ومن آياته: نصر الرسل على قومهم. وهذا على وجهين:
الوجه الأول بإهلاك الأمم وإنجاء الرسل وأتباعهم
تارةً: يكون بإهلاك الأمم، وإنجاء الرسل وأتباعهم؛كقوم نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى. ولهذا يقرن الله بين هذه القصص في سورة الأعراف، وهود، والشعراء، ولا يذكر معها قصة إبراهيم٢. وإنّما ذكر قصة إبراهيم في سورة الأنبياء٣، ومريم٤، والعنكبوت٥، والصافات٦؛ فإنّ هذه السور لم يقتصر فيها على ذكر من أهلك من الأمم.
_________________
(١) ١ في «ط» فقط: فصل قال ﵁. ٢ ذكر الله ﷾ قصة إبراهيم ﵇ في سورة الشعراء بعد قصة موسى وإهلاك فرعون وقومه؛ قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ . الآيتان ٦٩-٧٠. ٣ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إلخ﴾ . سورة الأنبياء، آية ٥١، إلى آية ٧٣. ٤ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قَالَ لأبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ .. سورة مريم، الآيتان ٤١-٤٢، إلى آية ٥٠. ٥ قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . سورة العنكبوت، الآية ١٦، إلى الآية ٢٧. ٦ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴾ . سورة الصافات، الآيات ٨٣-٨٥، إلى آية ١١٣.
[ ١ / ٢٠٥ ]
بل في سورة الأنبياء كان المقصود ذكر الأنبياء، ولهذا سميت سورة الأنبياء؛ فذكر فيها إكرامه للأنبياء، وإن لم يذكر قومهم؛ كما ذكر قصة داود، وسليمان١، وأيوب٢، وذكر آخر الكلّ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ ٣، وبدأ فيها بقصة إبراهيم٤؛ إذ كان المقصود ذكر إكرامه للأنبياء قبل محمّد وإبراهيم؛ أكرمهم على الله تعالى، وهو خير البرية، وهو [أبو] ٥ أكثرهم، إذ ليس هو [أبا] ٦ نوحٍ ولوط، لكن لوط من أتباعه٧، وأيوب من ذريته؛ بدليل قوله في سورة الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ ٨.
وأمّا سورة مريم: فذكر الله تعالى فيها إنعامه على الأنبياء المذكورين فيها؛ فذكر فيها رحمته زكريا، وهبته يحيى٩، وأنه ورث نبوته، وغيرها
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ . سورة الأنبياء، الآيات ٧٨-٨٢. ٢ قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ﴾ .. سورة الأنبياء، الآيتان ٨٣-٨٤. ٣ سورة الأنبياء، الآية ٩٢. ٤ وهي تبدأ من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ..﴾ . من آية ٥١، إلى آية ٧٣. ٥ في «خ»، و«م»، و«ط»: أب. والصحيح: أبو. ٦ في «خ»، و«م»، و«ط»: أب. والصحيح: أبا. ٧ قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ . سورة العنكبوت، الآيتان ٢٦-٢٧. ٨ سورة الأنعام، الآية ٨٤. ٩ في «ط» فقط: ﵉.
[ ١ / ٢٠٦ ]
من علم آل يعقوب، وأنه آتاه الحكم صبيًّا١؛ وذكر بدء خلق عيسى، وما أعطاه الله تعالى من تعليم الكتاب؛ وهو التوراة، والنبوّة، وأنّ الله تعالى جعله مباركًا أينما كان، وغير ذلك٢؛ وذكر قصة إبراهيم، وحسن خطابه لأبيه، وأنّ الله تعالى وهبه إسحاق ويعقوب نبيّين، ووهبه من رحمته، وجعل له لسان صدق عليًا٣؛ ثم ذكر موسى، وأنّه خصّصه الله تعالى بالتقريب والتكليم، [ووهبه] ٤ أخاه، وغير ذلك٥؛ وذكر إسماعيل، وأنّه كان صادق الوعد٦ وكأنّه والله أعلم من ذلك أو أعظمه صَدَقَهُ فيما وَعَدَ به أباه من صبره عند الذبح، فوفى بذلك٧؛ وذكر إدريس، وأنّ الله تعالى رفعه مكانا عليًّا٨. ثمّ قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم﴾ ٩.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ إلى قوله عن يحيى ﵇: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ . سورة مريم، من أولها، إلى آية ١٥. ٢ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ . سورة مريم، الآيات ١٦، إلى ٣٤. ٣ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ . سورة مريم، الآيات ٤١-٥٠. ٤ في «خ»: وهبه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ سورة مريم، الآيات ٥١-٥٣. ٦ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ . سورة مريم، الآية ٥٤٧ انظر تفسير ابن كثير ٣/١٢٥. ٨ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ . سورة مريم، الآيتان ٥٦-٥٧. وانظر أقوال العلماء في معنى رفعه ﵇ في أعلام النبوة للماوردي ص ٨٢. والبداية والنهاية لابن كثير ١/٩٣. ٩ سورة مريم، الآية ٥٨.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وأما سورة العنكبوت: فإنّه ذكر فيها امتحانه للمؤمنين، ونصره لهم، وحاجتهم إلى الصبر والجهاد، وذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر، وعاقبة من كذب الرسل؛ فذكر قصة إبراهيم لأنّها من النمط الأول، ونصرة الله له على قومه١.
وكذلك سورة الصافات قال فيها: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ٢. وهذا يقتضي أنّها عاقبة رديئة؛ إمّا بكونهم غُلبوا وذلّوا، وإما بكونهم أُهلكوا. ولهذا ذكر فيها قصة إلياس، ولم يذكرها في غيرها، ولم يذكر هلاك قومه، بل قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلاَّ عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ٣. وإلياس قد رُوِيَ أنّ الله تعالى رفعه٤، وهذا يقتضي عذابهم في الآخرة؛ فإنّ إلياس لم
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . سورة العنكبوت، الآية ١٦. ٢ سورة الصافات، الآيات ٧١-٧٣. ٣ سورة الصافات، الآيتان ١٢٧-١٢٨. ٤ اختلف في إلياس، فذُكر عن ابن مسعود، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، والضحاك: أنّ إلياس هو إدريس. وقيل: إلياس نبيّ بُعث إلى بني إسرائيل بعد مهلك حزقيل، فعبدوا الأصنام، ثم دعا الله عليهم، فحبس عنهم القطر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم، ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر، فدعا الله تعالى لهم فجاءهم الغيث، فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه فيُريحه منهم، فأمر إلياس أن يذهب إلى مكان كذا وكذا، فمهما جاءه فليركبه، ولا يهابه. فجاءته فرس من نار، فركب، وألبسه الله تعالى النور، وكساء الريش، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وطار في الملائكة، فكان إنسيًا ملكيًا، أرضيًا سماويًا. انظر: جامع البيان ٢٣/٩١-٩٤. والجامع لأحكام القرآن ١٥/٧٦-٧٧. وتفسير القرآن العظيم ٣/١٩-٢٠. وقال ابن كثير ﵀ في آخر القصة: هكذا حكاه وهب بن منبه عن أهل الكتاب، والله أعلم بصحته. وانظر في رفعه ﵇: أعلام النبوة للماوردي ص ٨٩. وكذا البداية والنهاية ١/٣١٤-٣١٦،، ٢/٥.
[ ١ / ٢٠٨ ]
يقم فيهم، وإلياس المعروف بعد موسى١ من بني إسرائيل، وبعد موسى لم يهلك المكذبين بعذاب الاستئصال. وبعد نوح٢ لم يهلك جميع النوع. وقد بعث في كلّ أمة نذيرًا، والله تعالى لم يذكر قطّ عن قوم إبراهيم٣ أنهم أهلكوا، كما ذكر ذلك عن غيرهم، بل ذكر أنّهم ألقوه في النار، فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، وأرادوا به كيدًا، فجعلهم الله الأسفلين الأخسرين.
وفي هذا:
الوجه الثاني إظهار برهان النبي بالحجة والعلم والقدرة
ظهور برهانه، وآيته، وأنه أظهره عليهم بالحجة والعلم، وأظهره أيضًا [بالقدرة] ٤؛ حيث أذلهم ونصره. [وهذا من جنس المجاهد الذي هزم عدوه، وتلك من جنس المجاهد الذي قتل عدوه] ٥.
وإبراهيم بعد هذا لم يقم بينهم، بل هاجر وتركهم. وأولئك الرسل لم يزالوا مقيمين بين ظهراني قومهم حتى هلكوا، فلم يوجد في حق قوم إبراهيم سبب الهلاك؛ وهو إقامته فيهم، وانتظار العذاب النازل.
وهكذا محمد مع قومه لم يقم فيهم، بل خرج عنهم، حتى أظهره الله تعالى عليهم بعد ذلك.
الخليلان هما أفضل الرسل
ومحمد وإبراهيم أفضل الرسل فإنّهم إذا علموا [الدعوة] ٦ حصل المقصود.
_________________
(١) ١ في «ط» فقط: ﵇. ٢ في «ط» فقط: ﵇. ٣ في «ط» فقط: ﵇. ٤ في «ط» فقط: بالقدوة. ٥ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» . ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهي في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٠٩ ]
وقد يتوب منهم١ من يتوب بعد ذلك؛ كما تاب من قريش من تاب.
وأما حال إبراهيم٢: فكانت إلى الرحمة أميل، فلم يَسْعَ في هلاك قومه، لا بالدعاء، ولا بالمقام، ودوام إقامة الحجة عليهم.
وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ٣.
وكان كل قوم يطلبون هلاك نبيهم [فعوقبوا] ٤.
وقوم إبراهيم أوصلوه إلى العذاب، لكن جعله الله [تعالى] ٥ عليه بردًا وسلامًا، ولم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب؛ إذ الدنيا ليست دار الجزاء التام، وإنّما فيها من الجزاء ما [تحصل] ٦ به الحكمة والمصلحة؛ كما في العقوبات الشرعية.
فمن أراد أعداؤه من أتباع الأنبياء أن يهلكوه فعصمه الله٧، وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه، ولم يهلك أعداءه، بل أخزاهم، ونصره؛ فهو أشبه بإبراهيم٨.
_________________
(١) ١ من أقوام الأنبياء ﵈. ٢ في «ط» فقط: ﵇. ٣ سورة إبراهيم، الآيتان ١٣-١٤. ٤ في «م»، و«ط»: إلا عوقبوا. ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: يحصل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ العبارة فيها لبس، ومعناها: أنّ من أتباع الأنبياء من يُريد أعداؤه أن يُهلكوه، ويعصمه الله منهم. ٨ جملة: (فهو أشبه إبراهيم): جواب الشرط. ومعناه: من أراد أعداؤه إهلاكه، وعصمه الله، وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه، وأخزى أعداءه، فهو أشبه بإبراهيم ﵇.
[ ١ / ٢١٠ ]
وإذا عصمه من كيدهم، وأظهره حتى صارت الحرب بينه وبينهم سجالًا، ثم كانت العاقبة له، فهو أشبه بحال محمّد [ﷺ] ١؛ فإنّ محمدًا سيّد الجميع٢، وهو خليل الله٣؛ كما أن إبراهيم خليله.
والخليلان٤: هما أفضل الجميع، وفي طريقتهما من الرأفة والرحمة، ما ليس في طريقة غيرهما.
حكمة الرب تعالى في عقوبته لكل قوم بما يناسبهم
ولم يذكر الله عن قوم إبراهيم دينًا غير الشرك، وكذلك عن قوم نوح.
وأمّا عاد: فذكر عنهم التجبّر، وعمارة الدنيا.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين لا يوجد في «ط» . ٢ قال ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفّع". أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤/١٧٨٢، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق، رقم ٢٢٧٨. والإمام أحمد في المسند ٢/٥٤٠. وقال ﷺ: "أنا سيد الناس يوم القيامة". أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، رقم ٣٣٤٠. والإمام مسلم في صحيحه، رقم ١٩٤. وقال ﷺ: "أنا سيد ولد آدم، ولا فخر". أخرجه الإمام أحمد في مسنده٣/٢، ١٤٤. وابن ماجه في سننه ٢/١٤٤٠، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة. ٣ قال ﷺ: "إنّ الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا". أخرجه الإمام مسلم في صحيحه رقم ٥٣٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الخُلّة: هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يُحبّهم ويُحبونه ولهذا لم يكن له ﷺ من أهل الأرض خليل؛ إذ الخلة لا تحتمل الشركة. فإنه كما قيل في المعنى: قد تخلّلت مسلك الروح مني وبذا سُمّي الخليل خليلًا. العبودية لابن تيمية ص ١٢٨. وانظر الشفا للقاضي عياض في الفرق بين المحبة والخلة ١/٢٧٩-٢٨٩. ٤ إبراهيم، ومحمد صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلّم.
[ ١ / ٢١١ ]
وقوم صالح١: ذكر عنهم الاشتغال بالدنيا عن الدين، لم يذكر عنهم من التجبر ما ذكر عن عاد، وإنّما أهلكهم لما عقروا الناقة.
وأمّا أهل مدين: فذكر عنهم الظلم في الأموال، مع الشرك؛ ﴿قَالُوا يَا شُعَيبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ ٢.
وقوم لوط ذكر عنهم استحلال الفاحشة، ولم يذكروا بالتوحيد، بخلاف سائر الأمم. وهذا يدلّ على أنّهم لم يكونوا مشركين، وإنما ذنبهم استحلال الفاحشة، وتوابع ذلك. وكانت عقوبتهم أشد؛ إذ ليس في ذلك تديّن، بل شر يعلمون أنه شرّ٣.
وهذه الأمور تدلّ على حكمة الربّ، وعقوبته لكل قوم بما يناسبهم؛ فإنّ قوم نوحٍ أَغرقهم إذ لم يكن فيهم خيرٌ يُرجى.
_________________
(١) ١ في «ط» فقط: ﵇. ٢ سورة هود، الآية ٨٧. ٣ وقد وصفهم الله تعالى بصفات قبيحة؛ منها صفة العدوان على حدود الله، فقال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ . سورة الشعراء، الآية ١٦٥-١٦٦. ووصفهم بالجهل، قال تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ . سورة النمل، الآية ٥٥. ووصفهم بالإسراف في الشهوات، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ . سورة الأعراف، الآية ٨١. وقال تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ . سورة العنكبوت، الآية ٢٩. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن قوم لوط: "وكانوا كفارًا من جهات؛ من جهة استحلال الفاحشة، ومن جهة الشرك، ومن جهة تكذيب الرسل؛ ففعلوا هذا وهذا، ولكن الشرك والتكذيب مشترك بينهم وبين غيرهم، والذي اختصوا به الفاحشة، فلهذا عوقبوا عقوبة تخصهم، لم يعاقب غيرهم بمثلها، وجعل جنس هذه العقوبة هو الرجم".تفسير آيات أشكلت من القرآن ١/٣٩١.
[ ١ / ٢١٢ ]