ويقال لهم: لِمَ فررتم من إثبات المحبّة، والحكمة، والإرادة، والفعل؟ فإن قالوا: لأنّ ذلك لا يعقل إلا في حق من يلتذّ، ويتألم، وينتفع، ويتضرّر. والله منزّهٌ عن ذلك٢. قيل للفلاسفة: فأنتم تُثبتون أنّه مستلذّ،
_________________
(١) ١ مسألة الحكمة وتعليل الأفعال وتداخلها بالقدر من أعظم المسائل التي اضطرب فيها المبتدعة. وقد ألّف شيخ الإسلام ﵀ في هذا الموضوع رسالة مستقلة، أسماها: "أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة والقضاء والقدر والتعليل وبطلان الجبر والتعطيل". انظرها في جامع الرسائل والمسائل ٤-٥٢٨٣-٣٤٦. وذلك على إثر سؤال ورد إليه وهو في الديار المصرية سنة أربع عشرة وسبعمائة في حسن إرادة الله تعالى لخلق الخلق، وإنشاء الأنام، وهل يخلق لعلة أم لغير علة؟ فأجاب ﵀ بقوله: "هذه المسألة من أجل المسائل الكبار التي تكلّم فيها الناس، وأعظمها شعبًا وفروعًا، وأكثرها شبهًا ومحارات؛ فإنّ لها تعلقًا بصفات الله تعالى، وبأسمائه، وأفعاله، وأحكامه؛ من الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد. وهي داخلة في خلقه وأمره، فكلّ ما في الوجود متعلق بهذه المسألة؛ فإنّ المخلوقات جميعها متعلقة بها، وهي متعلقة بالخالق سبحانه. وكذلك الشرائع كلها؛ الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد متعلقة بها، وهي متعلقة بمسائل القدر، والأمر، ومسائل الصفات والأفعال. وهذه جوامع علوم الناس ". جامع الرسائل والمسائل ٤-٥٢٨٥. ٢ هذه الشبه يحتجّ بها أكثر الفرق؛ كالجهميّة الذين ينفون بها المحبة، والإرادة، والحكمة، والفعل؛ والأشاعرة ينفون بها المحبة، والحكمة، والتحسين، والتقبيح "ذكر الرازي هذه الشبهة ضمن أدلّة الأشاعرة في نفي الحكمة انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٢٤٩-٢٥١. وانظر: نهاية الإقدام للشهرستاني ص ٣٩٧. ولأبي الحسن الأشعريّ كلام في إنكار الحكمة، انظره في رسالة إلى أهل الثغر ص ٢٤٠، ٤٤٢"؛ والمعتزلة ينفون بها الصفات. وانظر: ص ٧، ٩، ٢٧. وشيخ الإسلام ﵀ أورد هذه الشبهة ضمن أدلة الأشاعرة، وردّ عليها من وجهين بكلام طويل، انظره في قاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٧-٦٠. وأوردها في موضع آخر من قول الرازي في الأربعين ص ٢٥٠ يحتجّ بها على نفي الحكمة، وردّ عليها بخمسة أوجه في شرح الأصفهانية ٢٣٦٩-٣٧١. وقد يتمسّك الفلاسفة بهذه الشبهة في نفي المحبّة، والحكمة، والإرادة، والفعل. ولكنّ واقع الحال لا يُساعدهم على الأخذ بها، إذ عمدتهم في نفي الصفات هو دليل التركيب، وليس دليل الأعراض. وهذه الشبهة متفرعة عن دليل الأعراض كما سيأتي.
[ ١ / ٤٤٠ ]
مبتهج، فهذا غير محذور عندكم١. وإن قلتم: لأنّ ذلك٢ يستلزم لذّةَ
_________________
(١) ١ وهذا من الأجوبة الملزمة؛ لأنّ الفلاسفة كما قال شيخ الإسلام: "يُعبّرون بلفظ البهجة، واللذة، والعشق، ونحو ذلك عن الفرح، والمحبّة، وما يتبع ذلك". منهاج السنّة النبويّة ٣١٨٣. وانظر: من كتب الفلاسفة النجاة لابن سينا ص ٢٢٧-٢٥١. فشيخ الإسلام ﵀ يقول لهم: لِمَ لَمْ تُثبتوا المحبة، والحكمة، إلخ، وأثبتم البهجة، واللذة، والعشق، مع أنّكم تُعبّرون بها عن المحبة، والفرح إلخ. وانظر: ردود شيخ الإسلام ﵀ على الفلاسفة في هذه الجُزئيّة في: منهاج السنة النبوية ٥٣٨٨-٤٠٠. والعقيدة التدمرية ص ٤٠-٤١. ودرء تعارض العقل والنقل ١١٠٠،، ٨٢١٦-٢٢٤، ٢٩٠ والرد على المنطقيين ص ٢١٤. وشرح الأصفهانية ص ٢٣٦. وكتاب الصفدية ٢٢٦٣-٢٦٤، ٢٦٨-٢٦٩. وقد عاب شيخ الإسلام ﵀ على الفلاسفة إثباتهم اللذة، والبهجة، ونحو ذلك ممّا أثبتوه ويقتضي نقصًا، وتركهم صفات الكمال التي أتى بها النصّ، فقال: "ويقولون أيضًا إنه يلتذّ ويبتهج. ولفظ اللذة فيها من التشبيه واحتمال النقص ما لا يخفى على عاقل. ويقولون إنّه مدرك، وأنّ اللذّة أفضل إدراك لأفضل مدرَك؛ فيُسمّونه مدرِكًا، ومدرَكًا". درء تعارض العقل والنقل ٥٨٢. ٢ أي إثبات المحبة، والحكمة، والإرادة.
[ ١ / ٤٤١ ]
حادثة. قيل لكم: في حلول الحوادث قولان، وليس معكم في النفي إلا ما يدلّ على نفي الصفات مطلقًا؛ كدليل التركيب١. وقد عُرف فساده من وجوه٢.
وقيل للجهميّة٣ والمعتزلة: إن أردتم أنّ ذلك يقتضي حاجته إلى
_________________
(١) ١ فهؤلاء الفلاسفة كما قال شيخ الإسلام يأخذون بدليل التركيب في نفي الصفات عمومًا، ولا يأخذون بدليل الأعراض في نفي حلول الحوادث. بل هم يقولون: "الجسم مركّب إما من المادة والصورة، أو من الجواهر المنفردة. وكلّ مركب ممكن. فبهذه الحجة نفوا الصفات، وكانوا من أشدّ الناس تجهمًا؛ لأنّهم زعموا أنّ إثبات الصفات يُنافي هذا التوحيد..". شرح الأصفهانية ١٥١. وانظر: العقيدة التدمرية ص ٤٠-٤١. وانظر: كلام شيخ الإسلام ﵀ عن مراد المتكلمين والفلاسفة ب (المركب) في درء تعارض العقل والنقل ٣٤٠٣-٤٠٤. ٢ فدليل التركيب من الأدلة الفاسدة الباطلة. يقول شيخ الإسلام ﵀ في بطلانه: "قالوا: والعالم حامل الصفات مركّب، فلا يكون واجبًا. وإذا كان إثباتهم لصانع العالم على طريقتهم لا تتمّ إلا بنفي الصفات، ونفي الصفات باطل، كان طريقهم في إثبات الصانع باطلًا. ولهذا كان الصانع الذي يُثبتونه لا حقيقة له إلا في الأذهان، لا في الأعيان. فقولهم يستلزم التعطيل". كتاب الصفدية ١٢٤٤. وانظر: نقد شيخ الإسلام ﵀ لدليل التركيب، وبيانه لفساده من أوجه عديدة في: شرح الأصفهانية ص ٥٠-٨٩. ودرء تعارض العقل والنقل ٥٢٤٦-٢٤٧. وكتاب الصفدية ١٨٧، ١٠٤-١٠٦. وشرح حديث النزول ص ٨٣-٨٨. ٣ وانظر: قول الجهمية، وشبهتهم في نفي الحكمة، وردّ شيخ الإسلام ﵀ عليهم في جامع الرسائل والمسائل ٤٢٨٦-٢٨٧. وقال شيخ الإسلام أيضًا: "ونفوا الحكمة لظنهم أنها تستلزم الحاجة. وهذا قول الأشعري، وأصحابه، ومن وافقهم وهذا القول في الأصل قول جهم بن صفوان، ومن اتبعه من الجهمية". مجموع الفتاوى ٨٣٧-٣٨.
[ ١ / ٤٤٢ ]
العباد، وأنّهم يضرّونه أو ينفعونه١، فهذا ليس بلازم. ولهذا كان الله منزّهًا عن ذلك، كما قال النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح الإلهيّ: "يا عبادي! إنّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني"٢.
فالله أجلّ من أن يحتاج إلى عباده لينفعوه، أو يخاف منهم أن يضرّوه. وإذا كان المخلوق العزيز لا يتمكّن غيره من قهره، فمن له العزّة جميعًا، وكلّ عزة فمن عزّته أبعد عن ذلك. وكذلك الحكيم المخلوق إذا كان
_________________
(١) ١ ذكر هذه الحجة في نفي الحكمة عن الله: الشهرستاني في نهاية الإقدام ص ٣٩٧-٣٩٨. والرازي في الأربعين ص ٢٤٩-٢٥٠. والإيجي في المواقف في علم الكلام ص ٣٣١-٣٣٢. وقد ردّ على هذه الشبهة شيخ الإسلام ﵀ بعشرة أوجه في شرح الأصفهانية ٢٣٥٨-٣٦٣. وقال ﵀ في معرض ردّه على المعتزلة في قولهم في الحكمة: "أنتم متناقضون في هذا القول؛ لأنّ الإحسان إلى الغير محمود لكونه يعود منه على فاعله حكم يُحمد لأجله؛ إما لتكميل نفسه بذلك؛ وإما لقصده الحمد والثواب بذلك؛ وإما لرقة وألم يجده في نفسه، يدفع بذلك الإحسان لألم؛ وإما لالتذاذه، وسروره، وفرحه بالإحسان؛ فإنّ النفس الكريمة تفرح، وتسرّ، وتلتذ بالخير الذي يحصل منها إلى غيرها؛ فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله. أما إذا قُدِّر أنّ وجود الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء، لم يعلم أنّ مثل هذا الفعل يحسن منه، بل مثل هذا يُعدّ عبثًا في عقول العقلاء، وكل من فعل فعلًا ليس فيه لنفسه لذة، ولا مصلحة، ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة، ولا آجلة، كان عبثًا، ولم يكن محمودًا على هذا. وأنتم عللتم أفعاله فرارًا من العبث، فوقعتم في العبث؛ فإنّ العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحة، ولا منفعة، ولا فائدة تعود على الفاعل". جامع الرسائل والمسائل ٤٢٩١. ٢ جزء من حديث قدسيّ طويل، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤١٩٩٤-١٩٩٥، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم.
[ ١ / ٤٤٣ ]
لا يفعل بنفسه ما يضرّها، فالخالق ﷻ أولى أن لا يفعل ذلك لو كان ممكنًا. فكيف إذا كان ممتنعًا.
قال تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِيْنَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًَا [يُرِيْدُ اللهُ أَنْ لا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًَّا فِي الآخِرَةِ] ١ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىْ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاْتِ مَا رَزَقْنَاْكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ [كَانُوا] ٣ أَنْفُسَهُم يَظْلِمُون﴾ ٤.
فقد بيَّن أنّ العصاة لا يضرّونه، ولا يظلمونه، كعصاة المخلوقين؛ فإنّ مماليك السيّد، وجند الملك، وأعوان الرجل، وشركاءه إذا عصوه فيما يأمرهم ويطلبه منهم، فقد يحصل له بذلك ضرر في نفسه، أو ماله، أو عرضه، أو غير ذلك. وقد يكون ذلك ظلمًا له.
والله تعالى لا يقدر أحدٌ على أن يضرّه ولا يظلمه. وإن كان الكافر على ربه ظهيرًا، فمظاهرته على ربه، ومعاداته له، ومشاقّته، ومحاربته، عادت عليه بضرره، وظلمه لنفسه، وعقوبته في الدنيا والآخرة.
وأما النفع فهو سبحانه غنيٌ عن الخلق، لا يستطيعون نفعه [فينفعوه] ٥؛ فما أمرهم به إذا لم يفعلوه، لم يضرّوه٦ بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «خ» . ٢ سورة آل عمران، الآية ١٧٦. ٣ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «خ» . ٤ سورة الأعراف، الآية رقم ٦٠. ٥ في «خ»: فيتفعونه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ يقول شيخ الإسلام ﵀ في معرض ردّه على منكري الحكمة، مبيِّنًا أنّ قيام الصفات بالله لا يلزم منه افتقاره جلّ وعلا إليها، بل هو الغني عن العالمين: "فإنّ الله غني واجب بنفسه. وقد عُرف أن قيام الصفات به لا يلزم حدوثه، ولا إمكانه، ولا حاجته، وأنّ قول القائل بلزوم افتقاره إلى صفاته اللازمة بمنزلة قوله: مفتقر إلى ذاته. ومعلومٌ أنّه غنيّ بنفسه، وأنه واجب الوجود بنفسه، وأنه موجود بنفسه. فتوهّم حاجة نفسه إلى نفسه؛ إن عنى به أنّ ذاته لا تقوم إلا بذاته. فهذا حقّ؛ فإنّ الله غني عن العالمين، وعن خلقه، وهو غني بنفسه. وأما إطلاق القول بأنّه غني عن نفسه، فهو باطل؛ فإنّه محتاج إلى نفسه. وفي إطلاق كل منهما إيهام معنى فاسد. ولا خالق إلا الله تعالى". قاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٨.
[ ١ / ٤٤٤ ]
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سبِيلًا وَمَنْ كفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وقال: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّيْ غَنِيٌ كَرِيْمٌ﴾ ٢، وقال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُم وَلا تَزِرُ وَاْزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٣.
وإن أردتم أنّه [هو] ٤ سبحانه لا يُريد، و[لا] ٥ يفعل ما يفرح به، ويُسَرُّ به، ويجعل عباده المؤمنين يفعلون ما يفرح به، فمن أين لكم هذا٦؟
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ٩٧. ٢ سورة النمل، الآية ٤٠. ٣ سورة الزمر، الآية ٧. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٦ قال شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا لم يأمر الله تعالى، ولا رسوله ﷺ، ولا أحد من العقلاء أحدًا بالإحسان إلى غيره ونفعه ونحو ذلك، إلا لما له في ذلك من المنفعة والمصلحة. وإلا فأمر الفاعل بفعل لا يعود إليه منه لذة، ولا سرور، ولا منفعة، ولا فرح بوجه من الوجوه؛ لا في العاجل، ولا في الآجل، لا يُستحسن من الآمر". جامع الرسائل والمسائل ٤٢٩١. وانظر: النصوص الكثيرة التي ساقها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لإثبات محبة الله، وفرحه، وأفعاله جل وعلا في منهاج السنة النبوية ٣١٦٠-١٦٢. وقاعدة في الكرامات والمعجزات ص ٥٨-٥٩.
[ ١ / ٤٤٥ ]
وإن سمى هذا لذة، فالألفاظ المجملة التي قد يُفهم منها معنى فاسد إذا لم ترد في كلام الشارع لم [نكن] ١ محتاجين إلى إطلاقها؛ كلفظ (العشق) . وإن أُريد به المحبة التامّة، وقد أطلق بعضهم٢ على الله أنّه يعشق، ويُعشق، وأراد به أنه يُحِبّ، ويُحَبّ محبة تامة، فالمعنى صحيح، واللفظ فيه نزاع. واللذة يُفهم منها لذة الأكل، والشرب، والجماع؛ كما يُفهم من العشق المحبة الفاسدة، والتصور الفاسد، ونحو ذلك ممّا يجب تنزيه الله عنه؛ فإنّ الذين قالوا لا يجوز وصفه بأنّه يعشق؛ منهم من قال: لأنّ العشق هو الإفراط في المحبة، والله تعالى لا إفراط في حبّه. ومنهم من قال: لأنّ العشق لا يكون إلا مع فساد التصوّر للمعشوق، وإلا فمع صحة التصور لا يحصل إفراط في الحبّ. وهذا المعنى لا يُمدح فاعله؛ فإنّ من تصوّر في الله ما هو منزّه عنه، فهو مذموم على تصوّره، ولوازم تصوّره. ومنهم من قال: لأنّ الشرع لم يرد بهذا اللفظ، وفيه إبهام، وإيهام، فلا يُطلق. وهذا أقرب. وآخرون يُنكرون محبة الله، وأن يُحِب ويُحَب؛ كالمعتزلة، والجهميّة، ومن وافقهم من الأشعرية٣، وغيرهم، فهؤلاء يكون الكلام
_________________
(١) ١ في «خ»: يكن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ قال شيخ الإسلام ﵀ عن الفلاسفة: "ويقولون إنه عاشق، ومعشوق، وعشق. مع أنّ لفظ العشق فيه من التشبيه واحتمال النقص ما لا يخفى على عاقل. وليس في الكتب الإلهية تسميته بعقل، ولا عاشق، ولا معقول، ولا معشوق". درء تعارض العقل والنقل ٥٨٢. وانظر: المصدر نفسه ٥٢٤٧،، ٩٣٠٤-٣١٠، ١٠٢٢٤ والصفدية ١٣٦. ومنهاج السنة النبوية ٣١٨٣. ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن إنكار هؤلاء لمحبة الله تعالى: "وكان الجعد أول من ظهر عنه التعطيل بإنكار صفات الله تعالى، وبإنكار محبته، وتكليمه؛ كما يقول هؤلاء المتفلسفة، والجهمية، والباطنية، ونحوهم من المعطلة، والجهمية، والمعتزلة، ومن اتبعهم؛ فيُنكرون أن يكون الله يُحِب، أو يُحَب حقيقةً، ويُنكرون التمتع برؤيته، ويُنكرون أن يكون هو سبحانه موصوفًا بالفرح، ونحوه؛ لزعمهم أنّ هذا من نوع اللذة، والبهجة. والله لا يُوصف بذلك عندهم ". كتاب الصفدية ٢٢٦٣.
[ ١ / ٤٤٦ ]
معهم في كونه يُحِبّ، ويُحَبّ؛ كما نطق به الكتاب والسنّة في مثل [قوله] ١: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيْ اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّوْنَهُ﴾ ٢، لا في لفظ العشق.
لفظ اللذة فيه إبهام وإيهام
كذلك لفظ اللذة فيه إبهام، وإيهام، والشرع لم يرد بإطلاقه، ولكن استفاض عن النبيّ ﷺ أنّ الله يفرح بتوبة التائب أعظم من فرح من وجد راحلته بعد أن فقدها، وأيس منها في مفازةٍ مهلكة، [يائس] ٣ من الحياة والنجاة من تلك الأرض، ومن وجود مركبه، ومطعمه، ومشربه، ثمّ وجد ذلك بعد اليأس؛ قال النبيّ ﷺ: "فكيف تجدون فرحه بدابّته"؟ . قالوا: عظيمًا يا رسول الله. قال: " [لله] ٤ أشدّ فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته"٥.
وقد نطق الكتاب والسنّة بأنّه يُحِبّ المتقين٦، والمحسنين٧، والصابرين٨، والتوابين والمتطهرين٩، والذين يُقاتلون في سبيله صفًّا
_________________
(١) ١ في «خ»: قولهم. ٢ سورة المائدة، الآية ٥٤. ٣ في «م»، و«ط»: ويئس من. ٤ في «ط»: الله. ٥ أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ٥٢٣٢٤-٢٣٢٥، كتاب الدعوات، باب التوبة. والإمام مسلم في صحيحه ٤٢١٠٢-٢١٠٤، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة، والفرح بها. ٦ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ . سورة التوبة، الآية ٤. ٧ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . سورة البقرة، الآية ١٩٥. ٨ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ .سورة آل عمران، الآية ١٤٦. ٩ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ . سورة البقرة، الآية ٢٢٢.
[ ١ / ٤٤٧ ]
كأنّهم بنيانٌ مرصوصٌ١، وأنّه يرضى عن المؤمنين٢. فإذا كنتم نفيتم حقيقة الحب والرضى لأنّ ذلك يستلزم اللذة بحصول المحبوب. قيل لكم٣: إن كان هذا لازمًا، فلازم الحق حقّ. وإن لم يكن لازمًا بطل نفيكم٤. والفرح في الإنسان هو لذّة تحصل في قلبه بحصول محبوبه.
وقد جاء أيضًا وصفه تعالى بأنّه يُسَرّ في الأثر، والكتب المتقدّمة٥؛ وهو مثل لفظ الفرح٦.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ .سورة الصف، الآية ٤. ٢ قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ سورة الفتح، الآية ١٨. ٣ المقصود بهم الفلاسفة، وغيرهم من الجهمية، والمعتزلة، والأشعريّة ممّن ينفي صفة المحبّة والرضى. وانظر: جواب شيخ الإسلام ﵀ المطوّل على هذه الشبهة في قاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٨؛ فقد أجابهم بجوابين؛ أحدهما بالإلزام. وانظر: كتاب الصفدية ٢٢٦٠-٢٦٤. ٤ انظر: لشيخ الإسلام كلامًا مماثلًا لهذا في منهاج السنة النبوية ٣١٨٢-١٨٣. وقاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٥-٥٦، ٥٨-٥٩. ٥ قال ابن القيم ﵀: "وفي صفة النبيّ ﷺ في بعض الكتب المتقدمة: "عبدي الذي سُرّت به نفسي"، وهذا من كمال محبته له؛ جعله مما تُسرّ به نفسه سبحانه". مدارج السالكين ١٢١٦. وانظر: كلامه ﵀ في السرور، وهل يوصف الله تعالى به، أم لا؟ في مدارج السالكين ٣١٦١. وسيأتي نقل ذلك مفصّلًا مما يُسمّى بالعهد القديم، في آخر هذا الكتاب، عند ذكر صفته ﷺ في الكتب السابقة. انظر: ص ١٢٨٤ من هذا الكتاب؛ حيث يرد في النصّ ما يُثبت سرور الربّ ﵎ بنبيّه محمدٍ ﷺ. وقد نقل الشيخ ﵀ هذا النص في الجواب الصحيح ٥١٧٥ في نبوة أشعيا: "عبدي الذي سُرّت به نفسي، أنزل عليه وحيي، فيظهر في الأمم عدلي، ويوصيهم بالوصايا". ٦ الفرح في اللغة: السرور. انظر: مشكل الحديث لابن فورك ص ٦٧. والأسماء والصفات للبيهقي ٢٤٢١. وفتح الباري لابن حجر ١١١٨.
[ ١ / ٤٤٨ ]
صفة الضحك والبشبشة
وأمّا الضحك: فكثيرٌ في الأحاديث١. ولفظ البشبشة جاء أيضًا أنّه يتبشبش للداخل إلى المسجد؛ كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم٢.
_________________
(١) ١ مثل قوله ﷺ: "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنّة". الحديث رواه البخاري في صحيحه ٣١٠٤٠، كتاب الجهاد والسير، باب الكافر يقتل المسلم، ثمّ يُسلم. ومسلم في صحيحه ٣١٥٠٤، كتاب الإمارة، باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة. ٢ الحديث رواه أبو هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم". الحديث أخرجه ابن ماجه واللفظ له (صحيح سنن ابن ماجه، حديث رقم ٦٥٢) . وأحمد في المسند ٢٣٠٧، ٣٢٨، ٣٤٠، ٤٥٣. وابن خزيمة في صحيحه ٢٣٧٩، وصحح إسناده أحمد شاكر ٨٥٠١. ورواه الدارمي في رده على بشر المريسي ص ٢٠٣. وصححه الألباني انظر: صحيح ابن ماجه ٦٥٢. وصحيح الترغيب والترهيب٣٢٥. والحديث فيه إثبات البشبشة، وهي بمعنى الفرح. قال ابن الأثير: "البش: فرح الصديق بالصديق، واللطف في المسألة، والإقبال عليه. وقد بششت به أبش". فمعنى البشّ: الفرح. ويُضرب إذا تلقّى الصديق صديقه بالبرّ، وقرّبه، وأكرمه. انظر: النهاية في غريب الحديث ١١٣٠. وقال أبو يعلى الفراء بعد الكلام على صفة الفرح لله تعالى: " وكذلك القول في البشبشة؛ لأنّ معناه يُقارب معنى الفرح. والعرب تقول: رأيتُ لفلان بشاشة، وهشاشة، وفرحًا. ويقولون: فلانٌ هشٌ بشٌ فرحٌ؛ إذا كان منطلقًا؛ فيجوز إطلاق ذلك كما جاز إطلاق الفرح. وقد ذكر ابن قتيبة هذا الحديث في كتاب الغريب، وقال قوله: (يُبشبش) من البشاشة، وهو يتفعَّل؛ فحمل الخبر على ظاهره، ولم يتأوّله". انتهى كلام أبي يعلى في إبطال التأويلات لأخبار الصفات ١٢٤٣. وانظر: غريب الحديث لابن قتيبة ١١٦٠. ومشكل الحديث وبيانه لابن فورك ص ٦٨، ٢٥٦. والأسماء والصفات للبيهقي ٢٤٢١-٤٢٢.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وجاء في الكتاب والسنة ما يُلائم ذلك ويُناسبه شيءٌ كثير١.
فيُقال لمن نفى ذلك: لم نفيتَه؟ ولم نفيتَ هذا المعنى؛ وهو وصف كمال لا نقص فيه؟ ومن يتصف به أكمل ممّن لا يتصف به؟ وإنّما النقص فيه أن يحتاج فيه إلى غيره، والله تعالى لا يحتاج إلى أحد في شيء، بل هو فعّال لما يُريد. لكن القدرية قد يُشكل هذا على قولهم؛ فإنّ العباد عندهم مستقلّون بإحداث فعلهم، ولكن هذا مثل إجابة دعائهم، وإثابتهم على أفعالهم، ونحو ذلك ممّا فيه أنّ أفعالهم تقتضي أمورًا يفعلها هو. وهم لا [يفرّون] ٢ من كونه [يجب] ٣ عليه أشياء، وأنّه يفعل ما يجب عليه؛ فيكون العبد قد جعله مريدًا لما لم يكن مريدًا له. وحينئذٍ فإذا كان العباد يجعلونه مريدًا عندهم، فالقول في لوازم الإرادة، كالقول فيها. وهذا إمّا أن يدلّ على [فساد] ٤ قولهم في القدر، وهو الصواب. وإمّا أن يقولوا: إنّ مثل ذلك جائزٌ على الله، وجائزٌ أن يجعله العبد مريدًا بدون مشيئته لذلك، وبدون أن يكون هو الذي شاء ذلك من العبد، فيلزمهم في لوازمها ما يلزمهم فيها.
وأمّا على قول المثبتة٥: فكلّ ما يحدث، فهو بمشيئته، وقدرته، فما
_________________
(١) ١ يُريد ﵀ الأدلة السمعية التي دلّت على إثبات صفات الله الفعليّة. وقد جمع ﵀ أدلة كثيرة من الكتاب والسنة على مسألة أفعال الله تعالى في درء تعارض العقل والنقل ٣١١٥-١٤٦. ٢ في «خ»: يقرون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «ط»: يحب. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٥ المثبتة للقدر.
[ ١ / ٤٥٠ ]
جعله أحدٌ مريدًا فاعلًا، بل هو الذي يُحدِث كلَّ شيء، ويجعل بعضَ الأشياء سببًا لبعض.
فإن قال نافي المحبة، والفرح، والحكمة، ونحو ذلك١: هذا يستلزم حاجته إلى المخلوق. ظهر فساد قوله.
وإن قيل: إنّ ذلك إن كان وصف كمال، فقد كان فاقدًا له، وإن كان نقصًا، فهو منزّه عن النقص. قيل له: هو كمال حين اقتضت الحكمة حدوثه، وحدوثه [قبل] ٢ ذلك قد يكون نقصًا في الحكمة، أو يكون ممتنعًا غير ممكن؛ كما يُقال في نظائر ذلك٣.
_________________
(١) ١ أي الجهمية، والمعتزلة، والفلاسفة، والأشعرية، وغيرهم من نفاة هذه الصفات. ٢ في «خ»: قبل. ٣ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه الحجّة، وأنّها قول من يقول: "خلق المخلوقات، وأمر بالمأمورات، لا لعلّة، ولا لداع، ولا باعث. وهو قول الأشعرية، والظاهرية". وقد ردّ عليها ﵀. انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٤٢٨٦. وقال ﵀ أيضًا في حصر الأقوال في التعليل وعدمه فذكر قول أهل السنة والجماعة: "والخامس قول من يُعلّل ذلك بأمور متعلقة بمشيئته وقدرته. فإن كان الفعل المفضي للحكمة حادث النوع، كانت الحكمة كذلك، وإن قُدّر أنّه قام به كلام أو فعل متعلّق بمشيئته وأنّه لم يزل كذلك، كانت الحكمة كذلك؛ فيكون النوع قديمًا، وإن كانت آحاده حادثة". مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣٤٢. وانظر: قاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٧-٥٨. وقد ذكر هذه الحجة الرازي في الأربعين ص ٢٤٩-٢٥٠. وردّ عليها شيخ الإسلام ﵀ من عشرة أوجه. انظر: شرح الأصفهانية ٢٣٥٧-٣٦٣. وذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه الحجة أيضًا عن الفلاسفة، وغيرهم من نفاة الأفعال الاختيارية وردّ عليهم ﵀ من خمسة أوجه. انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٤٢١٩-٢٢٠. وكذلك هذه الحجة هي شبهة لمنكري تعليل أفعال الله تعالى. وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام ﵀ من خمسة أوجه. انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣٣٧-٣٣٩ ومنهاج السنة النبوية ١١٤٥) . وانظر: هذه الشبهة في: المواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣١-٣٣٢. وشرح المقاصد للتفتازاني ٤٣٠١.
[ ١ / ٤٥١ ]
وتمام البسط في هذا الأصل مذكور في غير هذا الموضع١.
والمقصود هنا التنبيه على لوازم ذلك؛ فإنّ نفاة ذلك٢ نفوا أن يكون في الممكن فعل ينزّه عنه، فليس عندهم فعل يحسن منه، وفعل يُنزّه عنه.
الحسن والقبح عند الأشاعرة
بل [عندهم] ٣ تقسيم الأفعال؛ أفعال الربّ والعبد إلى حسن وقبيح، لا يكون عندهم إلا بالشرع. وذلك لا يرجع إلى صفة في الفعل، بل الشارع عندهم يُرجّح مثلًا على مثل٤. والحسن والقبيح إنّما يعقل إذا كان الحسن ملائمًا
_________________
(١) ١ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٤٢٨٣-٣٤٦ رسالة أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة..؛ فإنّها في صميم الموضوع، وهي عبارة عن سؤال ورد للمؤلف ﵀ من الديار المصرية، مضمونه: هل يفعل الله تعالى لحكمة أم لا؟ وهل هذه الحكمة لم تزل، أو محدثة؟ ثمّ أورد السائل على تفرعات السؤال إشكالات. فأجاب عنها شيخ الإسلام ﵀ بهذه الرسالة القيمة. وانظر: أيضًا منهاج السنة النبوية ١١٣٣-١٤٧. ٢ المقصود بهم الأشاعرة الذين ينفون التحسين والتقبيح العقليّين. ٣ في «م»، و«ط»: عنده. ٤ يقول الجرجاني في شرح المواقف: "فلا حسن ولا قبح للأفعال قبل ورود الشرع. ولو عكس الشارع القضيّةَ فحسّن ما قبّحه، وقبّح ما حسّنه، لم يكن ممتنعًا، وانقلب الأمر، فصار القبيح حسنًا، والحسن قبيحًا". شرح المواقف للجرجاني ٨١٨١-١٨٢. وانظر: رسالة إلى أهل الثغر للأشعري ص ٢٤٣. واللمع له ص٧١. والإنصاف للباقلاني ص ٤٨، ٧٤-٧٧. والإرشاد للجويني ص ٢٥٨. والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص ١٥٧. والمحصل للرازي ص ٢٠٢. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٢٣-٣٣٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ٤٢٨٢-٢٨٩.
[ ١ / ٤٥٢ ]
للفاعل؛ وهو الذي يلتذ به، والقبيح يُنافيه؛ وهو الذي يُتألّم به. والحسن، والقبح في أفعال العباد بهذا الاعتبار متفق على جوازه. وإنّما النزاع في كونه يتعلّق به المدح والثواب. وهذا في الحقيقة يرجع إلى الألم واللذة.
فلهذا سلّم الرازي في آخر عمره ما ذكره في كتاب١ [أقسام اللذّات] ٢ إنّ الحسن والقبح العقليّين [ثابتان] ٣ في أفعال العباد دون الرب٤،
_________________
(١) ١ كتاب أقسام اللذات؛ كما صرّح به شيخ الإسلام ﵀ في بعض كتبه. انظر على سبيل المثال: جامع الرسائل ٢٢٥٠-٢٥١. وبيان تلبيس الجهمية ١١٢٧، وكذلك هذا الكتاب النبوات، كما سبق ص ٤٧٨؛ حيث صرح بذكر هذا الاسم. وانظر: اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ﵀ ص ٣٠٤-٣٠٥؛ إذ أورد نماذج من هذا الكتاب، تبيَّن من خلالها تسليم الرازي، وحيرته في آخر عمره. وشيخ الإسلام نقل هذا أيضًا. يقول ﵀: "ومن الناس من أثبت قسمًا ثالثًا للحسن والقبح، وادّعى الاتفاق عليه، وهو كون الفعل صفة كمال، أو صفة نقص. وهذا القسم لم يذكره عامّة المتقدمين المتكلمين في هذه المسألة، ولكن ذكره بعض المتأخرين؛ كالرازي، وأخذه عن الفلاسفة. والتحقيق: أنّ هذا القسم لا يُخالف الأول؛ فإنّ الكمال الذي يحصل للإنسان ببعض الأفعال، هو يعود إلى الموافقة والمخالفة؛ فالنفس تلتذ بما هو كمال لها، وتتألّم بالنقص، فيعود الكمال والنقص إلى الملائم والمنافي". مجموعة الرسائل الكبرى ٢١٠٤. ٢ بياض بمقدار ثلاث كلمات في جميع النسخ. ولعلّ ما أثبتّ هو المقصود؛ لأنّه ألّفه في آخر حياته. ٣ في «خ» رسمت هكذا: ياتيان. ٤ قال شيخ الإسلام ﵀ في تعريف الحسن والقبح، وعلاقتهما بالحكمة والقدر، وكيف وقع الاشتباه والاختلاف في ذلك: "إنّ الحسن هو: الحق، والصدق، والنافع، والمصلحة، والحكمة، والصواب. وإنّ الشيء القبيح هو: الباطل، والكذب، والضارّ، والمفسدة، والسفه، والخطأ". ثم ذكر ﵀ قول القدرية، والجبرية في أفعال العباد، وارتباط ذلك بالحسن، والقبح؛ فقال: "والمعتزلة ومن اتبعها من الشيعة تزعم أنّ الأعمال ليست من خلقه ولا كونها شيء، وأنّ الآلام لا يجوز أن يفعلها إلا جزاء على عمل سابق، أو تعويض بنفع لاحق. وكثير من أهل الإثبات ومن اتبعهم من الجبرية يقولون: بل الجميع خلقه، وهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا فرق بين خلق المضارّ والمنافع، والخير والشرّ بالنسبة إليه. ويقول هؤلاء: إنّه لا يُتصوّر أن يفعل ظلمًا، ولا سفهًا أصلًا. بل لو فرض أنّه فعل أي شيء، كان فعله حكمة وعدلًا وحسنًا، إذ لا قبيح إلا ما نهى عنه، وهو لم ينه أحدًا. ويُسوّون بين تنعيم الخلائق وتعذيبهم، وعقوبة المحسن، ورفع درجات الكفار والمنافقين. والفريقان متفقان على أنه لا ينتفع بطاعات العباد، ولا يتضرّر بمعصيتهم. لكنِ الأولون يقولون: الإحسان إلى الغير حسن لذاته، وإن لم يعد إلى المحسن منه فائدة. والآخرون يقولون: ما حسن منّا حسن منه، وما قبح منا قبح منه". وقد أطال شيخ الإسلام ﵀ النفس في توضيح موقف المعتزلة والأشاعرة من الحسن والقبح. انظر: قاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٣. وأما التحسين والتقبيح عند أهل السنة والجماعة، فقد فصّل فيه شيخ الإسلام القول. وممّا قاله: "..وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع، ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة، أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك؛ كما يُعلم أنّ العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم. فهذا النوع هو حسن وقبيح. وقد يُعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، لا أنّه أثبت للفعل صفة لم تكن. لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك. وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح؛ فإنّهم قالوا: إنّ العباد يُعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولو لم يبعث إليهم رسولًا. وهذا خلاف النصّ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ النوع الثاني: إنّ الشارع إذا أمر بشيء صار حسنًا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع. والنوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به؛ كما أُمر إبراهيم بذبح ابنه، فلمّا أسلما وتلّه للجبين حصل المقصود، ففداه بالذبح. وكذلك حديث أبرص، وأقرع، وأعمى لما بعث الله إليهم من سألهم الصدقة؟ فلمّا أجاب الأعمى، قال المَلَك: أمسك عليك مالك، فإنّما ابتُليتم، فرضي عنك، وسخط على صاحبيك. فالحكمة منشؤها من نفس الأمر، لا من نفس المأمور به. وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أنّ الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع. والأشعريّة ادّعوا أنّ جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأنّ الأفعال ليست لها صفة، لا قبل الشرع، ولا بالشرع. وأما الحكماء والجمهور، فأثبتوا الأقسام الثلاثة. وهو الصواب". مجموع الفتاوى ٨٤٣٤-٤٣٦. وانظر: المصدر نفسه ١٦٤٩٨. ومجموعة الرسائل والمسائل ٤٢٩٢. ومنهاج السنة النبوية ١٣١٦، ٢٢٩٤-٣٠٢، ٣١٧٧. ودرء تعارض العقل والنقل ٨٢٢، ٤٩٢، ٩٤٩-٦٢. وقاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٣-٥٤. والرد على المنطقيين ص ٤٢٠-٤٣٧. ومجموعة الرسائل الكبرى ٢١٠٣-١٠٥. وشرح الأصفهانية ٢٣٤٢، ٣٩٣، ٦١٧. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن موقف الناس من التحسين والتقبيح: "وقد تنازع الناس في حسن الأفعال وقبحها؛ كحسن العدل والتوحيد والصدق، وقبح الظلم والشرك والكذب: هل يُعلم بالعقل، أم لا يُعلم إلا بالسمع. وإذا قيل: إنّه يُعلم بالعقل، فهل يُعاقب من فعل ذلك قبل أن يأتيه رسول؟ على ثلاثة أقوال معروفة في أصحاب الأئمة وغيرهم؛ وهي ثلاثة أقوال لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم ". الجواب الصحيح ٢٣٠٧-٣٠٨.
[ ١ / ٤٥٣ ]
إذا كان معناهما يؤول إلى اللذة والألم.
الحسن والقبح عند المعتزلة
والمعتزلة أثبتوا حسنًا وقبحًا عقليّين في فعل القادر مطلقًا، سواء كان قديمًا، أو محدَثًا. وقال١: الحُسْن: ما للقادر فعله. و[القبيح ما] ٢ ليس له فعله. وقالوا: إنّ ذلك ثابتٌ بدون كونه مستلزمًا للّذة والألم. كما ادّعوا ثبوت حكمته للفاعل القادر، ولا تعود إليه، ولا يستلزم اللذة؛ فادّعوا ما هو
_________________
(١) ١ لعلها: قالوا. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في هامش «خ» .
[ ١ / ٤٥٥ ]
خلاف الموجود والمعقول١. ولهذا تسلّط عليهم النفاة٢، فكان حجّتهم عليهم أن يُثبتوا أنّ هذا أمر لا يُعقل إلا مع اللذة والألم. ثمّ يقولون: وذلك في حقّ الله مُحال. فحجّتهم مبنيّة على مقدّمتين: أنّ الحسن والقبح والحكمة مستلزم للذة والألم، وذلك في حق الله مُحال.
_________________
(١) ١ وانظر: تعريف عبد الجبار الهمذاني وهو من رؤوس المعتزلة للقبيح والحسن في كتابه: المغني في أبواب التوحيد والعدل ج ٦، القسم الأول ص ٢٦-٣٠، ٥٩-٦٠. والأصول الخمسة له ص ٣٢٦-٣٣٢، ٥٦٤-٥٦٦. والمعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري المعتزلي ١٣٦٣. وقال شيخ الإسلام ﵀ في ذكر موقف كل من المعتزلة والأشاعرة من الحسن والقبح والحكمة: "وتفصيل حكمة الله في خلقه وأمره يعجز عن معرفتها عقول البشر. والقدرية دخلوا في التعليل على طريقة فاسدة مثّلوا الله فيها بخلقه، ولم يُثبتوا حكمة تعود إليه، فسلبوه قدرته، وحكمته، ومحبته، وغير ذلك من صفات كماله. فقابلهم خصومهم الجهمية المجبرة ببطلان التعليل في نفس الأمر. كما تنازعوا في مسألة التحسين والتقبيح؛ فأولئك أثبتوا على طريقة سووا فيها بين الله وخلقه، وأثبتوا حسنًا وقبحًا لا يتضمّن محبوبًا ولا مكروهًا، وهذا لا حقيقة له. كما أثبتوا تعليلًا لا يعود إلى الفاعل حكمه. وخصومهم سووا بين جميع الأفعال، ولم يُثبتوا لله محبوبًا، ولا مكروهًا، وزعموا أنّ الحسن لو كان صفة ذاتية للفعل، لم يختلف حاله. وغلطوا؛ فإنّ الصفة الذاتية للموصوف قد يُراد بها اللازمة له". منهاج السنة النبوية ٣١٧٧. ٢ الأشاعرة نفاة الحسن والقبح. انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٢٤٩-٢٥٠. ويُقال لهم: "حكمة الرب فوق تحصيل اللذة ودفع الألم، بل هو يتعالى عن ذلك؛ لأنّ ما ذكر غرض المخلوق. أمّا الخالق سبحانه فهو غنيٌ بذاته عن كلّ ما سواه؛ حكمته سبحانه لا تُشابه حكمة المخلوقين؛ كما أنّ إرادته، وسائر صفاته لا تُشابه صفات المخلوقين". الحكمة والتعليل في أفعال الله ص ٧٢.
[ ١ / ٤٥٦ ]
والمعتزلة منعوا المقدمة الأولى، فغلبوا معهم. والمقدمة الثانية جعلوها محلّ وفاق١، وهي مناسبة لأصول المعتزلة؛ لكونهم ينفون الصفات؛ فنفي الفعل القائم به أولى على أصلهم، ونفي مقتضى ذلك أولى على أصلهم. وهذه المقدمة التي اشتركوا فيها [تقتضي] ٢ نفي كونه مريدًا، ونفي كونه فاعلًا، ونفي حدوث شيء من الحوادث؛ كما أنّ نفي الصفات يقتضي نفي [شيء] ٣ قائمٍ بنفسه موصوفٍ بالصفات.
فنفي اتصافه بالصفات يستلزم أن لا يكون في الوجود شيء يتصف بصفة، ونفي فعله، وإحداثه يقتضي أن لا يكون في الوجود شيء حادِث؛ فكان ما نفوه مستلزمًا نهاية السفسطة٤، وجحد الحقائق. ولهذا كان من
_________________
(١) ١ المعتزلة جعلوها محلّ وفاق مع الأشاعرة؛ لأنّها موافقة لأصولهم. ٢ في «خ»: يقتضي. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٤ المقصود بالسفسطة: الحكمة المموّهة. ويُراد بها التمويه، والخداع، والمغالطة في الكلام، وجحد الحقائق. وهي كلمة معربة من اليونانية، مركبة من سوفيا؛ وهي الحكمة، ومن اسطس؛ وهو المموّه؛ فمعناه: حكمة مموّهة. يقول الجرجاني في التعريفات ص ١٥٨: "السفسطة: قياس مركب من الوهميات. والغرض منه تغليط الخصم، وإسكاته؛ كقولنا: الجوهر موجود في الذهن، وكل موجود في الذهن قائم بالذهن عرضٌ؛ لينتج أنّ الجوهر عرض". يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإنّ هذه الكلمة هي كلمة معربة، وأصلها باليونانية (سوفسقيا)؛ أي حكمة مموهة؛ فإنّ (سوفيا) باليونانية هي الحكمة، ولهذا يقولون: (فيلسوف)؛ أي محبّ الحكمة وأما هذه المموهة فهي تشبه الحق البرهاني ونحوه مما ينبغي قبوله، وهي في الحقيقة باطلة يجب ردها، ولكن موهت كما يموه الحق بالباطل، فسمّوها (سوفسقيا)؛ أي حكمة مموهة". بيان تلبيس الجهمية ١٣٢٢-٣٢٤. وانظر: التسعينيّة ص ٣٦-٣٧. وتاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم ص ٤٥. وانظر: تقسيم شيخ الإسلام للسفسطة إلى ثلاثة أقسام في منهاج السنة ١٤١٩. وفي كتاب الصفدية ١٩٧ قسمها إلى أربعة أقسام.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وافق هؤلاء على نفي محبة الله لما أمر به من الصوفية، يلزمهم تعطيل الأمر والنهي، وأن لا [ينفى] ١ إلا القدر [العامّ] ٢.
وقد التزم ذلك طائفة من محققيهم٣، وكان نفي الصفات يستلزم نفي [الذات] ٤، وأن لا يكون [موجودان] ٥، أحدهما واجب قديم خالق، والآخر ممكن، أو محدَث، أو مخلوق. وهكذا التزمه طائفة من محققيهم؛ وهم القائلون بوحدة الوجود، و[هؤلاء] ٦ يقولون [بكون] ٧ العبد أولًا يشهد الرفق بين الطاعة والمعصية، ثمّ يشهد طاعة بلا معصية، ثمّ لا طاعة ولا معصية، بل الوجود واحد٨، فالذين أثبتوا الحسن والقبح في الأفعال،
_________________
(١) ١ في «خ»: يبقى. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «ط»: العلم. ٣ انظر: كتاب الصفدية ١٢٤٣-٢٤٥، ٢٦٤-٢٦٥. ٤ في «م»، و«ط»: الصفات. ٥ في «خ»: موجودا ان. ٦ في «م»، و«ط»: هم. ٧ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ وقد سوّى غلاة الصوفية بين الإيمان والكفر، والخير والشرّ بكونه منه ﷾. انظر: جامع الرسائل والمسائل ٤٣٠٠-٣٠١. وجامع الرسائل ١١٢٥. ومجموع الفتاوى ٨٣٣١، ٣٣٩، ٣٤٣-٣٥٠. وقد قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولهذا يجوز عندهم أن يأمر الله بكل شيء، حتى الكفر والفسوق والعصيان، وينهى عن كل شيء، حتى عن الإيمان والتوحيد، ويجوز نسخ كل ما أمر به بكلّ ما نهى عنه. ولم يبق عندهم في الوجود خير ولا شرّ، ولا حسن ولا قبح إلا بهذا الاعتبار. فما في الوجود ضر ولا نفع. والنفع والضرّ أمران إضافيان، فربما نفع هذا ما ضرّ هذا؛ كما يُقال مصائب قوم عند قوم فوائد". مجموع الفتاوى ٨٣٤٣. وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١١٦٢.
[ ١ / ٤٥٨ ]
وأنّ لها صفات تقتضي ذلك، قالوا بما قاله جمهور العقلاء من المسلمين وغيرهم.
قال أبو الخطاب١: "هذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين٢، لكن تناقضوا، فلم يُثبتوا لازم ذلك، فتسلّط عليهم النفاة. والنفاة لمّا نفوا الحسن والقبح في نفس الأمر٣، قالوا٤: لا فرق في ما يخلقه الله، [وبما يأمر] ٥ به بين فعل وفعل، وليس في نفس الأمر حسن، ولا قبيح، ولا صفات توجب ذلك. واستثنوا ما يوجب اللذة والألم، لكن اعتقدوا ما اعتقدته المعتزلة أنّ هذا لا يجوز إثباته في حق الربّ. وأما في حق العبد: فظنّوا أنّ الأفعال لا [تقتضي] ٦ إلا لذة وألمًا في الدنيا. وأمّا كونها مشتملة
_________________
(١) ١ أبو الخطاب هو محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذاني البغدادي، أحد أعيان المذهب الحنبلي. ولد سنة ٤٣٢؟. وتفقه على القاضي أبي يعلى، وسمع الكثير، ودرّس، وأفتى، وناظر، وصنّف في الأصول والفروع. توفي في بغداد سنة ٥١٠؟. قال السلفي: "هو ثقة رضيّ من أئمة أصحاب أحمد". انظر: البداية والنهاية ١٢١٨٠. والذيل على طبقات الحنابلة ١١١٦-١٢٧. والأعلام للزركلي ٥٢٩١. وسير أعلام النبلاء ١٩٣٤٩. ٢ انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب ٤٢٩٤. وقد نقل شيخ الإسلام ﵀ هذا النص عن أبي الخطاب في كتابه الجواب الصحيح ٢٣٠٩. ٣ وهم الأشاعرة، نفاة الحسن والقبح العقليّين، والحكمة والمحبة. ولأبي الخطاب كتاب مطبوع اسمه التمهيد في أصول الفقه، يقع في أربع مجلدات، من مطبوعات المجلس العلمي في جامعة أم القرى. ٤ المقصود بهم الأشاعرة. وهذه حجتهم. وانظر: ص ٥٤٧-٥٥٢. وانظر: شرح الأصفهانية ٢٦١٦-٦٢٠. ٥ في «م»، و«ط»: وما يأمره. ٦ في «خ»: يقتضي.
[ ١ / ٤٥٩ ]
على صفات تقتضي لذة وألمًا في الآخرة، [فذاك] ١ عندهم باطلٌ، ولم يمكنهم أن يقولوا إنّ الشارع يأمر بما فيه لذة مطلقًا، و[ينهى] ٢ عمّا فيه ألم مطلقًا.
وكون الفعل يقتضي ما يوجب اللذة، هو عندهم من باب التولّد٣.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: فذلك. ٢ في «خ»: نهي. ٣ المقصود به هنا: التوليد؛ وهو " أن يحصل الفعل عن فاعله بتوسّط فعلٍ آخر؛ كحركة المفتاح في حركة اليد". التعريفات للجرجاني ص ٩٨. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن مسألة التوليد، وموقف كل من المعتزلة والأشاعرة منها: "فإنّ أفعال الإنسان، وغيره من الحيوان على نوعين: أحدهما المباشر، والثاني المتولّد. فالمباشر ما كان في محلّ القدرة؛ كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب. وأما المتولّد فهو ما خرج عن محلّ القدرة؛ كخروج السهم من القوس، وقطع السكين للعنق، والألم الحاصل من الضرب، ونحو ذلك. فهؤلاء المعتزلة يقولون: هذه المتولّدات فعل العبد؛ كالأفعال المباشرة. وأولئك المبالغون في مناقضتهم في مسائل القدر من الأشعرية وغيرهم يقولون: بل هذه الحوادث فعل الله تعالى، ليس للعبد فيها فعل أصلًا". كتاب الصفدية ١١٥٠. وقال ﵀ في موضع آخر عن أقوال الناس في التولّد: "فأما الأمور المنفصلة عنه التي يُقال إنها متولّدة عن فعله. فمن الناس من يقول: ليست مفعولة له بحال، بل هي مفعولة لله تعالى؛ كما يقول ذلك كثيرٌ من متكلمي المثبتين للقدر. ومنهم من يقول: بل هو مفعول له على طريق التولد؛ كما يقوله من يقوله من المعتزلة. ويُحكى عن بعضهم أنه قال: لا فاعل لها بحال. وحقيقة الأمر: أنّ تلك قد اشترك فيها الإنسان، والسبب المنفصل عنه؛ فإنّه إذا ضَرَبَ بحجر فقد فعل الحَذْف، ووصول الحجر إلى منتهاه حصل بهذا السبب، وبسببٍ آخر من الحجر والهواء. وكذلك الشبع، والرّيّ حصل بسبب أكله وشربه الذي هو فعله، وبسبب ما في الطعام والشراب من قوة التغذية، وما في بدنه من قوة القبول لذلك. والله خالق هذا كلّه". درء تعارض العقل والنقل ٩٣٤٠-٣٤١. وانظر: عن التولّد عند المعتزلة والأشعرية: الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٣٨٧-٣٩٠، ٤٢٤. والتمهيد للباقلاني ص ٦٣-٦٤، ٣٣٤-٣٤١. والإرشاد للجويني ص ٢٣٠. وأصول الدين للبغدادي ص ١٣٧. والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٣٥٩. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣١٦-٣١٩. وشرح المقاصد للتفتازاني ٤٢٧١.
[ ١ / ٤٦٠ ]
معنى الكسب عند االأشاعرة
وهم لا يقولون به، بل قدرة العبد عندهم لا [تتعلّق] ١ إلا بفعل في محلّها، مع أنّها عند شيخهم٢ غير مؤثرة في المقدور، ولا يقول أنّ العبد فاعلٌ في الحقيقة، بل كاسب٣.
_________________
(١) ١ في «خ»: يتعلق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ المقصود به أبو الحسن الأشعري. قال في مقالات الإسلاميين ٢٢٢١: (والحق عندي أنّ معنى الاكتساب هو أن يقع الشيء بقدرة محدثة، فيكون كسبًا لمن وقع بقدرته) . وقال الشهرستاني في الملل والنحل ١٩١: (قال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري: إذا كان الخالق على الحقيقة هو الباري تعالى لا يُشاركه في الخلق غيره، فأخص وصفه تعالى هو القدرة على الاختراع) . وقال الشهرستاني عن الكسب، وتأثير القدرة عند الأشعريّ: "ثمّ على أصل أبي الحسن: لا تأثير للقدرة الحادثة في الإحداث؛ لأنّ جهة الحدوث قضيّة واحدة لا تختلف بالنسبة إلى الجوهر والعرض أنّ الله تعالى أجرى سنّته بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة، أو تحتها، أو معها الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرّد له. ويُسمّى هذا الفعل كسبًا، فيكون خلقًا من الله تعالى إبداعًا وإحداثًا، وكسبًا من العبد، حصولًا تحت قدرته". الملل والنحل للشهرستاني ١٩٧. وانظر: اللمع للأشعري ص٩٣-٩٥. والإنصاف للباقلاني ص٧٠-٧١. والإرشاد للجويني ص ٢٠٨-٢١٠. وأصول الدين للبغدادي ص ١٣٣-١٣٧. ٣ الكسب عند الأشعريّ: قال الأشعري عن الكسب: (فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة، فهو فاعل خالق، ومن وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب. وهذا قول أهل الحق) . مقالات الإسلاميين ١٥٣٩. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الكسب عند الأشعرية: "وهم وإن كانوا لا يُثبتون لقدرة العبد أثرًا في حصول المقدور، فإنّهم يُفرّقون بين ما كان في محل القدرة فيجعلونه مقدورًا للعبد، وما كان خارجًا عن محل القدرة فلا يجعلونه مقدورًا للعبد. وأكثر من نازعهم يقول: إنّ هذا كلام لا يُعقل؛ فإنّه إذا لم يثبت للقدرة أثر، لم يكن الفرق بين ما كان في محلّ القدرة، وبين ما كان في غير محل القدرة إلا فرقًا في محلّ الحادث، من غير أن يكون للقدرة في ذلك تأثير. وتسمية هذا مقدورًا دون هذا تحكّم محض، وتفريق بين المتماثلين. ولهذا قال بعض الناس: عجائب الكلام التي لا حقيقة لها ثلاثة: طفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري. وإذا قيل لهؤلاء: الكسب الذي أثبتموه لا تُعقل حقيقته. فإذا قالوا: الكسب ما وُجد في محل القدرة المحدثة مقارنًا لها من غير أن يكون للقدرة تأثير فيه. قيل لهم: فلا فرق بين هذا الكسب، وبين سائر ما يحدث في غير محلها وغير مقارن لها؛ إذ اشتراك الشيئين في زمانهما ومحلهما لا يُوجب كون أحدهما له قدرة على الآخر؛ كاشتراك العرضين الحادثين في محل واحد، في زمان واحد. بل قد يُقال: ليس جعل الكسب قدرة والقدرة كسبًا بأولى من العكس إذا لم يكن إلا مجرد المقارنة في الزمان والمحل". كتاب الصفدية ١١٤٨، ١٥٠-١٥٢. وانظر: المصدر نفسه ٢٣٣١. ومنهاج السنة النبوية ٣١٣، ١٠٩. ودرء تعارض العقل والنقل ٨٣٢٠. وشرح الأصفهانية ١١٥٠، ٢٣٥٠. ومجموع الفتاوى ٣٠١٣٩. وانظر: أيضًا: أصول الدين للبغدادي ص١٣٣-١٣٤. وشرح الجوهرة للبيجوري ص ١٠٤. والعقيدة الإسلامية لعبد الرحمن حبنكة ص ٧٥٧-٧٥٨.
[ ١ / ٤٦١ ]
ولم يذكروا بين الكسب والفعل فرقًا معقولًا، بل حقيقة قولهم قول جهم: إنّ العبد لا قدرة له، ولا فعل، ولا كسب١.
والله عندهم فاعل فعل العبد، وفعله هو نفس مفعوله؛ فصار الربّ عندهم فاعلًا لكلّ ما يُوجد من أفعال العباد. ويلزمهم أن يكون هو الفاعل للقبائح، وأن يتّصف بها على قولهم إنّه يُوصف بالصفات الفعليّة القائمة بغيره.
_________________
(١) ١ لاحظ الحاشية السابقة.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وقد تناقضوا في هذا الموضع١ [فجعلوه] ٢ متكلمًا بكلام يقوم بغيره، وجعلوه عادلًا ومحسنًا بعدلٍ وإحسانٍ يقوم بغيره؛ كما قد بُسط في غير هذا الموضع٣.
وحينئذٍ فما بقي يمكنهم أن يُفرّقوا بين ممكن وممكن من جميع الأجناس؛ أي يقولوا: هذا يحسن من الرب فعله، وهذا يُنزّه عنه. بل يجوز عندهم أن يفعل كلّ ممكن مقدور.
معنى الظلم عند الأشاعرة
والظلم عندهم هو فعل ما نهى المرء عنه، أو التصرّف في ملك الغير٤. وكلاهما ممتنعٌ في حقّ الله. فأما أن
_________________
(١) ١ أي وصفه بالصفات الفعليّة القائمة بغيره. ٢ في «خ»: فلم يجعلوه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر: كتاب الصفدية ١١٥٣-١٥٤. وشرح الأصفهانية ١٢٥-٢٨. ومنهاج السنة النبوية ٢١٠٧-١٢٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٥٢٤٢-٢٥٠. ٤ انظر: التمهيد للباقلاني ص٣٨٤-٣٨٥. وأصول الدين للبغدادي ص١٣١-١٣٣. وشرح المقاصد للتفتازاني ٤٢٧٤-٢٨١. وشرح العقائد العضدية لجلال الدواني ٢١٨٦-١٨٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه الطائفة إنهم يقولون: (الظلم ليس بممكن الوجود، بل كل ممكن إذا قُدّر وجوده منه فإنّه عدلٌ. والظلم هو الممتنع؛ مثل الجمع بين الضدّين، وكون الشيء موجودًا معدومًا؛ فإنّ الظلم إمّا التصرف في ملك الغير، وكل ما سواه ملكه؛ وإمّا مخالفة الآمر الذي تجب طاعته. وليس فوق الله تعالى آمرٌ تجب عليه طاعته. وهؤلاء يقولون: مهما تصور وجوده، وقُدّر وجوده فهو عدل. وإذا قالوا كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، فهذا أمر أُوهم. وهذا قول المجبرة؛ مثل جهم ومن اتبعه. وهو قول الأشعري ومن اتبعه، وأمثاله من أهل الكلام، وقول من وافقهم من الفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية) . جامع الرسائل ١١٢١-١٢٢. قال الأشعري: "وهو المالك في خلقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنة، لم يكن حيفًا، ولو أدخلهم النار لم يكن جورًا؛ إذ الظلم هوالتصرف فيما لا يملكه المتصرف، أو وضع الشيء في غير موضعه. وهو المالك المطلق فلا يتصور منه ظلم، ولا ينسب إليه جور". الملل والنحل ١١٠٠.
[ ١ / ٤٦٣ ]
يكون هناك أمر ممكن مقدور، وهو منزّه عنه، فهذا عندهم لا يجوز.
من أصول الأشاعرة
فلهذا جوّزوا عليه كلّ ما يُمكن، ولا ينزهونه عن فعل لكونه قبيحًا، أو نقصًا، أو مذمومًا، ونحو ذلك١. بل يعلم ما يقع وما لا يقع بالخبر؛ أي بخبر الرسول كما علم بخبره المأمور والمحظور، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، أو بالعادة مع أنّ العادة يجوز انتقاضها عندهم. لكن قالوا: قد يُعلم بالضرورة عدم ما يجوز وقوعه، من غير فرق؛ لا في الوجود، ولا في العلم بين ما علموا انتفاءه، وما لم يعلموه؛ إذ كان أصل قولهم هو جواز التفريق بين المتماثلين بلا سبب. فالإرادة القديمة عندهم تُرجّح مثلًا على مثل بلا سبب في خلق الرب وفي أمره. وكذلك عندهم قد يُحدث في قلب العبد علمًا ضروريًا بالفرق بين المتماثلين بلا سبب. فلهذا قالوا: إنّ الشرع لا يأمر وينهى لحكمة٢.
ولم يعتمدوا على المناسبة، وقالوا: علل الشرع أمارات٣؛ كما قالوا: إنّ أفعال العباد أمارة على السعادة والشقاء فقط٤، من غير أن يكون
_________________
(١) ١ انظر: المواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٢٣، ٣٢٨، ٣٣٠، ٣٣١. ٢ المقصود بهم الأشاعرة. انظر: التمهيد للباقلاني ص ٥٠-٦٦. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣١-٣٣٢. ٣ انظر: المواقف للإيجي ص ٣١٤-٣١٥، ٣٢٣. ٤ قال شيخ الإسلام ﵀: "وملخص ذلك أنّ الله إذا أمر بأمرٍ فإنّه حسنٌ بالاتفاق، وإذا نهى عن شيء فإنّه قبيحٌ بالاتفاق. لكن حسن الفعل وقبحه إما أن ينشأ من نفس الفعل، والأمر والنهي كاشفان؛ أو ينشأ من نفس تعلق الأمر والنهي به؛ أو من المجموع. فالأول هو قول المعتزلة. ولهذا لا يجوّزون نسخ العبادة قبل دخول وقتها؛ لأته يستلزم أن يكون الفعل الواحد حسنًا قبيحًا. وهذا قول أبي الحسين التميمي من أصحاب أحمد، وغيره من الفقهاء. والثاني قول الأشعرية ومن وافقهم من الظاهرية، وفقهاء الطوائف. وهؤلاء يجعلون علل الشرع مجرّد أمارات، ولا يُثبتون بين العلل والأفعال مناسبة. لكن هؤلاء الفقهاء متناقضون في هذا الباب". شرح الأصفهانية ٢٦١٨. وانظر: الإنصاف للباقلاني ص ٧٤-٧٥. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٢٣. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن الأشعرية: "وقالوا: إن الطاعات والمعاصي مع الثواب والعقاب كذلك، ليس في الطاعة معنى يُناسب الثواب، ولا في المعصية معنى يُناسب العقاب، ولا كان في الأمر والنهي حكمة لأجلها أمر ونهى. ولا أراد بإرسال الرسل رحمة العباد ومصلحتهم، بل أراد أن يُنعّم طائفة، ويُعذّب طائفة لا لحكمة. والسبب هو جعل الأمر، والنهي، والطاعة، والمعصية علامة على ذلك، لا لسبب، ولا لحكمة. وأنه يجوز أن يأمر بكل شيء، حتى بالشرك، وتكذيب الرسل، والظلم، والفواحش، وينهى عن كل شيء، حتى التوحيد، والإيمان بالرسل، وطاعتهم". مجموع الفتاوى ٨٤٦٨. ونحو هذا الكلام الذي حكاه شيخ الإسلام عن الأشعرية، ذكره البيجوري من الأشعرية في كتابه شرح جوهرة التوحيد، فقال: "وبالجملة: فهو ﷾ لا تنفعه طاعة، ولا تضرّه معصية، والكلّ بخلقه. فليست الطاعة مستلزمة للثواب، وليست المعصية مستلزمة للعقاب، وإنما هما أمارتان تدلان على الثواب لمن أطاع، والعقاب لمن عصى، حتى لو عكس دلالتهما بأن قال: من أطاعني عذّبته، ومن عصاني أثبته، لكان ذلك منه حسنًا". شرح الجوهرة ص ١٠٨.
[ ١ / ٤٦٤ ]
في أحد الفعلين معنى يُناسب الثواب أو العقاب١.
ومن أثبت المناسبة من متأخّريهم؛ كأبي حامد٢ ومن تبعه. قالوا: عرفنا بالاستقراء أنّ المأمور به تقترن به مصلحة العباد؛ وهو حصول ما ينفعهم، والمنهي عنه تقترن به المفسدة، فإذا وُجد الأمر والنهي عُلم وجود
_________________
(١) ١ انظر: الكلام على المناسبة، وما يُراد بها، وتفصيل شيخ الإسلام لها في مجموعة الرسائل والمسائل ٤٢٢٤-٢٢٥. وانظر: الإنصاف للباقلاني ص ٧٤-٧٧. ٢ الغزالي.
[ ١ / ٤٦٥ ]
قرينه الذي علم بعادة الشرع من غير أن يكون الربّ أمر به لتلك المصلحة، ولا نهى عنه لتلك المفسدة.
وجمهورهم وأئمتهم على أنّه يمتنع أن يفعل لحكمة.
لكن الآمديّ قال: إنّ ذلك جائز غير واجب؛ فلم يجعله واجبًا، ولا ممتنعًا١.
_________________
(١) ١ ولشيخ الإسلام ﵀ كلام جميل مختصر في توضيح قول أهل السنة والجماعة في مسألة أفعال العباد، وإثبات ما لله في خلقه وأمره من الأسباب، والحكمة، نختم به هذا الفصل الذي أفاض فيه المؤلف ﵀ في الحديث عن أقوال الفلاسفة والمتكلمين في هذه القضيّة. يقول رحمه الله تعالى: "جمهور المسلمين يقولون بالحق الذي دلّ عليه المنقول والمعقول؛ فيقولون: إنّ أفعال العباد مخلوقة لله، مفعولة له، وهي فعلٌ للعباد حقيقة لا مجازًا. وهم يُثبتون ما لله في خلقه وأمره من الأسباب، والحكم، وما جعله الله في الأجسام من القوى والطبائع في الحيوان وفي الجماد. لكنهم مع إثباتهم للأسباب والحكم لا يقولون بقول الطبائعيّة من الفلاسفة وغيرهم، بل يقولون: إنّ الله خالق كلّ شيء، وربّه، ومليكه، وأنّه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حول ولا قوة إلا به. ويعلمون أنّ الأسباب هي مخلوقة لله بمشيئته وقدرته، ولا تزال مفتقرة إلى الله. لا يقولون إنها معلولة له، أو متولدة عنه؛ كما يقوله الفلاسفة، ولا أنها مستغنية عنه بعد الإحداث؛ كما يقوله من يقوله من أهل الكلام. بل كل ما سوى الله تعالى دائم الفقر والاحتياج إليه، لا يحدث ولا يبقى إلا بمشيئته القديمة. فما كان بالأسباب، فالله خالقه، وخالق سببه جميعًا. ويقولون مع هذا: إنّ الأسباب التي خلقها ليس فيها ما يستقلّ بالتأثير في شيء من الأشياء، بل لا بُدّ له من أسباب أُخر تعاونه وتشاركه، وهو مع ذلك له معارضات وموانع تعارضه وتدافعه؛ كما في الشعاع الحادث عن الشمس، والاحتراق الحادث عن النار، ونحو ذلك؛ فإنّه لا بُدّ مع الشمس من محلّ قابل لانعكاس الشعاع عليه. وهو مع ذلك يمتنع بحصول الحائل؛ كالسحاب، والسقف، وغير ذلك من الموانع، وبكل حائل".كتاب الصفدية ١١٥٤-١٥٥.
[ ١ / ٤٦٦ ]