وانقسام المراد إلى ما يُراد لذاته، وإلى ما يُراد لغيره٣
تابع: الوجه الأول في الرد على الفلاسفة
ثمّ٤ ذلك الغير لا بُدّ أن يكون مُرادًا لذاته، فالمراد لذاته لازمٌ لجنس الإرادة، والإرادة لازمة لجنس الحركة؛ فإنّ الحركة [الطبيعيّة٥،و] ٦ القسريّة٧ مستلزمةٌ للحركة الإراديّة٨. والحركة الإراديّة مستلزمة لمرادٍ
_________________
(١) ١ كُتب في بداية الورقة: "بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم عونك، لا حول ولا قوة إلا بك". ٢ انظر: كلام المؤلف - ﵀ - على محبّة الله تعالى في: منهاج السنة النبوية ٥٣٨٨-٤١٢. والاستقامة ٢٨٨-١٢٨. ومجموع الفتاوى ١٤٧٨. والجواب الصحيح ٦٣٩. وقاعدة في المحبة - ضمن جامع الرسائل - ٢١٩٣-٤٠١. ٣ انظر: مزيد كلامٍ للمؤلف - ﵀ - عن انقسام المراد إلى ما يُراد لذاته، وإلى ما يُراد لغيره في: درء تعارض العقل والنقل ٦٦٣-٦٦. ٤ في «ط»: تمّ - بالتاء -، وما أثبت من «خ»، و«م» . ٥ الحركة الطبيعيّة: هي التي لا تحصل بسبب أمر خارج، ولا تكون مع شعورٍ وإرادة؛ كحركة الحجر إلى أسفل. التعريفات للجرجاني ص ٨٥. ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . وهو في حاشية «خ»، فوق السطر، وعليه علامة التصحيح «صح» . ٧ الحركة القسريّة: ما يكون مبدؤها بسبب ميلٍ مستفادٍ من خارج؛ كالحجر المرمى إلى فوق. فهي حركة اضطراريّة. التعريفات للجرجاني ص ٨٥. ٨ الحركة الإراديّة: ما لا يكون مبدؤها بسبب أمرٍ خارجٍ مقارنًا بشعورٍ وإرادة؛ كالحركة الصادرة من الحيوان بإرادته. التعريفات ص ٨٥.
[ ١ / ٣٧٥ ]
لذاته. فكان جنس الحركات الموجودة في العالَم مستلزمة للمراد لذاته؛ وهو المعبود الذي يستحق العبادة لذاته؛ وهو الله لا إله إلا هو١، فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. وكلّ عملٍ لا يُراد به وجهه، فهو باطلٌ. وكلّ عاملٍ لا يكون [عمله] ٢ لله، بل لغيره، وهو المشرك؛ فإنّه كما قال تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَاْ خَرَّ مِنَ السَّمَاْءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِيْ بِهِ الرِّيْحُ فِيْ مَكَاْنٍ سَحِيْقٍ﴾ ٣؛ فإنّ قوام الشيء بطبيعته الخاصّة به؛ فالحيّ قوامه بطبيعته المستلزمة لحركته الإراديّة، وقوامها بالمراد لذاته، فإذا لم يكن حركتها لإرادة المعبود لذاته، لم يكن لنفسه قوام، بل بقيت ساقطة، خارَّة؛ كما ذكر الله تعالى. ولهذا يهوي في الهاوية؛ وهو ذنبٌ لا يُغفر؛ لأنّه فسد الأصل؛ كالمريض الذي فسد قلبه، لا ينفع مع ذلك إصلاح أعضائه.
_________________
(١) ١ هذا الدليل الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀ دليلٌ عقليّ، يستخدمه كثيرًا ﵀، وقد قال عنه في بعض كتبه: "الحركات الموجودة في العالم ثلاثة: قسرية، وطبيعية، وإرادية. ووجه الحصر: أنّ مبدأ الحركة إما أن يكون من المتحرك، أو من سبب خارج. فإن لم تمكن حركته إلا بسبب خارج عنه؛ كصعود الحجر إلى فوق؛ فهذه الحركة القسرية. وإن كانت بسبب منه؛ فإمّا أن يكون المتحرك له شعور، وإما أن لا يكون. فإن كان له شعور، فهي الحركة الإرادية، وإلا فهي الطبيعية. والحركة الطبيعية في العناصر: إما أن تكون لخروج الجسم عن مركزه الطبيعيّ، وإلا فالتراب إذا كان في مركزه لم يكن في طبعه الحركة. فالمتولدات من العناصر لا تتحرك إلا بقاسر يقسر العناصر على حركة بعضها إلى بعض. وإذا كانت الحركات الطبيعية والقسرية مفتقرة إلى محرك في الخارج، عُلم أنّ أصل الحركات كلها الإرادة، فيلزم من هذا أن يكون مبدأ جميع الحركات من العالم العلويّ والسفليّ هو الإرادة". كتاب الصفدية ١١٧٤-١٧٥. وانظر: مجموع الفتاوى ١٦١٣١، ٨١٧١. وقد استخدم شيخ الإسلام ﵀ هذا الدليل أيضًا لإثبات وجود الملائكة بالعقل. انظر: المصدر المتقدم نفسه. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ سورة الحج، الآية ٣١.
[ ١ / ٣٧٦ ]
لفظ الدعاء في القرآن
ولفظ دعاء الله في القرآن١ يُراد به دعاء العبادة، ودعاء [المسألة] ٢؛ فدعاء العبادة يكون الله هو المراد به، فيكون الله هو المراد. ودعاء المسألة يكون المراد منه٣؛ كما في قول المصلّي: ﴿إِيَّاْكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاْكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ ٤؛ فالعبادة إرادته، والاستعانة وسيلة إلى العبادة إرادة المقصود، وإرادة الاستعانة إرادة الوسيلة إلى المقصود، ولهذا قدّم قوله: ﴿إِيَّاْكَ نَعْبُدُ﴾، وإن كانت لا تحصل إلا بالاستعانة؛ فإنّ العلّة الغائيّة مقدّمة في التصوّر والقصد، وإن كانت مؤخّرة في [الوجود] ٥ والحصول، وهذا إنّما يكون لكونه هو المحبوب لذاته.
لكن المراد به محبّة مختصة به على سبيل الخضوع له والتعظيم، وعلى سبيل تخصيصها به؛ فيُعبّر عنها بلفظ الإنابة، والعبادة، ونحو ذلك؛ [إذ] ٦ كان لفظ المحبّة (جنس عامّ)، يدخل فيه أنواع كثيرة، فلا يرضى لله
_________________
(١) ١ قال رسول الله ﷺ: "الدعاء هو العبادة"، وقرأ: ﴿وَقَاْلَ رَبُّكُمُ ادْعُوْنِيْ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاْخرِيْنَ﴾ [سورة غافر، الآية ٦٠] . والحديث أخرجه الترمذيّ، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ٢ في «خ»: للمسألة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أي من الله تعالى. والدعاء ينقسم إلى نوعين: دعاء مسألة: وهو سؤال الله تعالى بأسمائه الحسنى ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره. ودعاء عبادة: وهو التعبّد لله تعالى بمقتضى هذه الأسماء التي فيها ثناء على الله تعالى، والنوعان متلازمان. قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ الآيات وفيها: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعا﴾ وقد اشتملت الآية على النوعين، قيل: أعطيه إذا سألني، قيل: أثيبه إذا عبدني. انظر: مجموع الفتاوى ٥٢١١، ١٥١٠-١١. واقتضاء الصراط المستقيم ٢٧٧٨-٧٧٩. وبدائع الفوائد١١٦٤، ٣٢-٣. وزاد المعاد ١٣٣٥. وتيسير العزيز الحميد ص ٢١٦، ٦٤٠. ٤ سورة الفاتحة، الآية ٥. ٥ في «خ»: الوجد. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ في «ط»: إذا. وما أثبت من «خ»، و«م» .
[ ١ / ٣٧٧ ]
بالقدر المشترك، بل إذا ذُكِر من يُحبّ غير الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا أَشَدُّ حُبًَّا للهِ﴾ ١، وإذا ذُكِر محبّتهم لربّهم، ذُكِرت محبّته لهم، وجهادهم؛ كما في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيْ اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّوْنَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَاْفِرِيْنَ يُجَاْهِدُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ وَلا يَخَاْفُوْنَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ٢، وفي مثل قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ وَجِهَاْدٍ فِيْ سَبِيْلِهِ﴾ ٣. ولهذا كانت القلوب [تطمئنّ بذكره] ٤؛ كما قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوْبُ﴾ ٥؛ فتقديم المفعول يدلّ على أنّها لا تطمئِنّ إلا بذكره، [و] ٦ هو تعالى إذا ذُكِرَ وَجِلَتْ، فحصل لها اضطراب ووجل لما [تخافه] ٧ من [دونه] ٨، و[تخشاه] ٩ من فوات نصيبها منه. فالوجل إذا ذُكر حاصل بسبب من الإنسان، وإلا فنفس ذكر الله يوجب الطمأنينة؛ لأنّه هو المعبود لذاته، والخير كلّه منه؛ قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَاْدِيْ أَنِّيْ أَنَاْ الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ وَأَنَّ عَذَاْبِيْ هُوَ الْعَذَاْبُ الألِيْمُ﴾ ١٠، وقال تعالى: ﴿اِعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ شَدِيْدُ العِقَاْبِ وَأَنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ﴾ ١١. وقال علي ﵁: "لا يرجونّ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٦٥. ٢ سورة المائدة، الآية ٥٤. ٣ سورة التوبة، الآية ٢٥. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٥ سورة الرعد، الآية ٢٨. ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٧ في «خ»: يخافه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ في «خ»: دونها. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٩ في «خ»: يخشاه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ١٠ سورة الحجر، الآيتان ٤٩-٥٠. ١١ سورة المائدة، الآية ٩٨.
[ ١ / ٣٧٨ ]
عبدٌ إلا ربّه، ولا يخافنّ عبدٌ [إلا] ١ ذنبه» ٢؛ فالخوف الذي يحصل عند ذكره، هو بسبب [من] ٣ العبد، وإلا فذكر الربّ نفسه يحصل الطمأنينة والأمن؛ فما أصابك من حسنةٍ فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك؛ كما قال ذلك المريض الذي سُئل: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله، وأخاف ذنوبي. فقال [النبيّ ﷺ] ٤: "ما اجتمعا في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمّنه ممّا يخاف" ٥.
ولم يقل بذكر الله توجل القلوب، كما قال: ﴿أَلا بِذِكُرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوْبُ﴾ ٦، بل قال: ﴿إِذَاْ ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوْبُهُم﴾ ٧، ثمّ قال: ﴿وَإِذَاْ تُلِيَتْ عَلَيْهمْ آيَاْتُهُ زَأْدَتْهُمْ إِيْمَاْنًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكلُوْنَ﴾ ٨. وإنّما يتوكّلون عليه لطمأنينتهم إلى كفايته، وأنّه سبحانه حَسْبُ من توكّل عليه؛ يهديه، وينصره،
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٢ سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن قول عليّ هذا: ما معناه؟ فأجاب ﵀: "هذا الكلام يؤثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وهو من أحسن الكلام، وأبلغه، وأتمّه؛ فإنّ الرجاء يكون للخير، والخوف يكون من الشرّ، والعبد إنّما يُصيبه الشرّ بذنوبه" إلى آخر كلامه القيّم رحمه الله تعالى. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٨١٦١-١٨١. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٥ جزء من حديث رواه الترمذي في جامعه ٣٣٠٢، كتاب الجنائز، رقم ٩٨٣، وقال: حديث غريب. وابن ماجه - من حديث أنس - في سننه ٢١٤٢٣، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له. وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب ٤١٦٣: إسناده حسن. وقال عنه الشيخ الألباني: "رجاله ثقات، وفي سيار بن حاتم كلامٌ لا يضرّ. فالسند حسن". مشكاة المصابيح ١٥٠٦. ٦ سورة الرعد، الآية ٢٨. ٧ سورة الأنفال، الآية ٢. ٨ سورة الأنفال، الآية ٢.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ويرزقه بفضله، ورحمته، وجوده. فالتوكّل [عليه] ١ يتضمّن الطمأنينة إليه، والاكتفاء به عمّا سواه.
وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاْحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوْا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِيْنَ الَّذِيْنَ إِذَاْ ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوْبُهُمْ وَالصَّاْبِرِيْنَ عَلَى مَاْ أَصَاْبَهُمْ وَالْمُقِيْمِيْ الصَّلاةِ وَمِمَّاْ رَزَقْنَاْهُمْ يُنْفِقُوْنَ﴾ ٢، فهم مُخبتون. والمُخبت: المطمئنّ الخاضع لله. والأرض [الخبت] ٣: [المطمئنّة] ٤.
روى ابن أبي حاتم من حديث ابن مهدي، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِيْنَ﴾، قال: المطمئنّين٥. وعن الضحّاك: المتواضعين٦؛ فوصفهم بالطمأنينة مع الوجل، كما وصفهم هناك بالتوكّل عليه مع الوجل، وكما قال في وصف القرآن: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُوْدُ الَّذِيْنَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُوْدُهُمْ وَقُلُوْبُهُمْ إِلَىْ ذِكْرِ اللهِ﴾ ٧. فذكر أنّه بعد الاقشعرار تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله؛ فذكره بالذات يوجب الطمأنينة، وإنّما الاقشعرار والوجل عارضٌ بسبب ما في نفس الإنسان من التقصير في حقّه، والتعدّي لحدّه؛ فهو كالزبد مع ما ينفع النّاس: الزبد يذهب جفاء، وما ينفع النّاس يمكث في الأرض.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ سورة الحج، الآيتان ٣٤-٣٥. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، و«م»، وهو في «ط» . ٥ تفسير مجاهد ص ٤٢٥، وفيه عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِيْنَ﴾، قال: المطمئنّين. وكذلك تفسير الطبري ٩١٥١. ٦ رواه الطبري في تفسيره عن قتادة. انظر: تفسيره ٩١٥١. ٧ سورة الزمر، الآية ٢٣.
[ ١ / ٣٨٠ ]
فالخوف مطلوبٌ لغيره، ليدعو النّفس إلى فعل الواجب، وترك المحرّم. وأمّا الطمأنينة بذكره، وفرح القلب به، ومحبّته، فمطلوب لذاته. ولهذا يبقى معهم هذا في الجنّة، فيُلهَمون التسبيح، كما يُلهَمون النَّفَس١.
اللذات عند الفلاسفة ثلاث
والمتفلسفة٢ رأوا اللّذّات في الدنيا ثلاثة٣: حسيّة، ووهميّة،
_________________
(١) ١ أخرج مسلم في صحيحه، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "إنّ أهل الجنّة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون". قالوا: فما بال الطعام؟ قال: "جشاء، ورشح كرشح المسك، يُلهمون التسبيح والتحميد، كما يُلهمون النَّفس". صحيح مسلم ٤٢١٨٠-٢١٨١، كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفات أهل الجنّة وتسبيحهم فيها بكرة وعشيًّا. ومسند الإمام أحمد ٣٣٤٩. وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ٢٢١١. ٢ الفلاسفة هم طائفة من اليونانيّين يشتغلون بالفلسفة، ولهم أقوال مختلفة. وكلمة فلسفة كلمة يونانيّة مركّبة من فيلو، ومعناها: محبّ، وسوفيا، ومعناها: الحكمة. فالفيلسوف هو محبّ الحكمة. ومذهبهم: أنّ العالّم قديم، وعلّته مؤثّرة بالإيجاب، وليست فاعلة بالاختيار. وأكثرهم ينكرون علم الله تعالى، وينكرون حشر الأجساد. وتأثّر بهم كثيرٌ ممّن أراد أن يجمع بين الشريعة والفلسفة؛ مثل ملاحدة الصوفيّة، والشيعة. انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ١٤١. والملل والنحل ٢١٥٥. والمعجم الفلسفي ص ١٣٨-١٤٠. والجواب الصحيح ٦٢٢-٤٥. وكتاب الصفدية ١٢٦٧،، ٢٣٢٣. والرد على المنطقيّين ص ٣٣٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الفلسفة: "والفلسفة هي باطن الباطنيّة، ولهذا صار في هؤلاء نوع من الإلحاد، فقلّ أن يسلم من دخل مع هؤلاء في نوع من الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه". درء تعارض العقل والنقل ٣٢٦٩. ٣ ولقد شاركهم الرازي، وقسّمها مثل تقسيمهم في آخر كتبه؛ وهو كتاب أقسام اللّذّات، وبيّن أنّها ثلاثة: الحسيّة؛ كالأكل، والشراب، والنكاح، واللباس. واللذة الخياليّة الوهميّة؛ كلذة الرياسة، والأمر، والنهي، والترفع، ونحوها. واللذة العقليّة؛ كلذة العلوم، والمعارف. وهي الحقّ، وأنّ شرف العلم بشرف المعلوم. انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٣٠٤-٣٠٥. وجامع الرسائل ٢٢٥٠-٢٥١. وانظر: ما سيأتي لاحقًا ص ٤٧٨.
[ ١ / ٣٨١ ]
وعقليّة. والحسيّة في الدنيا غايتها دفع الألم. والوهميّة خيالات [وأضغاث] ١، واللذّة الحقيقيّة هي العلم. فجعلوا جنس العلم غاية، وغلطوا من وجوه: أحدها: أنّ العلم بحسب المعلوم، فإذا كان المعلوم محبوبًا تكمل النفس بحبّه، كان العلم به كذلك. وإن كان مكروهًا، كان العلم به لحذره، ودفع ضرره؛ كالعلم بما يضرّ الإنسان من شياطين الإنس والجنّ. فلم يكن المقصود نفس العلم، بل المعلوم. ولهذا قد يقولون: سعادتها في العلم بالأمور الباقية٢، وأنّها تبقى ببقاء معلومها. ثمّ يظنّون أنّ الفَلَك والعقول والنفوس أمور باقية، وأنّ بمعرفة هذه تحصل سعادة النفس. وأبو حامد في مثل «معراج السالكين»، ونحوه، يُشير إلى هذا٣؛ فإنّ كلامه برزخٌ بين المسلمين وبين الفلاسفة؛ ففيه فلسفة مشوبة بإسلام، وإسلامٌ مشوبٌ بفلسفة٤،
الغزالي بين المسلمين والفلاسفة
ولهذا
_________________
(١) ١ في «خ» رسمت: (واصحار) كذا مهملة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: كتاب العلم، ضمن إحياء علوم الدين للغزالي. ٣ انظر: معراج السالكين - ضمن مجموعة القصور العوالي ٣١١٣-١١٤ -. وقال الغزالي في المضنون به على غير أهله - ضمن القصور العوالي ٢١٦٢: "وأمّا الكلام في أنّ بعض هذه اللّذّات ممّا لا يُرغَب فيها؛ مثل اللبن، والاستبرق، والطلح المنضود، والسدر المخضود، فهذا ممّا خوطب به جماعة يعظم ذلك في أعينهم، ويشتهونه غاية الشهوة". ٤ وقال شيخ الإسلام ﵀ عنه أيضًا: "ولهذا جعلوا كثيرًا من كلامه برزخًا بين المسلمين والفلاسفة المشائين؛ فالمسلم يتفلسف به على طريقة المشائين تفلسف مسلم، والفيلسوف يسلم به إسلام فيلسوف، فلا يكون مسلمًا محضًا، ولا فيلسوفًا محضًا على طريقة المشائين". منهاج السنة النبوية ١٣٥٧. وانظر: بغية المرتاد ص ١٩٣، ١٩٨، ١٩٩. وشرح الأصفهانية ٢٥٠٧.
[ ١ / ٣٨٢ ]
كان في كتبه؛ كالإحياء، وغيره يجعل المعلوم بالأعمال، والأعمال كلها إنّما غايتها هو العلم فقط١، وهذا حقيقة قول هؤلاء الفلاسفة٢، وكان يُعظِّم الزهد٣ جدًا، ويعتني به أعظم من اعتنائه بالتوحيد الذي جاءت به الرسل؛ وهو عبادة الله وحدَه لا شريك له، وترك عبادة ما سواه؛ فإنّ هذا التوحيد يتضمّن محبّة الله وحده، وترك محبّة المخلوق مطلقًا، إلا إذا أحبّه [لله] ٤، فيكون داخلًا في محبّة الله، بخلاف من يُحبّه مع الله؛ فإنّ هذا شرك.
وهؤلاء المتفلسفة إنّما يُعظّمون تجريد النفس عن الهيولي٥، وهي
_________________
(١) ١ انظر: إحياء علوم الدين ١٥٣. ٢ وقال عنهم شيخ الإسلام ﵀ أيضًا: "ثمّ إنّهم مع إقرارهم بأنّ جعل هذه المعاني الصابئية الفلسفية هي مسميات هذه الأسماء النبوية، أو التي يٌقال إنّها نبويّة، هو من كلام هؤلاء المتفلسفة، يقطعون بذلك في مواضع أُخر. بل فيما يجعلونه من أشرف العلوم والمعارف، حتى إنّهم يجعلونه من العلوم التي يُضنّ بها على غير أهلها، ومن العلم المكنون الذي يُنكره أهل الغرة بالله، ولا يعرفه إلا أهل العلم بالله. وهذا موجود في مواضع كثيرة؛ كما في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة". بغية المرتاد ص ١٩٥-١٩٦. ٣ انظر: كتاب الزهد، ضمن إحياء علوم الدين ٤٢٠٣-٢٢٥. ٤ في «م»، و«ط»: الله. وما أثبت من «خ» . ٥ قال صاحب التعريفات: "الهيولي: لفظ يوناني، بمعنى الأصل والمادّة. وفي الاصطلاح: هي جواهر في الجسم قابلة لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال، والانفصال، محلّ للصورتين: الجسميّة، والنوعيّة". التعريفات ص ٣٢١. وقال عنه شيخ الإسلام ﵀: "الهيولي في لغتهم بمعنى المحلّ؛ يُقال الفضة هيولي الخاتم والدرهم، والخشب هيولي الكرسيّ؛ أي هذا المحلّ الذي تُصنع فيه هذه الصورة، وهذه الصورة الصناعية عرض من الأعراض. ويدّعون أنّ للجسم هيولي، محلّ الصورة الجسميّة، غير نفس الجسم القائم بنفسه". مجموع الفتاوى ١٧٣٢٨.
[ ١ / ٣٨٣ ]
المادّة، وهي البدن، وهو الزهد في أغراض البدن، و[هو] ١ الزهد في الدنيا. وهذا ليس فيه إلا تجريد النفس عن الاشتغال بهذا؛ فتبقى النفس فارغة؛ فيُلقي إليها الشيطان ما يُلقيه، ويوهمه أنّ ذلك من علوم المكاشفات والحقائق٢، وغايته وجود مطلق، هو في الأذهان، لا في الأعيان٣.
الغزالي جعل السلوك إلى الله ثلاثة منازل
ولهذا جعل أبو حامد السلوك إلى الله ثلاثة منازل، بمنزلة السلوك٤
_________________
(١) ١ في «خ»: هي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ يقول الغزالي عن هذه المكاشفات والحقائق التي تحصل له: "وهذه هي العلوم التي لا تسطّر في الكتب، ولا يتحدّث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه، على سبيل المذاكرة، وبطريق الإسرار، وهذا هو العلم الخفي". إحياء علوم الدين ١٢٠-٢١. وانظر: المنقذ من الضلال ص ٥١. ويقول أيضًا في «كيمياء السعادة» - ضمن الجواهر الغوالي ص ١٥-١٦: "إنّ صاحب الرياضة قد يسمع كلام الله، كما سمعه موسى بن عمران ﵇". وانظر: العواصم من القواصم ص ٢٢-٢٣. والرد على المنطقيّين ص٥٠٩-٥١٠. والصفدية ١٢٣٠. ودرء تعارض العقل والنقل ١٠٢٨١-٢٨٢. وسير أعلام النبلاء ١٩٣٣٣-٣٣٤. وجامع الرسائل ١١٦٣-١٦٤. ٣ وأوضح شيخ الإسلام ﵀ مرادهم من الوجود المطلق: "أنّ الحق هو الوجود المطلق، والفرق بينه وبين الخلق من جهة التعيين، فإذا عُيِّن كان خلقًا، وإذا أُطلق الوجود كان هو الحقّ". بغية المرتاد ص ٤١٠. وقال أيضًا - ﵀: "ومنتهاهم أن يُثبتوا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له إلا في الذهن، لا في الخارج. وهذا منتهى هؤلاء المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المتصوّفة أهل الوحدة والحلول والاتحاد، ومن ضاهاهم من أصناف أهل الإلحاد". درء تعارض العقل والنقل١٠٢٨٢. وانظر: المصدر نفسه ١٢٩٠، ٣١٨، ٦٢٤٢. والرد على المنطقيّين ص ٣٠٩، ٥٢٢. وشرح حديث النزول ص ٩٧. ٤ في «خ»: تكرار: (ثلاثة منازل بمنزلة السلوك) . إلا أنّ الذي قابل النسخة تنبّه لهذا التكرار، فوضع (من) في أوله، و(إلى) في آخره؛ علامة على الحذف. والله أعلم.
[ ١ / ٣٨٤ ]
إلى مكة؛ فإنّ السالك إليها له ثلاثة أصناف من الشغل:
الأول: تهيئة الأسباب؛ كشراء الزاد، والراحلة، وخرز الراوية١.
والآخر: السلوك، ومفارقة الوطن، بالتوجّه إلى الكعبة، منزلًا بعد منزل.
والثالث: الاشتغال بأركان الحجّ، ركنًا بعد ركن، ثمّ بعد النزوع٢ عن لبسة الإحرام، وطواف الوداع، استحقّ التعرّض للملك، والسلطنة. قال: فالعلوم ثلاثة٣: قسمٌ يجري مجرى سلوك البوادي، وقطع العقبات؛ وهو تطهير الباطن عن كدورات الصفات، وطلوع تلك [العقبة] ٤ الشامخة التي عجز عنها الأوّلون والآخرون، إلا الموفّقون.
قال٥: فهذا سلوك للطريق، وتحصيل علمه٦؛ كتحصيل علم جهات الطريق، ومنازله. وكما لا يغني علم المنازل وطريق البوادي دون سلوكها، فكذا لا يغني علم تهذيب الأخلاق دون مباشرة التهذيب. لكن المباشرة دون العلم، غير ممكن.
قال: وقسم ثالث يجري مجرى نفس الحج وأركانه؛ وهو العلم بالله، وصفاته، وملائكته، وأفعاله، وجميع ما ذكرناه في تراجم علم المكاشفة.
_________________
(١) ١ خرز الرواية خياطة الأدم. لسان العرب ٥٣٤٤، والمصباح المنير ص ١٦٦ والمقصود خياطة القربة للماء. ٢ في إحياء علوم الدين: ثمّ بعد الفراغ والنزوع. ٣ ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالىهنا القسمين الثاني والثالث من العلوم التي ذكرها الغزالي في الإحياء، وترك الأول منها؛ وهو: "قسم يجري مجرى إعداد الزاد والراحلة، وشراء الناقة؛ وهو علم الطب، والفقه، وما يتعلّق بمصالح البدن في الدنيا". إحياء علوم الدين ١٥٤. ٤ في «خ»: العاقبة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ أي أبو حامد الغزالي. ٦ أي علم الطريق.
[ ١ / ٣٨٥ ]
قال: وها هنا نجاة وفوز بالسعادة. والنجاة حاصلة لكلّ سالك للطريق، إذا كان غرضه المقصد؛ وهو السلامة. وأمّا الفوز بالسعادة: فلا ينالها إلا العارِفون؛ فهم المقرّبون المنعّمون في جوار الله بالروح، والريحان، وجنّة نعيم١.
وأما الممنوعون دون ذروة الكمال، فلهم النجاة والسلامة؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّاْ إِنْ كَاْنَ مِنَ الْمُقَرَّبِيْن فَرَوْحٌ وَرَيْحَاْنٌ وَجَنَّةُ نَعِيْمٍ وَأَمَّاْ إِنْ كَاْنَ مِنْ أَصْحَاْبِ الْيَمِيْنِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَاْبِ الْيَمِيْن﴾ ٢.
وقال: وكل من لم يتوجّه إلى المقصد، أو انتهض إلى جهته لا على قصد الامتثال بالأمر والعبوديّة، بل لغرض عاجل، فهو من أصحاب الشمال، ومن الضالّين؛ فله نزلٌ من حميم وتصلية جحيم.
قال: واعلم أنّ هذا هو الحق اليقين عند العلماء الراسخين في العلم؛ أعني أنّهم أدركوه بمشاهدة من الباطن. ومشاهدة الباطن أقوى وأجلّ من مشاهدة الأبصار٣، وترقّوا فيه عن حدّ التقليد إلى الاستبصار٤.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: وجنّةٍ، ونعيم - بزيادة الواو. ٢ سورة الواقعة، الآيات ٨٨-٩١. ٣ والغزالي يمتدح الصوفية بأنها أفضل الطرق الموصلة للمكاشفات، فيقول: "ومن أول الطريقة تبتدي المكاشفات والمشاهدات، حتى إنّهم في يقظتهم يُشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتًا، ويقتبسون منهم فوائد. ثمّ يترقّى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبّر أن يُعبّر عنها، إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز منه". المنقذ من الضلال ص ٥٠. ٤ إحياء علوم الدين للغزالي ١٥٤-٥٥، مع اختلاف يسير جدًا في بعض الكلمات.
[ ١ / ٣٨٦ ]
تعليق شيخ الإسلام على كلام الغزالي
قلت: وكلامه من هذا الجنس كثير، ومن لم يعرف حقيقة مقصده [يهوله] ١ مثل هذا الكلام؛ لأنّ صاحبه يتكلّم بخبرة ومعرفة بما يقوله، لا بمجرد تقليدٍ لغيره. لكنّ الشأن فيما خبره، هل هو حقّ مطابق. ومن سلك مسلك المتكلمين؛ الجهميّة، والفلاسفة، ولم يكن عنده خبرة بحقائق ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، بل ولا بحقائق الأمور عقلًا وكشفًا، فإنّ هذا الكلام غايته.
[و] ٢ أمّا من عرف حقيقة ما جاءت به الرسل، أو عرف مع ذلك بالبراهين العقليّة والمكاشفات الشهوديّة صدقَهم فيما أخبروا؛ فإنّه يعلم غاية مثل هذا [الكلام] ٣، وأنّه إنّما ينتهي إلى التعطيل٤.
ولهذا ذاكرني مرة شيخ جليل له معرفة، وسلوك، وعلم في هذا، فقال: كلام أبي حامد يشوقك، فتسير خلفه، منزلًا بعد منزل، فإذا هو ينتهي إلى لا شيء٥.
_________________
(١) ١ في «ط»: فهو له. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٣ في «ط»: كالكلام. ٤ قال شيخ الإسلام ﵀ عن الغزالي، وما تؤول إليه حاله: (وما يُشير إليه أحيانًا في الإحياء وغيره، فإنّه كثيرًا ما يقع في كلامه ما هو مأخوذ من كلام الفلاسفة، ويخلطه بكلام الصوفيّة، أو عباراتهم، فيقع فيه كثيرٌ من المتصوّفة الذين لا يُميّزون بين حقيقة دين الإسلام، وبين ما يخالفه من الفلسفة الفاسدة وغيرها، لا سيّما إذا بُني على ذلك، واتُّبِعت لوازمه، فإنّه يُفضي إلى قول ابن سبعين وابن عربي صاحب الفصوص وأمثالهما، ممّن يقول بمثل هذا الكلام، وحقيقة مذهبهم يؤول إلى التعطيل المحض، وأنّه ليس للعالَم ربّ مباين له، بل الخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق) . جامع الرسائل ١١٦٤. ٥ لم أعرف هذا الرجل الذي شافه شيخ الإسلام بشأن حال الغزالي. وللإمام الطرطوشي عبارة في حال الغزالي، مثل ما ذكر هذا الرجل. انظر: سير أعلام النبلاء ١٩٣٣٩، ٤٩٤.
[ ١ / ٣٨٧ ]
وهذا الذي جعله هنا الغايةَ، وهو: معرفة الله، وصفاته، وأفعاله، وملائكته، قد ذكره في «المضنون به على غير أهله» ١، وهو فلسفة محضة. قولُ المشركين من العرب خيرٌ منه، دع قول اليهود والنصارى. بل قوم نوح، وهود، وصالح، ونحوهم كانوا يُقرّون بالله، وبملائكته، وصفاته، وأفعاله، خيرًا من هؤلاء. [لكن] ٢ لم يُقرّوا بعبادته وحده لا شريك له، ولا بأنّه أرسل رسولًا من البشر.
حقيقة قول الفلاسفة في أصول الدين
[وهذا حقيقة قول] ٣ هؤلاء؛ فإنّهم لا يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ولا يُثبتون حقيقة الرسالة، بل النّبوّة عندهم فيضٌ من جنس المنامات٤.
وأولئك الكفّار ما كانوا يُنازعون في هذا الجنس؛ فإنّ هذا الجنس موجود لجميع بني آدم، ومع هذا فقد أخبر الله تعالى عنهم أنّهم كانوا يُقرّون بالملائكة؛ كما قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوْا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاْعِقَةً مِثْلَ صَاْعِقَةِ عَاْدٍ وَثَمُوْدَ
_________________
(١) ١ المضنون به على غير أهله - ضمن القصور العوالي - ٢١٢٦-١٥٣. ٢ في «خ»: ثمّ من. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٤ انظر: المضنون به على غير أهله - ضمن القصور العوالي - ٢١٤٣، ١٤٩-١٥٠. وانظر: معارج القدس في مدارج معرفة النفس ص ١٥١؛ حيث سلك فيه طريقة الفلاسفة في النبوة، وأنّها ثلاث: قوة التخييل، وقوة العقل، وقوة النفس. ولاحظ كتاب الصفدية لشيخ الإسلام ١٢٣٠، وفيه ينقل عن الغزالي: (أنّه قد يسمع نفس الخطاب الذي سمعه موسى) . وانظر: سير أعلام النبلاء ١٩٣٣٣-٣٣٤.
[ ١ / ٣٨٨ ]
إِذْ جَاْءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيْهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوْا إِلاَّ اللهَ قَاْلُوا لَوْ شَاْءَ رَبُّنَاْ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ ١. وقال [قوم] ٢ نوح: ﴿مَاْ هَذَاْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيْدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاْءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَاْ سَمِعْنَاْ بِهَذَاْ فِيْ آبَاْئِنَاْ الأَوَّلِيْنَ﴾ ٣. بل فرعون قال لموسى: ﴿أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ مِنْ هَذَاْ [الَّذِيْ] ٤ هُوَ مَهِيْنٌ وَلا يَكَاْدُ يُبِيْنُ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاْءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِيْنَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاْعُوْهُ إِنَّهُمْ كَاْنُوْا قَوْمًَا فَاْسِقِيْنَ﴾ ٥.
والعبادات كلّها عندهم مقصودها تهذيب الأخلاق. والشريعة سياسة مدنيّة. والعلم الذي يدّعون الوصول إليه لا حقيقة لمعلومه في الخارج٦.
والله أرسل رسوله بالإسلام والإيمان بعبادة الله وحده، وتصديق الرّسول فيما أخبر؛ فالأعمال عبادة الله، والعلوم تصديق الرّسول. وكان النّبيّ ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر تارةً بسورتي الإخلاص٧، وتارةً: ﴿قُوْلُوْا
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية ١٣-١٤. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ سورة المؤمنون، الآية ٢٤. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٥ سورة الزخرف، الآيات ٥٢-٥٥. ٦ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنّ الموجودات العقلية التي يُثبتها هؤلاء من واجب الوجود؛ كالعقول العشرة التي هي عند التحقيق لا توجد إلا في الأذهان، لا في الأعيان. والواحد المجرّد الذي يقولون إنه صدر عنه العالم، لا يوجد إلا في الأذهان، لا في الأعيان. والوجود المطلق الذي يقولون إنه الوجود الواجب إنّما يُوجد في الأذهان لا في الأعيان". كتاب الصفدية ١٢٤٣. وانظر: مناظرات شيخ الإسلام لعلمائهم، وفضحه لأصولهم ومعتقداتهم، وبيانه - ﵀ - أنّ آخر أمرهم ينتهي إلى الوجود المطلق، وهو في الأذهان لا في الأعيان: في كتاب الصفدية ١٢٩٦، ٣٠٢، ٣٠٣. ٧ من حديث أبي هريرة ﵁: "أنّ النبيّ ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَاْ أَيُّهَاْ الْكَاْفِرُوْنَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ . أخرجه البخاري في كتاب التهجّد ٢٧٢، باب ما يُقرأ في ركعتي الفجر. ومسلم ١٥٠٢، كتاب صلاة المسافرين، باب في استحباب ركعتي سنة الفجر. وأخرج الترمذي في جامعه ٣٦٠٧، كتاب الحج، باب ما يُقرأ في ركعتي الطواف، من حديث جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنّ رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَاْ أَيُّهَاْ الْكَاْفِرُوْنَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وانظر: التدمرية ص ٥. وكتاب الصفدية ٢٣١٢. وسمّيتا سورتي الإخلاص؛ لأنّ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وصف الله سبحانه بالوحدانيّة، والصمديّة، ونفي الكُفُؤ عنه، والمِثل؛ فاسمه الأحد دلّ على أنّه مستحق لجميع صفات الكمال وحده. وسورة ﴿قُلْ يَاْ أَيُّهَاْ الْكَاْفِرُوْنَ﴾، فيها إيجاب عبادة الله وحده لا شريك له، والتبري من عبادة كلّ ما سواه. وأمّا من حيث الدلالة: ف ﴿قُلْ يَاْ أَيُّهَاْ الْكَاْفِرُوْنَ﴾: متضمّنة للتوحيد العمليّ الإراديّ؛ وهو إخلاص الدين لله بالقصد والإرادة. وأمّا سورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾: فمتضمّنة للتوحيد القولي العلميّ؛ كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنّ رجلًا كان يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ في صلاته، فقال النبي ﷺ: سلوه لم يفعل ذلك؟ فقال: لأنّها صفة الرحمن، فأنا أُحبّ أن أقرأ بها. فقال: "أخبروه أنّ الله يُحبّه". انظر: التحفة المهدية ص ٢٨.
[ ١ / ٣٨٩ ]
آمَنَّاْ بِاللهِ وَمَاْ أُنْزِلَ إِلَيْنَاْ﴾ ١ الآية؛ فإنّها تتضمّن الإيمان، والإسلام. وبالآية من آل عمران: ﴿قُلْ يَاْ أَهْلَ الْكِتَاْبِ تَعَاْلَوْا إِلَىْ كَلِمَةٍ سَوَاْءٍ بَيْنَنَاْ وَبَيْنَكُمْ﴾ ٢٣.
فلاسفة الصوفية الذين تأثروا بكلام الغزالي
[والذين] ٤ سلكوا خلف أبي حامد، أو ضاهوه في السلوك؛ كابن سبعين، وابن عربي، صرّحوا بحقيقة ما وصلوا إليه، وهو أنّ الوجود
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٣٦. ٢ سورة آل عمران، الآية ٦٤. ٣ قراءة الرسول ﷺ هذه أخرجها مسلم في صحيحه ١٥٠٤، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنة الفجر. ٤ في «ط»: والذي. وما أثبت من «خ»، و«م» .
[ ١ / ٣٩٠ ]
واحد١، وعلموا أنّ أبا حامد لا يُوافقهم على هذا، فاستضعفوه، و[نسبوه] ٢ إلى أنّه مقيّد بالشرع والعقل٣.
وأبو حامد بين علماء المسلمين، وبين علماء الفلاسفة. علماء المسلمين يذمّونه على ما شارك فيه الفلاسفة ممّا يُخالف دين الإسلام. والفلاسفة يعيبونه على ما بقي معه من الإسلام، وعلى كونه لم ينسلخ [منه] ٤ بالكليّة إلى قول الفلاسفة.
ذم ابن رشد للغزالي
ولهذا كان الحفيد ابن رشد٥ يُنشد فيه:
يومًا يمان إذا ما جئتَ ذا يمنٍ وإن لقيتَ معديًّا فعدناني٦
_________________
(١) ١ وشيخ الإسلام ﵀ يرى أنّ ابن عربيّ، وابن سبعين؛ من أئمة ملاحدة الصوفيّة تأثّروا بكلام الغزالي، وبنوا أفكارهم على أصله الفاسد. انظر: من كتبه: كتاب الصفدية ١٢٣٠-٢٤٤. وجامع الرسائل ١١٦٣-١٦٤. ودرء تعارض العقل والنقل ٦٢٤١، ١٠٢٨٣. ٢ في «خ»: نسبه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر: ذمّ ابن سبعين للغزالي في: بد المعارف لابن سبعين ص ١٤٤. وكذا انظر: ذمّ ابن طفيل له - وهو من الفلاسفة - في فلسفة ابن طفيل، ورسالته «حي ابن يقظان» دراسة عبد الحليم محمود ص ٧٩، نقلًا عن تعليق محقق بغية المرتاد ص١١٠. ٤ في «ط»: عنه. ٥ وابن رشد معدود من الفلاسفة. وقد قال يذمّ الغزالي: (إنّه لم يلزم مذهبًا من المذاهب في كتبه، بل هو مع الأشاعرة أشعريّ، ومع الصوفية صوفي، ومع الفلاسفة فيلسوف، حتى أنّه كما قيل: يومًا يمان إذا لاقيتَ ذا يمنٍ وإن لقيتَ معديًّا فعدنانيّ) فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ص ٣٠. ٦ من شعر عمران بن حطان الخارجي. انظر: الكامل للمبرد ٢١٧٠. والأغاني للأصفهاني ١٨١١٢. وانظر: منهاج السنة النبوية ١٣٥٧. ودرء تعارض العقل والنقل ١٠٢٨٣.
[ ١ / ٣٩١ ]
ذم القشيري للغزالي
وأبو نصر القشيريّ١، وغيره [ذمّوه] ٢ على الفلسفة، وأنشدوا فيه [أبياتًا] ٣ معروفة، يقولون فيها:
برئنا إلى الله من معشر
بهم مرضٌ من كتاب الشفا٤
وكم قلت يا قوم أنتم على
شفا حفرة ما لها من شَفا
فلما استهانوا بتعريفنا
رجعنا إلى الله حتى كفا
فماتوا على دين [رسطالس] ٥
وعشنا على سنة المصطفى٦ ذم العلماء له
ولهذا كانوا يقولون: أبو حامد قد أمرضه الشفاء٧.
_________________
(١) ١ هو أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري. قال عنه الذهبي: "النحويّ المتكلّم، وهو الولد الرابع من أولاد الشيخ - أبو القاسم القشيريّ". دخل بغداد، فوعظ بها، فوقع بسببه فتنة بين الحنابلة والشافعيّة، وأُخرج من بغداد لاطفاء الفتنة، فعاد إلى بلده. توفي سنة ٥١٤؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٩٤٢٤. والبداية والنهاية ١٢٢٠٠. وطبقات الشافعيّة ٧١٥٩. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق من «خ» بين السطرين. ٣ في «خ»: أبيات. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ» ضبطها هكذا: الشِّفَا. وكتب في الحاشية: أي الشفا لابن سينا. ٥ نسب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه الأبيات إلى أبي نصر القشيري في مواضع أخرى من كتبه. انظر: مجموع الفتاوى ٩٢٥٣. والرد على المنطقيين ص ٥٠١-٥١١. ٦ في «م» و«ط»: برسطالس. ويقصد به أرسطوطاليس، أحد الفلاسفة اليونان القدماء. انظر: ترجمته ص ٢٢٧. ٧ قال شيخ الإسلام ﵀ - في موضع آخر: "وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه، وقالوا: مرّضه الشفاء؛ يعني شفاء ابن سينا في الفلسفة". مجموع الفتاوى ١٠٥٥١. وقال شيخ الإسلام ﵀: "ومادّة أبي حامد في الفلسفة من كلام ابن سينا، ولهذا يُقال: أبو حامد أمرضه الشفاء، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا، ورسائل أبي حيّان التوحيديّ، ونحو ذلك". بغية المرتاد ص ٤٤٩. وانظر: أيضًا: مجموع الفتاوى ٦٥٥. والرد على المنطقيّين ص ٥١١.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وكذلك الطرطوشي١، والمازري٢، وابن عقيل٣، وأبو البيان٤،
_________________
(١) ١ هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي. قال عنه الذهبي: الإمام العلامة القدوة الزاهد شيخ المالكية عالم الاسكندرية. وطرطوشة هي آخر حدّ المسلمين من شمالي الأندلس. ولد فيها سنة ٤٥١؟ ورحل إلى المشرق، وأخذ عن العلماء، وحجّ، وسكن الاسكندرية، وتخرج على يديه نحو من مائتي فقيه مفت. توفي سنة ٥٢٠؟. ومن كتبه كتاب كبير عارض به إحياء علوم الدين للغزالي، وكتاب الحوادث والبدع، وسراج الملوك، وغيرها. انظر: سير أعلام النبلاء ١٩٤٩٠. والأعلام ٧١٣٣، ١٣٤. وشذرات الذهب ٤٦٠٢. وانظر: كلامه عن الغزالي في: سير أعلام النبلاء ١٩٣٣٤، ٣٣٩، ٤٩٤، ٤٩٥. وطبقات الشافعيّة للسبكي ٦٢٤٣. ٢ هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري، محدث من فقهاء المالكية. قال عنه الذهبي: "وكان بصيرًا بعلم الحديث. وقال عنه القاضي عياض: هو آخر المتكلمين، من شيوخ أفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر". ولد سنة ٤٥٣ هـ، وتوفي سنة ٥٣٦هـ. من مؤلفاته: الكشف والإنباء في الرد على الإحياء، والمعلم بفوائد مسلم. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠١٠٤. وشذرات الذهب ٤١١٤. والأعلام للزركلي ٦٢٧٧. وانظر: كلامه على الغزالي في سير أعلام النبلاء ١٩٣٣٠-٣٣٢، ٣٤٠-٣٤٢. وطبقات الشافعية للسبكي ٦٢٤٠-٢٤٢. ٣ ترجمة ابن عقيل سبقت. ٤ هو نبأ بن محمد بن محفوظ القرشي، أبو البيان الدمشقي الشافعي. قال عنه الذهبي: "اللغوي الأثري الزاهد، شيخ البيانيّة، وصاحب الأذكار المسجوعة وكان حسن الطريقة، صيِّنًا، ديِّنًا، تقيًا، محبًّا للسنة والعلم والأدب، له أتباع ومحبّون". توفي سنة ٥٥١؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠٣٢٦، ٣٢٧. وطبقات الشافعيّة للسبكي ٧٣١٨-٣٢٠. والبداية والنهاية ١٢٢٣٥. وشذرات الذهب ٤١٦٠.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وابن حمدين١، ورفيق أبي حامد؛ أبو نصر المرغيناني٢، وأمثال
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن عبد العزيز بن حمدين الأندلسي المالكي، قاضي الجماعة. قال الذهبي عنه: "صاحب فنون ومعارف وتصانيف. ولي القضاء ليوسف بن تاشفين في قرطبة. توفي سنة ٥٠٨؟، وكان ذكيًا بارعًا في العلم، متفننًا، أصوليًا، لغويًا، شاعرًا، حميد الأحكام وكان يحطّ على الإمام أبي حامد في طريقة التصوف، وألّف في الردّ عليه". سير أعلام النبلاء ١٩٤٢٢. وانظر: نفح الطيب ٣٥٣٧. وقد أفتى قاضي الجماعة ابن حمدين مع بعض العلماء في إتلاف كتاب «إحياء علوم الدين»، ورفعوا أمرهم إلى أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، فأصدر أمره إلى جميع الأقاليم بمصادرة الكتاب وإحراقه. وأحرق بحضور جماعة من أعيان قرطبة وعلمائها، يتقدمهم قاضي الجماعة ابن حمدين. وكان ذلك سنة ٥٠٣؟. انظر: الحلل الموشية في ذكر أخبار المراكشية ص ١٠٤. وسير أعلام النبلاء ١٩٣٢٧ - في ترجمة القاضي عياض - وكذلك عصر المرابطين والموحدين لمحمد عبد الله عنان ص ٧٩. ٢ وهو أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني. من أكابر فقهاء الحنفية. كان حافظًا مفسّرًا محققًا أديبًا. من مؤلفاته: الهداية في شرح البداية، ومنتقى الفروع. ولد سنة ٥٣٠؟، وتوفي سنة ٥٩٣؟. انظر: الأعلام ٤٢٦٦. وقد كنّاه شيخ الإسلام هنا أبو نصر. والصحيح أبو الحسن؛ كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀ في بعض مؤلفاته. انظر: بغية المرتاد ص ٢٨١. ودرء تعارض العقل والنقل ٦٢٣٩. وكتاب الصفدية ١٢١٠. ومجموع الفتاوى ٤٦٦. والأعلام ٤٢٦٦.
[ ١ / ٣٩٤ ]
هؤلاء١ لهم كلامٌ كثيرٌ في ذمّه على ما دخل فيه من الفلسفة. ولعلماء الأندلس في ذلك مجموع كبير.
مراتب الناس عند ابن سبعين
ولهذا لما سلك خلفه ابن عربي٢، وابن سبعين٣، كان ابن سبعين في كتاب [«البد»] ٤ وغيره، يجعل الغاية هو المقرّب؛ وهو نظير المقرّب
_________________
(١) ١ وممن ذمّ الغزالي من غير هؤلاء، وذكرهم شيخ الإسلام ﵀ في كتبه الأخرى: أبو بكر بن العربي، وأبو عبد الله الذكي، ومحمود الخوارزمي، ويوسف الدمشقي، وأبو الفرج بن الجوزي، وأبو محمد المقدسي، وأبو عمرو بن الصلاح، وأولاد القشيري، وغيرهم من الشافعيّة. وأبو الحسن بن شكر، وأبو زكريا النووي. كما تكلم فيه الكردري وغيره من أصحاب أبي حنيفة. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٦٢٣٩، ٢٤٠. وبغية المرتاد ص ٢٨٠-٢٨١. وكتاب الصفدية ٢١٠-٢١١. ومجموع الفتاوى ٤٦٦. ونقض المنطق ص٥٦. وكذلك القاضي عياض، نقل كلامه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٩٣٢٧. وذكر الزبيدي في اتحاف السادة المتقين ١٤٠، الذين أنكروا على الغزالي، أنّهم: "طوائف شتى؛ ما بين مغاربة، ومشارقة، ومالكية، وشافعية، وحنابلة ". ٢ هو أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي. من أئمة فلاسفة الصوفية أهل الزندقة والإلحاد. قال عنه الذهبي: قدوة القائلين بوحدة الوجود. ولد بالأندلس عام ٥٦٠، وتوفي بدمشق عام ٦٣٨؟. انظر: البداية والنهاية ١٣١٦٧. وشذرات الذهب ٥١٩٠. والأعلام ٦٢٨١. ٣ هو عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن سبعين. يُعدّ من فلاسفة الصوفية ومن القائلين بوحدة الوجود. ولد سنة ٦١٣، ومات سنة ٦٦٨ بمكة. انظر: البداية والنهاية ١٣٢٧٥. وشذرات الذهب ٥٣٢٩. والأعلام ٣٢٨٠. وانظر: مقدمة تحقيق بغية المرتاد ص ١٣٥-١٤٤. ٤ في «م»، و«ط»: اليد. وكتاب «البد» هو: «بد العارف» لابن سبعين، وهو مطبوع. (نقلًا عن شرح الأصفهانية ٢٥٤٨) .
[ ١ / ٣٩٥ ]
في كلام أبي حامد، ويجعل المراتب خمسة: أدناها الفقيه، ثمّ المتكلّم، ثمّ الفيلسوف، ثمّ الصوفيّ الفيلسوف؛ وهو السالك، ثمّ المحقّق١.
عقائد ابن عربي
وابن عربي له أربع عقائد٢: الأولى: عقيدة أبي المعالي وأتباعه مجرّدة عن حُجّة. والثانية: تلك العقيدة مبرهنة بحججها الكلاميّة. والثالثة: عقيدة الفلاسفة؛ ابن سينا وأمثاله الذين يُفرّقون بين الواجب والممكن. والرابعة: التحقيق الذي وصل إليه؛ وهو [أنّ] ٣ الوجود واحدٌ٤. وهؤلاء يسلكون مسلك الفلاسفة الذي ذكره أبو حامد في ميزان
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀: "وهم يُرتّبون الناس طبقات؛ أدناهم عندهم الفقيه، ثمّ المتكلّم، ثمّ الفيلسوف، ثمّ الصوفيّ؛ أي صوفيّ الفلاسفة، ثمّ المحقّق. ويجعلون ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة في الثانية، وأبا حامد وأمثاله من الصوفيّة من العشرة، ويجعلون المحقّق هو الواحد". الردّ على المنطقيّين ص ٥٢٢. وانظر: كتاب الصفدية ١٢٦٨. وشرح الأصفهانية ٢٥٤٧-٥٤٨. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلامًا طويلًا - في موضع آخر - بيَّن فيه معنى المحقّق؛ فقال: "لهذا كان هؤلاء؛ كابن سبعين ونحوه يعكسون دين الإسلام؛ فيجعلون أفضل الخلق: المحقّق عندهم؛ وهو القائل بالوحدة. وإذا وصل إلى هذا فلا يضرّه عندهم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، بل كان ابن سبعين، وابن هود، والتلمساني، وغيرهم يُسوّغون للرجل أن يتمسّك باليهوديّة والنصرانيّة؛ كما يتمسّك بالإسلام، ويجعلون هذه طرقًا إلى الله بمنزلة مذاهب المسلمين، ويقولون لمن يختصّ بهم من النصارى واليهود إذا عرفتم التحقيق لم يضرّكم بقاؤكم على ملّتكم، بل يقولون مثل هذا للمشركين عُبّاد الأوثان) . كتاب الصفدية ١٢٦٨-٢٦٩. ٢ قال ابن عربي في الفتوحات المكية: عقد البرية في الإله عقائدًا وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه نقلًا عن الفكر الصوفي ص ١٠٢. ٣ ما بين المعقوفتين ليست في «خ»، وهي في «م»، و«ط» . ٤ انظر: الفتوحات المكية ١٣١-٣٢، ٣٨. وقال شيخ الإسلام ﵀: "لهذا ذكر ابن عربي في الفتوحات له أربع عقائد؛ الأولى: عقيدة أبي المعالي وأمثاله مجرّدة عن الحجة. ثمّ هذه العقيدة بحجتها. ثمّ عقيدة الفلاسفة. ثمّ عقيدة المحققين؛ وذلك أنّ الفيلسوف يُفرّق بين الوجود والممكن والواجب. وهؤلاء يقولون: الوجود واحد. والصوفي الذي يُعظّمه هؤلاء هو الصوفي الذي عظّمه ابن سينا، وبعده المحقق" الرد على المنطقيين ص ٥٢٢. وانظر: بغية المرتاد ص ٤٤٦. وقال ﵀ أيضًا: "لهذا ذكر ابن عربي في أول الفتوحات ثلاث عقائد؛ عقيدة مختصرة من إرشاد أبي المعالي بحججها الكلامية. ثمّ عقيدة فلسفيّة؛ كأنّها مأخوذة من ابن سينا وأمثاله. ثمّ أشار إلى اعتقاده الباطن الذي أفصح به في فصوص الحكم؛ وهو وحدة الوجود، فقال: وأمّا عقيدة خلاص الخاصّ فتأتي مفرقة في الكتاب" كتاب الصفدية ١٢٦٧.
[ ١ / ٣٩٦ ]
العمل؛ وهو: أنّ الفاضل له ثلاث عقائد: عقيدة مع العوامّ يعيش بها في الدنيا؛ كالفقه مثلًا. وعقيدة مع الطلبة يدرّسها لهم؛ كالكلام. والثالثة: [سرٌ] ١ لا يطّلع عليه أحدٌ إلا الخواصّ٢.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٢ انظر: ميزان العمل ص ٤٠٥-٤٠٨. بتحقيق سليمان دنيا. ولخّص د محمد رشاد سالم في تعليقه على كتاب الصفدية ١٢٦٨ كلام ابن عربي الذي ذكر فيه أنّ له ثلاث عقائد؛ فقال: "كر ابن عربي العقيدة الأولى في ج ١ ص ٣٤ من كتاب الفتوحات المكية، وذكر في آخرها ص ٣٨: "هذه عقيدة العوام من أهل الإسلام أهل التقليد وأهل النظر ملخّصة مختصرة" ثمّ قال بعد ذلك مباشرة: "م أتلوها إن شاء الله بعقيدة الناشئة الشادية ثمّ أتلوها بعقيدة خواصّ أهل الله من أهل طريق الله؛ من المحققين أهل الكشف والوجود. وجردتها أيضًا في جزء آخر سمّيته المعرفة، وبه انتهت مقدمة الكتاب. وأما التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض، لكن جئتُ بها مبدّدة في أبواب هذا الكتاب مستوفاة مبيّنة، لكنّها كما ذكرنا متفرّقة إلخ. وتنتهي مقدمة الكتاب ص ٤٧" والطبعة التي أشار إليها دمحمد رشاد سالم هي طبعة دار الكتب العربية الكبرى، القاهرة، ١٣٢٩؟.
[ ١ / ٣٩٧ ]
المضنون به على غير أهله فلسفة محضة
ولهذا صنّف الكتب المضنون بها على غير أهلها، وهي فلسفة محضة، سلك فيها مسلك ابن سينا١. ولهذا يجعل اللوح المحفوظ هو النّفس الفلكيّة٢ إلى أمور أخرى قد بُسطت في غير هذا الموضع، ذكرنا ألفاظه بعينها في مواضع؛ منها: الردّ على ابن سبعين وأهل الوحدة، وغير ذلك٣؛ فإنّه لمّا انتشر الكلام في مذهب أهل الوحدة، وكنتُ لمّا دخلتُ إلى مصر بسببهم، ثمّ صرتُ في الإسكندرية، جاءني من فضلائهم من يعرف حقيقة أمرهم٤، وقال: إن كنتَ تشرح لنا كلام هؤلاء، وتُبيِّن مقصودهم، ثمّ تُبطله، وإلا فنحن لا نقبل منك كما لا نقبل من غيرك؛
سبب تأليف بغية المرتاد السبعينية
فإنّ هؤلاء لا يفهمون كلامهم. فقلتُ: نعم! أنا أشرح لك ما شئتَ من كلامهم؛
_________________
(١) ١ قال د محمد رشاد سالم بعد ذكر عقائد الغزالي الثلاث: "هذا هو السبب الذي جعل الغزالي يكتب كتبًا للعامّة، وكتبًا أخرى للخواصّ، سمّاها أحيانًا بالكتب المضنون بها على غير أهلها. وقد اختلف الباحثون في تعيين هذه الكتب الخاصّة (أو المضنون بها على غير أهلها)، ولكنّهم اتفقوا على أنّه ألّف كتبًا من هذا النوع أودعها أفكارًا لم يتمكّن من التصريح بها لعامّ الناس إشفاقا عليهم من الضلال. ولعلّ هذا التصريح في عناوين كتبه ورسائله مثل الاقتصاد في الاعتقاد، وإلجام العوام عن علم الكلام، والمضنون به على غير أهله" مقارنة بين الغزالي وابن تيمية ص ١٦-١٧. وانظر: الجواب الصحيح ٥٣٩. وشرح الأصفهانية ٢٥٤٧. ٢ انظر: المضنون الصغير - ضمن القصور العوالي ٢١٨٣-١٨٤. ومشارق الأنوار ص ١٩٨. ٣ انظر: بغية المرتاد (وهو الرد على ابن سبعين) ص ١٩٤، ١٩٨، ٢٢٨، ٣٢٦، ٣٢٧. والرد على المنطقيين ص ٤٧٤، ٤٨٠. ومجموع الفتاوى ١٢٤٤-٢٤٥، ١٠٤٠٢-٤٠٣. ٤ ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه القصة في كتابه الصفدية ١٣٠٢. وفي الرد على المنطقيين ص ٣.
[ ١ / ٣٩٨ ]
مثل كتاب [البُد] ١، والإحاطة٢ لابن سبعين، وغير ذلك. فقال لي: لا، ولكن «لوح الأصالة» ٣؛ فإنّ هذا يعرفون، وهو في رؤوسهم. فقلتُ له: هاته. فلمّا أحضره شرحتُه له شرحًا بيِّنًا، حتى تبيَّن له حقيقة الأمر، وأنّ هؤلاء ينتهي أمرهم إلى الوجود المطلق، فقال: هذا حقّ. وذَكَرَ لي أنّه تناظر اثنان؛ متفلسف سبعينيّ، ومتكلّم على مذهب ابن التومرت٤، فقال
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: اليد. وكتاب «البد» هو: بد العارف لابن سبعين، وقد طُبع بتحقيق د. جورج. ونشر في دار الأندلس ودار الكندي سنة ١٩٧٨ م. انظر: بغية المرتاد ص ٤٨، ح ١. ٢ الإحاطة: إحدى رسائل ابن سبعين، وقد طُبعت ضمن رسائل ابن سبعين، تحقيق د عبد الرحمن بدوي، دار الطباعة الحديثة بمصر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لهذا أمر ابن سبعين أن يُنقش على قبره صاحب نقش فص خاتم الإحاطة. والإحاطة عندهم: هي الوجود المطلق المجرّد الذي لا يتقيّد بقيد، وهو الكلّي الذي لا يتقيّد بإيجاب ولا إمكان" كتاب الصفدية ١٢٨٥. ٣ اسمها: رسالة الألواح؛ وهي ضمن رسائل ابن سبعين. تحقيق د عبد الرحمن بدوي ص ١٩٠-٢٠٠. وهي التي ردّ عليها شيخ الإسلام ﵀ في كتابه بغية المرتاد. ٤ هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت البربري المصمودي الهرغي الخارجي بالمغرب، المدّعي أنّه علويّ حسنيّ، وأنّه الإمام المعصوم المهدي. مؤسس دولة الموحدين التي قامت على أنقاض دولة المرابطين. توفي سنة ٥٢٤ هـ. قال عنه الذهبي: "افق المعتزلة في شيء، والأشعرية في شيء، وكان فيه تشيّع وسمّى أصحابه بالموحدين، ومن خالفه بالمجسّمين" انظر: سير أعلام النبلاء ١٩٥٣٩-٥٥٢. وطبقات الشافعيّة للسبكي ٦١٠٩-١١٧. والبداية والنهاية ١٢١٩٩-٢٠٠. وشذرات الذهب ٤٧٠-٧٢. قال عنه شيخ الإسلام ﵀: "أقبح من غلوّ هؤلاء: ما كان عليه المتسمّون بالموحدين في متبوعهم الملقّب بالمهدي محمد بن تومرت الذي أقام دولتهم بما أقامها به من الكذب والمحال، وقتل المسلمين، واستحلال الدماء والأموال؛ فعل الخوارج المارقين، ومن الابتداع في الدين، مع ما كان عليه من الزهد والفضيلة المتوسطة، ومع ما ألزمهم به من الشرائع الإسلاميّة، والسنن النبوية؛ فجمع بين خير وشرّ. لكن من أقبح ما انتحلوه فيه: خطبتهم له على المنابر، بقولهم: الإمام المعصوم، والمهدي المعلوم" بغية المرتاد ص ٤٩٤. وانظر: مجموع الفتاوى ١٣٣٨٦. ويُقال إنّهم قتلوا القاضي أبا بكر بن العربي، والقاضي عياض البستي. انظر: بغية المرتاد ص ٤٩٥. قال عبد الله بن الأشبيري: سمعت عبد المؤمن بن علي القيسيّ، سمعت أبا عبد الله ابن تومرت يقول: أبو حامد الغزالي قرع الباب، وفُتح لنا) . سير أعلام النبلاء ١٩٣٢٦.
[ ١ / ٣٩٩ ]
ذاك: نحن شيخنا يقول بالوجود المطلق١.
_________________
(١) ١ قال ابن سبعين: "يا هذا! الوجود المطلق هو الله، والمقيّد أنا وأنت، والقدر جميع ما يقع في المستقبل، والمطلق إذا ذكر نفسه ذكر كلّ شيء" الرسالة الرضوانيّة ضمن رسائل ابن سبعين ص ٣٢٨ - نقلًا عن مقدمة محقق بغية المرتاد ص ١٤٠. وقال شيخ الإسلام ﵀: "لهذا كان منتهى محققيهم الوجود المطلق؛ وهو الوجود المشترك بين الموجودات. وهذا إنمّا يكون مطلقًا في الأذهان لا في الأعيان. والمتفلسفة يجعلون الكلي المشترك موضوع العلم الإلهيّ" الرد على المنطقيين ص ٣٠٩. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٦٢٤٢،، ١٠٢٩٨. وبغية المرتاد ص ٤١٠. والجواب الصحيح ٤٣٠٤. وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذه القصّة في منهاج السنة بتوسّع، فقال: "صاروا يتباهون في التعطيل الذي سمّوه توحيدًا أيّهم فيه أحذق، حتى فروعهم تباهوا بذلك كتباهيهم كابن سبعين وأمثاله من أتباع الفلاسفة، وابن التومرت، وأمثاله من أتباع الجهميّة؛ فهذا يقول بالوجود المطلق، وهذا يقول بالوجود المطلق، وأتباع كل منهما يباهون أتباع الآخرين في الحذق في هذا التعطيل. كما قد اجتمع بي طوائف من هؤلاء، وخاطبتهم في ذلك، وصنّفتُ لهم مصنّفات في كشف أسرارهم ومعرفة توحيدهم، وبيان فساده؛ فإنّهم يظنّون أنّ الناس لا يفهمون كلامهم، فقالوا لي: إن لم تُبيِّن وتكشف لنا حقيقة هذا الكلام الذي قالوه ثمّ تُبيِّن فساده، وإلا لم نقبل ما يُقال في ردّه، فكشف لهم حقائق مقاصدهم، فاعترفوا بأنّ ذلك مرادهم. ووافقهم على ذلك رؤوسهم، ثمّ بيّنت ما في ذلك من الفساد والإلحاد حتى رجعوا وصاروا يُصنّفون في كشف باطل سلفهم الملحدين الذين كانوا عندهم أئمة التحقيق والتوحيد والعرفان واليقين". منهاج السنة ٣٢٩٧-٢٩٨. وقال شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا رأيت لابن تومرت كتابًا في التوحيد صرّح فيه بنفي الصفات، ولهذا لم يذكر في مرشدته شيئًا من إثبات الصفات، ولا أثبت الرؤية، ولا قال إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، ونحو ذلك من المسائل التي جرت عادة مثبتة الصفات بذكرها في عقائدهم المختصرة، ولهذا كان حقيقة قوله موافقًا لحقيقة قول ابن سبعين وأمثاله من القائلين بالوجود المطلق موافقة لابن سينا وأمثاله من أهل الإلحاد؛ كما يُقال: إنّ ابن تومرت ذكره في فوائده المشرقية أنّ الوجود مشترك بين الخالق والمخلوق، فوجود الخالق يكون مجرّدًا، ووجود المخلوق يكون مقيّدًا". درء تعارض العقل والنقل ٥٢٠. وكذلك انظر: المصدر نفسه: ٣٤٣٨-٤٣٩، ١٠٢٩٨-٣٠٠. وانظر: رد شيخ الإسلام على ابن تومرت في مجموع الفتاوى ١١٤٧٦-٤٨٧.
[ ١ / ٤٠٠ ]
وقال الآخر: ونحن كذلك إمامنا.
قلتُ له: والمطلق في الأذهان لا في الأعيان. فتبيّن له ذلك، وأخذ يُصنّف في الردّ عليهم١.
ابن تومرت يقول بالوجود المطلق
ولم أكن أظنّ ابنَ التومرت يقول بالوجود المطلق، حتى وقفتُ بعد هذا على كلامه المبسوط٢، فوجدتُه كذلك، وأنّه كان يقول: الحقّ
_________________
(١) ١ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ بعض مناظراته لهؤلاء السبعينيّة، فقال ﵀: "وقلتُ لبعض حذّاقهم: هب أنّ هذا الوجود المطلق ثابتٌ في الخارج، وأنّه عين الموجودات المشهودة. فمن أين لك أنّ هذا هو ربّ العالمين الذي خلق السموات والأرض وكلّ شيء. فاعترف بذلك، وقال: هذا ما فيه حيلة". الجواب الصحيح ٤٣١٣. وانظر: مناظرات أخرى لهؤلاء في: المصدر نفسه ٤٣٠٩-٣١٢. وبغية المرتاد ص ٥٢٠-٥٢١. ومنهاج السنة النبوية ٨٢٨. وكتاب الصفدية ١٢٩٦. ٢ في كتاب ابن تومرت: «الدليل والعلم» . وقد نقل عنه شيخ الإسلام بعضَ كلامه، ثمّ ردّ عليه. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣٤٣٩-٤٤٠. وهناك رد لشيخ الإسلام على المرشدة لابن تومرت، مخطوط، في جامعة الملك سعود بالرياض. وانظر: كلام شيخ الإسلام ﵀ عن المرشدة لابن تومرت في مجموع الفتاوى ١١٤٧٦-٤٩٣.
[ ١ / ٤٠١ ]
حقّان؛ الحقّ المقيّد، والحقّ المطلق؛ وهو الربّ. وتبيَّنتُ أنّه لا يُثبتُ شيئًا من الصفات، ولا ما يتميّز به موجود عن موجود؛ فإنّ ذلك يُقيّد شيئًا من الإطلاق.
وسألني هذا١ عمّا يحتجّون به من الحديث؛ مثل الحديث المذكور في العقل، وأنّ أوّل ما خلق الله تعالى العقل٢، ومثل حديث: كنتُ كنزًا لا
_________________
(١) ١ يعني الرجل الذي في الاسكندرية، الذي طلب منه أن يشرح له كلام أصحاب وحدة الوجود. ٢ رواه أبو نعيم في الحلية ٧٣١٨ عن عائشة بلفظ: ":حدثني رسول الله ﷺ أنّ أوّل ما خلق الله ﷾ العقل، فقال: أقبِل، فأقبل. ثمّ قال: أدبِر، فأدبَر. ثمّ قال: ما خلقتُ شيئًا أحسن منك، بك آخذ، وبك أُعطي". قال أبو نعيم: غريب من حديث سفيان. ومنصور الزهري أحد رواة الحديث - لا أعلم له راويًا عن عبد الحميد إلا سهلًا، وأراه واهمًا فيه. وقد بيَّن العلماء أنّه حديث موضوع على رسول الله ﷺ. فقد قال أبو الفرج ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ. (الموضوعات لابن الجوزي ١١٧٤) . وقال شيخ الإسلام ﵀: "وهذا الحديث كذب موضوع على النبيّ ﷺ كما ذكر ذلك أهل العلم بالحديث؛ كأبي جعفر العقيليّ، وأبي حاتم البستي، وأبي الحسن الدارقطني، وأبي الفرج بن الجوزي، وغيرهم". الجواب الصحيح ٥٤٠-٤١. وانظر: بغية المرتاد ص ١٧١-١٧٨. ومجموع الفتاوى ١٢٤٤، ١٨١٢٢-١٢٣، ٣٣٦-٣٣٨. ودرء تعارض العقل والنقل ٥٢٢٤. ومنهاج السنة النبوية ٨١٥-١٦. وكتاب الصفدية ١٢٣٨-٢٣٩. والرد على المنطقيين ص ١٩٦-١٩٧. والفرقان بين أولياء الله وأولياء الشيطان ص ٢٠٦. قال ابن القيم: أحاديث العقل كلها كذب. انظر: المنار المنيف في الصحيح والضعيف ص ٦٦-٦٧. وانظر: اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي ١١٢٩-١٣٠.
[ ١ / ٤٠٢ ]
أُعرف، فأحببتُ أن أُعرف١، وغير ذلك؟ فكتبتُ له جوابًا مبسوطًا، وذكرتُ أنّ هذه الأحاديث موضوعة، وأبو حامد وهؤلاء لا يعتمدون على هذا، وقد نقلوه إمّا من رسائل إخوان الصفا٢، أو من كلام أبي حيان
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀: "وما يروونه: كنتُ كنزًا لا أُعرف، فأحببتُ أن أُعرف، فخلقتُ خلقًا فعرّفتهم بي، فبي عرفوني. هذا ليس من كلام النبي ﷺ، ولا أعرف له إسنادًا صحيحًا ولا ضعيفًا". مجموع الفتاوى ١٨١٢٢. وانظر: المصدر نفسه ١٨٣٧٦. ودرء تعارض العقل والنقل ٨٥٠٧. وبغية المرتاد ص ١٦٩. وقد حكم عليه بالوضع: السخاوي. انظر: المقاصد الحسنة ص ٣٢٧. ٢ إخوان الصفا: هم جماعة من الإسماعيليّة الباطنيّة، لزموا التكتّم، وألفوا مقالات، وعددها إحدى وخمسون مقالة؛ خمسون منها في خمسين نوعًا من الحكمة، ومقالة حادية وخمسون جامعة لأنواع المقالات. ثمّ بثّوا مقالاتهم وكتموا أسماءهم، وبثوها في الوراقين، ولقّنوها الناس، وزعموا أنّه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال. انظر: الامتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي ٢٥. ومجموع الفتاوى ٤٧٩. وكتاب إخوان الصفا لعمر الدسوقي. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن رسائل إخوان الصفا: "وضعت في أثناء المائة الرابعة لما ظهرت الدولة العبيدية بمصر، وبنوا القاهرة. فصنّفت على مذاهب أولئك الإسماعيليّة كما يدلّ على ذلك ما فيها. وقد ذكروا فيها ما جرى على المسلمين من استيلاء النصارى على سواحل الشام. وهذا إنّما كان بعد المائة الثالثة. وقد عُرف الذين صنّفوها؛ مثل زيد بن رفاعة، وأبي سليمان بن معشر البستي المعروف بالمقدسي، وأبي الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبي أحمد النهرجوري، والعوفي. ولأبي الفتوح المعافى بن زكرياء الجريري صاحب كتاب الجليس والأنيس مناظرة معهم، وقد ذكر ذلك أبو حيّان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة" منهاج السنة النبوية ٢٤٦٦. وقال ﵀ أيضًا: "صنّفه طائفة من الذين أرادوا أن يجمعوا بين الفلسفة والشريعة والتشيّع؛ كما كان سلكه هؤلاء العبيديّون". منهاج السنة ٨١١. وانظر: المصدر نفسه ٤٥٤-٥٥. ودرء تعارض العقل والنقل ٥١٠، ٢٦-٢٧. والرد على المنطقيين ص ٤٤٤. والجواب الصحيح ٥٣٧-٣٨. وبغية المرتاد ص ١٨٠-١٨١. والإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي ٢٣-١٢.
[ ١ / ٤٠٣ ]
التوحيدي١، أو من نحو ذلك٢.
وهؤلاء في الحقيقة من جنس الباطنيّة الإسماعيليّة٣، لكنّ أولئك
_________________
(١) ١ أبو حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي. فيلسوف متصوّف معتزلي. قال أبو الفرج ابن الجوزي: "زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو حيان التوحيديّ، وأبو العلاء المعري. وأشدّهم على الإسلام أبو حيّان؛ لأنّهما صرّحا وهو محجم ولم يُصرّح". وقال الذهبي عنه: "نسب نفسه إلى التوحيد؛ كما سمّى ابن التومرت أتباعه بالموحدين، وكما يُسمي صوفية الفلاسفة نفوسهم بأهل الوحدة، وبالاتحاديّة". مات مستترًا فقيرًا عن نيف وثمانين عامًا، وأحرق كتبه، ولم يسلم منها غير ما نقل قبل الإحراق. من كتبه: المقايسات والصراحة، والصديق، والإمتاع والمؤانسة، وغيرها. مات سنة ٤٠٠؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧١١٩-١٢٣. وطبقات الشافعية للسبكي ٥٢٨٦. والأعلام ٤٣٢٦. ٢ قال شيخ الإسلام ﵀: "والغزالي في كلامه مادة فلسفية كبيرة، بسبب كلام ابن سيناء في الشفاء، وغيره، ورسائل إخوان الصفا، وكلام أبي حيان التوحيدي وكلامه في الإحياء غالبه جيّد، لكن فيه موادّ فاسدة؛ مادة فلسفية، ومادة كلامية، ومادة من ترهات الصوفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة". مجموع الفتاوى ٦٥٤-٥٥. وانظر: المصدر نفسه ٤٦٣-٦٤. وبغية المرتاد ص ٤٤٩. وسير أعلام النبلاء ١٩٣٤١. ودرء تعارض العقل والنقل ٦٢٤٢. ٣ الإسماعيليّة: نسبة إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. وهم إحدى فرق الباطنية الذين جعلوا لكل ظاهر من الكتاب باطنًا، ولكلّ تنزيل تأويلًا، ويخلطون كلامهم ببعض كلام الفلسفة، ويدّعون من الإلهيّة في علي بن أبي طالب ﵁ وغيره كدعوى النصيريّة. قال شيخ الإسلام ﵀ عنهم: "الإسماعيليّة أخذوا من مذاهب الفرس، وقولهم بالأصلين: النور والظلمة وغير ذلك أمورًا، وأخذوا من مذاهب الروم من النصرانية، وما كانوا عليه قبل النصرانية من مذهب اليونان وقولهم بالنفس والعقل وغير ذلك. ومزجوا هذا بهذا، وسمّوا ذلك باصطلاحهم السابق والتالي، وجعلوه هو القلم واللوح، وأنّ القلم هو العقل". منهاج السنة النبوية ٨١٥. وانظر: الجواب الصحيح ٢٤٠٣-٤٠٤. ومجموع الفتاوى ٧٥٠٢، ٥٠٣. ودرء تعارض العقل والنقل ١٠-١١. وانظر: أيضًا: الملل والنحل للشهرستاني ١١٩١-١٩٨. والفرق بين الفرق للبغدادي ص ٦٢-٨٢.
[ ١ / ٤٠٤ ]
يتظاهرون بالتشيّع والرفض، وهؤلاء غالبهم يميلون إلى التشيّع، ويُفضّلون عليًا١. ومنهم من يُفضّله بالعلم الباطن، ويُفضّل أبا بكر٢ في العلم الظاهر؛ كأبي الحسن [الحرالّي] ٣، وفيه نوعٌ من مذهب الباطنيّة الإسماعيليّة، لكن لا يقول بوحدة الوجود مثل هؤلاء، ولا أظنّه يُفضّل غير الأنبياء عليهم؛ فهو أنبل من هؤلاء من وجه، لكنّه ضعيف المعرفة بالحديث، والسير، وكلام الصحابة والتابعين؛ فيبني له أصولًا على أحاديث موضوعة، ويخرج كلامه من تصوّف، وعقليّات، وحقائق. وهو
_________________
(١) ١ في «ط»: ﵁. ٢ في «ط»: ﵁. ٣ في «خ»، و«م»، و«ط»: الحرلي. وما أثبت من مصادر ترجمته. والحرالّي: هو أبو الحسن علي بن أحمد بن حسن التجيبي الأندلسي الحرالّي - وحرالّه: قرية من عمل مرسيه - ولد في مراكش، ورحل إلى الشرق، وسكن حماه، وتوفي فيها سنة ٦٣٧؟. مفسّر من علماء المغرب. قال عنه الذهبي: "كان فلسفيّ التصوف، ملأ تفسيره بحقائقه ونتائج فكره، وزعم أنّه يستخرج من علم الحروف وقتَ خروج الدجال، ووقتَ طلوع الشمس من مغربها". ميزان الاعتدال ٣١١٤. وانظر: سير أعلام النبلاء ٢٣٤٧. وشذرات الذهب ٥١٨٩. والأعلام ٤٢٥٦. ووقع في المخطوطة الحرلي، وكذلك في أصل درء تعارض العقل والنقل ١٠٢٨٦. ورجّح الدكتور محمد رشاد سالم ﵀ أنّه الحرالّي.
[ ١ / ٤٠٥ ]
خيرٌ من هؤلاء، وفي كلامه أشياء حسنة صحيحة، وأشياء كثيرة باطلة، والله سبحانه [وتعالى] ١ أعلم.
الوجه الثاني من أوجه الرد على الفلاسفة
الثاني: أنّ صلاح النفس في محبّة المعلوم المعبود؛ وهي عبادته، لا في مجرد علم ليس فيه ذلك، وهم جعلوا غاية النفس التشبّه بالله على حسب الطاقة٢، وكذلك جعلوا حركة الفَلَك للتشبّه به٣. وهذا ضلال عظيم؛ فإنّ جنس
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنّ هؤلاء جعلوا غاية الإنسان وكماله في مجرّد أن يعلم الوجود، أو يعلم الحقّ؛ فيكون عالمًا معقولًا مطابقًا للعالم الموجود، وهو التشبّه بالإله على قدر الطاقة، وجعلوا ما يأتي به من العبادات والأخلاق إنّما هي شروط وأعوان على مثل ذلك، فلم يُثبتوا كون الربّ تعالى معبودًا مألوهًا يُحَبّ لذاته، ويكون كمال النفس أنها تُحبّه؛ فيكون كمالها في معرفته ومحبّته، بل جعلوا الكمال في مجرّد معرفة الوجود عند أئمتهم، أو في مجرّد معرفته عند من يقرب إلى الإسلام منهم". درء تعارض العقل والنقل ٦٥٧. وكذا قال ﵀ في موضع آخر - بعد أن ذكر محبة الله لعباده، ومحبتهم له: "ومن نفى الأولى من الجهميّة والمعتزلة ومن وافقهم، فقد أخطأ. ومن نفى الثانية من المتفلسفة والمتصوفة على طريقتهم فقد أخطأ. مع أنّ هؤلاء المتفلسفة لا يُثبتون حقيقة الأولى، فإنّهم لا يُثبتون أنّ الربّ تُحبّه الملائكة والمؤمنون، وإنّما يجعلون الغاية تشبّههم به، لا حبّهم إياه. وفرقٌ بين أن تكون كوَّن هذا مثل هذا، وبين أن تكون الغاية كون هذا يُحبّه هذا محبّة عبوديّة وذلّ. ولهذا قالوا: "الفلسفة هي التشبّه بالإله على قدر الطاقة". ولهذا كان مطلوب هؤلاء إنّما هو نوع من العلم والقدرة الذي يحصل لهم به شرف. فمطلوبهم من جنس مطلوب فرعون، بخلاف الحنفاء الذين يعبدون الله محبة له وذلًا له". درء تعارض العقل والنقل ٦٦٩-٧٠. وانظر: المصدر نفسه ٦٧٠، ٣٢٦٩. وانظر: شرح الطحاوية ١٨٨. ومجموع الفتاوى ٧٥٣٦، ١٧٣٢١. والجواب الصحيح ٦٣٢-٣٧. وجامع الرسائل ٢٢٥١-٢٥٢. ٣ انظر: مجموع الفتاوى ١٧٣٢٩.
[ ١ / ٤٠٦ ]
التشبّه يكون بين [اثنين] ١ مقصودهما واحد؛ كالإمام والمؤتمّ به.
وليس الأمر هنا كذلك. بل الربّ هو معبودٌ لذاته، وهو يعرف نفسه، ويُحبّ نفسه، ويُثني على نفسه، والعبد نجاتُه وسعادته في أن يعرف ربّه، ويُحبّه، ويُثني عليه. والتشبّه به: أن يكون هو [محبوبًا لنفسه] ٢، مثنيًا بنفسه على نفسه. وهذا فسادٌ في حقّه، وضارٌ به. والقوم أضلّ من اليهود والنصارى، بل ومن مشركي العرب؛ فإنّه ليس الربّ عندهم؛ لا رب العالمين وخالقهم؛ ولا إلههم ومعبودهم.
ومشركو العرب كانوا يُقرّون بأنّه خالق كلّ شيء، وما سواه مخلوقٌ له محدَث. وهؤلاء الضالّون لا يعترفون بذلك؛ كما قد بُسط في غير هذا الموضع٣.
الوجه الثالث من أوجه الرد على الفلاسفة
والوجه الثالث: أنّهم يظنّون أنّ ما عندهم هو علمٌ بالله. وليس كذلك، بل هو جهل.
والرازي لمّا شاركهم٤ في بعض أمورهم صار حائرًا معترفًا بذلك؛
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ ما بين المعقوفتين كتب في «خ» هكذا: (لنفسه محبوبًا) . وعليها علامة «م»؛ وهي علامة على التقديم والتأخير. ٣ انظر: حقيقة مذهب الاتحاديّين أو وحدة الوجود ضمن مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣-١١٤. وقاعدة في المحبّة ضمن جامع الرسائل ٢١٩٣-٤٠١. ودرء تعارض العقل والنقل ٦٦٢-٧٠. والرد على المنطقيين ص ٢٨٢، ٣٩٤، ٥٢١-٥٢٦. وكتاب الصفدية ١٢٦٨-٢٧٣. والفتاوى ٧٥٠٤، ٥٨٦-٥٩٧، ٦٣١-٦٣٢، ١٧٢٩٥. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٢١٧-٢٣٠. ٤ أي شارك الفلاسفة. انظر: جامع الرسائل ٢٢٥٠.
[ ١ / ٤٠٧ ]
لمّا ذكر أقسام اللّذّات١، وأنّ اللّذّة العقليّة هي الحقّ؛ وهي لذّة العلم، وأنّ شرف العلم بشرف المعلوم؛ وهو الربّ، وأنّ العلم به ثلاث مقامات: العلم بالذات، والصفات، والأفعال. قال: وعلى كلّ مقامٍ عقدة؛ فالعلم بالذات فيه أنّ وجود الذات: هل هو زائد عليها أم لا؟ وفي الصفات: هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وفي الأفعال: هل الفعل مقارنٌ أم لا؟. ثمّ قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب؟ أو من الذي ذاق من هذا الشراب؟
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأمّلتُ الطرق الكلاميّة، والمناهج الفلسفيّة، فما رأيتُها تشفي عَليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيتُ أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَىْ الْعَرْشِ اسْتَوَىْ﴾ ٢، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّاْلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٣، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤، ﴿وَلا يُحِيْطُوْنَ بِهِ عِلْمًَا﴾ ٥. ومن جرَّب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي٦.
_________________
(١) ١ ذكر ذلك في كتابه: أقسام اللذات. وقد قال د محمد رشاد سالم عن هذا الكتاب: "وهذا الكتاب مخطوط بالهند، ولم يذكره بروكلمان ضمن مؤلفات الرازي". حاشية درء تعارض العقل والنقل ١١٦٠. ٢ سورة طه، الآية ٥. ٣ سورة فاطر، الآية ١٠. ٤ سورة الشورى، الآية ١١. ٥ سورة طه، الآية ١١٠. ٦ ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذا النص عن الرازي في كثير من كتبه، وكذلك تلميذه ابن القيم، والذهبي، مع اختلاف يسير في ألفاظه. وقد سبق أن ذُكر في ص ٣٥٧-٣٥٨ من هذا الكتاب. وانظر: مجموع الفتاوى ٤٧٢-٧٣. ودرء تعارض العقل والنقل ١١٥٩-١٦٠. وبيان تلبيس الجهمية ١١٢٨-١٢٩. ومنهاج السنة النبوية ٥٢٧٠-٢٧٢. واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص ٣٠٥-٣٠٦. والمنار المنيف في الصحيح والضعيف ص ٨٥. والصواعق المنزلة - تحقيق د أحمد بن عطية الغامدي، ود علي ابن ناصر الفقيهي - ١٧٠. وسير أعلام النبلاء - عند ترجمة الرازي - ٢١٥٠١. والبداية والنهاية لابن كثير ١٣٥٤. وطبقات الشافعية للسبكي ٨٩٦. وشرح الطحاوية ١٢٤٤.
[ ١ / ٤٠٨ ]
السعادة العلم بالله وما يقرب إليه..
فالسعادة هو أن يكون العلم المطلوب هو العلم بالله وما يُقرّب إليه، ويعلم أنّ السعادة في أن يكون الله هو المحبوب المراد المقصود، ولا يحتجب بالعلم عن المعلوم؛ كما قال ذلك الشيخ العارف للغزالي لمّا قال له: أخلصتُ أربعين صباحًا، فلم يتفجّر لي شيء! فقال: يا بنيّ أنتَ أخلصتَ للحكمة، لم يكن الله هو مرادك، والإخلاص لله أن يكون الله هو مقصود المرء ومراده، فحينئذ تتفجّر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه؛ كما في حديث مكحول عن النبيّ ﷺ: "من أخلص لله أربعين صباحًا تفجّرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"١٢.
_________________
(١) ١ رواه أبو نعيم بإسناده عن مكحول، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ وقال: كذا رواه يزيد الواسطي متصلًا، ورواه ابن هارون، ورواه أبو معاوية عن الحجاج، فأرسله. حلية الأولياء ٥١٨٩. وقال الألباني: حديث ضعيف انظر: السلسلة الضعيفة ١٥٥-٦٦. وانظر: المغني عن حمل الأسفار رقم ١٦٥٢. وانظر: تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للحداد ٢١٠٥٢، ٦٢٤٠٦-٢٤٠٧. ٢ ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه الحكاية عن الغزالي في: درء تعارض العقل والنقل ٦٦٦.
[ ١ / ٤٠٩ ]
ولهذا تقول العامّة: قيمة كلّ امرئ ما يُحسن١، والعارفون يقولون: قيمة كلّ امرئ ما يطلب٢، وفي الإسرائيليّات: يقول الله تعالى: "إنّي لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنّما أنظر إلى همّته"٣.
فالنفس لها قوة الإرادة مع الشعور، وهما متلازمان. وهؤلاء لحظوا شعورها وأعرضوا عن إرادتها. وهي تتقوّم بمرادها، لا بمجرّد ما [تشعر] ٤ به؛ فإنّها تشعر بالخير والشرّ، والنافع والضارّ، ولكن لا يجوز أن يكون مرادها ومحبوبها إلا ما يُصلحها وينفعها؛ وهو الإله المعبود الذي لا يستحقّ العبادة غيره، وهو الله لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
العلم الحق ما أخبرت به الرسل
ثمّ مع هذا يكون العلم حقًا، وهو ما أخبرت به الرّسل؛ فالعلم الحقّ هو ما أخبروا به، والإرادة النافعة إرادة ما أمروا به؛ وذلك عبادة الله وحده لا شريك له؛ فهذا هو السعادة، وهو الذي اتفقت عليه الأنبياء كلّهم؛ فكلّهم دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذلك إنّما يكون بتصديق رسله [وطاعتهم] ٥.
السعادة متتضمنة للأصلين
فلهذا كانت السعادة متضمّنة لهذين الأصلين: الإسلام، والإيمان؛ عبادة الله وحده، وتصديق رسله؛ وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ
_________________
(١) ١ هذه الحكمة منسوبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁. انظر: نهج البلاغة ٤١٨. ٢ انظر: الجواب الصحيح ٦٣٥. ٣ انظر: الجواب الصحيح ٦٣٥. ٤ في «خ»: يشعر. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «ط»: وطاعته. وما أثبت من «خ»، و«م» .
[ ١ / ٤١٠ ]
محمدًا رسول الله، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِيْنَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِيْنَ﴾ ١؛ قال أبو العالية٢: هما خصلتان يُسأل عنهما كلّ أحد؛ يُقال: لمن كنتَ تعبد، وبماذا أجبتَ المرسلين٣. وقد بُسط هذا في غير هذا الموضع٤. والله أعلم.
واتبع لها أسعد الناس في الدنيا والآخرة، وخير القرون القرن الذين شاهدوه مؤمنين به وبما يقول؛ إذ كانوا أعرف الناس بالفرق بين الحقّ الذي جاء به وبين ما يُخالفه، وأعظم محبّة لما جاء به وبُغضًا لما خالفه، وأعظم جهادًا عليه. فكانوا أفضل ممّن بعدهم في العلم، والدين، والجهاد؛ أكمل علمًا بالحقّ والباطل؛ وأعظم محبّة للحقّ وبُغضًا للباطل؛ وأصبر على متابعة الحقّ، واحتمال الأذى فيه، وموالاة أهله، ومعاداة أعدائه. واتّصل بهم ذلك [إلى] ٥ القرن الثاني، والثالث، فظهر ما بُعث به من الهدى ودين
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية ٦. ٢ هو رفيع بن مهران البصري، أبو العالية الرياحي. أدرك زمن النبيّ ﷺ وهو شابّ، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، ودخل عليه. روى عن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأبيّ بن كعب، وغيرهم ﵃. وهو من ثقات التابعين المشهورين بالتفسير بالمدينة. انظر: سير أعلام النبلاء ٤٢٠٧. والتفسير والمفسرون لمحمد الذهبي ١١١٥. ٣ لم أجد هذا الأثر في المصادر التي اطّلعت عليها. ٤ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٦٦٢-٧٠. وقاعدة في توحيد الإلهيّة وإخلاص العمل والوجه لله - ضمن مجموع الفتاوى ١٢٠-٣٢ - والتدمرية ص ١٦٥-١٧٨، ١٩٥-٢٠٦، ٢٣٢-٢٣٤. ومجموع الفتاوى ١١٨٩-٣١٠. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٨١-١٨٢. ٥ ما بين المعقوفتين مكانها بياض في «خ»، وهي في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٤١١ ]
الحقّ على كلّ دين في مشارق الأرض ومغاربها؛ كما قال ﷺ: "زُوِيَت لي الأرضُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلكُ أُمّتي ما زُوي لي منها"١.
وكان لا بُدّ أن يظهر في أمّته ما سبق به القدر، واقتضته نشأة البشر من نوعٍ من التفرّق والاختلاف، كما كان فيما غَبَر. لكن كانت أمّته ﷺ خيرَ الأمم، فكان الخير فيهم أكثرَ منه في غيرهم، والشرّ فيهم أقلَّ منه في غيرهم؛ كما يعرف ذلك من تأمّل حالهم وحال بني إسرائيل قبلهم.
وبنو إسرائيل هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاْ بَنِيْ إِسْرَاْئِيْلَ الْكِتَاْبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاْهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاْتِ وَفَضَّلْنَاْهُمْ عَلَىْ الْعَاْلَمِيْنَ وَآتَيْنَاْهُمْ بَيِّنَاْتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَاْ اخْتَلَفُوْا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَاْ جَاْءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًَا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِيْ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَاْمَةِ فِيْمَاْ كَاْنُوْا فِيْهِ يَخْتَلِفُوْنَ ثُمَّ جَعَلْنَاْكَ عَلَىْ شَرِيْعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَاْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاْءَ الَّذِيْنَ لا يَعْلَمُوْنَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوْا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًَا وَإِنَّ الظَّاْلِمِيْنَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاْءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِيْنَ﴾ ٢، وقال لهم موسى: ﴿يَاْ قَوْمِ اذْكُرُوْا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيْكُمْ أَنْبِيَاْءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوْكًَا وَآتَاْكُمْ مَاْ لَمْ يُؤْتِ أَحَدًَا مِنَ الْعَاْلَمِيْنَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ٤٢٢١٥-٢٢١٦، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض. وأحمد في المسند ٥٢٧٨. وأبو داود في سننه ٤٤٥٠، ح (٤٢٥٢)، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن. والترمذي في جامعه ٤٤٧٢، ح (٢١٧٦)، كتاب الفتن، باب ما جاء في سؤال النبي ﷺ ثلاثًا في أمّته. وابن ماجه في سننه ٢١٣٠٤، ح (٣٩٥٢)، كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن. وكلّهم أخرجوه من طريق أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان مرفوعًا. ٢ سورة الجاثية، الآيات ١٦-١٩. ٣ سورة المائدة، الآية ٢٠.
[ ١ / ٤١٢ ]
خصائص أمة محمد ﷺ
فإذا كان بنو إسرائيل الذين فضّلهم الله على العالَمين في تلك الأزمان، وكانت هذه الأمة خيرًا منهم، كانوا خيرًا من غيرهم بطريق الأولى. فكان ممّا خصّهم الله به أنّه لا يُعذّبهم بعذاب عامّ؛ لا من السماء، ولا بأيدي الخلق؛ فلا يُهلكهم بسنة عامة، ولا يُسلّط عليهم عدوًا من غيرهم فيجتاحهم؛ كما كان يُسلّط على بني إسرائيل عدوًّا يجتاحهم، حتى لا يبقى لهم دينٌ قائمٌ منصورٌ، ومن لا يقبل منهم يبقى مقهورًا تحت حكم غيرهم. بل لا تزال في هذه الأمّة طائفة ظاهرة على الحقّ إلى يوم القيامة١، ولا يجتمعون على ضلالة٢؛ فلا [تزال] ٣ فيهم أمّة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون٤.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "سألتُ ربّي
_________________
(١) ١ قال رسول الله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي يُقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة". رواه مسلم في صحيحه ٣١٥٢٤، رقم (١٧٣)، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: "ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين "، و١١٣٧، رقم (٢٤٧)، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبيّنا محمد ﷺ. وأحمد في المسند ٣٣٤٥. وعند البخاري من حديث المغيرة بن شعبة ٦٢٦٦٧، كتاب الاعتصام، باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ" وهم أهل العلم. ٢ قال رسول الله ﷺ: "إنّ الله لا يجمع أمتي على ضلالة". أخرجه الترمذي في جامعه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ ٤٤٦٦، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة. وللحديث شواهد أخرى عن أبي ذر وغيره أخرجها الدارمي في سننه ١٢٩. والحاكم في مستدركه ١١١٥. ٣ في «خ»: يزال. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ قال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمّةٌ يدعونَ إلى الخيرِ وَيأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عنِ المُنْكَرِ وأولئك همُ المفلحون﴾ . سورة آل عمران، الآية ١٠٤.
[ ١ / ٤١٣ ]
ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني [عن] ١ واحدة؛ سألتُ ربّي أن لا يُسلّط عليهم عدوًّا من غيرهم فيجتاحهم، فأعطانيها؛ وسألتُه أن لا يُهلكهم بسنة عامّة، فأعطانيها؛ وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها" ٢.
معنى البأس
وهذا البأس نوعان؛ أحدهما: الفتن التي تجري عليهم. والفتنة تَرِدُ على القلوب، فلا [تعرف] ٣ الحقَّ، ولا [تقصده] ٤؛ فيؤذي بعضهم بعضًا بالأقوال والأعمال. والثاني: أن يعتدي أهل الباطل منهم على أهل الحقّ منهم، فيكون ذلك محنةً في حقّهم، يُكفّر الله بها سيِّئاتهم، ويرفع بالصبر عليها درجاتهم، وبصبرهم وتقواهم لا يضرّهم كيد الظالمين لهم، بل تكون العاقبة للتقوى، ويكونون من أولياء الله المتقين، وحزب الله المفلحين، وجند الله الغالبين؛ إذا كانوا من أهل الصبر واليقين؛ ف ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيْعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِيْنَ﴾ ٥. والمتعدّي منهم إمّا أن يتوبَ الله عليه كما تاب على إخوة يوسف بعد عدوانهم عليه، وآثره الله عليهم بصبره وتقواه؛ كما قال لمّا قالوا: ﴿أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوْسُفُ قَاْلَ أَنَاْ يُوْسُفُ وَهَذَاْ أَخِيْ قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَاْ إِنَّهُ مِنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيْعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِيْنَ قَاْلُوْا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَاْ وَإِنْ كُنَّاْ لَخَاْطِئِيْنَ قَاْلَ لا تَثْرِيْبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاْحِمِيْنَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ هو جزء من حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤٢٢١٦، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض. ٣ في «خ»: يعرف. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: يقصده. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ سورة يوسف، الآية ٩٠. ٦ سورة يوسف، الآيات ٩٠-٩٢.
[ ١ / ٤١٤ ]
وكما فعل سبحانه بقادة الأحزاب الذين كانوا عدوًا لله وللمؤمنين، وقال فيهم: ﴿لا تَتَّخِذُوْا عَدُوِّيْ وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاْء﴾ ١، ثمّ قال: ﴿عَسَىْ اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِيْنَ عَاْدَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةٌ وَاللهُ قَدِيْرٌ وَاللهُ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ﴾ ٢؛ وفي هذا ما دلّ على أنّ الشخص قد يكون عدوًا لله، ثمّ يصير وليًّا لله، مواليًا لله ورسوله والمؤمنين؛ فهو سبحانه يتوب على من تاب، ومن لم يتب فإلى الله إيابه، وعليه حسابه. وعلى المؤمنين أن يفعلوا معه ومع غيره ما أمر الله به ورسوله؛ من قصد نصيحتهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النّور، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر؛ كما أمر الله ورسوله، لا اتّباعًا للظنّ وما تهوى الأنفس، حتى [يكون] ٣ من خير أمة أخرجت للنّاس؛ يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله. وهؤلاء يعلمون الحقّ ويقصدونه، ويرحمون الخلق، وهم أهل صدقٍ وعدلٍ؛ أعمالهم خالصة لله، صوابٌ موافقة لأمر الله؛ كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٤. قال [الفُضَيْل] ٥ بن عياض٦، وغيره: أخلصه، وأصوبه؛ والخالص أن يكون لله؛ والصواب أن يكون على السنّة٧.
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة، الآية ١. ٢ سورة الممتحنة، الآية ٧. ٣ في «خ»: تكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة الملك، الآية ٢. ٥ ما بين المعقوفتين لا توجد في «ط» . ٦ سبقت ترجمته. ٧ انظر: تفسير البغوي ٤٣٦٩. وقد أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في عدة مواضع من كتبه، انظر: جامع الرسائل ١٢٥٧، ٢٢٢٦. والعبودية ص ٦٩-٧٠. ومجموع الفتاوى ١٣٣٣، ٧٤٩٥. والتدمرية ص ٢٣٣.
[ ١ / ٤١٥ ]
دين الإسلام
وهو كما قالوا؛ فإنّ هذين الأصلين هما دين الإسلام الذي ارتضاه الله؛ كما قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيْنًَا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاْهِيْمَ حَنِيْفًَا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاْهِيْمَ خَلِيْلًا﴾ ١؛ فالذي أسلم وجهه لله: هو الذي يُخلص نيّته لله، ويبتغي بعمله وجه الله. والمحسن: هو الذي يُحسن عمله؛ فيعمل الحسنات. والحسنات: هي العمل الصالح. والعمل الصالح: هو ما أمر الله به ورسوله؛ [من] ٢ واجبٍ ومستحبٍ. فما ليس من هذا ولاهذا، ليس من الحسنات، والعمل الصالح، فلا يكون فاعله محسنًا.
وكذلك قال لمن قال: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَاْنَ هُوْدًَا أَوْ نَصَاْرَىْ﴾ ٣، قال: ﴿تِلْكَ أَمَاْنِيُّهُمْ قُلْ هَاْتُوْا بُرْهَاْنَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَاْدِقِيْنَ بَلَىْ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُوْنَ﴾ ٤. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيْنًَا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِيْ الآخِرَةِ مِنَ الْخَاْسِرِيْنَ﴾ ٥.
الإسلام دين جميع الأنبياء
والإسلام هو دين جميع الأنبياء والمرسلين ومن اتبعهم من الأمم؛ كما أخبر الله بنحو ذلك في غير موضع٦ من كتابه؛ فأخبر عن نوح٧،
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية ١٢٥. ٢ في «ط»: مزن. ٣ سورة البقرة، الآية ١١١. ٤ سورة البقرة، الآيتان ١١١-١١٢. ٥ سورة آل عمران، الآية ٨٥. ٦ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ . سورة المائدة، الآية ٤٤. ٧ حكى الله تعالى عن نوح ﵇ أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . سورة يونس، الآية ٧٢.
[ ١ / ٤١٦ ]
وإبراهيم، وإسرائيل١ [﵈] ٢ أنّهم كانوا مسلمين. وكذلك عن أتباع موسى٣، وعيسى٤ [﵉] ٥، وغيرهم٦.
معنى الإسلام
والإسلام هو أن يَستسلم لله، لا لغيره؛ فيعبد الله ولا يُشرك به شيئًا، ويتوَكَّل عليه وحده، ويرجوه، ويخافه وحده، ويُحبّ الله المحبّة التامّة، لا يُحبّ مخلوقًا كحبّه لله، بل يُحِبّ لله، ويُبغض لله، ويُوالي لله، ويُعادي لله. فمن استكبر عن عبادة الله لم يكن مسلمًا، ومن عبد مع الله غيره لم يكن مسلمًا. وإنّما تكون عبادتُه بطاعته؛ وهو طاعة رسله؛ [فَمَنْ] ٧ يُطع الرسول فقد أطاع الله٨؛ فكلّ رسول بُعث بشريعة، فالعمل بها في وقتها
_________________
(١) ١ وأخبر الله تعالى عن إبراهيم ويعقوب ﵉: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . سورة البقرة الآيات ١٣٠-١٣٢. ٢ ما بين المعقوفتين من «ط» فقط. ٣ حكى الله تعالى عن موسى ﵇ أنّه قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ . سورة يونس، الآية ٨٤. ٤ قال الله تعالى عن عيسى ﵇: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ . سورة آل عمران، الآية ٥٢. ٥ ما بين المعقوفتين من «ط» فقط. ٦ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فهذا دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم هو دين الإسلام؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له. وعبادته تعالى في كلّ زمان ومكان بطاعة رسله ﵈، فلا يكون عابدًا له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله". الجواب الصحيح ١٨٣. وانظر: مجموع الفتاوى ٧٦٢٤. ٧ في «م»، و«ط»: من. ٨ انظر: معنى الإسلام كما أوضحه شيخ الإسلام ﵀ في كتاب الإيمان ص ٢٥٠-٢٥٢، ٣٤٦. ومجموع الفتاوى ٧٦٢٣، ٦٣٥. والفرقان ص ١٨٢. والتدمرية ص ١٦٩. والاستقامة ٢١٢٨.
[ ١ / ٤١٧ ]
هو دين الإسلام. وأمّا ما بُدِّل منها فليس من دين الإسلام. وإذا نُسخ منها ما نُسخ لم يبق من دين الإسلام؛ كاستقبال بيت المقدس في أول الهجرة بضعة عشر شهرًا، ثمّ الأمر باستقبال الكعبة١؛ وكلاهما في وقته دين الإسلام، فبعد النسخ لم يبق دين الإسلام إلا أن يُولّي المصلّي وجهه شطر المسجد الحرام٢.
فمن قصد أن يُصلّي إلى غير تلك الجهة، لم يكن على دين الإسلام؛ لأنّه يُريد أن يعبد الله بما لم يأمره. وهكذا كلّ بدعة تُخالف أمر الرسول؛ إمّا أن تكون من الدين المُبدّل الذي ما شرعه الله قطّ، أو من المنسوخ الذي نسخه الله بعد شرعه؛ كالتوجّه إلى بيت المقدس. فلهذا كانت السنّة في الإسلام كالإسلام في الدين؛ هو الوسط؛ كما قد شُرح هذا في غير موضع٣.
_________________
(١) ١ روى البخاري عند تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة البقرة، الآية ١٤٢]، عن البراء ﵁ أنّ رسول الله ﷺ صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت. وأنّه صلى - أو صلاها - صلاة العصر، وصلى معه قومٌ، فخرج رجل ممّن كان صلى معه، فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليتُ مع النبي ﷺ قِبَل مكّة. فداروا كما هم قبل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحوّل قبل البيت رجال قُتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . صحيح البخاري ٤١٦٣١، كتاب التفسير، باب: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ . ٢ ويُوضّح شيخ الإسلام ﵀ تفاوت الإيمان في حق العباد، وأنّ الأعمال إنّما تجب وتكون إيمانًا وإسلامًا إذا فُرضت عليهم. انظر: كتاب الإيمان ص ١٨٤-١٨٦. ٣ انظر: التدمرية ص ١٦٩-١٧٠. ومجموع الفتاوى ١٨٠، ١٨٩، ١٩٠، ٣١٠-٣١١. وقاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق ص ١٦-٢٧.
[ ١ / ٤١٨ ]
والمقصود هنا أنّه إذا ردّ ما تنازع فيه الناس إلى الله والرسول؛ سواء كان في الفروع أو [الأصول] ١، كان ذلك خيرًا وأحمدَ عاقبة؛ كما قال تعالى: ﴿يَاْ أَيُّهَاْ الَّذِيْنَ آمَنُوْا أَطِيْعُوْا اللهَ وَأَطِيْعُوْا الرَّسُوْلَ وَأُوْلِيْ الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَاْزَعْتُمْ فِيْ شَيْءٍ فَرُدُّوْهُ إِلَىْ اللهِ وَالرَّسُوْلِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُوْنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيْلًا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿كَاْنَ النَّاْسُ أُمَّةً وَاْحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّيْنَ مُبَشِّرِيْنَ وَمُنْذِرِيْنَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَاْبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاْسِ فِيْمَاْ اخْتَلَفُوْا فِيْهِ وَمَاْ اخْتَلَفَ فِيْهِ إِلاَّ الَّذِيْنَ أُوْتُوْهُ مِنْ بَعْدِ مَاْ جَاْءَتْهُمُ الْبَيِّنَاْتُ بَغْيًَا بَيْنَهُمْ فَهَدَىْ اللهُ الَّذِيْنَ آمَنُوْا لِمَاْ اخْتَلَفُوْا فِيْهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِيْ مَنْ يَشَاْءُ إِلَىْ صِرَاْطٍ مُسْتَقِيْمٍ﴾ ٣.
وفي صحيح مسلم عن عائشة، [أنّ] ٤ النبيّ ﷺ كان إذا قام [يُصلّي] ٥ من اللّيْل يقول: "اللهمّ ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما [اختُلف] ٦ فيه من الحقّ بإذنك إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"٧.
_________________
(١) ١ في «خ»: الأصل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ سورة النساء، الآية ٥٩. ٣ سورة البقرة، الآية ٢١٣. ٤ في «ط»: فأنّ. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٥ ما بين المعقوفتين في «خ» . وليس في «م»، و«ط» . وفي صحيح مسلم، قالت عائشة ﵂: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهمّ رب " وذكرت الحديث. ٦ في «خ»: اختلفت. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ ١٥٣٤، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء.
[ ١ / ٤١٩ ]
أهل السنة
وهذه حال أهل العلم والحق والسنّة؛ يعرفون الحق الذي جاء به الرسول؛ وهو الذي اتفق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول؛ ويدعون إليه؛ ويأمرون به نصحًا للعباد، وبيانًا للهدى والسداد. ومن خالف ذلك لم يكن لهم معه هوى، ولم يحكموا عليه بالجهل، بل [حكمه] ١ إلى الله والرسول؛ فمنهم من يُكفره الرسول، ومنهم من يجعله من أهل الفسق أو العصيان، ومنهم من يعذره ويجعله من أهل الخطأ المغفور. والمجتهد من هؤلاء المأمور بالاجتهاد، يجعل له أجرًا على فعل ما أمر به من الاجتهاد، وخطؤه مغفور له؛ كما دلّ الكتاب٢.
أهل البدع
وأمّا أهل البدع: فهم أهل أهواء وشبهات، يتّبعون أهواءهم فيما يُحبّونه ويُبغضونه، ويحكمون بالظنّ والشبه؛ فهم يتّبعون الظنّ وما تهوى
_________________
(١) ١ في «ط»: حكمة. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٢ قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . [سورة البقرة، الآيتان ٢٨٥-٢٨٦] . وثبت في صحيح مسلم أنّ الله سبحانه استجاب هذا الدعاء، وقال: قد فعلتُ. انظر: صحيح مسلم ١١١٦، كتاب الإيمان، باب بيان أنه ﷾ لا يُكلّف إلا ما يُطاق، رقم ٢٠٠. ومسند الإمام أحمد ١٢٣٣. وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ . [سورة الأحزاب، الآية ٥] . وانظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٤٤-١٤٦ - تحقيق د عبد الرحمن عبد الكريم اليحيى. وقال رسول الله ﷺ: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر". متفق عليه؛ أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ٩١٣٣، كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب. والإمام مسلم في صحيحه ٣١٣٤٢، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ.
[ ١ / ٤٢٠ ]
الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. فكلّ فريقٍ منهم قد أصّل لنفسه أصلَ دينٍ [صنعه] ١؛ إمّا برأيه وقياسه الذي يُسمّيه عقليّات؛ وإمّا بذوقه وهواه الذي يُسمّيه ذوقيّات٢؛ وإمّا بما يتأوّله من القرآن، ويُحرّف فيه الكلم عن مواضعه، ويقول إنّه إنّما يتّبع القرآن كالخوارج٣؛ وإمّا بما يدّعيه في الحديث والسنّة ويكون كذبًا وضعيفًا كما يدّعيه الروافض٤؛ من
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: وضعه. ٢ قال صاحب التعريفات: "والذوق في معرفة الله عبارة عن نور عرفانيّ يقذفه الحقّ بتجلّيه في قلوب أوليائه، يُفرّقون به بين الحقّ والباطل من غير أن يتلقّوا ذلك من كتاب أو غيره". التعريفات ص ٤٤. وانظر: أيضًا تعريف الذوق في الرسالة القشيريّة ١٢٧١. وانظر: شرح الأصفهانية ٢٥١٦-٥١٧. ٣ المقصود أنّ الخوارج لا يأخذون بالسنة. وكل من خرج على الإمام الحقّ الذي اتفقت الجماعة عليه يُسمّى خارجًا. وأول من عرف بذلك، واشتهر به: الذين خرجوا على علي ﵁ في حروراء، وقاتلهم. وهم فرق كثيرة يقولون بتخليد صاحب الكبيرة، ويجمعهم القول بتكفير علي بن أبي طالب، وعثمان، والحكمين، وأصحاب الجمل، ومن رضي بالتحكيم وصوّب الحكمين أو أحدهما. ويجمعهم أيضًا القول بالخروج على الإمام إذا كان جائرًا. انظر: الملل والنحل ١١٤. والفرق بين الفرق ص ٧٢، ٧٣. والمقالات ١١٦٧. وانظر أيضًا: منهاج السنة النبوية ٣٤٦١. ٤ قال شيخ الإسلام ﵀: "وإنّما سُمّوا رافضة، وصاروا رافضة لمّا خرج زيد بن علي بن الحسين بالكوفة في خلافة هشام، فسألته الشيعة عن أبي بكر وعمر، فترحّم عليهما، فرفضه قومٌ، فقال: رفضتموني، رفضتموني. فسمّوا رافضة. وتولاّه قومٌ فسمّوا زيديّة؛ لانتسابهم إليه. ومن حينئذٍ انقسمت الشيعة إلى رافضة إماميّة، وزيديّة. وكلما ازدادوا في البدعة، ازدادوا في الشرّ. فالزيديّة خيرٌ من الرافضة، أعلم، وأصدق، وأزهد، وأشجع". منهاج السنة النبوية ٢٩٦. وانظر: المصدر نفسه ٣٤٧١. ومجموع الفتاوى ١٣٣٥-٣٦. وهم يغلون في علي بن أبي طالب ﵁، ويكفّرون أكثر الصحابة، إلا عددًا يسيرًا. وقد أخبر شيخ الإسلام ﵀ أنّ "أصل الرفض من المنافقين والزنادقة؛ فإنّه ابتدعه ابن سبأ الزنديق، وأظهر الغلوّ في عليّ بدعوى الإمامة والنصّ، وادّعى العصمة له". مجموع الفتاوى ٤٤٣٥، ٢٨٤٨٣. وانظر: في تعريف الرافضة: المقالات للأشعريّ ١٨٩. واعتقاد فرق المسلمين والمشركين للرازي ص ٥٢. والملل والنحل ١١٥٥. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص ٣٦. وشرح حديث النزول لابن تيمية ص ٤٢٧. وبغية المرتاد ص ٣٤١.
[ ١ / ٤٢١ ]
النصّ والآيات. وكثيرٌ ممّن يكون قد وضع دينه برأيه أو ذوقه يحتجّ من القرآن بما يتأوّله على غير تأويله، ويجعل ذلك حجّة لا عمدة، وعمدته في الباطن على رأيه، كالجهميّة والمعتزلة في الصفات والأفعال، بخلاف مسائل الوعد والوعيد١؛ فإنّهم قد يقصدون متابعة النصّ.
_________________
(١) ١ يُراد بمسائل الوعد والوعيد عند الرافضة ما أُريد بها عند المعتزلة. ومسائل الوعد والوعيد بيّنها القاضي عبد الجبار المعتزلي بقوله: " وأما علوم الوعد والوعيد: فهو أنّ الله تعالى وعد المطيعين بالثواب، وتوعّد العصاة بالعقاب، وأنّه يفعل ما وعد به وتوعّد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه التخلّف والكذب..". شرح الأصول الخمسة ص ١٣٥-١٣٦. والروافض في إثبات الوعيد فرقتان؛ إحداهما تُثبته لمخالفيهم خاصّة. والأخرى تُثبته للنّاس عامّة. يقول الأشعريّ في المقالات: "واختلفت الروافض في الوعيد، وهم فرقتان: فالفرقة الأولى منهم يُثبتون الوعيد على مخالفيهم، ويقولون: إنّهم يعذّبون، ولا يقولون بإثبات الوعيد فيمن قال بقولهم، ويزعمون أنّ الله سبحانه يدخلهم الجنّة، وإن أدخلهم النّار أخرجهم منها. ورووا في أئمتهم أنّ ما كان بين الشيعة وبين الناس من المظالم شفعوا لهم إليهم، حتى يصفحوا عنهم. والفرقة الثانية منهم يذهبون إلى إثبات الوعيد، وأنّ الله ﷿ يُعذّب كلّ مرتكب للكبائر من أهل مقالتهم كان، أو من غير أهل مقالتهم، ويُخلّدهم في النّار". المقالات للأشعريّ ١١٢٦. وانظر: منهاج السنة النبوية ٢٣٠٣.
[ ١ / ٤٢٢ ]
البدع نوعان
فالبدع نوعان: نوعٌ كان قصد أهلها متابعة النصّ والرّسول، لكن غلطوا في فهم النصوص، وكذّبوا بما يُخالف ظنّهم من الحديث ومعاني الآيات؛ كالخوارج، وكذلك الشيعة المسلمين، بخلاف من كان منافقًا زنديقًا١ يُظهر التشيّع، وهو في الباطن لا يعتقد الإسلام. وكذلك المرجئة قصدوا اتباع الأمر والنهي، وتصديق الوعيد مع الوعد.
ولهذا قال عبد الله بن المبارك٢، ويوسف بن أسباط٣، وغيرهما إنّ الثنتين وسبعين فرقة٤ أصولها أربعة: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والقدريّة.
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀ عن لفظ الزندقة أنّه "لا يُوجد في كلام النبي ﷺ، كما لا يُوجد في القرآن. وهو لفظٌ أعجميّ معرّب، أُخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام وعُرِّب. وقد تكلّم به السلف والأئمة؛ في توبة الزنديق، ونحو ذلك. فأمّا الزنديق الذي تكلّم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر، فالمراد به عندهم المنافق الذي يُظهر الإسلام، ويُبطن الكفر، وإن كان مع ذلك يُصلّي ويصوم ويحجّ ويقرأ القرآن، وسواء كان في باطنه يهوديًا أو نصرانيًا أو مشركًا أو وثنيًا، وسواء كان معطِّلًا للصانع وللنبوّة، أو للنبوّة فقط، أو لنبوّة نبيِّنا ﷺ فقط، فهذا زنديق، وهو منافق. وما في القرآن والسنّة من ذكر المنافقين يتناول مثل هذا بإجماع المسلمين". بغية المرتاد ص ٣٣٨. ٢ سبقت ترجمته. ٣ يوسف بن أسباط الزاهد، من سادات المشايخ. له مواعظ وحكم. وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: لا يُحتجّ به. وقال البخاري: دفن كتبه، فكان حديثه لا يجيء كما ينبغي. انظر: سير أعلام النبلاء ٩١٦٩. وحلية الأولياء ٨٢٣٧. وشذرات الذهب ١٣٤٣. ٤ يُشير إلى حديث: "إنّ أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملّة، وإنّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملّة - يعني الأهواء - كلّها في النار إلا واحدة وهي الجماعة. ..". أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤١٠٢. وأبو داود في سننه ٥٥، كتاب السنّة، باب شرح السنّة. والحاكم في مستدركه ١١٢٨، وصحّحه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٢٣ ]
الجهمية أصل دينهم المعقول
وأمّا الجهميّة النافية للصفات، فلم يكن أصل دينهم اتباع الكتاب والرسول١؛ فإنّه ليس في الكتاب والسنّة نصّ واحدٌ يدلّ على قولهم، بل نصوص الكتاب والسنّة متظاهرة بخلاف قولهم، وإنّما يدّعون التمسّك بالرأي المعقول. وقد بُسط القول على بيان فساد حججهم العقليّة، وما يدّعيه بعضهم من السمعيّات، وبُيِّن أنّ المعقول الصريح موافق للمنقول الصحيح في بطلان قولهم، لا مخالف له٢.
الكلام في أفعال الرب تعالى
والمقصود هنا: الكلام في أفعال الربّ؛ فإنّ الجهميّة والمعتزلة ومن اتبعهم صاروا يسلكون فيه بأصلٍ أُصِّل بالمعقول، و[يجعلونه] ٣ العمدة، وخاضوا في لوازم القدر برأيهم المحض، فتفرّقوا فيه تفرّقًا عظيمًا، وظهر بذلك حكمة نهي النبيّ ﷺ لأمّته عن التنازع في القدر، مع أنّ المتنازعين كان كلّ منهما يُدلي بآية، لكن كان ذلك يُفضي إلى إيمان كلّ طائفة ببعض الكتاب دون البعض، فكيف إذا كان المتنازعون [عمدتهم] ٤ رأيهم.
_________________
(١) ١ وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٥٣٠٢، ٣٠٩،، ٧١١٠. وكتاب الصفدية ٢٢٣٩-٢٤٠. ومجموع الفتاوى ٣٣٥٠-٣٥٤. وشرح الطحاوية ٢٧٩٥. ورسالة السجزي إلى أهل زبيد ص ٢١٦. وشرح السنة للبربهاري ص ٥٧. ٢ وقد هدم شيخ الإسلام ﵀ قانون المتكلّمين العقليّ الذي جعلوه مقدّمًا على الأدلّة السمعيّة، والتزموا لأجله لوازمَ ردّوا بها كثيرًا من أمور العقيدة. وقد بسط ذلك - ﵀ - في كتابه الكبير: «درء تعارض العقل والنقل» . ٣ في «خ»، و«م»: يجعلون. وما أثبت من «ط» . ٤ في «خ»: عهدتهم. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٤٢٤ ]
أحاديث النهي عن التنازع في القدر
والحديث رواه أهل المسند والسنن [مفصّلًا] ١، ورواه مسلم٢ مجملًا عن عبد الله بن رباح الأنصاري أنّ عبد الله بن عمرو قال: هجَّرتُ٣ إلى رسول الله ﷺ يومًا، فسمع [أصوات] ٤ رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا ﷺ يُعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنّما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب".
وقال الإمام أحمد في المسند: [ثنا] ٥ أبو معاوية، [حدثنا] ٦ داود ابن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه٧ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم، والنّاس يتكلّمون في القدر. قال: فكأنّما يُفْقأ في وجهه حبّ الرمّان من الغضب. قال: فقال: "ما لكم تضربون كتاب الله بعضَه ببعض؟ بهذا هَلَكَ من كان قبلكم" قال٨: فما غبطتُ نفسي بمجلسٍ فيه رسول الله ﷺ لم أشهده، ما غبطتُ نفسي بذلك المجلس أنّي لم أشهده". وهذا حديث محفوظ من [رواية] ٩ عمرو بن شعيب. وقد رواه ابن ماجه
_________________
(١) ١ في «خ»: متصلًا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ صحيح مسلم ٤٢٠٥٣، كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن، والتحذير من متبعيه، والنهي عن الاختلاف في القرآن. ٣ قال ابن الأثير: "التهجير: التبكير إلى كلّ شيء، والمبادرة إليه؛ يُقال: هجّر يُهجّر تهجيرًا فهو مُهجِّر". النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥٢٤٦. ٤ في «خ»: أصواتًا. وفي «م»، و«ط»: صوت. وما أثبت من صحيح الإمام مسلم ﵀. ٥ في «م»، و«ط»: حدثنا. ٦ في «م»، و«ط»: ثنا. ٧ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. ٨ أي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. ٩ في «خ»: روايته. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٤٢٥ ]
من حديث أبي معاوية١.
وكتب أحمد في رسالته إلى المتوكّل٢ هذا الحديث. وجعل يقول في مناظرته لهم يوم الدار في المحنة: إنّا قد نُهينا عن أن نضرب كتاب الله بعضه ببعض٣.
وروى هذا المعنى: الترمذي من حديث أبي هريرة٤، وقال:
_________________
(١) ١ رواه أحمد في المسند ٢١٧٨، ١٩٦. وابن ماجه في السنن ١٣٣، في المقدمة، باب في القدر. وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١١١٥، ٣٦٢٧. والبغوي في شرح السنّة١٢٦٠. وقال محقّقاه: إسناده حسن. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده - كما في زوائد ابن ماجه ١٥٣ - وقال الساعاتي عن رواية الإمام أحمد: وقال البوصيريّ: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. وانظر: الفتح الرباني ١١٤٢. وقد حسّنه محقّق جامع الأصول ١٠١٣٥ عبد القادر الأرناؤوط. ورواه الآجري بسنده عن أبي أمامة في الشريعة ص ٦٨. وقال الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح ١٣٦: سنده حسن، وقال في تعليقه على شرح الطحاوية ص ٢١٨: صحيح. ٢ ذكر هذه الرسالة بنصها عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله في كتاب السنّة ص ٢١-٢٦. وأبو نعيم في الحلية - عند ترجمة الإمام أحمد - ٩٢١٦-٢١٩. وهي رسالة أرسلها الإمام أحمد ﵀ جوابًا لرسالة وصلته من وزير المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان يُخبره أنّ أمير المؤمنين أمره أن يكتب إليه، يسأله عن أمر القرآن، لا مسألة امتحان، ولكن مسألة معرفة وبصيرة.. وقال الذهبي عن هذه الرسالة: "رواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات، أشهد بالله أنّه أملاها على ولده". تاريخ الإسلام. ومقدمة المسند لأحمد شاكر ١١٢٤. ٣ كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ٤ أخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرّ وجهه؛ حتى كأنّما فُقئ في وجنتيه حبُّ الرّمّان، فقال: أبهذا أُمرتم؟ أم بهذا أُرسلت إليكم؟! إنّما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر. عزمتُ عليكم ألاّ تنازعوا فيه" الحديث أخرجه الترمذي في جامعه ٤٤٤٣، كتاب القدر، باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر. وقال: وفي الباب عن عمر، وعائشة، وأنس. وهذا الحديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث صالح المرّيّ، وصالح المرّيّ له غرائب يتفرّد بها، لا يُتابع عليها. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ١٤٩،، ٢١٠٤.
[ ١ / ٤٢٦ ]
حديث حسن غريب.
شبهة من ينكر صفات الله
قال١: وفي الباب الذي [فررت] ٢ منه؛ فإنّه لمّا قيل: إنّ له حياة، وعلمًا، وقدرة، وإرادة، وغضبًا، ورضي، ونحو ذلك، قلتَ: هذا يستلزم أن يكون موافقًا للمخلوق في مسمّى هذه الأسماء. وهذا تشبيه٣. فقيل لك٤: هذا يلزم مثله في الذات؛ فإن قيل بتعطيل الذات٥، فذلك يستلزم ما فررت منه؛ من ثبوت جسم قديم حامل للأعراض والحركات. وإذا كان هذا لازمًا لك على تقدير نفي الذات كما ثبت أنّه لازمٌ على تقدير إثباتها، كان لازمًا على تقدير النقيضين؛ النفي والإثبات. وما كان كذلك لم يمكن
_________________
(١) ١ لم يتبيَّن لي القائل، والكلام الذي سيأتي غير واضح. ولا أدري أهو من كلام الترمذيّ، أم من كلام شيخ الإسلام - فلعله رجع بعد الاستطراد انظر: ص ٤٩٩؛ فليس هذا الكلام في نسخ جامع الترمذي التي بين أيدينا. ٢ في «خ»: قررت. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ وهذا الكلام - كما يُفهم - من كلام مَن يُنكر صفات الله؛ كالجهميّة، والمعتزلة. وهذه حجّتهم؛ إذ أنّهم لم يفهموا من صفات الخالق إلا ما هو من صفات المخلوق؛ فشبّهوا، ثمّ عطّلوا. ٤ المقصود به الجهمي والمعتزلي الذي يُعطِّل الصفات ويُثبت الذات. فيُقال له: القول في الصفات كالقول في الذات. ٥ وهذا قول ملاحدة الصوفية، وغلاة الفلاسفة الذين يقولون بالوجود المطلق الذي لا حقيقة له في الأعيان.
[ ١ / ٤٢٧ ]
نفيه. و[أمّا] ١ نحن فقد بيَّنَّا أنّ اللازم على تقدير إثباتها لا محذور فيه، وإنّما المحذور لازم على تقدير نفيها. وهذا قد بُسط في غير هذا الموضع٢.
مناقشة من ينفي الحكمة
والمقصود هنا: أنه يُقال لهؤلاء٣ الذين ينفون الحكمة، ثمّ الإرادة،
_________________
(١) ١ في «خ»: انما. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: العقيدة التدمرية ص ١٥-٣٠، ٣٥-٤٦. وشرح الأصفهانية ٢٣٨٤-٣٨٨، ٤٤١-٤٤٥، ٤٥٠، ٤٥٧-٤٦٧. ودرء تعارض العقل والنقل ١١٢٨، ١٢٩، ٦١١٩-١٣٧. والرد على المنطقيين ص ٢٢٥-٢٣٢. ومنهاج السنة ٢١١٥-١٢٠، ١٦٠-١٧٢، ٥٩٥-٥٩٨. وكتاب الصفدية ١٨٨، ٢٣٤-٣٧. ٣ المقصود بهم الفلاسفة، والجهميّة. وانظر: ص ٥٣٣. فهم ينفون تعليل أفعال الله ﷾، وأن يكون مختارًا في أفعاله، ويقولون هو موجب بالذات، فلا يكون فعله لغاية. انظر: الإشارات والتنبيهات لابن سينا ٣١٥٠-١٥٥. وكذا انظر: بيان تلبيس الجهمية ١١٦١. وقال شيخ الإسلام عن الحكمة: "كل ما خلقه الله فله فيه حكمة؛ كما قال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ . وهو سبحانه غنيّ عن العالمين. فالحكمة تتضمّن شيئين؛ أحدهما حكمة تعود إليه يُحبّها ويرضاها. والثانية إلى عباده، هي نعمه عليهم يفرحون بها، ويلتذّون بها. وهذا في المأمورات، وفي المخلوقات". مجموع الفتاوى ٨٣٥-٣٦. وذكر شيخ الإسلام ﵀ أقوال النّاس في الحكمة، فقال عن الجهميّة: "ُنكرون التعليل جملة، ولا يُثبتون إلا محض المشيئة، ولا يجعلون في المخلوقات والمأمورات معاني لأجلها كان الخلق والأمر، إلى غير ذلك من لوازم قولهم. والمعتزلة يُثبتون تعليلًا متناقضًا في أصله وفرعه؛ فيُثبتون للفاعل تعليلًا لا تعود إليه حكمة" درء تعارض العقل والنقل ٨٥٤. أمّا الفلاسفة، فيقول عنهم شيخ الإسلام ﵀ إنّهم "ُثبتون علة غائيّة للفعل، وهي بعينها للفاعل. ولكنّهم متناقضون؛ فإنّهم يُثبتون له العلّة الغائيّة، ويُثبتون لفعله العلة الغائيّة، ويقولون مع هذا ليس له إرادة، بل هو موجب بالذات، لا فاعل بالاختيار. وقولهم باطل من وجوه " مجموعة الرسائل والمسائل ٤-٥٢٨٨. ويذكر شيخ الإسلام ﵀ تناقض الجهميّة والمتفلسفة في موضع آخر؛ فيقول: "لمتفلسفة متناقضون؛ فإنّهم يُثبتون غاية وحكمة غائيّة، ولا يُثبتون إرادة. والجهميّة تُثبت أنّه سبحانه مريد، ولا تُثبت له حكمة فعل لأجلها. وكلّ من القولين متناقض" شرح الأصفهانيّة ٢٣٧٨. وانظر: الكلام عن الحكمة وأقوال الناس فيها في كتب شيخ الإسلام: شرح الأصفهانية ١١٥٠-١٥٥، ٢٣٥٣-٣٧٨. ومنهاج السنة النبوية ١١٣٣-١٤٨، ٤٥٤، ٢٦١٢-٦١٥، ٣١٤، ٣٢، ١٨٠-١٩٨، ٢٠٧، ٢١٤-٢١٥. ودرء تعارض العقل والنقل ٨٥٤، ٩١١٠-١١١. ومجموع الرسائل ٤-٥٢٣٤-٢٣٥، ٢٤٠. وانظر: رسالة أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة والقضاء والقدر والتعليل وبطلان الجبر - ضمن مجموع الرسائل والمسائل ٤-٥٢٨٣-٣٤٦ - وهي في مجموع الفتاوى ٨٨١-١٥٨. ومجموع الفتاوى ٦١٢٨-١٣٠،، ٨٣٥، ٥٧، ٣٧٧-٣٧٨، ٤٦٦-٤٦٨، ١٦١٢٩-١٣٣، ٢٩٦-٢٩٨، ١٧٩٥، ٩٦، ٩٩وبيان تلبيس الجهمية ١١٦٣-٢١٧. واقتضاء الصراط المستقيم ١٤٠٩. وانظر: الإرشاد للجويني ص ٢٦٨ وما بعدها. ونهاية الإقدام للشهرستاني ص ٢٩٧. ومحصل أفكار المتقدمين للرازي ص ٢٠٥. والفصل لابن حزم ٣١٧٤. والمغني في أبواب التوحيد والعدل لعبد الجبار الهمذاني ٦٤٨، ١١٩٢-٩٣. ولعل القول الذي قصده شيخ الإسلام ﵀ أنّه يُقال للفلاسفة نظير ما قيل لنفاة الصفات، هو ما صرّح به بقوله: "على هذا فكلّ ما فعله علمنا أنّ له فيه حكمة. وهذا يكفينا من حيث الجملة، وإن لم نعرف التفصيل. وعدم علمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفيّة ذاته، وكما أنّ ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا. وأما كنه ذاته فغير معلومة لنا، فلا نُكذّب بما علمناه ما لم نعلمه. وكذلك نحن نعلم أنّه حكيم فيما يفعله ويأمره، وعدم علمنا بالحكمة في بعض الجزئيّات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته. فلا نُكذّب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها" مجموعة الرسائل ٤-٥٢٣٣.
[ ١ / ٤٢٨ ]
ثمّ الفعل في الأفعال نظير ما قيل لأولئك١ في الصفات، ويجعل مبدأ الكلام من الإرادة في الموضعين٢. فيُقال لمن أثبتها، ونفى الحكمة من المنتسبين إلى إثبات القدر٣، والمنتسبين إلى أهل السنة والجماعة: لم نفيتم الحكمة؟ فإذا قالوا: لأنّا لا نعرف من يفعل [لحكمة] ٤ إلا من يفعل
_________________
(١) ١ والمقصود بهم المعتزلة والجهميّة. وقد مرّ إلزامات المؤلف ﵀ لهم قبل أسطر؛ وهو أن يُقال للجميع: يلزمكم التشبيه بالمقدار الذي تُثبتونه لخالقكم ومعبودكم، وإلا أثبتوا حكمته من غير تشبيه. ٢ وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنّ نفي الحكمة هو أصل حجة الفلاسفة على نفي الصانع، فقال: "هذه الحجة لما كان أصلها هو البحث عن حكمة الإرادة، ولم فعل ما فعل؛ وهي مسألة القدر، ظهر بها ما كان السلف يقولونه: إن الكلام في القدر هو أبو جاد الزندقة. وعلم بذلك حكمة نهيه ﷺ لما رآهم يتنازعون في القدر عن مثل ما هلك به الأمم، قال لهم: بهذا هلكت الأمم قبلكم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض. وعن هذا نشأ مذهب المجوس القدرية، مجوس هذه الأمة، حيث خاضوا في التعديل والتجويز بما هو من فروع هذه الحجة، كما أن التجهم من فروع تلك الحجة" بيان تلبيس الجهمية ١١٦٣. ٣ والمقصود بهم الأشاعرة؛ فهم قد أثبتوا الإرادة، ونفوا الحكمة. وانظر: كتاب الصفدية ١١٤٧-١٤٨،، ٢٣٣١. "قد ردّ ابن تيمية على نفاة الحكمة من الأشاعرة، وذلك لأنّ إثبات النبوة مبنيّ على إثبات صفة الحكمة لله تعالى، والمتكلمون ينفون أن تكون أفعال الربّ تعالى واقعة لسبب، أو لعلّة، أو لغرض، بمعنى آخر: ينفون أن يكون الله تعالى يفعل شيئًا لشيء آخر. ومثال ذلك: أن تكون المعجزة مفعولة للربّ لغرض إثبات نبوّة الأنبياء؛ فهم ينفون ذلك الغرض، وهو في الحقيقة نفيٌ لحكمته سبحانه. ومن نفى صفة الحكمة عن الله تعالى فقد انسدّ عليه طريق إثبات النبوّة. لذا وجدناه يُقرّر أنّه قد أجمع المسلمون على أنّ الله تعالى موصوفٌ بالحكمة، ولكنّهم تنازعوا في تفسير ذلك.." النبوة عند ابن تيمية لسعيد خليفة ص ٣٣٣-٣٣٤. رسالة ماجستير مكتوبة على الآلة. وانظر: النبوات ص ٨٢١. ٤ في «ط»: الحكمة. وما أثبت من «خ»، و«م» .
[ ١ / ٤٣٠ ]
لغرضٍ يعود إليه. وهذا لا يكون إلا فيمن يجوز عليه اللذّة، والألم، والانتفاع، والضرر، والله منزّهٌ عن ذلك١. فيُقال لهم ما قاله نفاة الإرادة٢، وأنتم لا تعقلون إرادة إلا فيمن يجوز عليه اللذّة والألم والانتفاع والضرر، وقد قلتم أنّ الله تعالى مريدٌ؛ فإمّا أن تطردوا أصلكم النافي، فتنفوا الإرادة؛ أو المثبت، فتُثبتوا اللذّة، وإلا، فما المفرق٣؟ فإذا قال نفاة الإرادة٤: فلهذا نفينا الإرادة؛ كما رجّحه الرازي في المطالب العالية٥، واحتجّ به الفلاسفة. قيل لهم: فانفوا أن يكون فاعلًا، فإنكم لا تعلمون فاعلًا غير مقهور إلا بإرادة، ولا يعقلون ما يفعل ابتداءً إلا بإرادة، أو فاعلًا حياءً إلا بإرادة، أو فاعلًا مطلقًا إلا بإرادة٦.
_________________
(١) ١ انظر: التمهيد للباقلاني ص ٥٠ - حيث ذكر هذا الكلام بنصّه. وكتاب الأربعين للرازي ص ٢٥٠. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣١-٣٣٢. وقد ردّ شيخ الإسلام ﵀ على هذه الحجة بأربعة وجوه. انظر: شرح الأصفهانيّة ٢٣٦٩-٣٧١. ٢ من الجهميّة والمعتزلة. ٣ معنى ذلك: "إذا أردتم به أنّ حكمة الله هي ما ذكرتم، فهي دعوى بلا برهان؛ لأنّ حكمة الربّ تعالى فوق تحصيل اللذّة ودفع الألم، بل هو يتعالى عن ذلك؛ لأنّ ما ذكر غرض المخلوق. أمّا الخالق سبحانه فهو غنيّ بذاته عن كلّ ما سواه، حكمته سبحانه لا تُشابه حكمة المخلوقين، كما أنّ إرادته وسائر صفاته لا تُشابه صفات المخلوقين. فحكمته سبحانه أجلّ وأعلى من أن يُقال إنّها تحصيل لذّة، أو دفع ألم وحزن". الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى ص ٧٢. وانظر: التدمرية ص ٣٤. ٤ الجهميّة والمعتزلة. ٥ انظر: المطالب العالية للرازي ٣٢١٧. ٦ المقصود أنّ المعتزلة القدرية يُثبتون أنّ الله فاعل. وشيخ الإسلام ﵀ يلزمهم بإثبات الإرادة؛ لأنّه لا يعقل فاعل غير مقهور إلا بإرادة.
[ ١ / ٤٣١ ]
فإن قال أتباع أرسطو١:
_________________
(١) ١ أرسطو: هو أرسطو بن نيقوماخس (٣٨٤ - ٣٢٢ ق. م) . يُسمّونه المعلم الأول. ولد في مدينة أسطاغيرا اليونانيّة. وكان أفلاطون يُعلّم الفلسفة ماشيًا، وتابعه على ذلك أرسطو فسمّي هو وأصحابه المشائين. انتهت إليه فلسفة اليونان، وكان هو خاتمتهم. وكان مُشركًا يعبد الأصنام. وقد عنى فلاسفة المسلمين بفلسفة أرسطو، وسمّوه معلّمهم الأول) . انظر: الفهرست ص ٣٠٧-٣١٢. وطبقات الأطباء والحكماء ص ٢٥-٢٧. والملل والنحل للشهرستاني ٣٣٧-٦٣. مجموع الفتاوى ١١١٧١-١٧٢. والرد على المنطقيّين ص ١٨٦، ٢٨٣. والفرق بين الفرق ص ٣٠٧-٣٠٨. وقد ذكر شيخ الإسلام عن أرسطو أنّه "أوّل من صرّح بقدم الأفلاك، وأنّ المتقدمين قبله من الأساطين كانوا يقولون إنّ هذا العالم محدَث وأصحاب التعاليم كأرسطو وأتباعه كانوا مُشركين يعبدون المخلوقات، ولا يعرفون النبوات، ولا المعاد البدني، وإنّ اليهود والنصارى خيرٌ منهم في الإلهيّات، والنبوات، والمعاد". منهاج السنة النبوية ١٣٦٠، ٣٦٤. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٢١٦٧. وشرح الأصفهانية ١٦٥. والجواب الصحيح ١٣٤٥. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٨٠-٨١. أمّا عن مجمل اعتقاد أرسطو وأتباعه، فإنّهم يقولون: أنّ الله تعالى ليس هو خالق هذا العالم، بل لم يخلق شيئًا، وإنّما العالم قديم، وإنّما صدر عن الله العقل الأول لا على سبيل الخلق والإيجاد، وإنّما عن طريق ما يُسمّونه بالفيض والصدور، وأنّ الله هو علّة موجبة بذاته، وهو واحد لا يصدر عنه إلا واحد، ولذلك صدر عنه العقل الأوّل، وعن هذا العقل صدر عقل ثان، ونفس، وفلك. وعن العقل الثاني صدر عقل ثالث، ونفس، وفلك، وهكذا إلى أن أصبح هناك عشرة عقول، وتسعة نفوس وأفلاك. والعقل عند الفلاسفة بمنزلة الذكر، والنفس بمنزلة الأنثى. وأراد بعضهم التوفيق بين الفلسفة والشريعة، فقالوا: إنّ العرش هو الفلك التاسع. وربّما جعل بعضهم النفس هي اللوح المحفوظ، كما جعل العقل هو القلم. وتارة يجعلون اللوح هو العقل الفعّال العاشر، أو النفس المتعلقة به وزعموا أنّ العقول والنفوس هي الملائكة، وأنّهم التسعة عشر الذين على سقر، وأنّ جبريل هو العقل الفعّال، وأنكروا وجود الملائكة. ثمّ يزعمون أنّ هذه النفوس الفلكيّة هي المؤثرة الفعالة في القوى الأرضيّة المنفعلة، وأنّ القوى السماوية هي أسباب لحدوث الكائنات العنصرية؛ فهم يُثبتون بذلك صدورًا للمخلوقات بعضها عن بعض دون إرادة الله تعالى وعلمه ومشيئته، ويُثبتون كذلك التأثير في عالم الأرض، هو من عالم السموات والأفلاك. وأمّا تدبير الأمور اليوميّة؛ أي الحوادث الجزئيّة، وأنّه تعالى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فليس لله عندهم في ذلك تأثير، وأسقطوا عن الله تعالى رعايته لهذا الكون، وإمساكه عن الزوال والفناء. وقد أوجبوا وجود نبيّ يستقيم به نظام الكون، وهو عندهم بمثابة الرئيس المدنيّ. والفيلسوف أفضل منه؛ لأنّ النبيّ يتلقى وحيه وعلمه عن طريق القوة المتخيلة، والفيلسوف يتلقى علمه عن طريق القوة الناطقة المفكرة. والقوة المفكرة عندهم هي الرئيسيّة المتحكمة في المتخيلة. انظر: مقارنة بين الغزالي وابن تيمية ص ٧٩. والنبوة عند ابن تيمية ص ٣٧٠-٣٧١. ونقض المنطق ص ٩٩-١٠٦. وتفسير سورة الإخلاص ص ٤٩. وكتاب الصفدية ١٧-٩، ٢٨٠. والفارابي وآراء المدينة الفاضلة ص ٥٥، ٦١، ٨٩، ١١٢. والنجاة لابن سينا ص ٣١٠-٣١١.
[ ١ / ٤٣٢ ]
فلهذا قلنا إنّه لا يفعل شيئًا١، وليس بموجب بذاته شيئًا، لكن قلنا:
_________________
(١) ١ وقال شيخ الإسلام ﵀ موضّحًا هذا المعنى في كتابه الردّ على المنطقيّين: "فإنّ هؤلاء حقيقة قولهم أنّه لم يخلق شيئًا. ومتقدّموهم كأرسطو وأتباعه على أنّه يتحرّك الفلك للتشبّه بها. فليس هو عندهم لا موجبًا بالذات، ولا فاعلًا بالمشيئة. وأما ابن سينا وأمثاله ممّن يقول إنّه موجب بذاته، فهم يقولون ما يعلم جماهير العقلاء أنّه مخالف لضرورة العقل؛ إذ يُثبتون مفعولًا ممكنًا يمكن وجوده، ويمكن عدمه، وهو مع هذا قديمٌ أزليّ لم يزل ولا يزال، وهو مفعول معلول لعلّة فاعلة لم يزل مقارنًا لها في الزمان. فكل من هذين القولين ممّا خالفوا فيه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين ". الرد على المنطقيين ص ٥٢٤-٥٢٥. وانظر: المصدر نفسه ص ٢٢٠. ودرء تعارض العقل والنقل ١١٢٦، ١٢٧، ٦٦٩-٧٠، ٨٢١٦-٢٢٤، ٢٩٠. ومنهاج السنة ١١٤٩-١٥٠، ٤٠٢، ٤٠٥، ٣٢٧١-٢٨٩. وشرح الأصفهانية ١٩٣. وكتاب الصفدية ٢٣٣٤-٣٣٥.
[ ١ / ٤٣٣ ]
إنّ الفلك يتشبّه به، أو قال من هو أعظم تعطيلًا منهم: فلهذا نفينا الأول بالكليّة، ولم [نُثبت] ١ علّة تفعل، ولا علّة يُتشبّه بها. قيل لهم٢: فهذه الحوادث مشهودة، وحركة الكواكب، والشمس، والقمر مشهودة، فهذه الحركات الحادثة، وغيرها من الحوادث؛ مثل السحاب، والمطر، والنبات، والحيوان، والمعدن، وغير ذلك ممّا يُشهد حدوثه؛ أحدث بنفسه من غير أن يُحدثه محدِث قديم، أو لا بُدّ للحوادث من محدِث قديم؟
فإن قالوا: بل حَدَثَ كلّ حادث بنفسه، من غير أن يُحدثه أحد٣: كان هذا ظاهر الفساد، يُعلم بضرورة العقل أنّه في غاية المكابرة، ونهاية السفسطة، مع لزوم ما فرّوا منه؛ فإنّهم فرّوا من أن يكون ثَمَّ فاعلٌ محدِث، وقد أثبتوا فاعلًا محدِثًا، لكن جعلوا كلّ حادِث هو يحدث بنفسه ويفعلها؛ فجعلوا ما ليس بشيء يجعل الشيء، وجعلوا المعدوم يُحدث الموجود؛ فلزمهم ما فرّوا منه من إثبات فاعل، مع ما لزمهم من الكفر العظيم، وغاية الجهل، وغاية فساد العقل.
_________________
(١) ١ في «خ»: يثبت. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ أي لهؤلاء الذين ينكرون وجود الله. وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام ﵀ بهذا الطريق العقليّ المذكور في القرآن الكريم في كتابه شرح الأصفهانيّة ١٤١، ٢٣٥٣. وكتاب الصفدية ١٩-١٠. وفي رسالة أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة - ضمن جامع الرسائل والمسائل ٤٢٩٠. ٣ انظر: شرح الأصفهانية ١٣٩. وقد قال لهم شيخ الإسلام ﵀: "هذا السؤال ليس مختصًا بحدوث العالم، بل هو وارد في كلّ ما يحدث في الوجود من الحوادث. والحدوث مشهود، محسوس، متفق عليه بين العقلاء، فكلّ ما يُورده على حدوث خلق السموات والأرض يورد عليه نظيره في الحوادث المشهودة". مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣٤٥.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وإن قالوا: بل كُلّ محدَثٍ يُحدِثه مُحدِث، وللمُحدِث مُحدِث١. قيل لهم: هذا أيضًا ممتنع في صريح العقل؛ فإنّ التسلسل في الفاعل ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء٢؛ فإنّه كلما كثر ما يُقدَّر أنّه حادث، كان
_________________
(١) ١ من نفى الحكمة عن الله من الفلاسفة والأشعريّة استدلّ على ذلك بلزوم التسلسل، وقال هو محال على الله. انظر: التمهيد للباقلاني ص ٥١-٥٢. والأربعين في أصول الدين للرازي ص ٢٥٠. وقد ردّ شيخ الإسلام ﵀ على شبهتهم هذه بأربعة وجوه في شرح الأصفهانية ٢٣٦٣-٣٦٨. وانظر: كتاب الصفدية ٢٢٧. ومنهاج السنة النبوية ١١٤٥-١٤٧. وممّا قاله ﵀ في ردّه على هذه الشبهة: (هذا التسلسل في الحوادث المستقبليّة، لا في الحوادث الماضية؛ فإنّه إذا فعل فعلًا لحكمة، كانت الحكمة حاصلة بعد الفعل. فإذا كانت تلك الحكمة يُطلب منها حكمة أخرى بعدها، كان تسلسلًا في المستقبل. وتلك الحكمة الحاصلة محبوبة له، وسبب لحكمة ثانية؛ فهو لا يزال سبحانه يُحدِث من الحكم ما يُحبّه ويجعله سببًا لما يُحبّه) . منهاج السنة النبوية ١١٤٩. ٢ قال شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر: "التسلسل الممتنع إنّما هو التسلسل في المؤثرات؛ وهو أن يكون للفاعل فاعل، وهلم جرا إلى غير نهاية؛ سواء عبّر عن ذلك بأنّ للعلّة علّة وللمؤثّر مؤثّر، أو عبّر عنه بأنّ للفاعل فاعلًا. فهذا هو التسلسل الممتنع في صريح العقل. ولهذا كان هذا ممتنعًا باتفاق العقلاء؛ كما أنّ الدور الممتنع هو الدور القبلي. فأما التسلسل في الآثار: وهو أن لا يكون الشيء حتى يكون قبله غيره، أو لا يكون إلاّ ويكون بعد غيره. فهذا للناس فيه ثلاثة أقوال: قيل: هو ممتنع في الماضي والمستقبل. وقيل: هو جائزٌ في الماضي والمستقبل. وقيل: ممتنع في الماضي، جائز في المستقبل. والقول بجوازه مطلقًا هو معنى قول السلف، وأئمة الحديث، وقول جماهير الفلاسفة القائلين بحدوث العالم والقائلين بقدمه". منهاج السنة النبوية ٢٣٩٣. وقال ﵀: "لفظ التسلسل يُراد به التسلسل في المؤثرات؛ وهو أن يكون للحادث فاعل، وللفاعل فاعل. وهذا باطلٌ بصريح العقل واتفاق العقلاء. وهذا هو التسلسل الذي أمر النبي ﷺ بأن يُستعاذ بالله منه، وأمر بالانتهاء عنه، وأن يقول القائل: «آمنت بالله ورسله») . درء تعارض العقل والنقل ١٣٦٣. وانظر: المصدر نفسه ٣١٤٤، ١٦١، ٢٤٣، ٤٢٩٢-٢٩٣، ٩١٨٠-١٨٥، ٢٣٨-٢٤١. ومنهاج السنة النبوية ١١٤٦، ١٧٦، ٢١٢٨، ١٢٩، ٣٩٢، ٤٢٦. ومجموع الفتاوى ١٢٤٥. وكتاب الصفدية ١١٠-١١، ٢٣، ٢٧، ٣٠. وشرح الأصفهانيّة ١٤٦.
[ ١ / ٤٣٥ ]
أحوج إلى القديم. فليس في تقدير حوادث لا [تتناهى] ١ ما يُوجب استغناءها عن القديم، بل إذا كان المحدَث الواحد لا بُدّ له [من] ٢ محدِث غيره، فمجموع الحوادث أولى بالافتقار إلى محدِثٍ لها خارج عنها كلّها؛ فإنّ المحدِث لمجموعها يمتنع أن يكون واحدًا منها؛ فإنّه يلزم أن يُحدِث نفسه، ويمتنع أن يكون المجموع أحدث المجموع؛ فإنّ الشيء لا يُحدِث نفسه.
والمجموع هي الآحاد الحادثة وهيئتها الاجتماعيّة، وتلك الهيئة محتاجة إلى [المجموع الذي] ٣ هو كلّ واحد، واحد. والمجموع ليس إلا الآحاد واجتماعها، وكلّ ذلك مفتقر إلى محدِث مباين لها؛ فلا بُدّ للحوادث من قديم ليس بحادث٤
ثمّ يُقال لهم: إذا قُدّر تسلسل الفاعلين، وأنّ ما كان محدِثًا له محدَث، وهلم جرا. فهذا فيه إثبات ما فررتم منه؛ وهو أنّ هذا المحدَث فعل هذا، وهذا فعل هذا. لكن أثبتم ما لا يتناهى من ذلك في آنٍ واحد، فركبتم ما فررتم منه، مع لزوم هذه الجهالات التي تقتضي غاية فساد العقل،
_________________
(١) ١ في «خ»: يتناهى. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٤ انظر: رد المؤلف ﵀ على هذه الشبهة في مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣٤٣.
[ ١ / ٤٣٦ ]
والكفر [بالسمع] ١. وإذا كان المحذور يلزمهم على تقدير أن يكون الحادث أحدث نفسه، أو أحدث كلُّ حادِثٍ [حادثًا] ٢ آخر، مع فساد هذين، تبيّن أنّه لا ينفعه إنكار القديم. وإن قال٣: بل أُقرّ بالمحدث القديم. قيل: فقد أقررت بفعل القديم للمحدَث، وإذا ثبت أنّ القديم فعل المحدَث، وأنت لا تعلم فاعلًا [إلا لجلب] ٤ منفعة، أو دفع مضرّة٥. قيل له: [فما] ٦ كان جوابك عن هذا، كان جوابًا عن كونه يفعل بإرادته٧.
_________________
(١) ١ في «ط»: بالمسع. ٢ في «خ»: حادث. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أي الفيلسوف الذي يقول بقدم العالم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "المشهور من مقالة أساطين الفلاسفة قبل أرسطو، هو القول بحدوث العالم. وإنّما اشتهر القول بقدمه عنه، وعن متبعيه؛ كالفارابي، وابن سينا، والحفيد، وأمثالهم". كتاب الصفدية ١١٣٠. وانظر: المصدر نفسه ١١٤٨-١٥١. ومنهاج السنة النبوية ٣٣٨٦. ٤ في «ط»: إل لجلب. ٥ قال شيخ الإسلام: " فإنّ الواحد منّا إنّما يُحسن إلى غيره لجلب منفعة، أو لدفع مضرّة. وإنّما يضرّ غيره لجلب منفعة أو دفع مضرة. فإذا كان الذي يُثبت صفة وينفي أخرى يلزمه فيما أثبته نظير ما يلزمه فيما نفاه، لم يكن إثبات إحداهما ونفي الأخرى أولى من العكس. ولو عكس عاكس فنفى ما أثبته من الإرادة، وأثبت ما نفاه من المحبة لما ذكره، لم يكن بينهما فرق. وحينئذ: فالواجب إمّا نفي الجميع، ولا سبيل إليه للعلم الضروريّ بوجود نفع الخلق والإحسان إليهم، وأنّ ذلك يستلزم الإرادة. وإمّا إثبات الجميع؛ كما جاءت به النصوص. وحينئذٍ فمن توهّم أنّه يلزم من ذلك محذور، فأحد الأمرين لازم؛ إمّا أنّ ذلك المحذور لا يلزم، أو أنه إن لزم فليس بمحذور". قاعدة في الكرامات والمعجزات ص ٥٨. ٦ في «خ»: فينما. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ يُوضّح شيخ الإسلام ﵀ هذا الجواب الإلزاميّ في موضع آخر فقال: "إذا قال لهم الناس: إذا أثبتم حكمة حدثت بعد أن لم تكن، لزمكم التسلسل. قالوا: القول في حدوث الحكمة، كالقول في سائر ما أحدثه من المفعولات. ونحن نُخاطب من يُسلّم لنا أنّه إذا أحدث المحدثات بعد أن لم تكن؛ فإذا قلنا: إنّه أحدثها بحكمة حادثة، لم يكن له أن يقول: هذا يستلزم التسلسل. بل نقول له: القول في حدوث الحكمة، كالقول في حدوث المفعول الذي ترتّبت عليه الحكمة. فما كان جوابك عن هذا، كان جوابنا عن هذا". مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣٤١.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وقيل لمثبت الإرادة١: ما كان جوابك عن هذا، كان جوابًا عن حكمته؛ فقد بيّن أنّ من نفى الحكمة، فلا بُدّ أن ينقض قوله، ويلزمه مع التناقض نفي الصانع، وهو مع نفي الصانع تناقضه أشدّ.
والمحذور الذي فرّ منه ألزم، فلم يُغن عنه فراره من إثبات الحكمة إلا زيادة الجهل والشرّ. وهكذا يُقال لمن نفى حبّه، ورضاه، وبغضه، وسخطه٢.
وهذا مقامٌ شريفٌ من تدبّره وتصوّره تبيّن له أنّه لا بُدّ من الإقرار بما جاء به الرسول، وأنّه هو الذي يُوافق صريح المعقول، وأنّ من خالفه، فهو ممّن لا يسمع، ولا [يعقل، وهو] ٣ أسوأ حالًا ممّن فرّ من الملك العادل الذي يلزمه [بطعام] ٤ امرأته وأولاده، والزكاة الشرعيّة، إلى بلادٍ ملكها ظالم ألزمه بإخراج أضعاف ذلك لخنازيره وكلابه، مع قلّة الكسب في بلاده. و[بمنزلة] ٥ من فرّ من معاشرة أقوام أهل صلاح وعدلٍ ألزموه ما يلزم
_________________
(١) ١ وهو الأشعري. وجوابه في إثبات الإرادة؛ فيُقال له: القول في الحكمة، كالقول في الإرادة التي تُثبتها. ٢ وهم الأشاعرة الذين نفوا تلك الصفات مع الحكمة. انظر: التمهيد للباقلاني ص ٤٧-٤٨، ٥٠-٥١. ٣ في «ط»: يعق لو هو. ٤ في «خ»: بالطعام. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «ط»: بمنزل.
[ ١ / ٤٣٨ ]
واحدًا منهم من الأمور المشتركة إذ كانوا مقيمين، أو مسافرين؛ ان يُخرج مثلما يُخرجه الواحد منهم. فكره هذا، وفرّ إلى بلدٍ، فألزمه أهلها بأن يُنفق عليهم ويخدمهم، وإلا قتلوه وما أمكنه الهرب منهم.
فمن فرّ من حكم الله ورسوله أمرًا وخبرًا، [أو] ١ ارتدّ عن الإسلام، أو بعض شرائعه خوفًا من محذور في عقله، أو عمله، أو دينه، أو دنياه، كان ما يُصيبه من الشرّ أضعاف ما ظنّه شرًّا في اتباع الرسول. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىْ الَّذِيْنَ يَزْعُمُوْنَ أَنَّهُمْ آمَنُوْا بِمَاْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَاْ اُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيْدُوْنَ أَنْ يَتَحَاْكَمُوْا إِلَىْ الطَّاْغُوْتِ وَقَدْ أُمِرُوْا أَنْ يَكْفُرُوْا بِهِ وَيُرِيْدُ الشَّيْطَاْنُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيْدًَا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًَا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيْهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ باللهِ إِنْ أَرَدْنَا إلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًَا أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِم فَأَعْرِض عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيْغًَا وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاْءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًَا رَحِيْمًَا فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًَا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيْمًَا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ في «خ»: و. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ سورة النساء، الآيات ٥٩-٦٥.
[ ١ / ٤٣٩ ]