ويقال لهم: إنّ من النّاس من لا يشترط في الآية المعجزة أن تكون خارقًا للعادة. وهذا كما ذكر إجماع الناس على أنّه لا يدلّ على صدق النبيّ إلا المعجزات٤، فقال في الاستدلال على أنّها لو لم تدلّ، لزم عجز القديم؛ إذ لا دليل [لقول] ٥ كلّ أحدٍ أثبت النبوّة على نبوة الرّسل وصدقهم، إلا ظهور المعجزة. فهذا إجماعٌ لا خلاف فيه. فلو ظهرت على يد المتنبي، لبطلت دلالة النبوّة، ولوجب عجز القديم عن دليل يدلّ على نبوتهم. وهو نفسه قد ذكر في ذلك عدّة أقوال في غير هذا الكتاب٦.
_________________
(١) ١ أي: الباقلاني. ٢ قال في (ط): "فصل. ثم قال في فصول الكرامات ". ولا يُسلم له صنيعه؛ لأنَّ الكلام متعلق بما سبق؛ من ذكر أقوال القاضي أبي بكر الباقلاني في الكرامات. ٣ هذا الفصل في الكرامات لا يُوجد في القسم المطبوع من كتاب «البيان» للباقلاني، وإلاَّ فالمؤلف ذكر في خطبة الكتاب أنّه سيتحدّث عن هذا الفصل في آخر الكتاب. وهذا ممّا يدلّ على أنّ الكتاب ناقص في آخره. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٣٧-٣٨. والإرشاد للجويني ص ٣٣١. ٥ في «خ»: يقول. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ أي في غير كتاب البيان الذي يعتمد عليه شيخ الإسلام في سوق أقوال الباقلاني، والردّ عليها ببيان تناقضاته. انظر: التمهيد ص ١٥٦-١٥٧. والإنصاف ص ٩٣. وكلاهما للباقلاني. وانظر كتاب: البيان له ص ٤٥-٤٨.
[ ١ / ٥٤٩ ]
وأيضًا: فالاستدلال بالإجماع إنّما يكون [بعد] ١ ثبوت النبوة، فلا يحتجّ على مقدّمات دليل النبوة بمجرد الإجماع.
سبب عدم ظهور المعجزات على يد الكاذب عند الأشاعرة
وهؤلاء إنما أوقعهم في هذه المناقضات أنّ القدرية٢ يجعلون لربّهم شريعة بالقياس على خلقه، ويقولون: لا يجوز أن يفعل كذا، ولا أن يفعل كذا؛ كقولهم: لا يجوز أن يضلّ هذا، فإنّا لو جوّزنا عليه الإضلال لجاز أن يظهر المعجزات على أيدي الكذابين؛ فإنّ غاية ذلك أنّه إضلال. وإذا جاز ذلك لم يبق دليلٌ على صدق الأنبياء، ولم يفرّق بين الصادق والكاذب. فعارضهم هؤلاء٣ بأن قالوا: يجوز أن يفعل كلّ ممكن مقدور، ليس يجب أن ينزّه عن فعلٍ من الأفعال، وليس في الممكنات ما هو قبيح، أو ظلم، أو سيئ، بل كلّ ذلك حسنٌ وعدل، فله أن يفعله. فقيل لهم: فجوّزوا إظهار المعجزات على [أيدي] ٤ الكذابين. ففتقوا لهم فتقا، فقالوا٥: هذا يلزم
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ المقصود بهم المعتزلة. وانظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ١٣٣، ٥٦٤. والمختصر في أصول الدين له ص ٢٣٧ - ضمن رسائل العدل والتوحيد. ٣ أي الأشاعرة. انظر: البيان للباقلاني ص ٤٠-٤١. والتمهيد له ص ٣٨٢-٣٨٦. والإرشاد للجويني ص ٢٥٨ وما بعدها. والمواقف للإيجي ص ٣٢٨. وشرح الجوهرة للبيجوري ص ١٠٨. ٤ في «خ»: يدي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ أي الأشاعرة. انظر من كتب أئمتهم: البيان للباقلاني ص ٤٥-٤٨. والإرشاد للجويني ص ٣٢٧- ٣٢٨. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠، ١٧٣. والمواقف للإيجي ص ٣٤٢.
[ ١ / ٥٥٠ ]
منه عجز الرب عن أن ينصب دليلًا يدل على صدق النبيّ، وإن كان يمكنه أن يعرف صدقهم بالضرورة، فذلك يوجب أن يعرفوا نفسه بالضرورة، وهو يرفع التكليف.
قول شيخ الإسلام في عدم ظهور المعجزات على يد الكاذب..
والتحقيق: أن إظهار المعجزات الدالّة على صدق الأنبياء على يد الكاذب لا يجوز، لكن قيل لامتناع ذلك في نفسه؛ كما قاله الأشعري١. وقيل: لأنّ ذلك يمتنع في حكمة الرب وعدله. وهذا أصحّ؛ فإنّه قادر على ذلك، لو فعله بطلت دلالة المعجز على الصدق٢.
وهذا كما أنه قادر على سلب العقول، ولو فعل ذلك لبطلت العلوم. وهو سبحانه لو فعل ذلك قادرٌ على تعريف الصدق بالضرورة، وقادرٌ على أن لا يعرف بذلك، ولا يميز للناس بين الصادق والكاذب، لكنه لا يفعل هذا المقدور. ونحن نعلم بالاضطرار أنه لا يفعل ذلك، وأنّه لا يبعث أنبياء
_________________
(١) ١ انظر: المواقف للإيجي؛ فقد نقل ذلك عن الأشعري ص ٣٤٢. وانظر ما قاله شيخ الإسلام ﵀ عن هذه المسألة بتوسّع في كتبه التالية: شرح الأصفهانية تحقيق السعوي ٢ ٦١٢-٦٢٤. ودرء تعارض العقل والنقل ١ ٨٩-٩٠. والجواب الصحيح ٦ ٣٩٣-٤٠١. وذكر شيخ الإسلام ﵀ عن مذهب الأشاعرة في إثبات النبوة أنّهم يسلكون أحد طريقين: "إما طريق القدرة؛ كما سلكها الأشعري في أحد قوليه، والقاضيان أبو بكر وأبو يعلى، وغيرهما؛ وهو أنه لا طريق إلى تصديق النبيّ غير المعجزة، فلو لم تكن دالّة على التصديق، للزم عجز الباري عن تصديق الرسل. وإما طريق الضرورة؛ كما سلكها الأشعري في قوله الآخر، وأبو المعالي، وطوائف أُخَر". درء تعارض العقل والنقل ٩ ٥٢-٥٣. ٢ سبق أن أورد الشيخ ﵀ هذه المسألة في ص ٢٧٢، ٢٧٨، ٢٨٠-٢٨٢، ٥٨٠-٥٨٣، من هذا الكتاب. وسوف يأتي زيادة إيضاح منه ﵀ لهذه المسألة في ص ١١٣٤-١١٥٠، ١١٦١-١١٦٣ منه.
[ ١ / ٥٥١ ]
صادقين يبلغون رسالته ويأمر الناس باتباعهم ويتوعّد من كذّبهم، فيقوم آخرون كذّابون يدّعون مثل ذلك، وهو يسوي بين هؤلاء وهؤلاء في جميع ما يفرق به بين الصادق والكاذب. بل قد علمنا من سنّته أنه لا يُسوّي في دلائل الصدق والكذب بين المحدث الصادق، والكاذب، والشاهد الصادق، والكاذب، وبين الذي يعامل الناس بالصدق، والكذب، وبين الذي يظهر الإسلام صادقًا، والذي يظهره نفاقًا وكذبًا، بل يُميّز هذا من هذا بالدلائل [الكثيرة] ١؛ كما يُميّز بين العادل وبين الظالم، وبين الأمين وبين الخائن؛ فإنّ هذا مقتضى سنّته التي لا تتبدّل، وحكمته التي هو منزّه عن نقيضها، وعدله سبحانه بتسويته بين المتماثلات، وتفريقه [بين] ٢ المختلفات. فكيف يُسوي بين أفضل الناس وأكملهم صدقًا، وبين أكذب الناس وشرّهم كذبًا فيما يعود إلى فساد العالم في العقول، والأديان، والأبضاع، والأموال، والدنيا، والآخرة.
الرد على القدرية في قولهم: لو جوزنا عليه الإضلال لجاز أن يظهر المعجزات على يد الكاذب
وقول [القدريّ] ٣: إذا جاز عليه إضلال من أضلّه، جاز عليه إضلال بعض الناس. يقال له:
أولًا: ليس إظهار المعجزة على أيدي الكذابين من باب الإضلال. بل لو ظهرت على يده لكانت لا تدلّ على الصدق، فلم يكن دليلًا يُفرّق به بين الصدق والكذب. وعدم الدليل يوجب عدم العلم بذلك الدليل، لا يوجب اعتقاد نقيضه. ولو كان لا يظهرها إلا على يد كاذب، لكانت إنّما تدل على
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ في «م»، و«ط»: القدر.
[ ١ / ٥٥٢ ]
الكذب؛ فالاشتراك بين الصنفين يرفع دلالتها، واختصاص أحدهما بها يوجب دلالتها على المختصّ.
ويقال ثانيًا: تجويز إضلال طائفة معينة؛ بمعنى أنه حصل لهم الضلال لعدم نظرهم، واستدلالهم، وقصدهم الحق، وجعل قلوبهم معرضة عن طلب الحق وقصده، وأنّها تكذب الصادق: ليس هو مثل إضلال العالم كلّه، ورفع ما يعرف به الحق من الباطل. بل مثال هذا: مثل من قال: إذا جاز أن [يعمي] ١ طائفة من الناس، جاز أن [يعمي] ٢ جميع النّاس، فلا يرى أحدٌ شيئًا. وإذا جاز أن [يُصِمّ] ٣ بعض النّاس، جاز أن يصم جميعهم، فلا يسمع أحدٌ شيئًا. وإذا جاز أن يُزمن٤ بعض النّاس، أو يُشلّ يديه، جاز إزمان جميع الناس، وإشلال أيديهم؛ حتى لا يقدر أحدٌ في العالم على شيء، ولا بطش بيده. وإذا جاز أن يُجنّن بعض الناس، جاز أن يُجنّن جميعَهم؛ حتى لا يبقى في الأرض إلا مجنونٌ، لا عاقل. وإذا جاز أن يُميت بعض الناس، جاز أن يُميتهم كلّهم في ساعةٍ واحدة، مع بقاء العالم على ما هو عليه. وأن يقال: إذا جاز أن يُضِلّ بعض الناس عن قبول بعض الحق، جاز أن يضله عن قبول كلّ حق؛ حتى لا يصدق أحدًا في شيء، ولا يقبل شيئًا مما يُقال له؛ فلا يأكل، ولا يشرب، ولا يلبس، ولا ينام. وأنّ كلّ من أضلّ جاز أن يفعل به هذا كلّه.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يعمى. ٢ في «م»، و«ط»: يعمى. ٣ في «ط»: يضم. ٤ قال ابن منظور: (الزَّمِن: ذو الزمانة. والزمانة آفة في الحيوانات. ورجلٌ زَمِن: أي مبتلى بيِّن الزمانة. والزمانة: العاهة..) . لسان العرب ١٣ ١٩٩.
[ ١ / ٥٥٣ ]
وهذا كلّه ممّا يُعرف بضرورة العقل الفرق بينهما. ومن سوى بين هذا وهذا١، كان مصابًا في عقله.
وآيات الأنبياء هي من هذا الباب؛ فلو لم يميّز بين الصادق والكاذب، لكان قد بعث أنبياء يبلّغون رسالته، ويأمرون بما أمر به؛ من أطاعهم سعد في الدنيا والآخرة، ومن كذّبهم شقي في الدنيا والآخرة، وآخرين كذّابين يبلّغون عنه ما لم يقله، ويأمرون بما نهى عنه، وينهون عمّا أمر به، ومن اتبعهم شقي في الدنيا والآخرة، ولم يجعل لأحدٍ سبيلًا إلى التمييز بين هؤلاء وهؤلاء. [وهذا] ٢ أعظم من أن يقال إنّه خلق أطعمة نافعة، وسمومًا قاتلة، ولم يميّز بينهما، بل كلّ ما أكله الناس، جاز أن يكون من هذا وهذا. ومعلومٌ أنّ من جوّز مثل هذا على الله، فهو مصابٌ في عقله.
الله جعل الأشياء متلازمة وكل ملزوم دليل على لازمه..
ثمّ إنّ الله جعل الأشياء متلازمة، وكلّ ملزوم هو دليل على لازمه؛ فالصدق له لوازم كثيرة؛ فإنّ من كان يصدق، ويتحرى الصدق، كان من لوازمه أنّه لا يتعمّد الكذب، ولا يخبر بخبرين متناقضين عمدًا، ولا يُبطن خلاف ما يظهر، ولا يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، ولا يخون أمانته، ولا يجحد حقًا هو عليه، إلى أمثال هذه الأمور التي يمتنع أن [تكون] ٣ لازمةً إلا لصادق؛ فإذا انتفت انتفى الصدق، وإذا وجدت كانت مستلزمة لصدقه. والكاذب بالعكس؛ لوازمه بخلاف ذلك؛ وهذا لأنّ الإنسان حيّ ناطق، والنطق من لوازمه الظاهرة لبني جنسه. ومن لوازم النطق: الخبر؛ فإنه ألزم له من الأمر، والطلب؛ حتى قد قيل: إنّ جميع أنواع الكلام
_________________
(١) ١ أي بين النبيّ، والمتنبّئ. ٢ في «ط»: وه. وهو خطأ مطبعي. ٣ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٥٤ ]
[تعود] ١ إلى الخبر؛ فلزم أن يكون من لوازم الإنسان إخباره، [وظهور] ٢ إخباره، وكثرته، وأنّ هذا لا بُدّ من وجوده حيث كان. وحينئذ: فإذا كان كذّابًا عَرَفَ النّاس كذبه؛ لكثرة ما يظهر منه من [الخبر] ٣ عن الشيء بخلاف ما هو عليه، من أحوال نفسه وغيره، وممّا رآه، وسمعه، وقيل له في الشهادة والغيب. ولهذا كلّ من كان كاذبًا ظهر عليه كذبه بعد مدة؛ سواء كان مدّعيًا للنبوّة، أو كان كاذبًا في العلم ونقله، أو في الشهادة، أو في غير ذلك٤. وإن [كان] ٥ مطاعًا، كان ظهور كذبه أكثر لما فيه من الفساد.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يعود. ٢ في «ط»: وظهورًا. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٤ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو يشرح حديث أبي سفيان مع هرقل: "فسألهم عن زيادة أتباعه ودوامهم على اتّباعه، فأخبروه أنهم يزيدون، ويدومون. وهذا من علامات الصدق والحق؛ فإنّ الكذب والباطل لا بُدّ أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه، ويمتنع عنه من لم يدخل فيه. ولهذا أخبرت الأنبياء المتقدمون أنّ المتنبئ الكذاب لا يدوم إلا مدة يسيرة. وهذه من بعض حجج ملوك النصارى الذين يُقال إنهم من ولد قيصر هذا، أو غيرهم حيث رأى رجلًا يسبّ النبيّ ﷺ من رؤوس النصارى، ويرميه بالكذب. فجمع علماء النصارى، وسألهم عن المتنبئ الكاذب، كم تبقى نبوته؟ فأخبروه بما عندهم من النقل عن الأنبياء؛ أنّ الكذّاب المفتري لا يبقى إلا كذا وكذا سنة؛ مدة قريبة؛ إما ثلاثين سنة، أو نحوها. فقال لهم: هذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة أو ستمائة سنة وهو ظاهر مقبول متبوع. فكيف يكون هذا كذابًا. ثمّ ضرب عنق ذلك الرجل". شرح الأصفهانية تحقيق السعوي ٢ ٤٨٥. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين.
[ ١ / ٥٥٥ ]
[و] ١ في الصحيح عن النبي ﷺ أنّه قال: «ثلاثةٌ لا يُكلّمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم: ملكٌ كذّاب، وشيخ زان، وعائل مستكبر - ويُروى - وفقيرٌ محتال» ٢.
ولهذا كثيرٌ من أهل الدول كانوا يتواصون بالكذب، وكتمان أمورهم، ثم يظهر؛ كالقرامطة٣. ولهذا امتنع اتفاق الناس على الكذب، والكتمان،
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ١ ١٠٢-١٠٣، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار. مع تقديم، وتأخير في الألفاظ، وليس فيه: وفقير محتال. ٣ القرمطة نسبة إلى مذهب القرامطة. ووجه قرمطتهم: أنّهم جعلوا للنص معنى باطنًا يُخالف معناه الظاهر. والقرامطة: نسبة إلى حمدان قرمط، ولُقّب بذلك لقرمطة في خطه، أو في خطوه. كان أحد دعاتهم في الابتداء، فاستجاب له جماعة، فسموا قرامطة، وقرمطية. وكان هذا الرجل من أهل الكوفة، وكان يميل إلى الزهد، فصادف أحد دعاة الباطنية، وأثّر عليه؛ فاعتنق مذهبهم. ثمّ لم يزل بنوه وأهله يتوارثون مكانه. وكان أشدّهم بأسًا: رجل يُقال له أبو سعيد. ظهر في سنة ست وثمانين ومائتين، وقوي أمره، وقتل ما لا يحصى من المسلمين، وخرب المساجد، وأحرق المصاحف، وفتك بالحاج، وسنّ لأهله وأصحابه سننًا، وأخبرهم بمحالات. ثم مات، وخلف بعده ابنه أبا طاهر؛ ففعل مثل فعله، وهجم على الكعبة، فأخذ ما فيها من الذخائر، وقلع الحجر الأسود، وحمله إلى بلده، وأوهم الناس أنه الله تعالى الله عن قوله علوًا كبيرًا. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢٨٩. وفضائح الباطنية للغزالي ص ١٢. وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص ١٤٤-١٤٦. وانظر تعريف شيخ الإسلام ﵀ للقرمطة في السمعيات في كتابه: نقض تأسيس الجهمية ١ ١٥٠. والرسالة التدمرية ص ١٩. وشرح حديث النزول ص ٤٢٨. وبغية المرتاد ص ١٨٣-١٨٤. وشرح الأصفهانية ٢ ٤٥١-٤٥٧. ودرء تعارض العقل والنقل ٢ ١٥. ومجموع الفتاوى ١٢ ٢١٣، ١٣ ١٦٨.
[ ١ / ٥٥٦ ]
من غير تواطؤ؛ لما جعل الله في النفوس من الداعي إلى الصدق والبيان، وجعل الله في القلوب هدايةً ومعرفةً بين هذا وهذا. ولم يُعرف قطّ في بني آدم أنّه اشتبه صادقٌ بكاذبٍ إلاَّ مدة قليلة، ثم يظهر الأمر. وليس هذا كالضلال في أمور خفية ومشتبهة على أكثر الناس؛ فإنّ التمييز بين الصادق والكاذب يظهر لجمهور الناس وعامتهم بعد مدّة، ولا يطول اشتباه ذلك عليهم، وإنما يشتبه الأمر عليهم فيما لم يتعمّد فيه الكذب، بل أخطأ أصحابه؛ فأخذ عنهم تقليدًا لهم. وأما مع كون أصحابه يتعمّدون الكذب، [فهو] ١ لا يخفى على عامة الناس.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: فهذا.
[ ١ / ٥٥٧ ]