهاج ٨٥٢٢-٥٢٨؛ فهو مشابه للكلام الذي ذكره هنا. ٧ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٨ انظر: منهاج السنة النبوية ١٥٣٥، ٥٤١-٥٤٢،،٤٥٠١-٥٠٢،، ٧٤٧٣. ومجموع الفتاوى ٢٧٧٣.
[ ١ / ٥٦٦ ]
\لكن الذي دلت عليه السنة الصحيحة أنّ عليًا بن أبي طالب [﵁] ١ كان أولى بالحق٢، وأنّ ترك القتال بالكلية كان خيرًا وأولى؛ ففي الصحيحين عن أبي سعيد أنّ النبيّ ﷺ قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من الإسلام يقتلهم أولى الطائفتين بالحق"٣. وقد ثبت عنه أنّه جعل القاعد فيها خيرًا من القائم، والقائم خيرًا من الماشي، والماشي خيرًا من الساعي٤، وأنّه أثنى على من صالح، ولم يُثن على من قاتل؛ ففي البخاري وغيره عن أبي بكرة أنّ النبيّ ﷺ قال عن الحسن: "إن ابني هذا سيِّدٌ، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين"٥؛ فأثنى على الحسن في إصلاح الله به بين الفئتين. وفي صحيح مسلم، وبعض نسخ البخاري: أنّ النبيّ ﷺ [قال] ٦ لعمّار: "تقتلك الفئة الباغية" ٧.
_________________
(١) ١ زيادة من «ط» . ٢ انظر: منهاج السنة النبوية ٤٣٥٨. ومجموع الفتاوى ٢٧٥١. ٣ تقدم تخريجه آنفًا. ٤ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. ومن تشرّف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به". الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٣١٣١٨، كتاب المناقب، باب علامات النبوة. ومسلم في صحيحه ٤٢٢١١-٢٢١٢، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب نزول الفتن كمواقع القطر. ٥ رواه البخاري في صحيحه ٢٩٦٢-٩٦٣، كتاب الصلح، باب قول النبيّ ﷺ: "إنّ ابني هذا لسيد"، و٣١٣٢٨، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام. ٦ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٧ رواه الإمام البخاري في صحيحه ٣١٠٣٥، كتاب الجهاد، باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله. والإمام مسلم في صحيحه ٤٢٢٣٥-٢٢٣٦، كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل.
[ ١ / ٥٦٧ ]
بقاء الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة
وفي الصحيحين أيضًا أنّه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"١؛ قال معاذ: وهم بالشام.
وفي صحيح مسلم عنه أنّه قال: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين لا يضرهم من خذلهم" ٢.
أهل المغرب هم أهل الشام
قال أحمد بن حنبل، وغيره: أهل المغرب: أهل الشام٣؛ أي أنّها أول المغرب؛ فإن التغريب [والتشريق] ٤ أمر نسبيّ؛ فلكل بلد غرب وشرق، وهو ﷺ تكلّم بمدينته؛ فما تغرب عنها فهو غرب، وما تشرق عنها فهو شرق، وهي٥ مسامتة أول الشام من ناحية الفرات؛ كما أنّ مكة مسامتة لحرّان٦،
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري ٣١٣٢٩، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، و٦٢٦٦٧، كتاب الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، وهم أهل العلم"، و٦٢٧١٤، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه﴾ . وانظر: صحيح مسلم ٣١٥٢٣-١٥٢٤، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم". ٢ انظر: صحيح مسلم ٣١٥٢٥، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم"، ولفظ مسلم: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة". ٣ انظر: مجموع الفتاوى ٢٧٤١، ٥٠٧. وانظر أقوال العلماء في معنى أهل الغرب، في: شرح النووي على مسلم ١٣٦٨. ومنهاج السنة النبوية ٤٤٦١-٤٦٢. وفتح الباري ١٣٣٠٨. والمغني لابن قدامة ١٣٢٠. ٤ في «ط»: والتشريف. ٥ أي المدينة النبوية. ٦ قال ياقوت في معجم البلدان: (هي مدينة عظيمة مشهورة من جزيرة أقور، وهي قصبة ديار مضر. بينها وبين الرّها يوم، وبين الرقة يومان) . معجم البلدان ٢٢٧١.
[ ١ / ٥٦٨ ]
و[سميساط] ١، ونحوهما٢.
قتال صفين من أي الأنواع كان
[وتصويب قتالهم] ٣ إن كان بعد الإصلاح، فلم يقع الإصلاح وإن كان عند بغيهم في الاقتتال. وإن لم يكن إصلاح فهؤلاء البغاة لم [يكن] ٤ في أصحاب عليّ من يقاتلهم، بل تركوا قتالهم؛ إما عجزًا، وإما تفريطًا؛ فتُرِكَ الإصلاحُ المأمور به.
وعلى هذا قوتلوا ابتداءً قتالًا غير مأمور به، ولما صار قتالهم مأمورًا به لم يقاتلوا القتال المأمور به، بل نكل أصحاب علي [﵁] ٥ عن القتال؛ إمّا عجزًا، وإمّا تفريطًا.
_________________
(١) ١ في «خ»: سميشاط. وما أثبت من «م»، و«ط» . وسُمَيْسَاط: قال ياقوت في معجم البلدان: (سُمَيْسَاط بضم أوله، وفتح ثانيه، ثم ياء من تحت ساكنة، وسين أخرى، ثم بعد الألف طاء مهملة: مدينة على شاطئ الفرات، في طرف بلاد الروم، على غربي الفرات) . معجم البلدان ٣٢٩٣. ٢ وقد قال شيخ الإسلام ﵀ معلّقًا على حديث: "لا يزال أهل المغرب.. ": (وهذا كما ذكروه؛ فإنّ كلّ بلد له غرب وشرق، والاعتبار في لفظ النبي ﷺ بغرب مدينته، ومن الفرات هو غرب المدينة؛ فالبيرة ونحوها على سمت المدينة؛ كما أنّ حران والرقة وسميساط ونحوها على سمت مكة. ولهذا يُقال إنّ قبلة هؤلاء أعدل القبل؛ بمعنى أنك تجعل القطب الشمالي خلف ظهرك، فتكون مستقبل الكعبة. فما كان غربي الفرات فهو غربي المدينة إلى آخر الأرض. وأهل الشام أول هؤلاء". منهاج السنة النبوية ٧٥٧. وانظر مزيد بيان لهذه المسألة في: مجموع الفتاوى ٢٧٤١-٤٢، ٥٠٧-٥٠٨،، ٢٨٥٣٢. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ في «م»، و«ط»: تكن. ٥ زيادة من «ط» .
[ ١ / ٥٦٩ ]
قتال البغاة
والبغاة المأمور بقتالهم: هم الذين بغوا بعد الاقتتال، وامتنعوا من الإصلاح المأمور به؛ فصاروا بغاة مقاتلين.
والبغاة إذا ابتدءوا [بالقتال] ١ جاز قتالهم بالاتفاق؛ كما يجوز قتال [الغواة] ٢ قطّاع الطريق إذا قاتلوا باتفاق الناس. فأمّا الباغي من غير قتال، فليس في النص أنّ الله أمر بقتاله، بل الكفار إنما يُقاتلون بشرط [الحراب] ٣؛ كما ذهب إليه جمهور العلماء، وكما دل عليه الكتاب والسنة؛ كما هو مبسوط في موضعه٤.
أنواع المرتدين الذين قاتلهم الصديق
والصدّيق قاتل المرتدين الذين ارتدوا عمّا كانوا فيه على عهد الرسول من دينه، وهم أنواع: منهم من آمن بمتنبىء [كذّاب] ٥، ومنهم من لم يقرّ ببعض فرائض الإسلام التي أقرّ بها مع الرسول، ومنهم من ترك الإسلام بالكليّة٦.
ولهذا تُسمّى هذه وأمثالها من الحروب بين المسلمين فتنًا؛ كما سمّاها
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: القتال. ٢ في «خ»: الغداة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: الجراب. أما في «خ» فقد كتب الحراب، ووضع تحت حاء الحراب علامة (ح) إشارة إلى أنها مهملة. ٤ انظر: المغني لابن قدامة ١٢٤٧٤-٤٨٣. ومنهاج السنة النبوية ٤٤٦٣، ٥٠٢. ومجموع الفتاوى ٤٤٤٥، ٤٥٠، ١٠٣٧٤-٣٧٥، ٢٧٤١-٤٢، ٥٠٧-٥٠٨، ٢٨٣٠٠-٣٠١، ٥٣٢، ٣٥٧٨-٧٩. ٥ في «خ»: الكذاب. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ انظر: منهاج السنة النبوية ٤٤٩٤، ٥٠١؛ حيث بيّن شيخ الإسلام ﵀ أنواع المرتدين الذين قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ. والجواب الصحيح ٦٤٧٤-٤٧٥.
[ ١ / ٥٧٠ ]
النبيّ ﷺ ١. والملاحم: ما كان بين المسلمين والكفار.
وبسط هذا له موضع آخر٢.
الكلام في الخوارج
والمقصود هنا: أنّ الخوارج ظهروا في الفتنة، وكفّروا عثمان وعليًا [﵄] ٣، ومن والاهما، وباينوا المسلمين في الدار، وسمّوا دارهم دار الهجرة٤، وكانوا كما وصفهم النبيّ ﷺ: يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، وكانوا أعظم الناس صلاةً وصيامًا وقراءةً؛ كما قال النبيّ ﷺ: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم؛ يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية"٥.
معنى مروقهم من الدين
ومروقهم منه: خروجهم؛ باستحلالهم دماء المسلمين، وأموالهم؛ فإنّه قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"٦. وهم بسطوا في المسلمين أيديهم وألسنتهم؛ فخرجوا منه.
_________________
(١) ١ فعن أسامة بن زيد ﵁ أنّ النبيّ ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة، ثم قال: "هل ترون ما أرى. إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع المطر". صحيح مسلم ٤٢٢١١، كتاب الفتن، باب الفتن كمواقع المطر. وانظر: منهاج السنة النبوية ٤٤٥٠-٤٥٢؛ فقد ذكر الشيخ ﵀ عدة أحاديث، فيها إخبار النبيّ ﷺ بما سيكون من الفتن. ٢ انظر: منهاج السنة النبوية ٦٣٢٨-٣٤٤،، ٨٢٣٢-٢٣٣. ٣ زيادة من «ط» . ٤ انظر: منهاج السنة النبوية ٥٢٤٣. ٥ سبق تخريج هذا الحديث ص ٦٨٠. ٦ رواه البخاري في صحيحه ١١٣، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
[ ١ / ٥٧١ ]
لا يكفر الخوارج
ولم يحكم علي [﵁] ١، وأئمة الصحابة فيهم بحكمهم في المرتدين، بل جعلوهم مسلمين.
قول سعد في الخوارج
وسعد بن أبي وقاص، وهو أفضل من كان قد بقي بعد علي [﵁] ٢، وهو من أهل الشورى، واعتزل في الفتنة؛ فلم يقاتل، لا مع علي، ولا مع معاوية. ولكنّه ممن تكلم في الخوارج، وتأوّل فيهم قوله٣: ﴿وَمَا يُضِلّ بِهِ إِلاّ الفَاسِقِين الّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ ٤.
إحراق علي لمن ادعى فيه الألوهية
وحدث أيضًا طوائف الشيعة الإلهية الغلاة، فرُفع إلى عليّ [﵁] ٥ منهم طائفة ادّعوا فيه الإلهية، فأمرهم بالرجوع، فأصروا، فأمهلهم ثلاثًا، ثم أمر بأخاديد من نار فخُدّت، وألقاهم فيها؛ فرأى قتلهم بالنار٦.
اختلاف ابن عباس مع علي في تحريق الزنادقة
وأما ابن عباس: فقال٧: لو كنت أنا لم أحرّقهم بالنار؛ لنهي [رسول
_________________
(١) ١ زيادة من «ط» . ٢ زيادة من «ط» . ٣ انظر: منهاج السنة النبوية ٥٢٥٠. وتفسير ابن كثير ١٦٥. ٤ سورة البقرة، الآيتان ٢٦-٢٧. ٥ زيادة من «ط» . ٦ انظر: منهاج السنة النبوية ١٣٠٦-٣٠٧،، ٢٦١-٦٥،، ٣٤٥٩. وقد قال وقتها: لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا أججت ناري ودعوت قنبرا انظر: مجموع الفتاوى ١٣٣٢-٣٤. وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٥٤٧. وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٨١٦٩. ٧ انظر قوله في: صحيح البخاري ٣١٠٩٨،، ٦٢٥٣٧. ومنهاج السنة النبوية ١٣٠٧. وسير أعلام النبلاء ٣٣٤٦.
[ ١ / ٥٧٢ ]
الله] ١ ﷺ أن يُعذّب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم؛ لقوله ﷺ: "من بدّل دينه فاقتلوه". رواه البخاري٢. وأكثر الفقهاء على قول ابن عباس.
ابن السوداء وإفساده في الدين
وروي أنّه بلغه أنّ ابن السوداء٣ يسبّ أبا بكر وعمر [﵄] ٤، فطلب قتله، فهرب منه٥. فإما قتله على السب، أو لأنّه كان متهمًا بالزندقة.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ الحديث رواه البخاري ٣١٠٩٨، كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله، ٦٢٥٣٧، كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة. ٣ هو عبد الله بن سبأ، رأس الطائفة السبئية، كانت تقول بألوهية علي. أصله من اليمن، وكان يهوديًا من يهود صنعاء، أظهر الإسلام، ورحل إلى الحجاز، فالبصرة، فالكوفة، ودخل دمشق في أيام عثمان بن عفان، فأخرجه أهلها، فانصرف إلى مصر، وجهر ببدعته. ومن مذهبه: رجعة النبي ﷺ إلى الدنيا، فكان يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب برجوع محمد. ولما بويع علي قام إليه ابن سبأ، فقال له: أنت خلقت الأرض، وبسطت الرزق، فنفاه إلى ساباط المدائن، حيث القرامطة وغلاة الشيعة. عُرف بابن السوداء لسواد أمه. قال ابن حجر: ابن سبأ من غلاة الزنادقة، أحسب أن عليًا حرقه بالنار. وقال شيخ الإسلام: إن عليًا لما بلغه قول السبئية طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل: إنه أراد قتله، فهرب منه إلى أرض قرقيسيا. والسبئية يزعمون أن عليًا لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا، وكذلك الأموات يرجعون إلى الدنيا بزعمهم انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري ١٨٦. والفرق بين الفرق ص ٢٣٣-٢٣٦. والملل والنحل ١١٧٤. ومنهاج السنة النبوية ١٢٣، ٣٠، ٣٠٨،، ٨٤٧٩. والبداية والنهاية ٤١٧٤. ولسان الميزان ٣٢٨٩. ٤ زيادة من «ط» . ٥ انظر: منهاج السنة النبوية ١١١، ٣٠٨.
[ ١ / ٥٧٣ ]
وقيل: إنه هو الذي ابتدع بدعة الرافضة، وأنّه كان قصده إفساد دين الإسلام١. وهذا يستحق القتل باتفاق المسلمين.
حكم من سبّ أبابكر وعمر
والذين يسبون أبا بكر وعمر [﵄] ٢، فيهم [تزندق] ٣؛ كالإسماعيلية، والنصيرية؛ فهؤلاء يستحقون القتل بالإتفاق. وفيهم من يعتقد [نبوّة] ٤ النبيّ ﷺ؛ كالإمامية؛ فهؤلاء في قتلهم نزاعٌ، وتفصيلٌ مذكورٌ في غير هذا الموضع٥.
وتواتر عن علي بن أبي طالب [﵁] ٦ أنّه قال: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر"٧.
قدماء الشيعة يفضلون أبا بكر وعمر
وهذا متفقٌ عليه بين قدماء الشيعة، وكلّهم كانوا يفضلون أبا بكر وعمر [﵄] ٨، وإنّما كان النزاع في علي وعثمان [﵄] ٩ حين صار لهذا شيعة، ولهذا شيعة. وأمّا أبو بكر وعمر [﵄] ١٠: فلم يكن أحدٌ يتشيّع لهما، بل جميع الأمة كانت متفقة عليهما؛ حتى الخوارج فإنّهم يتولونهما، وإنما يتبرءون من علي وعثمان١١ [﵄] ١٢.
_________________
(١) ١ انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١١٧٤. ومنهاج السنة النبوية ١٢٣، ٣٠، ٣٠٨، ٦٣٦١، ٧٥١١، ٨٢٥١، ٤٧٩. ٢ زيادة من «ط» . ٣ في «خ»: تزنديق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «م»، و«ط»: بنبوة. ٥ انظر هذه المسألة بالتفصيل، مع أدلتها، وأقوال العلماء فيها في: الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٥٦٦-٥٨٧. ٦ زيادة من «ط» . ٧ انظر: منهاج السنة النبوية ١٣٠٨،، ٢١٣٨. ٨ من «ط» . ٩ من «ط» . ١٠ من «ط» . ١١ انظر: منهاج السنة النبوية ١١٣،، ٧٣٦٩، ٤٧٢. ١٢ من «ط» .
[ ١ / ٥٧٤ ]
وروي١ أنّ معاوية قال: لابن عباس: أنتَ على ملة علي، أم عثمان؟ قال: لا على ملة علي، ولا عثمان، أنا على ملّة رسول الله ﷺ.
اتفاق شيعة علي وشيعة عثمان على تقديم الشيخين
وكان كل من الشيعيتن يذمّ الآخر بما برأه الله منه؛ فكان بعض شيعة عثمان يتكلمون في عليّ بالباطل، وبعض شيعة عليّ يتكلمون في عثمان بالباطل. والشيعتان مع سائر الأمة متفقة على تقديم أبي بكر وعمر.
قيل لشريك بن عبد الله القاضي٢: أنت من شيعة علي، وأنت تفضّل أبا بكر وعمر؟! فقال: كلّ شيعة علي على هذا؛ هو يقول على أعواد هذا المنبر: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر. أفكنّا نكذّبه! والله ما كان كذّابًا٣.
وقد روى البخاري في صحيحه٤ من حديث محمد بن الحنفية، أنّه قال له٥: يا أبت من خير الناس بعد رسول الله؟ فقال: يا بني أوما تعرف؟
_________________
(١) ١ انظر: حلية الأولياء ١٣٢٩. وسير أعلام النبلاء ٣٣٤٢. ٢ هو شريك بن عبد الله بن أبي نمر المدني المحدّث. مات قبل الأربعين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء ٦١٥٩. وتهذيب التهذيب ٤٣٣٧. ٣ انظر: منهاج السنة ١١٣-١٤؛ حيث ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنه نقل قول شريك عن عبد الجبار المعتزلي في كتابه تثبيت النبوة. انظر: تثبيت النبوة لعبد الجبار ١٥٤٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد روي عن علي من نحو ثمانين وجهًا وأكثر أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر". مجموع الفتاوى ٤٤٠٧. ٤ صحيح البخاري ٣١٣٤٢، كتاب فضائل أصحاب النبيّ ﷺ، باب قول النبيّ ﷺ: "لو كنتُ متخذًا خليلًا.. ". ٥ أي لعلي ﵁.
[ ١ / ٥٧٥ ]
قال: لا. قال: أبو بكر. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: ثمّ عمر. وهو مروي من حديث الهمدانيين؛ شيعة علي، عن أبيه.
وروي عن علي أنه قال:
ولو كنتُ بوّابًا على باب جنّة لقلت لهمدان ادخلي بسلام١.
وقد روي عنه٢ أنه قال: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري".
قتل علي لمن اعتقد إلهيته
وقد ثبت عن علي ﵁ بالأحاديث الثابتة، بل المتواترة أنه قتل الغالية؛ كالذين يعتقدون إلهيته، بعد أن استتابهم ثلاثًا كسائر المرتدين، وأنّه كان يبالغ في عقوبة من يسبّ أبا بكر وعمر، وأنّه كان يقول إنّهما خير هذه الأمة بعد نبيها. وهذا مبسوط في مواضع٣.
والمقصود هنا: أن هاتين٤ حدثتا في ذلك الوقت٥.
_________________
(١) ١ انظر: منهاج السنة النبوية ٦١٣٧،، ٧٥١١. ومجموع الفتاوى ٤٤٠٧. ٢ فضائل الصحابة للإمام أحمد ١٨٣. قال المحقق: إسناده ضعيف. وانظر: منهاج السنة ١٣٠٨،، ٦١٣٨،، ٧٥١١. ومجموع الفتاوى ٤٤٠٧. ٣ انظر: منهاج السنة النبوية ١٣٠٦-٣٠٨. ومجموع الفتاوى ٤٤٠٦-٤٠٧. ٤ بدعة الخوارج، وبدعة الروافض. ٥ انظر: منهاج السنة النبوية ١٣٠٦-٣١٠؛ فقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ فيه موضوعًا مشابهًا لما ذكر هنا حول نشأة الفرق وتطورها في الإسلام. وانظر: مجموع الفتاوى ١٣٣١-٤٠، ٤٨-٥٠.
[ ١ / ٥٧٦ ]
بدعة القدرية حدثت في آخر عهد الصحابة
ثمّ في آخر عصر الصحابة: حدثت القدرية، وتكلم فيها من بقي من الصحابة؛ كابن عمر١، وابن عباس٢ [وواثلة] ٣ بن الأسقع، وغيرهم٤.
بدعة الإرجاء
وحدثت أيضًا بدعة المرجئة في الإيمان.
والآثار عن الصحابة ثابتةٌ بمخالفتهم، وأنّهم٥ قالوا: الإيمان يزيد وينقص٦؛ كما ثبت ذلك عن الصحابة؛ كما هو مذكور في موضعه٧.
أصول البدع أربعة
بدعة الجهمية حدثت في أواخر الدولة الأموية
وأما الجهمية نفاة الأسماء والصفات: فإنّما حدثوا في أواخر الدولة الأموية٨. وكثيٌر من السلف لم يدخلهم في الثنتين وسبعين فرقة؛ منهم: يوسف بن أسباط، وعبد الله بن المبارك؛ قالوا: أصول البدع أربعة: الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة. فقيل لهم: الجهمية؟ فقالوا: ليس هؤلاء من أمة محمد٩.
_________________
(١) ١ وقول ابن عمر ﵄ مخرّج في صحيح مسلم ١٣٦، كتاب الإيمان، باب الإيمان، والإسلام، والإحسان. وفيه قوله ﵁ لمن نقل له مقولة القدرية، وأنهم يقولون إنّ الأمر أنف: "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني. والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أنّ لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ثمّ ذكر ﵁ حديث جبريل المشهور في بيان الإسلام، والإيمان، والإحسان. ٢ انظر قول ابن عباس في كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ٢١٢٥-١٢٦. ٣ في «م»، و«ط»: ووائلة. ٤ انظر: مجموع الفتاوى ٧٣٨٤-٣٨٥. ومنهاج السنة النبوية ١٣٠٩. ٥ أي الصحابة ﵃. ٦ انظر: كتاب الإيمان لابن أبي شيبة ١-٤٦. وكتاب الإيمان لأبي عبيد. وكتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد. ٧ انظر: مجموع الفتاوى ٧٢٢٣-٢٢٧، ٥٠٧،، ٨٤٥٠. ٨ انظر: منهاج السنة النبوية ١٣٠٩. ٩ سبق تخريجه ص ٤٩٨. وانظر: رسالة السجزي ص ٢١٦. ورسالة إلى أهل الثغر للأشعري ص ٣٠٨. والإيمان لابن بطة ١٣٨٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٧١١٠. والرد على المنطقيين ص ١٤٣.
[ ١ / ٥٧٧ ]
الجهمية ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة
ولهذا تنازع من بعدهم من أصحاب أحمد، وغيرهم: هل هم من الثنتين وسبعين؟ على قولين؛ ذكرهما عن أصحاب أحمد: أبو عبد الله بن حامد١ في كتابه في الأصول٢.
الجهمية ينفون الأسماء والصفات
والتحقيق: أنّ التجهّم المحض؛ وهو نفي الأسماء والصفات؛ كما يُحكى عن جهم، والغالية من الملاحدة، ونحوهم ممّن نفى أسماء الله الحسنى كفرٌ، بيِّنٌ، مخالفٌ لما علم بالإضطرار من دين الرسول٣.
المعتزلة ينفون الصفات
وأما نفي الصفات، مع إثبات الأسماء؛ كقول المعتزلة٤: فهو دون [هذا] ٥. لكنّه عظيمٌ أيضًا.
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي. قال عنه ابن أبي يعلى: إمام الحنبلية في زمانه، ومدرسهم، ومفتيهم. له المصنفات في العلوم المختلفات، له الجامع في المذهب نحو من أربعمائة جزء، وله شرح الخرقي، وشرح أصول الدين، وأصول الفقه. توفي سنة ٤٠٣. انظر: طبقات الحنابلة ٢١٧١-١٧٧. والبداية والنهاية ١١٣٤٩. ٢ لم أقف على هذا الكتاب. وشيخ الإسلام ينقل عنه كثيرًا، ويسميه أصول الدين. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢٧٥. ومجموع الفتاوى ٦١٦٢، ١٦٣) . ٣ انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص٢١١. ومنهاج السنة النبوية ١٣٠٩-٣١٢. والبداية والنهاية ٩٣٦٤. والخطط للمقريزي ٢٣٤٩. وقد تكلم الشيخ ﵀ عن تنازع الناس في الجهمية: هل هم من الثنتين والسبعين فرقة، أم لا؟. وقد سبق ذكر هذا النص ص ٤٩٧. انظر: شرح الأصفهانية ٢٢٣٩-٢٤٠. ومجموع الفتاوى ٣٣٥٠، ٣٥٤. ٤ انظر: الفرق بين الفرق ص ٢٠، ١١٤. والملل والنحل ١٤٣. والخطط للمقريزي ٢٣٤٥. والبرهان في عقائد أهل الأديان ص ٤٩. ٥ في «ط»: ذها.
[ ١ / ٥٧٨ ]
الأشاعرة يثبتون الصفات العقلية
وأما من أثبت الصفات المعلومة بالعقل والسمع، وإنّما نازع في قيام الأمور الاختيارية [به] ١؛ كابن كلاب، ومن اتّبعه٢. فهؤلاء ليسوا جهمية، بل وافقوا جهمًا في بعض قوله، وإن كانوا خالفوه في بعضه. وهؤلاء من أقرب الطوائف إلى السلف وأهل السنة والحديث.
معتقد السالمية والكرامية
وكذلك السالمية٣، والكرامية، ونحو هؤلاء يوافقون في جملة أقوالهم المشهورة؛ فيثبتون الأسماء والصفات، والقضاء والقدر في الجملة ليسوا من الجهمية، والمعتزلة النفاة للصفات. وهم أيضًا يُخالفون الخوارج،
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنّ نفاة قيام الأفعال الاختيارية بالله نوعان، فقال ﵀: "أحدهما وهم الأصل: المعتزلة ونحوهم من الجهمية. فهؤلاء ينفون الصفات مطلقًا، وحجتهم على نفي قيام الأفعال به من جنس حجتهم على نفي قيام الصفات به. وهم يُسوّون في النفي بين هذا وهذا؛ كما صرّحوا بذلك. وليس لهم حجة تختص بنفس قيام الحوادث وأما مثبتة الصفات الذين ينفون الأفعال الاختيارية القائمة به؛ كابن كلاب، والأشعري؛ فإنهم فرقوا بين هذين؛ بأنه لو جاز قيام الحوادث به لم يخل منها؛ لأنّ القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضدّه، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. وبهذا استدلوا على حدوث الأجسام؛ لأنها لا تخلو من الأعراض الحادثة؛ كالحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق ". ثمّ أجابهم ﵀ بثلاثة أجوبة. انظر: شرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٤٤١. وانظر: رسالة السجزي ص ١٧٣. ودرء تعارض العقل والنقل ٢١٦-١٨. وجامع الرسائل ٢٧. ومنهاج السنة النبوية ٢٢٢٧-٢٢٩. ٣ السالمية: فرقة من أهل الكلام فيها تصوّف، تنتسب إلى محمد بن سالم، المتوفى سنة ٢٩٧؟، وابنه أحمد المتوفى سنة ٣٥٠؟. ومن أشهر رجالها: أبو طالب المكي صاحب كتاب قوت القلوب. انظر: المعتمد في أصول الدين ص٣٩٠. والفرق بين الفرق ص١٥٧-٢٠٢. ودائرة المعارف الإسلامية ١١٦٩. وشذرات الذهب ٣٣٦.
[ ١ / ٥٧٩ ]
والشيعة؛ فيقولون بإثبات خلافة الأربعة، وتقديم أبي بكر وعمر، ولا يقولون بخلود أحدٍ من أهل القبلة في النّار.
الكرامية والكلابية وأكثر الأشعرية: مرجئة
لكن الكرامية، والكلابية، وأكثر الأشعرية: مرجئة١، وأقربهم الكلابية؛ يقولون: الإيمان: هو التصديق بالقلب، والقول باللسان، والأعمال ليست منه؛ كما يُحكى هذا عن كثيرٍ من فقهاء الكوفة؛ مثل أبي حنيفة، [وأصحابه] ٢٣.
الأشعري وأصحابه يوافقون جهمًا في بعض قوله في الإيمان
وأما الأشعريّ٤: فالمعروف عنه، وعن أصحابه: أنّهم يُوافقون جهمًا في قوله في الإيمان، وأنّه مجرّد تصديق القلب، أو معرفة القلب. لكن قد يظهرون مع ذلك قول أهل الحديث، ويتأولونه، ويقولون بالاستثناء على الموافاة؛ فليسوا موافقين لجهم من كلّ وجه، وإن كانوا أقرب الطوائف إليه في الإيمان، وفي القدر أيضًا٥؛ فإنه٦ رأس الجبرية؛ يقول: ليس للعبد فعل البتة٧.
_________________
(١) ١ انظر: رسالة السجزي ص٢١٧. والخطط للمقريزي ٢٣٥٧. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٨٧-٥٨٨. ومجموع الفتاوى ٧٥٠٩، ٥٤٣، ٥٥٠. ٢ في «خ»: أصعا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر: الفقه الأكبر بشرح ملا علي القاري ص ١٢٦. ومجموع الفتاوى ٧١٩٥، ٢٩٧، ٥٠٧. وشرح الأصفهانية ت السعوي ٢٥٨٥-٥٨٦. ٤ انظر: التمهيد للباقلاني ص ٣٨٨، ٣٨٩. وأصول الدين للبغدادي ص ٢٥٢. والمواقف للإيجي ص ٣٨٨. ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ٧١٢٠، ١٥٤. ٥ انظر: مجموع الفتاوى ٨٢٢٩، ٣٣٩-٣٤٠. والتسعينية ص ٢٥٥-٢٥٦. ٦ أي الجهم. ٧ انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري ١٣٣٨. والفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢١١. والملل والنحل للشهرستاني ١٨٧-٨٨.
[ ١ / ٥٨٠ ]
كسب الأشعري
والأشعريّ يوافقه١ على أنّ العبد ليس بفاعل، ولا له قدرة مؤثرة في الفعل، ولكن يقول: هو كاسب٢.
جهم يقول بالجبر
وجهم لا يثبت له شيئًا، لكن هذا الكسب؛ يقول أكثر الناس: إنّه لا يعقل فرقٌ بين الفعل الذي نفاه، والكسب الذي أثبته. وقالوا: عجائب الكلام ثلاثة: [طفرة] ٣ النظّام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري. وأنشدوا٤:
عجائب الكلام
ممّا يُقال ولا حقيقة عنده معقولة تدنو إلى الأفهام
الكسب٥ عند الأشعري والحال٦ عنـ د [البهشمي] ٧ و[طفرة] ٨ النظام
_________________
(١) ١ أي يوافق جهمًا. ٢ سبق أن أوضحت معنى الكسب ص ٥٥٨-٥٥٩. ٣ في «خ»: ظفرة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: منهاج السنة ١٤٥٩، ٢٢٩٧. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ١١٤٩-١٥٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٣٤٤٤، ٨٣٢٠. وكتاب الصفدية ١١٥١-١٥٤. ٥ سبق التعريف بالكسب: ص ٤٦١-٤٦٢. ٦ الحال في اللغة: نهاية الماضي، وبداية المستقبل. التعريفات للجرجاني ص ١١٠. والأحوال عند من يثبتها: لا موجودة، ولا معدومة، ولا هي أشياء، ولا هي مخلوقة، ولا غير مخلوقة. واشتهر بها أبو هاشم بن الجبائي، وأتباعه البهشمية. انظر: الإرشاد للجويني ص ٨٠. والفرق بين الفرق ص ١٨٤، ١٩٥-١٩٦. والفصل في الملل والأهواء والنحل ٥٤٩. ونهاية الإقدام ص ١٣١-١٣٢. ٧ في «خ»: النهشمي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ في «خ»: ظفرة. وما أثبت من «م»، و«ط» . والطفرة اشتهر بها النظام من المعتزلة. ومعناها عنده: أنّ الجسم قد يكون في مكان، ثم يصير منه إلى المكان الثالث، أو العاشر من غير مرور بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر، ومن غير أن يصير معدومًا في الأول، ومعادًا في العاشر. انظر: مقالات الإسلاميين ٢١٩. والفرق بين الفرق ص ١٤٠. والفصل لابن حزم ٥٦٤-٦٥. والملل والنحل للشهرستاني ١٧٠-٧١.
[ ١ / ٥٨١ ]
قول الكرامية في الإيمان لم يسبقوا إليه
وأمّا الكرامية: فلهم في الإيمان قولٌ ما سبقهم إليه أحدٌ؛ قالوا: هو الإقرار باللسان، وإن لم يعتقد بقلبه. وقالوا: المنافق هو مؤمن، ولكنّه مخلّدٌ في النّار. وبعض الناس [يحكي] ١ عنهم: أن المنافق في الجنّة. وهذا غلطٌ عليهم، بل هم يجعلونه مؤمنًا، مع كونه مخلّدًا في النّار؛ فينازَعون في الاسم، لا في الحكم.
منشأ الغلط في أقوال أهل البدع في الإيمان
وقد بسط القول٢ على منشأ الغلط؛ حيث ظنّوا [أنّ الإيمان] ٣ لا يكون إلا شيئًا متماثلًا عند جميع الناس؛ إذا ذهب بعضه، ذهب سائره.
قول الخوارج والمعتزلة في الإيمان
ثم قالت الخوارج والمعتزلة٤: وهو أداء الواجبات، واجتناب المحرمات؛ فاسم المؤمن مثل اسم البرّ، والتقي؛ وهو المستحق للثواب، فإذا ترك بعض [ذلك] ٥ زال عنه اسم الإيمان والإسلام.
ثم قالت الخوارج: ومن لم يستحق هذا ولا هذا فهو كافرٌ. وقالت المعتزلة: بل ينزل منزلة بين المنزلتين؛ فنسمّيه فاسقًا، لا مسلمًا، ولا كافرًا، ونقول: إنّه مخلّد في النار. وهذا هو الذي امتازت به المعتزلة، وإلا فسائر بدعهم قد قالها غيرهم؛ فهم وافقوا الخوارج في حكمه، ونازعوهم، ونازعوا غيرهم في الاسم.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يحكى. ٢ انظر: منهاج السنة النبوية ٣٤٦٢. ومجموع الفتاوى ٧١٤٠-١٤١، ٤٠٤، ٥٠٩، ٥١١، ٥١٤-٥١٧. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٨٦-٥٨٧. ٣ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» . ٤ انظر: مجموع الفتاوى ٧٢٢٢-٢٢٣، ٢٤٢، ٢٥٧، ٥١٠، و١٣٤٨. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٧٤، ٥٨٦-٥٨٧. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ١ / ٥٨٢ ]
قول الجهمية والمرجئة في الإيمان
وقالت الجهمية والمرجئة١: بل الأعمال ليست من الإيمان، لكنّه شيئان، أو ثلاثة يتفق فيها جميع الناس: التصديق بالقلب، والقول باللسان، أو المحبة، والخضوع مع ذلك.
وقالت الجهمية والأشعرية والكرامية٢: بل ليس إلا شيئًا واحدًا يتماثل فيه الناس.
أصل غلط أهل البدع في الإيمان ظنهم أن الناس يتماثلون فيه
وهؤلاء الطوائف أصل غلطهم٣: ظنّهم أن الإيمان يتماثل فيه الناس، وأنّه إذا ذهب بعضه، ذهب كلّه. وكلا الأمرين غلطٌ؛ فإن الناس لا يتماثلون؛ لا فيما وجب منه، ولا فيما يقع منهم، بل الإيمان الذي وجب على بعض الناس قد لا يكون مثل الذي يجب على غيره؛ كما كان [الإيمان بمكة لم يكن الواجب منه كالواجب بالمدينة، ولا كان في آخر الأمر كما كان] ٤ في أوله.
ولا يجب على أهل الضعف والعجز من الإيمان، ما يجب على أهل القوة والقدرة في العقول والأبدان٥.
بل أهل العلم بالقرآن، والسنّة، ومعاني ذلك يجب عليهم من تفصيل الإيمان ما لا يجب على من لم يعرف ما عرفوا. وأهل الجهاد يجب عليهم من الإيمان في تفصيل الجهاد ما لا يجب على غيرهم. وكذلك ولاة الأمر،
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ٧١٤١، ١٤٣، ١٥٤، ٥٠٨، ٥٠٩. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٧٤-٥٧٥. ٢ انظر: مجموع الفتاوى ٧٥٠٨-٥٠٩، ٥٨٢. ٣ وقد استوفى الشيخ ﵀ الردّ عليهم، وتبيين غلطهم. انظر: مجموع الفتاوى ٧٥١١-٥١٣. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ انظر: مجموع الفتاوى ٧٥١٩. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٧٧-٥٧٨.
[ ١ / ٥٨٣ ]
وأهل الأموال يجب على كلٍّ؛ من معرفة ما أمر الله به، ونهى عنه، وأخبر به ما لا يجب على غيره. والإقرار بذلك من الإيمان.
ومعلوم أنه وإن كان الناس كلّهم يشتركون في الإقرار بالخالق، وتصديق الرسول جملة، فالتفصيل لا يحصل بالجملة. ومن عرف ذلك مفصلًا، لم يكن ما أُمر به ووجب عليه، مثل من لم يعرف ذلك.
الناس غير متماثلين في فعل المأمور
وأيضًا: فليس الناس متماثلين في فعل ما أُمروا به؛ من اليقين، والمعرفة، والتوحيد، وحب الله، وخشية الله، والتوكل على الله، والصبر لحكم الله، وغير ذلك مما هو من إيمان القلوب، ولا [من] ١ لوازم ذلك [التي] ٢ تظهر على الأبدان. وإذا قُدِّر أنَّ بعض ذلك زال، لم يزل سائره. بل يزيد الإيمان تارة وينقص تارة؛ كما ثبت ذلك عن أصحاب رسول الله ﷺ؛ مثل عمر بن حبيب الخطمي، وغيره؛ أنهم قالوا: الإيمان يزيد وينقص٣؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع٤.
مخالفة أهل البدع لأصول دين الرسول ﷺ
إذ المقصود هنا: أنّ طوائف أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم ليس فيهم من يوافق الرسول في أصول دينه لا فيما اشتركوا فيه ولا فيما انفرد به بعضهم. فإنهم وإن اشتركوا في مقالات فليس إجماعهم حجة، ولا هم معصومون من الاجتماع على خطأ.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: في. ٢ في «ط»: الشيء. ٣ انظر: طبقات ابن سعد ٤٣٨١. والمصنف لابن أبي شيبة ١١١٣. والإيمان له ص ٧. والسنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١٣١٥. والشريعة للآجريّ ص ١١٢. وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ١٣٠٧. وشرح اعتقاد أهل السنّة للالكائي ٥٧٧، ٧٢١. ٤ انظر: مجموع الفتاوى ٧٢٢٣-٢٢٧.
[ ١ / ٥٨٤ ]
وقد زعم طائفة١ أنّ إجماع المتكلمين في المسائل الكلامية كإجماع الفقهاء. وهذا غلط، بل السلف قد استفاض عنهم ذم المتكلمين، وذمّ أهل الكلام مطلقًا٢.
اشتراك أهل البدع في دليل الأعراض
ونفس ما اشتركوا فيه؛ من إثبات الصانع بطريقة الأعراض، وأنها لازمة للجسم أو متعاقبة عليه، فلا يخلو منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها، وأن الله يمتنع أن يقال إنه لم يزل متكلما بمشيئته بعد أن لم يكن بلا حدوث حادث، وما يتبع هذا هو أصل مبتدع في الإسلام؛ أول ما عرف أنه قاله الجهم بن صفوان مقدّم
_________________
(١) ١ من هؤلاء الرازي. ٢ تقدمت الإشارة إلى ذلك ص ٣٢٠-٣٢٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن طرق أهل الكلام المبتدعة المذمومة: (ولم تكن هذه الطرق شرعية بل بدعية؛ لأن معرفة الله ورسوله لا تتوقف على هذه المسائل، ولأن كثيرًا من النظار اعتقدوا أن هذا من أصول الدين وقواعد الإيمان، فتكلموا في ذلك بالكلام الذي ذمه السلف والأئمة. وهؤلاء هم الجهمية من المعتزلة ومن اتبعهم، وأصل كلامهم أنهم قالوا: لا يعرف صدق الرسول حتى يعرف إثبات الصانع، ولا يعرف إثبات الصانع حتى يعرف حدوث العالم، ولا يعلم حدوث العالم إلا بما به يعلم حدوث الأجسام، ثم استدلوا على حدوث الأجسام بطرق، أحدها: أنه لا يخلو عن الحوادث، وما لم يخل عن الحوادث فهو حادث ) . شرح الأصفهانية ١٢٦٤. وانظر: المصدر نفسه ٢٣٢٨-٣٣١. وقال الإمام البربهاري: (واعلم أنها لم تكن زندقة ولا كفر ولا شكوك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأهل الكلام والجدل والمراء والخصومة والعجب) . شرح السنة ص ٤٨. وانظر: ذم السلف لأهل الكلام في: شرح الأصفهانية ٢٣١٨. ودرء تعارض العقل والنقل ١٢٣٢.
[ ١ / ٥٨٥ ]
الجهمية١، وأبو الهذيل العلاف مقدّم المعتزلة٢.
اللوازم التي التزمها أصحاب الدليل
ولهذا طرداه٣؛ فقالا بامتناع الحوادث في المستقبل، وقال الجهم بفناء الجنة والنار. وقال أبو الهذيل بانقطاع حركاتهما؛ كما قد بسط فروع هذا الأصل الذي اشتركوا فيه٤.
الجهمية والمعتزلة نفوا لأجله الصفات وقالوا بخلق القرآن
ثم افترقوا بعد ذلك في فروعه؛ فأئمتهم كانوا يقولون كلام الله؛ القرآن وغيره مخلوقٌ، وكذلك سائر ما يوصف به الرب ليس له صفة قامت به؛ لأن ذلك عرض عندهم لا يقوم إلا بجسم، والجسم حادث٥؛ فقالوا: القرآن وغيره من كلام الله مخلوقٌ، وكذلك سائر ما يوصف به الربّ٦.
_________________
(١) ١ انظر: رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعريّ ص ١٨٥. والفرقان بين الحق والباطل لابن تيمية ص ٩٦. ومجموع الفتاوى له ١٣١٤٧. وشرح الأصفهانية ٢٣٢٨-٣٣٠، ٣٤٠. ٢ انظر: شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٩٥. وأبو الهذيل العلاف لعلي مصطفى الغرابي ص ٥٢. وعلم الكلام للدكتور أحمد محمود صبحي ١٣٣٩ القسم الخاصّ بالمعتزلة. ومذاهب الإسلاميين لعبد الرحمن بدوي الجزء الأول الخاص بالمعتزلة والأشاعرة ص ٣٩٧. ٣ أي طردا أصلهما: امتناع حوادث لا أول لها. ٤ انظر: من كتب ابن تيمية: شرح حديث النزول ص ١٦٢. ومجموع الفتاوى ٣٣٠٤-٣٠٥. ودرء تعارض العقل والنقل ١٣٩. والفتاوى المصرية ١١٣٥. ومنهاج السنة النبوية ١١٥٧. ٥ انظر: الانتصار والردّ على ابن الراوندي للخياط ص ١١١، ١٧٠-١٧١. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٢٠٠-٢٠١. ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية ٣٣٦١. ودرء تعارض العقل والنقل له ٢١١. والإرادة والأمر له - ضمن مجموعة الرسائل الكبرى - ١٣٨٣-٣٨٤. ٦ انظر: الكشّاف للزمخشري ٢٨٨،، ٣٤١١. والمغني في أبواب العدل والتوحيد لعبد الجبار ٧٨٤، ٩٤. وشرح الأصول الخمسة له ص ٥٢٨. والمحيط بالتكليف له ص ٣٢، ١٠٧، ١٥٥، ٣١٦، ٣٣١، ٣٣٣. ومتشابه القرآن له ١٥٤٥. ومقالات الإسلاميين للأشعري ١٢٤٤-٢٤٥. والفرق بين الفرق للبغدادي ص ١١٤. والتبصير في الدين للاسفراييني ص ٦٤. والمنية والأمل لابن المرتضى المعتزلي ص ٦. والملل والنحل للشهرستاني ص ٤٤. واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص ٣٣. وانظر: من كتب ابن تيمية: تفسير سورة الإخلاص ص ١٥١-١٥٢. ومنهاج السنة النبوية ٢١٠٧. ومجموع الفتاوى ١٢٣١٥-٣١٦.
[ ١ / ٥٨٦ ]
فجاء بعدهم؛ مثل ابن كلاب، وابن كرّام، والأشعريّ، وغيرهم مَنْ شاركهم في أصل قولهم١، لكن قالوا بثبوت الصفات لله، وأنّها قديمة٢.
قول الأشعري الصفات لا تسمى أعراضًا
لكن منهم٣ من قال: لا تُسمّى أعراضًا؛ لأنّ العرض لا يبقى زمانين، وصفات الرب باقية؛ كما يقوله الأشعري وغيره٤.
_________________
(١) ١ في امتناع حوادث لا أول لها. ٢ انظر: الفتاوى المصرية لابن تيمية ٦٤٤٢-٤٤٣. ومجموع الفتاوى ٦٣٦. ودرء تعارض العقل والنقل ٢٦-١٢،، ٥٢٤٥-٢٤٦،، ٧١٤٧-١٤٨. ومنهاج السنة النبوية ١٣١٢. والفرقان بين الحق والباطل ص ٨٦، ١٠٠. ٣ وهم الأشاعرة. وقد نقل الإيجي والرازي اتفاقهم على ذلك. انظر: المواقف في علم الكلام للإيجي ص ١٠١. ومحصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي ص ٢٦٥. ٤ وانظر: من كتب الأشاعرة: اللمع لأبي الحسن الأشعريّ ص ٢٢-٢٣. والتمهيد للباقلاني ص ٣٨. والإنصاف له ص ٢٧-٢٨. وأصول الدين للبغدادي ص ٥٠-٥٢. والشامل في أصول الدين للجويني ص ١٦٧.
[ ١ / ٥٨٧ ]
ومنهم١ من قال: تُسمّى أعراضًا، وهي قديمة، وليس كلّ عرضٍ حادثًا؛ كابن كرّام، وغيره٢.
قول ابن كلاب في كلام الله
ثمّ افترقوا في القرآن٣، وغيره من كلام الله؛ فقال ابن كلاب ومن اتبعه: [هو] ٤ صفة من الصفات، قديمةٌ كسائر الصفات٥. ثم قال: ولا يجوز أن يكون صوتًا؛ لأنه لا يبقى، ولا معاني متعددة؛ فإنها إن كان لها عدد مقدّر فليس قدر بأولى من قدر، وإن كانت غير متناهية، لزم ثبوت معان في آن واحد لا نهاية لها. وهذا ممتنع٦. فقال: إنّه معنى واحد، هو معنى آية الكرسي، وآية الدَّيْن، والتوارة، والإنجيل٧.
وقال جمهور العقلاء: إنّ تصوّر هذا القول تصورًا تامًا يُوجب العلم بفساده.
_________________
(١) ١ وهم المشبّهة؛ كالكرامية، ونحوهم. ٢ انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦٣٦. والفرقان بين الحق والباطل له ص ١٠٠. ٣ وأقوالهم الفاسدة في القرآن الكريم ناجمة عن أصلهم الجهميّ الفاسد: (ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث)، وقولهم بامتناع حوادث لا أول لها. وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ﵀ في درء تعارض العقل والنقل ١٣٠٦؛ فقال بعد أن ذكر مذاهب المبتدعة؛ من معطلة ومشبهة في صفات الله تعالى، واستنادهم فيها إلى دليل الأعراض وحدوث الأجسام: "وعن هذه الحجة ونحوها نشأ القول بأنّ القرآن مخلوق، وأنّ الله تعالى لا يُرى في الآخرة، وأنّه ليس فوق العرش، ونحو ذلك من مقالات الجهميّة النفاة؛ لأنّ القرآن كلام، وهو صفة من الصفات، والصفات عندهم لا تقوم به. وأيضًا فالكلام يستلزم فعل المتكلّم، وعندهم لا يجوز قيام فعل به". ٤ في «ط»: فهو. ٥ انظر: شرح حديث النزول لابن تيمية ص ١٦٩-١٧٠. ودرء تعارض العقل والنقل له ٢١٨. ٦ انظر: ما نقله عنه أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين ٢٢٥٧-٢٥٨. ٧ وانظر: الكيلانية لابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى ١٢٣٧٦. والفتاوى المصرية له ٥١٥.
[ ١ / ٥٨٨ ]
قول السالمية في كلام الله
وقال طائفة١: بل كلامه قديم العين، وهو حروفٌ، أو حروفٌ وأصواتٌ قديمةٌ أزليّةٌ، مع أنّها مترتّبة في نفسها، وأنّ تلك الحروف والأصوات باقيةٌ أزلًا وأبدًا٢.
وجمهور العقلاء يقولون إنّ فساد هذا معلومٌ بالضرورة.
وهاتان الطائفتان٣ [تقولان] ٤ إنّه لا يتكلم بمشيئته وقدرته.
قول الهشامية والكرامية في كلام الله
وقال آخرون؛ كالهشاميّة والكراميّة: بل هو متكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه قائم بذاته، ولا يمتنع قيام الحوادث به، لكن يمتنع أن يكون لم يزل متكلمًا؛ فإنّ ذلك يستلزم وجود حوادث لا أوّل لها وهو ممتنع٥.
فهذه الأربعة في القرآن وكلام الله هي أقوال المشركين في امتناع دوام كون الرب فعّالًا بمشيئته، أو متكلّمًا بمشيئته.
_________________
(١) ١ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ (في مجموع الفتاوى ١٢١٦٦) أنّ هذا القول: "قول طوائف من أهل الكلام والحديث؛ من السالمية، وغيرهم؛ يقولون: إنّ كلام الله حروف وأصوات قديمة أزليّة، ولها مع ذلك معان تقوم بذات المتكلّم. وهؤلاء يوافقون الأشعرية والكلابية في أنّ تكليم الله لعباده ليس إلا مجرّد خلق إدراك للمتكلم، ليس هو أمرًا منفصلًا عن المستمع". وانظر: زيادة إيضاح من كلام شيخ الإسلام لهذا القول في شرح الأصفهانية ٢٣٣١، ٣٣٣، ٣٣٨، ٣٤١. وانظر: ما سبق ص ٣١٧. ٢ انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العزّ ١١٧٣. وقد ذكر شارح الطحاوية تسعة أقوال للناس في صفة الكلام؛ فراجعها في ١١٧٢ وما بعدها. ٣ الكلابيّة الذين يُنكرون أن يكون حرفًا وصوتًا. والسالمية التي تزعم أنّ كلام الله حروف وأصوات باقية أزلًا وأبدًا. ٤ في «خ»: يقولان. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦٥٢٤. والفرقان بين الحق والباطل له ص ١٠٠. وقاعدة نافعة في صفة الكلام له - ضمن مجموعة الرسائل المنيرية - ٢٧٥. ورسالة في العقل والروح له - ضمن مجموعة الرسائل المنيرية - ٢٣٢-٣٣.
[ ١ / ٥٨٩ ]
قول أئمة السنة والحديث في كلام الله تعالى
وأمّا أئمة السنة والحديث؛ كعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل١، وغيرهما٢؛ فقالوا: لم يزل الربّ متكلمًا إذا شاء وكيف شاء؛ [فذكروا] ٣ أنّه يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنّه لم يزل كذلك٤.
المتكلمون مخالفون للكتاب والسنة
وهذا يناقض الأصل٥ الذي اشترك فيه المتكلمون؛ من الجهميّة، والمعتزلة، ومن تلقى عنهم؛ فلا هم موافقون للكتاب والسنة وكلام السلف؛ لا فيما اتفقوا عليه، ولا فيما تنازعوا فيه، ولهذا يوجد في عامّة أصول الدين لكل منهم قول، وليس في أقوالهم ما يوافق الكتاب والسنة؛ كأقوالهم في كلام الله، وأقوالهم في إرادته ومشيئته، وفي علمه، وفي قدرته، وفي غير ذلك من صفاته٦. وإن كان بعضهم أقرب إلى السنة والسلف من بعض.
_________________
(١) ١ انظر: كلام الإمام أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية والزنادقة له ص١٣١. ونقله عنه العلامة ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٢١٣. وانظر: أيضًا: كتاب المحنة لحنبل بن إسحاق ص ٤٥، ٦٨. ٢ وانظر كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ص ٢١-٤٢؛ حيث ذكر نقولًا كثيرة عن أئمة أهل السنّة والحديث في كلام الله ﷿. ٣ في «ط» فقط: فكذروا. ٤ انظر تفصيل معتقدهم في صفة الكلام في كتب ابن تيمية الآتية: الإيمان ص ١٦٢. ودرء تعارض العقل والنقل ٢٣٢٩،، ١٠٢٢٢. والاستقامة ١٣١١. ومجموع الفتاوى٦٥٣٣. والتسعينيّة ص١٣١-١٣٨، ١٧٦-١٨٨. ٢٣٦-٢٣٨. وشرح الأصفهانية ١٢٠٠-٢٠١، ٢٣٤١. ٥ وهو امتناع حوادث لا أول لها. وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. ٦ ومن يُقلّب كتب المعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية، يجد البون الشاسع والفرق الكبير بين أقوال متبعي هذه المذاهب في قضيّة استندوا فيها جميعًا إلى أصل جهميّ واحد، وانطلقوا من منطلق واحد؛ فبنوا عليه أقوالهم التي ينطح بعضها بعضًا، وينقض أوّلها آخرها.
[ ١ / ٥٩٠ ]
المتكلمون في مسألة القرآن لا يعرفون قول أهل السنة
ولكن قد شاع ذلك بين أهل العلم والدين منهم؛ فكثيرٌ من أهل العلم والدين المنتسبين إلى السنّة والجماعة من قد يوافقهم على بعض أقوالهم في مسألة القرآن، أو غيرها؛ إذ كان لا يعرف إلا ذلك القول، أو ما هو أبعد عن السنة منه؛ إذ كانوا في كتبهم لا يحكون غير ذلك؛ إذ كانوا لا يعرفون السنّة، وأقوال الصحابة، وما دلّ عليه الكتاب والسنة. لا يعرفون [إلاّ قولهم] ١، وقول من يخالفهم من أهل الكلام، ويظنّون أنّه ليس للأمة إلا هذان القولان، أو الثلاثة.
المتكلمون يعتمدون على القياس العقلي وعلى الإجماع
وهم يعتمدون في السمعيات على ما يظنّونه من الإجماع، وليس لهم معرفة بالكتاب والسنّة، بل يعتمدون على القياس العقلي٢؛ الذي هو أصل كلامهم، وعلى الإجماع.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ وهو القياس الذي يستعمله أهل الكلام في حقّ الله تعالى. وهو نوعان: "قياس شمول منطقيّ تستوي أفراده في الحكم، وقياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع. وكلا النوعين لا يُستعملان في حقّ الله تعالى؛ فإنّه سبحانه لا مِثل له، وإنّما يُستعمل في حقّه من هذا وهذا قياس الأولى؛ مثل أن يُقال: كلّ نقصٍ يُنزّه عنه مخلوق من المخلوقات، فالخالق تعالى أولى بتنزيهه عنه، وكلّ كمال مطلق ثبت لموجود من الموجودات، فالخالق تعالى أولى بثبوت الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه..". درء تعارض العقل والنقل ٧٣٦٢. وانظر: من كتب ابن تيمية: المصدر نفسه ١٢٩-٣٠، ٦١٨١، ٧١٥٤، ٣٢٢-٣٢٧، ٣٦٢-٣٦٤. ومجموع الفتاوى ٣٢٩٧، ٣٠٢، ٣٢١،، ٥٢٠١، ٢٥٠، ٩١٩-٢٠، ١٢٣٤٤، ٣٤٧-٣٥٠، ٣٥٦، ١٦٣٥٧، ٣٥٨، ٣٦٠، ٤٤٦. ومنهاج السنة النبوية ١٣٧١، ٤١٧. والرسالة التدمرية ص ٥٠، ١٥١. وكتاب الصفدية ٢٢٥، ٢٧. والرد على المنطقيين ص ١١٥-١١٦، ١١٨، ١١٩، ١٢٠-١٢٣. ونقض تلبيس الجهمية - مخطوط - ق ٢٢٥. وشرح الأصفهانية ٢٣٤٢، ٣٤٤.
[ ١ / ٥٩١ ]
إجماع المتكلمين إنما هو على ما ابتدعه رأس من رؤوسهم
وأصل كلامهم العقلي باطل، والإجماع الذي يظنونه إنما هو إجماعهم، وإجماع نظرائهم من أهل الكلام، ليس هو إجماع أمة محمد، ولا علمائها.
والله تعالى إنّما جعل العصمة للمؤمنين [من] ١ أمة محمد؛ فهم الذين لا يجتمعون على ضلالة ولا خطأ؛ كما ذكر على ذلك الدلائل الكثيرة٢. وكلّ ما اجتمعوا عليه فهو مأثور عن الرسول؛ فإنّ الرسول بيَّن الدين كلّه، وهم [معصومون] ٣ أن يُخطئوا كلّهم، ويضلّوا عمّا جاء به محمد. بل هم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؛ فلا يبقى معروفٌ إلا أمروا به، ولا منكر إلا نهوا عنه.
وهم أمّة وسط، عدل، خيار، شهداء الله في الأرض؛ فلا يشهدون إلا بحقّ؛ فإجماعهم هو على علم موروث عن الرسول، جاء من عند الله، وذلك لا يكون إلا حقًّا.
وأمّا من كان إجماعهم على ما ابتدعه رأس من رؤوسهم٤؛ فيجوز أن يكون إجماعهم خطأ؛ إذ ليسوا هم المؤمنين، ولا أمة محمد، وإنما هم فرقة منهم.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ من الأدلة على الإجماع من القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ . [النساء ١١٥] . وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ . [البقرة ١٤٣] . وانظر: كلام شيخ الإسلام ﵀ عن الإجماع في: مجموع الفتاوى ١٩١٧٣-٢٠٢، ٢٠١٠-١١، ٢٤٧-٢٤٨. ٣ في «ط»: معصومن. ٤ وهم فرق المبتدعة يُجمعون على ما ابتدعه جهم بن صفوان الراسبي.
[ ١ / ٥٩٢ ]
وإذا قيل: المعتبر من أمة محمد بعلمائها. قيل: إذا اتفقت علماؤها على شيء، فالباقون يُسلمون لهم ما اتفقوا عليه، لا يُنازعونهم فيه؛ فصار هذا إجماعًا من المؤمنين. ومن نازعهم بعلم فهذا لا يثبت الإجماع دونه كائنًا من كان. أمّا من ليس من أهل العلم فيما تكلموا فيه، فذاك وجوده كعدمه.
المجتهدون الذين يعتبر بقولهم
وقول من قال: الاعتبار بالمجتهدين دون غيرهم، وأنّه لا يُعتبر بخلاف أهل الحديث، أو أهل الأصول، ونحوهم: كلامٌ لا حقيقة له؛ فإنّ المجتهدين إنْ أُريد بهم من له قدرة على معرفة جميع الأحكام بأدلّتها، فليس في الأمة من هو كذلك، بل أفضل الأمة كان يتعلم ممن هو دونه شيئًا من السنّة ليس عنده. وإن عنى به من يقدر على معرفة الاستدلال على الأحكام في الجملة، فهذا موجودٌ في كثيرٍ من أهل الحديث، والأصول، والكلام. وإن كان بعض الفقهاء أمهر منهم بكثير من الفروع، أو بأدلتها الخاصّة، أو بنقل الأقوال فيها؛ فقد يكون أمهر منه في معرفة أعيان الأدلة؛ كالأحاديث، والفرق بين صحيحها وضعيفها، ودلالات الألفاظ عليها، والتمييز بين ما هو دليل شرعيّ، وما ليس بدليل.
وبالجملة: العصمة إنّما هي للمؤمنين لأمة محمد، لا لبعضهم. لكن إذا اتفق علماؤهم على شيء، فسائرهم موافقون للعلماء. وإذا تنازعوا ولو كان المنازع واحدًا، وجب ردّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول.
وما أحد شذّ بقول فاسد عن الجمهور، إلا وفي الكتاب والسنة ما يُبيِّن فساد قوله، وإن كان القائل كثيرًا؛ كقول [سعيد] ١ في أن المطلقة ثلاثًا تباح بالعقد٢.
_________________
(١) ١ في «خ»: سعد. وما أثبت من «م»، و«ط» . وهو سعيد بن المسيب ﵀. ٢ انظر: قوله في المغني لابن قدامة ١٠٥٤٨-٥٤٩.
[ ١ / ٥٩٣ ]
من شذ بقول فاسد عن الجمهور ففي الكتاب والسنة ما يبين فساد قولهم
فحديث عائشة في الصحيحين يدل على خلافه١، مع دلالة القرآن أيضًا٢. وكذلك غيره.
القول الذي يدل عليه الكتاب والسنة غير شاذ وإن كان القائل به واحدًا
وأما القول الذي يدلّ عليه الكتاب والسنة، فلا يكون شاذًّا وإن كان القائل به أقل من القائل بذاك القول، فلا عبرة بكثرة القائل باتفاق الناس.
ولهذا كان السلف؛ من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان يردّون على من أخطأ بالكتاب والسنة، لا يحتجون بالإجماع إلا علامة.
العلامات والدلائل التي يبين بها المرسل الرسول
وقد يبعث معه نشّابه٣، أو سيفه، أو شيئًا من السلاح المختص به، أو يُركِبَه دابّته المختصة به، ونحو ذلك مما يعلم الناس أنّه قصد به تخصيصه، وإن
كانت تلك الأفعال [تفعل] ٤ مع أمثاله، وقد يُفعل لغير الرسول ممن
_________________
(١) ١ فعن عروة بن الزبير أنّ عائشة أخبرته أنّ امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله! إنّ رفاعة طلقني فبتّ طلاقي. وإنّي نكحت بعده إلى عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإنما معه مثل الهدبة. قال رسول الله ﷺ: "لعلّك تُريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته" الحديث. رواه البخاري في صحيحه ٥٢٠١٤، كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث. ومسلم في صحيحه ٢١٠٥٥، كتاب النكاح، باب لا تحلّ المطلقة ثلاثًا لمطلقها، حتى تنكح زوجًا غيره، ويطأها، ثم يفارقها وتنقضي عدتها. وموضع الشاهد: قول امرأة رفاعة: فبتّ طلاقي: أي طلّقها ثلاثًا. وقد أجاز النبيّ ﷺ هذا الطلاق، ولكنّه لم يردّها إلى زوجها الأوّل الذي طلقها ثلاثًا بمجرّد العقد على زوجٍ غيره، بل اشترط أن يطأها زوجها الجديد، فتذوق عسيلته، ويذوق عسيلتها. ٢ قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا..﴾ . [البقرة، ٢٢٩-٢٣١] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ..﴾ . [الطلاق، ١] . ٣ النُّشَّاب: النَّبل. واحدته نُشّابة. ويُطلق كذلك على السهام. انظر: لسان العرب ١٧٥٧. وتهذيب اللغة ١١٣٧٩-٣٨٠. ٤ في «خ»، و«م»، و«ط»: يفعل. ولعل الصواب ما أثبته.
[ ١ / ٥٩٤ ]
يقصد إكرامه وتشريفه، لكن هي خارقة لعادته؛ بمعنى أنه لم يعتد أن يفعل ذلك مع عموم الناس، ولا يفعله إلا مع من ميّزه بولاية، أو رسالة، أو وكالة. والولاية والوكالة [تتضمن] ١ الرسالة. فكلّ من هؤلاء هو في معنى رسوله إلى من ولاّه؛ إني قد ولّيته، وإلى من أرسله بأني أرسلته. فهذه عادة معروفة في العلامات، والدلائل التي يبيِّن بها المرسِل أنّ هذا رسولي
وجنس خرق العادة لا يستلزم الإكرام، بل [يَخْرِق] ٢ عادته بالإهانة تارة، وبالإكرام أخرى؛ فقد يخرج ويركب في وقت لم تجر عادته به، بل لعقوبة قومٍ.
وآيات الربّ - تعالى - قد [تكون] ٣ تخويفًا لعباده؛ كما قال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ [بِالآيَاتِ] ٤ إِلاَّ تَخْوِيفَا﴾ ٥، وقد يُهلك بها؛ كما أهلك أممًا مكذبين، وإذا قصّ قصصهم قال: ﴿إنّ في ذلك لآيات﴾ ٦، وكان إهلاكهم خرقًا للعادة
_________________
(١) ١ في «خ»: يتضمن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «م»، و«ط»: تُخرق. ٣ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ سورة الإسراء، الآية ٥٩. ٦ وهذا كثيرٌ في القرآن الكريم. ومن أمثلة ذلك:
(٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ . [سورة يونس، الآية ٦٧]، [سورة الروم، الآية ٢٣] .
(٣) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . [سورة الرعد، الآية ٣]، [سورة الروم، الآية ١٠]، [سورة الزمر، الآية ٤٢] .
(٤) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . [سورة الرعد، الآية ٤]، [سورة الروم، الآية ٢٤] .
(٥) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ . [سورة إبراهيم، الآية ٥]، [سورة سبأ، الآية ١٩] .
(٦) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ . [سورة طه، الآية ٥٤، ١٢٨] .
(٧) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيات وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . [سورة المؤمنون، الآية ٣٠] .
(٨) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . [سورة الزمر، الآية ٥٢]، [سورة الروم، الآية ٣٧] .
(٩) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ . [سورة الروم، الآية ٢٢] .
(١٠) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ . [سورة السجدة، الآية ٢٦] .
[ ١ / ٥٩٥ ]
دلّ بها على أنّه عاقبهم بذنوبهم، وتكذيبهم للرسل، وأنّ ما فعلوه من الذنوب مما يُنهى عنه، ويُعاقب فاعله بمثل تلك العقوبة.
فهذه خرق عادات لإهانة قوم وعقوبتهم لما فعلوه من الذنوب [تجري] ١ مجرى قوله: عاقبتهم لأنّهم كذبوا رسولي وعصوه.
ولهذا يقول سبحانه كلّما قصّ قصة من كذّب رسله، وعقوبته إياهم؛ يقول: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ للذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر﴾ ٢؛ كما يقول في موضع آخر: ﴿إِنَّ في ذَلكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ ٣، و﴿إِنَّ في ذَلك لآيَة وَمَا كَان أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤، و﴿تَرَكْنَا فِيهَا آيَة للَّذِينَ يَخَافُونَ العَذَابَ الألِيم﴾ ٥.
وإذا كانت تلك العلامات مما جرت عادته أنه يفعلها مع من أرسله، ويُهلك بها من كذّب رسله، كانت أبلغ في الدلالة، وكانت معتادة في هذا النوع.
_________________
(١) ١ في «خ»: يجري. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ سورة القمر، الآيات ١٦-١٧، ٢١-٢٢. ٣ سورة المؤمنون، الآية ٣٠. ٤ سورة الشعراء، الآية ٨. ٥ سورة الذاريات، الآية ٢٧.
[ ١ / ٥٩٦ ]
تقسيم الباقلاني للعادات إلى عامة وخاصة
وهؤلاء١ تكلّموا بلفظ لم يحققوا معناه؛ وهو لفظة خرق العادة، وقالوا: العادات تنقسم إلى عامّة، وخاصّة؛ فمنها ما يشترك فيه جميع الناس، في جميع الأعصار؛ كالأكل، والشرب، واتقاء الحر والبرد. والخاصّ منها ما يكون كعادة للملائكة فقط، أو للجنّ فقط، أو للإنس دون غيرهم٢.
قالوا: ولهذا صحّ أن يكون لكلّ قبيلٍ منهم ضرب من التحدّي، وخرق لما هو عادة لهم دون غيرهم، وحجّة عليهم دون ما سواهم٣.
ومنها ما يكون عادة لبعض البشر؛ نحو اعتياد بعضهم صناعة، أو تجارة، أو رياضة في ركوب الخيل، والعمل بالسلاح٤. لكن هذه كلّها مقدورات للبشر.
قالوا: وآية الرسل لا تكون مقدورة لمخلوق، بل لا تكون إلا مما ينفرد الله بالقدرة عليه٥.
فإذا قالوا هذا، ظنّ الظانّ أنّهم اشترطوا أمرًا عظيمًا.
قول الأشاعرة: المعجز: الإقدار على الفعل لا نفس الفعل
ولم يشترطوا شيئا؛ فإنهم قالوا٦ في جنس الأفعال التي لا [يقدر] ٧ النّاس إلاَّ على اليسير منها؛ كحمل الجبال، ونقلها: إنّ المعجزة هنا إقدارهم على الفعل، لا نفس الفعل. ورجّحوا هذا على قول من يقول: نفس الفعل آية؛ لأنّ جنس الفعل مقدورٌ.
_________________
(١) ١ يعني الأشاعرة. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٥٢-٥٣. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٥٣. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٥٤. ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٥٤. ٦ انظر: البيان للباقلاني ص ٦١، ٧٢. ٧ في «م»، و«ط»: تقدر.
[ ١ / ٥٩٧ ]
نقد شرطهم
وليس هذا بفرق طائل؛ فإنّه لا فرق بين تخصيصهم بالفعل، أو بالقدرة عليه. فإذا كان إقدارهم على الكثير الذي لم تجر به العادة معجزة، كان نفس الكثير الذي لم تجر به العادة معجزة.
الأشاعرة أثبتوا للعبد قدرة غير مؤثرة
وهؤلاء عندهم أنّ قدرة العباد لا تؤثّر في وجود شيء، ولا يكون مقدورها إلا في محلها١؛ فهم في الحقيقة لم يثبتوا قدرة؛ فكل ما في الوجود هو مقدور لله عندهم.
الجويني والرازي تركا هذا الشرط في المعجزة
ولهذا عدل أبو المعالي، ومن اتبعه؛ كالرازي عن هذا الفرق٢، فلم يشترطوا أن يكون ممّا ينفرد الرب بالقدرة عليه؛ إذ كانت جميع الحوادث عندهم كذلك. وقالوا٣: إنّ ما يحصل على يد الساحر، والكاهن، وعامل الطلسمات، وعند الطبيعة الغريبة، هو ممّا ينفرد الرب بالقدرة عليه، ويكون آية للنبيّ.
وهذا معتاد لغير الأنبياء، فلم يبق لقولهم خرقٌ [للعادة] ٤ معنى معقول.
قول الباقلاني: خرق العادة يكون لجميع الذين تحداهم الرسول
بل قالوا - واللفظ للقاضي أبي بكر٥: الواجب على هذا الأصل أن يكون خرق العادة الذي يفعله الله مما يخرق جميع القبيل الذين تحدّاهم الرسول بمثله، ويحتجّ به على نبوته؛ فإن أرسل ملكًا إلى الملائكة، أظهر
_________________
(١) ١ انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١٩٧. ويُشير بذلك إلى ما عُرف ب (كسب الأشعري) . وقد تقدم بيان معناه ص ٥٥٨، ٦٩٧. ٢ يقصد ما تقدم ص ٢٥١-٢٥٤ من هذا الكتاب. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٩١. والإرشاد ص ٣١٩. ٤ في «خ»: العادة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ الباقلاني.
[ ١ / ٥٩٨ ]
على يده ما هو خرق لعادتهم؛ وإن أرسل بشرًا، أرسله بما يخرق عادة البشر؛ وإن أرسل جنيًّا، أظهر على يديه ما هو خارق لعادة الجن١.
مناقشة الأشاعرة في شروطهم التي اشترطوها للمعجزة
فيُقال: السّحر، والكهانة معتادٌ للبشر. وأنتم تقولون٢: يجوز أن يكون ما يأتي به الساحر، والكاهن [آية] ٣، بشرط أن لا يمكن معارضته. فلم يبق لكونه خارقًا للعادة معنى يعقل عندكم.
لهذا قال محققوهم٤: [إنّه] ٥ لا يُشترط في الآيات أن تكون خارقة للعادة؛ كما قد حكينا لفظهم في غير هذا الموضع؛ كما تقدم٦، وإنّما الشرط: أنها لا تعارض، وأن تقترن بدعوى النبوة٧؛ هذان الشرطان هما المعتبران. وقد بيّنا في غير موضع أنّ كلًا من الشرطين باطلٌ.
والأول: يقتضي أن يكون المدلول عليه جزءًا من الدليل.
وآيات النبوة أنواع متعددة؛ منها ما يكون قبل وجوده؛ ومنها ما يكون بعد موته؛ ومنها ما يكون في غيبته٨.
والمقصود هنا كان: هو الكلام على المثال الذي ذكروه، وأنّ ما ضرب من الأمثلة على الوجه الصحيح، فإنّه - ولله الحمد - يدلّ على صدق الرسول، وعلى فساد أصولهم.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ٥٥. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤، ٩٥. والإرشاد للجويني ص ٣٢٧-٣٢٨. ٣ رسمت في «خ»: انه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٨. والإرشاد للجويني ص ٣٠٩. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٦ تقدم هذا في ص ٦٥٩-٦٦٠ من هذا الكتاب. ٧ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٨، ١٩٤. والإرشاد للجويني ص ٣٢٠-٣٢١. ٨ انظر: الجواب الصحيح ٦٣٨٠.
[ ١ / ٥٩٩ ]
طريق الضرورة لإثبات النبوة
ولكن هم ضربوا مثالًا، إذا اعتبر على الوجه الصحيح كان حجةً - ولله الحمد - على صدق النبيّ، وعلى فساد ما ذكروه في المعجزات حيث قالوا١: هي الفعل الخارق للعادة، المقترن بدعوى النبوة والاستدلال به، وتحدّي النبيّ من دعاهم أن يأتوا بمثله. وشَرَطَ بعضهم٢ أن يكون مما ينفرد الرب بالقدرة عليه.
تعريف المعجزة عند الأشاعرة وشروطها
وهذه الأربعة هي التي شَرَطَ القاضي أبو بكر٣، ومن سلك مسلكه؛ كابن اللبان٤، وابن شاذان٥، والقاضي أبي يعلى٦، وغيرهم٧: أن يكون ممّا ينفرد الرب بالقدرة عليه على أحد القولين، أو منه ومن الجنس الآخر، إذا وقع على وجه يخرق العادة، وطريق متعذر على غيرهم مثله - على القول الآخر. قالوا وهذا لفظ [القاضي] ٨ أبي بكر.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ١٦، ٩٤. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠-١٧١. والمواقف للإيجي ص ٣٣٩-٣٤٠. والمقاصد مع شرحها للتفتازاني ٥١١. وانظر: الجواب الصحيح ٦٤٩٧. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٥. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٥. ٤ هو عليّ بن محمد بن نصر الدينوري، أبو الحسن، ابن اللبّان. إمام، محدّث، حافظ. توفي سنة ثمانٍ وستين وأربع مائة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨٣٦٩-٣٧٠. ٥ هو الحسن بن أبي بكر؛ أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان. أبو علي البغدادي البزّاز الأصوليّ. إمام، فاضل، مسند العراق. توفي في آخر يوم من سنة ٤٢٥؟، ودفن في أول يوم من سنة ٤٢٦؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧٤١٥-٤١٨. وشذرات الذهب ٣٢٢٨-٢٢٩. ٦ سبقت ترجمته. ٧ وانظر: أيضًا في أقوال هؤلاء في إثبات النبوة: الجواب الصحيح ٦٣٩٧-٣٩٨. ٨ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» .
[ ١ / ٦٠٠ ]
والثاني: أن يكون ذلك الشيء الذي يظهر على أيديهم مما يخرق العادة، وينقضها. ومتى لم يكن كذلك، لم يكن معجزًا.
والثالث: أن يكون غير النبي ممنوعًا من إظهار ذلك على يده، على الوجه الذي ظهر عليه، ودعا إلى معارضته، مع كونه خارقًا للعادة.
والرابع: أن يكون واقعًا مفعولًا عند تحدي الرسول بمثله، وادعائه آيةً لنبوّته، وتقريعه بالعجز عنه من خالفه وكذّبه.
قالوا: فهذه هي الشرائط، والأوصاف التي تختص بها المعجزات١.
مناقشة شيخ الإسلام للأشاعرة في الشروط التي اشترطوها في المعجزة
فيقال لهم:
الشرط الأول قد عرف أنّه لا حقيقة له، ولهذا [أعرض] ٢ عنه أكثرهم٣.
والثاني أيضًا لا حقيقة له؛ فإنهم لم يميزوا ما يخرق العادة ممّا لا يخرقها. ولهذا ذهب من ذهب من محققيهم إلى إلغاء هذا الشرط؛ فهم لا يعتبرون خرق عادة جميع البشر، بل ما اعتاده السحرة، والكهان، وأهل الطلاسم عندهم، يجوز أن يكون آية إذا لم يُعارض٤. وما اعتاده أهل صناعة، أو علم، أو شجاعة ليس هو عندهم آية، وإن لم يعارض.
فالأمور العجيبة التي خص الله بالإقدار عليها بعض الناس، لم يجعلوها خرق عادة. والأمور المحرمة، أو هي كفرٌ؛ كالسحر، والكهانة، والطلسمات: جعلوها خرق عادة، وجعلوها آية، بشرط أن لا يعارض. وهو الشرط الثالث، وهو في الحقيقة خاصة المعجزة عندهم.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٥-٤٦. ٢ في «ط»: أعراض. ٣ كما مرّ معنا في ص ٢٢٦-٢٢٧، ٦٤٠-٦٤١ من هذا الكتاب؛ من أمثال الجويني، والرازي. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٦. والإرشاد للجويني ص ٣٢٧-٣٢٨.
[ ١ / ٦٠١ ]
لكن كون غير الرسول ممنوعًا منه: إن اعتبروا [أنه] ١ ممنوع مطلقا؛ فهذا لا يعلم. وإن اعتبروا أنه ممنوع من المرسل اليهم؛ فهذا لا يكفي، بل يمكن كلّ ساحر، وكاهن أن يدّعي النبوّة، ويقول إنني كذا.
قالوا٢: لو فعل هذا، لكان الله يمنعه فِعْلَ ذلك، أو يقيّض له من يعارضه.
قلنا: من أين لكم ذلك؟ ومن أين يعلم الناس ذلك؟ ويعلمون أن كل كاذب فلا بُدّ أن يُمنع من فعل الأمر الذي اعتاده هو وغيره قبل ذلك؟ أو أن يعارض؟
والواقع خلاف ذلك؛ فما أكثر من ادّعى النبوّة، أو الاستغناء عن الأنبياء، وأنّ طريقه فوق طريق الأنبياء، وأنّ الربّ يُخاطبه بلا رسالة، وأتى بخوارق من جنس ما تأتي السحرة، والكهّان، ولم يكن في من دعاه من يعارضه٣.
وأما الرابع: وهو أن يكون عند تحدي الرسول فيه، يحترزون عن الكرامات٤. وهو شرطٌ باطلٌ.
_________________
(١) ١ في «خ»: لأنّه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤، ٩٥، ١٠٠. ٣ كمسيلمة الكذّاب، والأسود العنسيّ، والحارث الكذّاب، والحلاّج، وغيرهم. لم يكن عندهم مَنْ يُعارضهم. وسيتناول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا الموضوع بشيءٍ من الإيضاح والشرح. انظر: ص ٩٥٠-٩٥٤ من هذا الكتاب. وانظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٦٨-١٦٩، ٣٢١-٣٣٢. والجواب الصحيح ٦٥٠٠. ٤ وانظر الفرق بين المعجزات والكرامات عند الأشاعرة، في: البيان للباقلاني ص٤٨. والإرشاد للجويني ص٣١٧، ٣١٩-٣٢٠، ٣٢٢-٣٢٣. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٤.
[ ١ / ٦٠٢ ]
تعريف الدليل
آيات الأنبياء وإن لم يتحدوا بها فهي دلائل على النبوة
بل آيات الأنبياء آيات، وإن لم ينطقوا بالتحدي بالمثل. وهي دلائل على النبوّة، وصدق المخبِر بها. والدليل مغايرٌ للمدلول عليه، ليس المدلول عليه جزءًا من الدليل. لكن إذا قالوا: الدليل هو دعاء الرسول، لزمه أن يريهم آية، وخلق تلك الآية عقب سؤاله. وإن كان ذلك قد يخلقه بغير سؤاله لحكمة أخرى. فهذا متوجّه؛ فالدليل هو مجموع طلب العلامة، مع فعل ما جعله علامة؛ كما أنّ العباد إذا دعوا الله فأجابهم، كان ما فعله إجابةً لدعائهم، ودليلًا على أنّ الله سمع دعاءهم، وأجابهم؛ كما أنّهم إذا استسقوه فسقاهم، واستنصروه فنصرهم، وإن كان قد يفعل ذلك بلا دعاء، [فلا يكون هناك دليلٌ على إجابة دعاء. فهو دليلٌ على إجابة الدعاء] ١ إذا وقع عقب الدعاء، ولا يكون دليلًا إذا وقع على غير هذا الوجه.
وكذلك الرسول: إذا قال لمرسله: أعطني علامة. فأعطاه ما شرّفه به، كان دليلًا على رسالته، وإن كان قد يفعل ذلك لحكمة أخرى. لكن فعل ذلك عقب سؤاله، آية لنبوته هو الذي يختص به.
وكذلك إذا علم أنه فعله إكرامًا له، مع دعواه النبوة، علم أنّه قد أكرمه بما يكرم به الصادقين عليه، فعلم أنّه صادق؛ لأنّ ما فعله به مختص بالصادقين الأبرار، دون الكاذبين عليه الفجّار.
كرامات الأولياء من آيات الأنبياء
وعلى هذا فكرامات الأولياء هي من آيات الأنبياء٢؛ فإنها مختصة بمن شهد لهم بالرسالة، وكلّ ما استلزم صدق الشهادة بنبوتهم، فهو دليلٌ على صدق هذه الشهادة؛ سواءٌ كان الشاهد بنبوّتهم المخبِر بها هم، أو
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «ط» . ٢ انظر: دقائق التفسير لشيخ الإسلام ﵀ ١١٥٩. وانظر: تفسير القرطبي ١٣١٣٧. ودلائل النبوة لابن كثير ضمن البداية والنهاية ٦١٦١.
[ ١ / ٦٠٣ ]
غيرهم. بل غيرهم إذا أخبر بنبوتهم، وأظهر الله على يديه ما يدلّ على صدق هذا الخبر، كان أبلغ في الدلالة على صدقهم من أن يظهر على أيديهم.
ليس من شرط دلائل النبوة اقترانها بدعوى النبوة أو التحدي بها
فقد تبيّن أنّه ليس من شرط دلائل النبوة؛ [لا اقترانه] ١ بدعوى النبوة، ولا الاحتجاج به، ولا التحدي بالمثل٢، ولا تقريع من يخالفه. بل كلّ هذه الأمور قد تقع في بعض الآيات، لكن لا يجب أنّ ما لا يقع معه لا يكون آية، بل هذا إبطالٌ لأكثر آيات الأنبياء؛ [لخلوها] ٣ عن هذا الشرط٤.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: لاقترانه. ٢ كما يقوله أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة. انظر: المغني لعبد الجبار الهمداني ١٥١٩٩، ٢١٥. وشرح الأصول الخمسة له ص ٥٦٩-٥٧١. والبيان للباقلاني ص ٤٥-٤٦. والمواقف للإيجي ص ٣٣٩-٣٤٠. ٣ في «خ»: خلوها. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ المتكلّمون جعلوا التحدّي شرطًا من شروط المعجزة. وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام ﵀ اشتراطهم لهذا الشرط؛ فقال: "وآيات النبوة وبراهينها تكون في حياة الرسول، وقبل مولده، وبعد مماته، لا تختصّ بحياته، فضلًا عن أن تختصّ بحال دعوى النبوة، أو حال التحدّي؛ كما ظنّه بعض أهل الكلام". انظر: الجواب الصحيح ٦٣٨٠، ٤٠٨، ٤٩٦. وقد ردّ ابن حزم أيضًا على من اشترط هذا الشرط؛ فقال: "ومن ادّعى أنّ إحالة الطبيعة لا تكون آية إلا حتى يتحدى فيها النبيّ ﷺ النّاس، فقد كذب، وادّعى ما لا دليل عليه أصلًا؛ لا من عقل، ولا من نص قرآن ولا سنّة. وما كان هكذا، فهو باطلٌ، ويجب من هذا أنّ حنين الجذع، وإطعام النفر الكثير من الطعام اليسير حتى شبعوا، وهم مئون من صاع شعير، ونبعان الماء من بين أصابع رسول الله ﷺ، وإرواء ألف وأربعمائة من قدح صغير تضيق سعته عن الشبر، ليس شيء من ذلك آية له ﵇؛ لأنّه ﵇ لم يتحدّ بشيء من ذلك أحدًا". المحلى لابن حزم ١٣٦. وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل له ٥٢، ٦.
[ ١ / ٦٠٤ ]
الدليل ما يستلزم وجود المدلول
ثمّ هو شرطٌ بلا حجة؛ فإنّ الدليل على المدلول عليه، هو ما استلزم وجوده. وهذا لا يكون إلا عند عدم المعارض المساوي، أو الراجح. وما كان كذلك، فهو دليلٌ؛ سواءٌ قال المستدلّ به: ائتوا بمثله، وأنتم لا تقدرون على الإتيان بمثله، وقرعهم وعجزهم. أو لم يقل ذلك.
فهو إذا كان في نفسه مما لا يقدرون على الإتيان بمثله؛ سواءٌ ذكر المستدلّ [هذا] ١، أو لم يذكره؛ لا بذكره يصير دليلًا، ولا بعدم ذكره تنتفي دلالته.
وهؤلاء قالوا: لا يكون دليلا [إلا] ٢ [إذا] ٣ ذكره المستدل. وهذا باطلٌ.
وكذلك الدليل، هو دليلٌ؛ سواءٌ استدلّ به مستدلّ، أو لم يستدلّ. وهؤلاء قالوا: لا يكون دليل النبوة دليلًا، إلا إذا استدلّ به النبيّ حين ادّعى النبوة؛ فجعل نفس دعواه، واستدلاله، والمطالبة بالمعارضة، وتقريعهم بالعجز عنها؛ كلها جزءًا من الدليل.
وهذا غلطٌ عظيمٌ. بل السكوت عن هذه الأمور أبلغ في الدلالة، والنطق بها لا يُقوِّي الدليل. والله تعالى لم يقُل: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ [مِثْلِهِ] ٤﴾ ٥، إلاَّ حين قالوا: افتراه؛ لم يجعل هذا القول شرطًا في الدليل، بل نفس عجزهم عن المعارضة هو من تمام الدليل.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين، ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» . ٤ في «خ»: بمثله. ٥ سورة الطور، الآية ٣٤.
[ ١ / ٦٠٥ ]
الأشاعرة يجعلون الفرق بين جنس المعجزات والكرامات وخوارق السحرة: ادعاء النبوة وإلا فالجنس واحد
[وهم] ١ إنّما شرطوا ذلك؛ لأنّ كرامات الأولياء عندهم؛ متى اقترن بها دعوى النبوّة، كانت آية للنبوة٢؛ وجنس السحر، والكهانة؛ متى اقترن به دعوى النبوة، كان دليلًا على النبوّة عندهم، لكن قالوا: الساحر، والكاهن لو ادّعى النبوّة، لكان [يُمنع] ٣ من ذلك، أو يُعارض بمثله٤. وأمّا الصالح: فلا يدّعي.
فكان أصلهم: أنّ ما يأتي به النبيّ، والساحر، والكاهن، والولي: من جنسٍ واحد، لا يتميّز بعضه عن بعضٍ بوصف٥، لكن خاصّة النبيّ: اقتران الدعوى، والاستدلال، والتحدي بالمثل بما يأتي به.
فلم يجعلوا لآيات الأنبياء خاصّة تتميّز بها عن السحر، والكهانة، وعمّا يكون لآحاد المؤمنين، ولم يجعلوا للنبيّ مزيّة على عموم المؤمنين، ولا على السحرة، والكهّان من جهة الآيات التي يدل [الله] ٦ بها العباد على صدقه.
رد شيخ الإسلام عليهم
وهذا افتراءٌ عظيمٌ؛ على الأنبياء، وعلى آياتهم، وتسويةٌ بين أفضل الخلق، وشرار الخلق.
الساحر والكاهن لا يأتي إلا بالفجور
بل تسويةٌ بين [ما يدلّ] ٧ على النبوّة، وما يدلّ على نقيضها؛ فإنّ ما يأتي به السحرة، والكهّان، لا يكون إلاَّ لكذّابٍ، فاجرٍ، عدوٍّ لله؛ فهو مناقض للنبوة.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٨. والإرشاد للجويني ص ٣١٩-٣٢١. ٣ في «م»، و«ط»: يمتنع. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤، ٩٥، ١٠٠. ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٩١، ٩٦. والإرشاد للجويني ص ٣٢٧-٣٢٨. ٦ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٧ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين.
[ ١ / ٦٠٦ ]
من الفروق بين آيات الأنبياء وبين خوارق السحرة والكهان
فلم يفرقوا بين ما يدلّ على النبوّة وعلى نقيضها، وبين ما لا يدلّ عليها، ولا على نقيضها؛ فإنّ آيات الأنبياء تدلّ على النبوة، وعجائب السحرة، والكهّان تدلّ على نقيض النبوّة؛ وإنّ صاحبها ليس ببرّ، ولا عدلٍ، ولا وليٍّ لله، فضلًا عن أن يكون نبيًّا.
بل يمتنع أن يكون الساحر، والكاهن نبيًّا، بل هو من أعداء الله.
والأنبياء أفضل خلق الله، وإيمان المؤمنين، وصلاحهم لا يناقض النبوة، ولا يستلزمها.
الأشاعرة سووا بين الأجناس الثلاثة
فهؤلاء١ سوّوا بين الأجناس الثلاثة؛ فكانوا بمنزلة من سوّى بين عبادة [الرحمن] ٢، وعبادة الشيطان والأوثان؛ فإنّ الكهّان، والسحرة يأمرون بالشرك، وعبادة الأوثان، وما فيه طاعة للشيطان. [والأنبياء] ٣ لا يأمرون إلا بعبادة الله وحده، وينهون عن عبادة ما سوى الله وطاعة الشياطين.
النبي عند الأشاعرة
فسوّى هؤلاء بين هذا وهذا، ولم يبق الفرق إلا مجرّد تلفّظ المدّعي بأني نبيّ. فإن تلفّظ به، كان نبيًّا، وإن لم يتلفّظ به، لم يكن نبيا.
فالكذّاب المتنبي إذا أتى بما يأتي الساحر، والكاهن، وقال: أنا نبيّ، كان نبيًّا.
وقولهم: إنّه إذا فعل ذلك مُنِع منه، وعورض٤: دعوى مجردة؛ فهي لا تُقبل لو لم يعلم بطلانها. فكيف، وقد علم بطلانها، وأنّ كثيرًا ادّعوا ذلك، ولم يعارضهم ممّن دعوه أحد، ولا مُنعوا من ذلك.
_________________
(١) ١ يعني الأشاعرة. انظر: الجواب الصحيح ٦٤٠٠، ٥٠٠. ٢ في «ط»: احرحمن. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤، ٩٥، ١٠٠.
[ ١ / ٦٠٧ ]
فلزم على قول هؤلاء: التسوية بين النبيّ الصادق، والمتنبي الكاذب.
وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ في جَهَنّمَ مَثْوَىً لِلْكَافِرِينَ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ١.
ولم يُفرّق هؤلاء٢ بين هؤلاء٣ وهؤلاء٤، ولا بين آيات هؤلاء، وآيات هؤلاء.
وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًَا وَهُدَىً للنَّاسِ [تَجْعَلُونَهُ] ٥ قَرَاطِيسَ [تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ] ٦ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِطُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًَا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ الله وَلَوْ تَرَى [إذ] ٧ الظَّالِمُونَ في غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنْتُم تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآيتان ٣٢-٣٣. ٢ الأشاعرة. ٣ الأنبياء ﵈. ٤ السحرة والكهان. ٥ في «خ»: يجعلونه. ٦ في «خ»: يبدونها ويخفونها. ٧ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «ط» .
[ ١ / ٦٠٨ ]
ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [أنّهم] ١ فِيكُمْ شُرَكَاءَ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٢.
فنسأل الله العظيم: أن يهدينا إلى [صراطه] ٣ المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم؛ من [النبيين] ٤، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ الذين عبدوه وحده، لا شريك له، وآمنوا بما أرسل به رسله، وبما جاءوا به من الآيات، وفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغيّ والرشاد، وطريق أولياء الله المتقين، وأعداء الله الضالّين، والمغضوب [عليهم] ٥؛ فكان ممّن صدَّق الرسل فيما أخبروا به، وأطاعهم فيما أمروا به. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
من أصول الأشاعرة
وهؤلاء٦ يُجوّزون أن يأمر الله بكلّ شيء، وأن ينهى عن كلّ شيء؛ فلا يبقى عندهم فرق بين النبيّ الصادق، والمتنبي الكاذب؛ لا من جهة نفسه؛ فإنهم لا يشترطون فيه إلاَّ مجرّد كونه في الباطن مقرًّا بالصانع٧. وهذا موجودٌ في عامّة الخلق؛ ولا من جهة [آياته؛ ولا من جهة] ٨
_________________
(١) ١ في «ط»: إنهم. ٢ سورة الأنعام، الآيات ٩١-٩٤. ٣ في «م»، و«ط»: صراط. ٤ في «ط»: افنبين. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٦ يعني الأشاعرة. ٧ بل لا مانع عند الجهمية أن يكون النبيّ من أجهل الخلق، يقول شيخ الإسلام ﵀: "الجهمية تثبت نبوة لا تستلزم فضل صاحبها ولا كماله ولا اختصاصه قط بشيء من صفات الكمال، بل يجوز أن يُجعل من هو من أجهل الناس نبيًّا..". منهاج السنة النبوية ٥٤٣٦. ٨ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ١ / ٦٠٩ ]
ما يأمر به١.
والفلاسفة من هذا الوجه أجود قولًا في الأنبياء؛ فإنّهم يشترطون في النبيّ اختصاصه بالعلم من غير تعلم، وبالقدرة على التأثير الغريب، والتخييل. ويُفرّق بين الساحر، والنبيّ: بأنّ النبيّ يقصد العدل، ويأمر به؛ بخلاف الساحر٢.
الغزالي عدل إلى طريق الفلاسفة في النبوة
ولهذا عدل الغزالي في النبوة عن طريق أولئك المتكلمين، إلى طريق الفلاسفة؛ فاستدلّ بما يفعله، ويأمر به، على نبوته٣.
وهي طريق صحيحة، لكن إنّما أثبتَ بها نبوةّ مثل نبوةّ الفلاسفة٤.
_________________
(١) ١ ولشيخ الإسلام ﵀ كلام طيّب عن النبوّة عند الأشاعرة. فمن ذلك قوله ﵀ عنهم: "فهؤلاء يُجوّزون بعثة كلّ مكلّف، والنبوة عندهم مجرد إعلامه بما أوحاه إليه، والرسالة مجرّد أمره بتبليغ ما أوحاه إليه. وليست النبوة عندهم صفة ثبوتية، ولا مستلزمة لصفة يختصّ بها، بل هي من الصفات الإضافية؛ كما يقولون مثل ذلك في الأحكام الشرعية إلخ". منهاج السنة النبوية ٢٤١٤. وانظر: الجواب الصحيح ٦٤٩٦، ٥٠٠-٥٠٤. وكتاب الصفدية ١١٤٨-١٤٩، ٢٢٥. وانظر: موقفهم من عصمة الأنبياء في المصدر نفسه ٢٤١٤-٤١٥. ٢ انظر: كتاب الصفدية ١١٤٣. ٣ انظر: المنقذ من الضلال للغزالي ص ١٤٥-١٥٠. ومعارج القدس له ص ١٥١، ١٦٤؛ فإنه يجعل للنبوة ثلاثة خواص. وتهافت الفلاسفة له ص ١٩٢-١٩٤. وانظر: ما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥١٩-٥٢٢، ٥٣٣. وما نقله - شيخ الإسلام - أيضًا عن المازري من أن كلام الغزالي يؤثر في الإيمان بالنبوة فينقص قدرها، انظر: الصفدية ١٢١١. ٤ وقد علّق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على كلام الغزالي، وبيَّن مشابهة قوله لقول الفلاسفة في حقيقة النبوّة. انظر: شرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٤٢- ٥٤٣ والصفدية ١٦ ودرء تعارض العقل والنقل ١٣٢. والرد على المنطقيين ص٥١٠. وانظر: كلام الغزالي في النبوة في طبقات الشافعية للسبكي ٤١١٠-١١٤.
[ ١ / ٦١٠ ]
مقارنة بين الأشاعرة والفلاسفة في النبوات
وأولئك١ خيرٌ من الفلاسفة؛ من جهة أنّهم لما أقرّوا بنبوّة محمدٍ، صدّقوه فيما أخبر به من أمور الأنبياء، وغيرهم، وكان عندهم معصومًا من الكذب فيما يبلغه عن الله؛ فانتفعوا بالشرع، والسمعيات. وبها صار فيهم من الإسلام ما تميّزوا به على أولئك٢؛ فإن أولئك لا ينتفعون بأخبار الأنبياء؛ إذ كانوا عندهم يُخاطبون الجمهور بالتخييل؛ فهم يكذبون عندهم للمصلحة٣.
_________________
(١) ١ يعني الأشاعرة. ٢ يعني الفلاسفة. ٣ ولشيخ الإسلام ﵀ كلام طيّب يشرح فيه النبوة عند الفلاسفة، يقول فيه: "وأما المتفلسفة القائلون بقدم العالم، وصدوره عن علة موجبة - مع إنكارهم أنّ الله تعالى يفعل بقدرته ومشيئته، وأنّه يعلم الجزئيات - فالنبوة عندهم فيضٌ يفيض على الإنسان بحسب استعداده، وهي مكتسبة عندهم. ومن كان متميزًا - في قوته العلمية؛ بحيث يستغني عن التعليم، وشُكّل في نفسه خطاب يسمعه كما يسمع النائم، وشخص يخاطبه كما يُخاطَب النائم؛ وفي العملية بحيث يؤثر في العنصريات تأثيرًا غريبًا - كان نبيًّا عندهم. وهم لا يُثبتون مَلَكًَا مُفضَّلًا يأتي بالوحي من الله تعالى، ولا ملائكة، بل ولا جِنًّا يخرق الله بهم العادات للأنبياء، إلا قوى النفس. وقول هؤلاء وإن كان شرًا من أقوال اليهود والنصارى، وهو أبعد الأقوال عمّا جاءت به الرسل، فقد وقع فيه كثيرٌ من المتأخرين الذين لم يُشرق عليهم نور النبوة؛ من المدّعين للنظر العقليّ، والكشف الخيالي الصوفي. وإن كان غاية هؤلاء الأقيسة الفاسدة، والشكّ، وغاية هؤلاء الخيالات الفاسدة والشطح". منهاج السنة النبوية ٢٤١٥-٤١٦. وانظر: كلامًا مشابهًا لهذا الكلام لشيخ الإسلام في شرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٠٢-٥٠٧. وكتاب الصفدية ٢٥-٧.
[ ١ / ٦١١ ]
ولكنْ آخرون١ سلكوا مسلك التأويل، وقالوا: إنّهم لا يكذبون. ولكن أسرفوا فيه.
من أسباب ظهور الفلاسفة على المتكلمين
ففي الجملة: ظهور الفلاسفة، والملاحدة، والباطنية على هؤلاء تارةً، ومقاومتهم لهم تارةً: لا بُدّ له من أسباب في حكمة الرب، وعدله.
ومن أعظم أسبابه: تفريط أولئك٢ وجهلهم بما جاء به الأنبياء؛ فالنبوّة التي ينتسبون إلى نصرها، لم يعرفوها، ولم يعرفوا دليلها، ولا قدروها قدرها.
وهذا يظهر من جهات متعددة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) ١ استوفى شيخ الإسلام ﵀ ذكر مذاهب هؤلاء والرد عليهم، وذكر أن المبتدعة لهم طريقتان في نصوص الأنبياء: أولًا طريقة التبديل، وأهلها صنفان: ١- أهل الوهم والتخييل؛ كابن سينا، وابن عربي، والفارابي، والسهروردي، وابن رشد الحفيد، وابن سبعين، وهو قول المتفلسفة والباطنية كالملاحدة الإسماعيلية، وإخوان الصفا، وملاحدة الصوفية. ٢- أهل التحريف والتأويل، وهم المقصودون هنا، وهي طريقة المتكلمين من المعتزلة والكلابية والسالمية والكرامية والشيعة وغيرهم. أما الطريقة الثانية: فهي طريقة التجهيل. انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٨-٢٠. وكتاب الصفدية ١٢٠٢، ٢٠٣، ٢٠٩، ٢٣٧، ٢٤٤، ٢٦٥، ٢٧٦، ٢٨٨، ٢٨٩. وشرح الأصفهانية ٢٥٠٢-٥٠٨. والرد على المنطقيين ص ٤٦٩. ومجموع الفتاوى ٤٦٧. ٢ يعني الأشاعرة، ومن نحا منحاهم من أصحاب دليل الأعراض وحدوث الأجسام. وقد فصّل شيخ الإسلام ﵀ هذا الموضع، وزاده بسطًا وإيضاحًا في كتابه القيم شرح الأصفهانية ٢٣٢٩-٣٣٥. وانظر: في الكلام على النبوة عند الأشاعرة: منهاج السنة النبوية ٢٤١٤، ٥٤٣٦-٤٣٧. وكتاب الصفدية١٢٢٥-٢٢٦، ٢٢٨-٢٢٩. والكلام عن عصمة الأنبياء عندهم في منهاج السنة ٢٤١٤-٤١٥. وقد مرت معنا مقارنة بين موقف الأشاعرة من النبوة، وموقف الفلاسفة منها في ص ٦٠٩-٦١٢ من هذا الكتاب.
[ ١ / ٦١٢ ]