تمهيد:
رسل الله بشر ولدوا جميعًا من نساء جئن من ذرية آدم، اصطفاهم الله واختصهم برسالاته، فهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦-٢٨] .
وبين "أمر الله" والعمل في خدمة رسالاته حمل المرسلون أثقالًا وتعرضوا لضغوط عالية ومواقف حرجة وقاسوا محنًا وآلاما وكانت حياتهم جهادا خالصًا في سبيل الله.
ومن المسلمات في واقع الحياة أن "الناس معادن" تختلف خواصهم كاختلاف خواص المعادن والخامات الطبيعية فمنها المتميز النادر كالذهب ومنها الرخيص الوفير كالتراب. ومنها الصلد الشديد كالحديد ومنها الطري اللعوب كالزئبق، ومنها.. ومنها
ومن المسلمات كذلك أن الناس مواهب يختلفون في حظوظهم منها كاختلافهم في الأشكال والألوان. فهذا له يد فنان وذاك شاعر بالسليقة وثالث ذو عقلية رياضية. وهكذا.
بعد ذلك يأتي شيء من التعليم والتهذيب -قل أو كثر- ليصقل تلك المواهب ويرتقي بها، فتثبت قدم كل ذي موهبة فيما حظي به.
وفي مجال الرسالة الإلهية لا نجد عجبًا يخالف واقع الحياة أو طبيعة الأشياء فالرسل هم أولًا وأخيرًا بشر من الناس إلا أنهم صنعوا على عين "الحق" فكانوا أهلًا لرسالات الله، و﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
[ ١٧٣ ]
وترينا دراسة أحوال المرسلين -وخاصة أصحاب الرسالات الكبرى: موسى وعيسى ومحمد- أن الأمور لم تجر دائمًا وفق مشتيئتهم، فلم يكن لهم "من الأمر شيء" لأن "الأمر كله لله"، وما كانوا بين يديه -سبحانه- أكثر من عباد مخلصين.
ومن هنا كان الصراع العنيف وكانت المعارك الطاحنة في داخل تلك النفوس البشرية العالية قبل أن تكون في خارجها.
ومن المؤكد أن رسل الله -فيما يتلقونه من وحي- ليسوا أكثر من:"أجهزة استقبال" تامة الأمانة والدقة والكفاءة، لا بد أن تبلغ نسبتها العددية ١٠٠%.
وفيما عدا ذلك فهم مجتهدون قد يتعرضون لما يتعرض له البشر من هفوات ومآخذ، إلأ أن كونهم أفضل البشر جعل ما يمكن أن يؤخذ عليهم وفق ميزان "الحق" يندرج تحت الحكمة التي تعني أن من حسنات الإبرار ما قد يحسب سيئات للمقربين، باعتبار أن المقربين من الأبرار، وبالتالي كانت موازينهم أدق وحسابهم أصعب.
وإذا كنا نعهد في سيرة العظماء من البشر -رغم اختلاف مقاييس العظمة- كأن "القدر" يعدهم لما صار إليهم أمرهم، فمن باب أولى أن تكون عناية القدر برسل الله، قبل أن تأتيهم رسالات السماء.
لقد كان أول وحي إلى النبي أرميا ينبئه أنه في رعاية الله قبل أن يخلق:
"كانت كلمة الرب إلي قائلًا: قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك: جعلتك نبيًا للشعوب".
وكذلك كانت رعاية الله مع المسيح، إذ أوحى إلى يوسف خطيب مريم أمه أن يهرب به إلى مصر خوفًا من بطش هيرودس.
[ ١٧٤ ]
"إذا ملاك الرب ظهر ليوسف في حلم قائلًا: قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك، لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه. فقام وأخذ الصبي وأمه ليلًا وانصرف إلى مصر".
وكانت عين الله على رسوله محمد قبل أن يكون وبعد أن كان. فلقد حدث في طفولته ما يرويه: "لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان. كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة.
فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمني لاكم.. ما أراه لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إرازك، فأخذته وشدتته علي ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي"١.
ولقد حدث في صباه أن استرعى انتباهه عرس بمكة، تجمع القوم فيه للهو واللعب. فذهب إليه كما يذهب الصبية للمشاهدة والسرور. لكنه لم يلبث أن غلبه النوم، فانتحى خلف الدار ونام حتى أيقظته شمس الصباح.
قبل الرسالة:
تحقق خبرات الحياة صدق القول بأن "من شب على شيء، شاب عليه" وأن "الإنسان أسير العادة" وما إلى ذلك من الأمثال السائرة والقواعد السلوكية التي لم تعد في حاجة إلى برهان بعد أن صار الواقع لها خير برهان.
ذلك أن الإنسان يسهل تشكليه وتهذيبه منذ طفولته إلى نحو العشرين عامًا، وتبدأ الصعوبة في التغيير إلى الثلاثين عامًا، وتكاد تبلغ المستحيلات عند الأربعين عامًا.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري: جـ٢- ص٢٠١.
[ ١٧٥ ]
فإذا كان رسل الله قد اختيروا رجالًا قاربوا الأربعين من أعمارهم أو تخطوها، فإن هذا يعني أنهم كانوا أصلًا مؤهلين بطبيعتهم البشرية وما درجوا عليه من كريم الخصال وتميز المواهب، لكي يكونوا رسل الله إلى خلقه.
فحين جاء أول وحي لإبرهيم أبي الأنبياء "كان "عمره" خمسًا وسبعين سنة".
وحين بدأت رسالة موسى "كان موسى ابن ثمانين سنة".
وحين بدأت رسالة المسيح "كان له نحو ثلاثين سنة".
على أن هناك حالات خاصة من الأنبياء والمرسلين مثل أرميا الذي جاءه الوحي وهو ولد صغير:
"قلت: آه يا سيد الرب، إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد. فقال الرب لي: لا تقل إني ولد، لأني إلى كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به".
وكذلك يحيى بن زكريا الذي قال عنه "الحق": ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] .
ومحمد رسول الله ليس "بدعًا من الرسل" فقد جاءه الوحي وهو في الأربعين من عمره وقد عرفت أخلاقه وتميزت سماته لكل من خالطه وعرفه.
ولذلك نجد "الحق" يقول في وصف الرسول مبكرًا في صدر سورة القلم التي تعتبر ثاني سورة من القرآن ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] .
لقد كان خلق محمد هو أول البراهين على صدق ما جاء به، ورصيده الهائل الذي أعد بقدر الله لخدمة الرسالة.
فحين فاجأه الحق وهو في غار حراء ونزل عليه الملك بأول سورة "اقرأ" ثم انصرف عنه، رجع رسول الله إلى خديجة يرجف بها فؤاده، حتى إذا دخل عليها قال: "زملوني، زملوني". فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة:
[ ١٧٦ ]
"أي خديجة، مالي؟ لقد خشيت على نفسي"، ثم أخبرها الخبر، فقالت خديجة: "أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
لقد كانت أخلاق محمد -التي خبرتها خديجة عن كثب- وما اشتهر به بين الناس من جميل المحامد والسجايا، هي حيثيات الحكم التي استندت إليها في التأكيد على صدق ما جاءه، وأنه "الحق" من الله.
ولقد حدث ابن عباس قال: "لما أنزل الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ١، أتى النبي -ﷺ- الصفا، فصعد عليه ثم نادى: "يا صباحاه".
فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله.
فقال رسول الله -ﷺ: "يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي.. أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ "
قالوا: نعم. ما جربنا عليك إلا صدقًا.
قال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
فقال أبو لهب "عمه": تبا لك سائر اليوم. ألهذا جمعتنا؟ ٢.
بقي أن نلاحظ في قول الحق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٣، أن كلمة "على" للاستعلاء، وأن الخلق العظيم خاصية من خلقته الطبيعية وفطرة فطر عليها، فدل ذلك على أن الرسول في هذا المجال كالسيد بالنسبة لمن ساد عليه.
واستمر خلق الرسول يستخدم كواحد من خير البراهين على صدق رسالته، فكانت آيات القرآن تشير إلى ذلك بين الحين والحين حتى تذكر من جحد نبوته
_________________
(١) ١ الشعراء: ٢١٤. ٢ تفسير الفخر الرازي، وابن كثير. ٣ القلم: ٤.
[ ١٧٧ ]
من عشيرته وقومه بسابق عهدهم به صادقًا وأمينًا، فقد عرفوه عن قرب معرفة الصاحب لصاحبه، وخبروا رجاحة عقله وطيب معدنه. فالذي يأتيه إنما هو وحي السماء استقبلته نفس محمد الطاهرة وعقله الواعي:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ١٥-٢٢] .
وحين حاولوا مداهنته وطلبوا منه قرآنا لا يسفه آلهتهم ولا يدعو إلى نبذ عبادة اللات والعزى ولا يحرم عليهم ما تردوا فيه من خبائث ومنكرات كان قول "الحق":
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٥-١٧] .
ثم كانت هذه الدعوة للمكيين بتحرير الفكر وتحري الحقيقة في أمر صاحبهم، وذلك بانبعاثهم مثنى، أو فردًا فردًا، ثم تفكرهم في أمر محمد على ضوء سابق عهدهم به، وحين يصدقون العزم ويتجردون من الهوى، سوف تصدق نتائج تفكيرهم.
وهذه الدعوة للتفكير علمية ولا شك، فهي تأخذ في اعتبارها "علم النفس" وخصائص النفس البشرية التي قد تكابر في الحق حين تطرح القضية أمام ملأ من الناس، لكن احتمالات رجوع تلك النفس إلى الحق يكون أكبر حين يخلو
[ ١٧٨ ]
الإنسان بنفسه أو يفكر مع صديق له فآنذاك يرشد كل صاحبه ويستمع الواحد للآخر ولا حرج.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] .
نعم كان خلق محمد قبل الرسالة كافيًا لإيمان القوم به، لكنهم كذبوه جحودًا واستكبارًا لأهواء شخصية ودوافع قبلية ولم يكن تكذيبهم راجعًا لاختلاط أمره عليهم. وفي هذا يقول "الحق":
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .
بداية الطريق:
الرسالة الإلهية طريق غايته الوصول إلى الله
وهو طريق يهدي الذين أرسل إليهم، كما سبق وقد هدى من قبلهم المرسلين.
يهدي الذين أرسل إليهم بكتاب الله وسنة رسوله، بعد أن هدى المرسلين بالوحي الإلهي والتعاليم السماوية.
وفي قصة إبراهيم -الذي صار أبا الأنبياء- كان "ابن تسع وتسعين سنة حين ظهر له الرب وقال له:
"أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملًا. فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرًا جدًا.
فسقط إبرام على وجهه وتكلم الله معه قائلًا:
أقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدًا أبديًا لأكون إلها لك ولنسلك من بعدك".
[ ١٧٩ ]
إنه طريق إلى الله، يسير فيه الإنسان.
ويحتاج المسافر في كل طريق إلى من يأخذ بيده ويهديه الغاية ويعطيه الوسيلة ويحذره المصاعب والأهوال، ويعرفه القواعد والأحكام. هكذا الطريق إلى الله.
ومن أعلم بالطريق إليه -سبحانه- إلا هو، فهو الذي يهدي إليه، ولا هدي إلا به.
إذ يرسل ملائكته سفرة حفظة، بكتبه المكرمة إلى رسله المصطفين الأخيار والطريق شاق وطويل
هكذا كان مع نوح وإبراهيم وموسى وإلياس. ويحيى وعيسى، وهكذا كان مع محمد.
النبأ العظيم:
فجيء الوحي محمدًا في غار حراء، فأوحى إليه ما أوحى وصاحب ذلك ما صاحبه من خوف وربهة. ويقص محمد الخبر على خديجة، فتخفف من روعه بادي الرأي استنادًا إلى خبرتها الوثيقة. لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فما كان خبر السماء إلا ليؤخذ بكل الجد ويستيقن منه بالبحوث والتجارب.
وهناك يحدث أمران هما بمقياس العصر تجارب معملية كتلك التي تجرى لدراسة ظاهرة من الظواهر الطبيعية.
الأول: انطلقت خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد عرف خبر الوحي من الأسفار السابقة، فلما أخبرته بما حدث لمحمد وما رآه وسمعه أطرق مليًا ثم قال: "قدوس قدوس.. والذي نفس ورقة بيده: لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت".
[ ١٨٠ ]
الثاني: طلبت خديجة إلى محمد أن يخبرها بمجيء الملك متى رآه. فلما جاء الملك أجلست زوجها محمدا على فخذها الأيسر ثم على فخذها الأيمن ثم في حجرها وفي كل مرة تسأله عنه فيخبرها أنه لا يزال يراه.
حتى إذ حسرت وألقت خمارها فإذا بمحمد لم يعد ير الملك.
لم يبق -إذن- شك في أن هذا الذي يأتيه هو ملك طاهر، كما لم تبق هناك أية فرصة للشك في أن محمدًا وخديجة كانا أكثر الناس حرصًا على التثبت من حقيقة هذا الأمر الجديد الذي لا عهد لهم ولأمتهم به.
ولقد رأينا عند الحديث عن الوحي١ كيف صار صموئيل نبيًا فقد كان يخدم أمام الكاهن عالي، وبعد أن اضطجع للنوم، إذ به يسمع صوتًا يناديه فظنه عالي، فذهب إليه فقال عالي: "لم أدع، ارجع واضطجع"، ولما تكرر ذلك للمرة الثالثة "فهم عالي أن الرب يدعو الصبي فقال عالي لصموئيل: اذهب اضطجع ويكون إذا دعاك تقول: تكلم يا رب لأن عبدك سامع
فجاء الرب ودعا كالمرات الأولى فقال صموئيل: تكلم لأن عبدك سامع
وكبر صموئيل وكان الرب معه.. وعرف جميع إسرائيل أنه قد أؤتمن صموئيل نبيا للرب".
فهكذا صار صموئيل نبيًا للرب في ساعة من ساعات الليل وبكل بساطة وبلا جدل أو تمحيص.
ويعتبر صموئيل هذا من كبار أنبياء بني إسرائيل وهو الذي اعتمد شاول كأول ملك يقوم في إسرائيل وهو الذي مسح داود نبيًا "وحل روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعدًا".
_________________
(١) ١ راجع كتاب المؤلف: الوحي والملائكة.
[ ١٨١ ]
فروض وتكاليف:
من الطبيعي أن يبدأ التعليم الإلهي بالرسول.. وهكذا كان فلقد فرض عليه القيام بالليل، تعبدًا لله وتهذيبًا، وبعد أن انقضى عهد الراحة والنوم متزملًا ومتدثرًا.. وبدأ عهد جديد كله عمل وكفاح وصبر وجهاد.
وهو عمل في دوائر متحدة المركز تماثل تلك الدوائر التي تنبعث على سطح الماء لبحيرة هادئة إذا ما أصابتها قذيفة.
وحين نبدأ بالرسول في المركز نجد أقرب دائرة إليه أهل بيته، ثم صحبه المخلصين، ثم عشيرته الأقربين.
وهكذا نزلت أولى آيات سورة المزمل لتقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١-٤] .
هو فرض وتكليف، إذا صرفنا النظر عن كونه شغلًا مبذولًا وطاقة مستنفذة فلا شك أن النفس العالية لا بد وأن تستقبل ذلك التكليف بشيء من الخوف والرهبة، حذرًا من الضعف الذي ارتبط بالإنسان، أو مخافة عدم الإتقان.
لكنه -في الحقيقة- تكليف غلفته رحمة الله، ذلك أن النفس البشرية بطبيعتها تشعر بشيء من الراحة ويهون عليها الصعب حين تجد لها فيه خيارًا.
وهكذا كان فرض قيام الليل، إذ ترك الخيار في مقداره فزال بذلك الحرج وخف التكليف.
ولكي يعلم الرسول حقيقة ما انفتح عليه من السماء كانت الآية التالية لما سبق ذكره من سورة المزمل تخبر بكل وضوح أنه يتعرض لضغط عال من السماء يجب أن يستعد له منذ تلك اللحظة فهي تقول: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] .
لقد كان نزول القرآن على الرسول عملية تصحبها الشدة ويلازمها الضغط الثقيل، وحين قال عبد الله بن عمرو: يا رسول الله. هل تحس بالوحي؟
[ ١٨٢ ]
أجابه الرسول يقول: $"أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض".
وقال زيد بن ثابت: "أنزل على رسول الله -ﷺ- وفخذه على فخذي، فكادت ترض فخذي".
وأما من الناحية الموضوعية فإن القرآن حجة على كل من بلغه وشاهد له أو عليه يوم الدين، فأمره جد ليس بالهزل، وهو نبأ عظيم، يلازمه من الأمور ما يلازم كل نبأ عظيم.
ثم تأتي مرحلة جديدة وهي إعلان الرسالة في الدائرة التالية، نذيرًا وبشيرًا لقوم يسمعون مع زيادة في التعليم لما يجب أن يكون عليه حال الرسول. فقد نزلت سورة المدثر لتقول:
﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١-٧] .
لقد بدأ الصراع ولا محيص، ذلك أن العرب حين نزل فيهم القرآن كانوا أمة أمية، عزلتها الصحراء وطبعت عليها من سماتها الشيء الكثير، فآثرت الحفاظ على تراث الأقدمين بكل ما فيها من مساوئ، ومثالب. وهي مستعدة للقتال ضد كل تطور أو دعوة لنبذ ذلك القديم. حتى ولو كانت هذه الدعوة من السماء.
محنة روحية:
نزل الوحي بالقرآن وبدأت نواة الإسلام في بيت محمد فكان السابقون إليه زوجه خديجة، وابن عمه وربيبه الصبي علي بن أبي طالب، ومولاه زيد بن حارثة، ثم كان السابقون بعد بيته يتقدمهم "صاحبه وصديقه الحميم أبو بكر الذي آمن لفوره، دون أن يكون له في الإسلام كبوة، والذي طفق يدعو إليه منذ
[ ١٨٣ ]
اللحظة الأولى من وثق فيهم من القوم فتابعه على الإسلام عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام. ثم أسلم بعد ذلك أبو عبيدة بن الجراح وغيره كثير من أهل مكة".
وكان الواحد منهم إذا هدي إلى الإسلام ذهب إلى النبي سرًا فأعلن إسلامه.
وكان ذلك التخفي راجعًا إلى علم المسلمين الأوائل بما يضمره المجتمع القرشي من عداوة شديدة لكل من يفكر في الخروج على آلهته المتوارثة ومعبوداته الوثنية.
لكن أمر الوحي ونزول القرآن وإعلان نبوة محمد كان خبرًا يذاع منذ اللحظة الأولى ويكفي ما أعلنته خديجة لورقة بن نوفل وهي تستقي منه الخبر الذي لم تعهده العرب منذ قرون عديدة.. وما كان هذا الخبر بالذي يمكن كتمانه في مثل تلك البيئة التي اشتهرت بتناقل الأخبار وتقصي الروايات، وكان عندها من الفراغ الذهني والفكر ما يجعلها تذيع كل ما تلتقطه الآذان صباح مساء.
وإذا بمفاجأة لم يتقوقعها الرسول تحدث.
لقد توقف الوحي، إذ انقضت ليلة وليلتان وليالي وآيام ولا خبر من السماء.
وذاع هذا الأمر -كالمعتاد- وشمت الشامتون من الكفار وقالوا: إن محمدًا ودعه ربه، وأشفق الصحب من المسلمين ولعل منهم من حدثته نفسه فقال للنبي: ما أرى ربك إلا قد قلاك.
وبين هذا وذاك عانى النبي في تلك المحنة الروحية الشيء الكثير، حتى ترانا لا نعجب حين نقرأ لكتاب السيرة وهم يتحدثون عن فتور الوحي فيقولون: إن النبي هانت عليه نفسه وتمنى لو ألقى بها من أعلى جبل حراء أو أبى قبيس بعد أن ألفى نفسه وحيدًا هكذا كالمعلق بين السماء والأرض.
لقد سبق أن طلب موسى من الله الموت لنفسه حين ثقل عليه الأمر مع بني إسرايل: "فقال موسى للرب: لماذ أسأت إلى عبدك، ولماذا لم أجد نعمة في عينيك حتى إنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي؟
[ ١٨٤ ]
إن كنت تفعل بي هكذا فاقتلني قتلًا.. فلا أرى بليتي" "العدد ١١: ١١-١٥".
وكذلك طلب إلياس "إيليا" الموت لنفسه بعد أن أرهقته مطاردة آخاب ملك إسرائيل الفاجر وزوجته إيزابل وهما يطلبان قتله، فإذا ثقل عليه الأمر واشتد الكرب "سار في البرية مسيرة يوم حتى أتى وجلس تحت رتمة وطلب الموت لنفسه وقال: قد كفى الآن يا رب. خذ نفسي" "الملوك الأول ١٩: ٤".
لكن ﴿رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] .
فما لبث الوحي أن عاد للنزول بعد أن فتر حينًا تعلم فيه النبي الصبر والتعلق كلية بالله الذي وحده "له الخلق والأمر".
وكانت سورة الضحى خير عزاء للرسول وبشرى وتثبيت:
﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ١-٥] .
واستمر الوحي نزولًا وآيات الله تترى، حتى إذا انقضت عدة سنوات تعرض النبي لتجربة أخرى تناظر تلك المحنة الروحية التي فجأته في صدر الدعوة
فإذا كانت الحرب على أشدها بين القرشيين وأشياعهم من جابب، ومحمد والمسلمين من جانب آخر.. "بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة فقالو لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء.
فقال "أحبار اليهود": سلوه عن ثلاث.. فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول.. وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها.. وسلوه عن الروح ما هو؟
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش. فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد وقد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور،
[ ١٨٥ ]
فأخبرهم بها فجاءوا رسول الله -ﷺ- فقالوا: يا محمد أخبرنا فسألوه عما أمروهم به فقال لهم رسول الله -ﷺ: "أخبركم غدًا عما سألتم عنه" ولم يستثن، فانصرفوا عنه.
ومكث رسول الله -ﷺ- خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيًا ولا يأتيه جبرائيل ﵇، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألنا عنه، وحتى أحزن رسول الله -ﷺ- مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة.
ثم جاءه جبرائيل ﵇ من الله ﷿ بسورة أصحاب الكهف وفيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه"١.
لم يقل الرسول لمن سألوه: "أخبركم غدًا عما سألتم عنه إلا أن يشاء الله" فكان ذلك الحرج الشديد والأذى والمعاناة".
إنه نبي ورسول من عند الله، كل كلمة بل كل حرف وتصرف بحساب وإلا فهناك حساب يتناسب وأقدار الرجال. ثم نزل التعليم الإلهي للرسول بأن نزول الملائكة بالوحي عبر الزمان لكل الأنبياء والمرسلين لا يتم إلا بأمر الله الذي له وحده المشيئة المطلقة "وهو الحكيم الخبير".
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
وتطالعنا الآن نتيجة حتمية أكدتها أحداث الرسالة في الإسلام -سبق أن أشرنا إليها- وهي أن رسل الله تحت ضغط الوحي ليسوا أكثر من "أجهزة استقبال" تامة الدقة والأمانة بالغة الحساسية، فحين تأتيها الإشارة من السماء
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير: سورة الكهف.
[ ١٨٦ ]
تلتقطها وتذيعها، أما حين يتوقف الإرسال فلا استقبال ولا إذاعة، بصرف النظر عما يصيب رسل الله آنذاك من حرج وأذى وضيق، إذ إن الأمر كله لله وهم خدم في بيت رسالته.
الرسول بين يدي الله:
تقرير واقع: نزلت سورة الضحى لتطمئن الرسول وتشف صدور المؤمنين وتذهب غيط قلوب الكافرين ثم تذكر الرسول بواقع الأمر فتقول له:
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦-٨] .
هذه حقائق ثلاث كانت في حياة الرسول، يهمنا منها ما يتصل بالدين. فمن المعلوم أنه -صلوات الله عليه- نشأ في أمة أمية وفي مجتمع وثني، عزفت نفسه المطهرة عن المشاركة في سفاهات قومه على أية صورة من الصور، فلقد أيقن بفطرته السوية أنهم في معتقداتهم الدينية على باطل لا مراء فيه، ولكن أين الحق إذن؟
إن هذا ما تطلعت نفسه دائمًا لإدراكه وكانت وسيلته الوحيدة هي التباعد عما فيه قومه، ثم التفكير وحيدًا في هذا الكون العظيم وظواهره ونواميسه. ولقد طاب له التأمل والتفكير وهو يرعى الغنم في الصحراء ثم وجد في التحنت أو التحنف خير داواء مستطاع لما يختلج في صدره، فكان يذهب إلى غار بجبل حراء فيقضي فيه ما شاء الله من ليالي وأيام يفكر في الكون وخالقه، ثم يعود إلى خديجة بعد أن يكون قد نفد ما معه من قليل الزاد.
ولم يلبث أن تعهدته العناية الإلهية بالرؤيا الصادقة -التي تعتبر إرهاصًا للوحي في حياة الأنبياء- فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت صادقة كنور الصباح. وأخيرًا جاء الحق وحيًا من الله، قرآنًا.
لقد هداه الله فعرفه الحق وسبله، فالهدى يعني التعريف بالطريق كما في
[ ١٨٧ ]
قوله تعالى في سورة البلد ١٠: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي عرفنا الإنسان طريقي الخير والشر، فيسلك الأول، ويجتنب الثاني.
وكذلك قوله في سورة الصافات ٢٣: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي أرشدوهم إلى طريق جهنم. والضلال عكس الهدى بمعنى الجهل بالشيء كما يقال في اللغة: ضللت الدار -أي لم أعرف موضعها.
والضلال يعني النسيان كذلك وعدم الإلمام بالشيء، أو جزئياته أو إهماله كما في قوله تعالى في آية التداين من سورة البقرة ٢٨٢: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ .
فضلال الشاهدة هنا يعني نسيانها حقيقة الشهادة.
وحين قال فرعون لموسى، وهو يمن عليه بما كان من سابق أمره حين تربى في بيت الملك، ثم قتل المصري وهرب إلى مدين -ما تذكره سورة الشعراء ١٨-٢١: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ، قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ، فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ .
فقول موسى: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي الجاهلين بالحقائق، كما تعني كذلك حال موسى قبل النبوة والرسالة.
وعلى ضوء هذا نفهم معنى قوله تعالى لنبيه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ١.
فقول الله حق، ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الضحى: ٧ ٢ الأحزاب: ٥٣.
[ ١٨٨ ]
على أن لهذا القول دلالة لا تخفى على كل من ﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ١ فهذا القول يعني أن محمدًا الذي اشتهر بالأمانة -قبل الرسالة- بين الناس، لهو أشد أمانة فيما يتنزل إليه من ربه من قرآن.
إن القرآن هو الذكر الحكيم، وما أنزل الله ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ ٢ ولقد صرفه -سبحانه- بين الناس ليذكروا، ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣ ولهذا نجد القرآن يعيد التذكرة بعد سنوات من نزول سورة الضحى فيقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍوَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [الشورى: ٥٢] .
بل إن القرآن ليقرر حقيقة نبؤها عظيم وأمرها جد، فيقول للرسول على لسان "الحق" إنه لا يملك من أمر القرآن بعد نزوله شيئًا، كما أنه لم يكن يملك من أمره شيئًا قبل التنزيل. فالله قادر أن يذهب بما أوحى، وآنذاك يجد الرسول نفسه وقد تقطعت به كل الأسباب.
﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا، إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٦-٨٧] .
ولا عجب. فالأمر كله لله، ليس الأمر فقط، بل له سبحانه "الخلق والأمر" فهو الذي يملك السمع والأبصار و.. يدبر الأمر".
وفي تذكرة للإنسان، يقول القرآن: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] .
_________________
(١) ١ سورة ق: ٣٧. ٢ طه: ٣. ٣ الذاريات: ٥٥.
[ ١٨٩ ]
فالله وحده له المشيئة في كل شيء:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى، وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: ٦-٨] .
ولقد كان الأنبياء جميعًا واعين لتلك الحقيقة الهامة، وهي أن الإيمان الذي ملأ قلوبهم هو في قبضة "الحق"، وعلى المؤمن الحقيقي أن يسأل الله دائمًا الثبات على اليقين والترقي في مراتب الإيمان. ولهذا قال إبراهيم أبو الأنبياء في محاوراته مع قومه: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨-٨٢] .
وعلى شاكلة إبراهيم -ومن بعده- كان موقف شعيب مع قومه، إذ: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ، قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨-٨٩] .
ليس الإيمان فقط -وهو الشيء غير المادي -الذي يرد حفظه إلى الله، بل إن كتاب الله المسطور يرد حفظه إلى الله كذلك، فإن شاء حفظه وإن شاء استحفظ عليه البشر. وفي هذه الحالة الأخيرة يصبح معرضًا -ولا شك- للتغير والتبديل، لأن الزيغ من طبع الإنسان.
[ ١٩٠ ]
وما حدث لتوراة موسى خير دليل على ذلك.
فحين ذهب موسى لميقات ربه يتلقى التوراة بعد أن استخلف أخاه هارون في قيادة بني إسرائيل أعطى الله "موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بأصبع الله".
لكن الشعب الإسرائيلي انتهز فرصة غياب موسى فخرج على قيادة هارون وضع له عجلًا مسبوكًا من الذهب غنمه من المصريين قبل رحيله وقام يعبده ويلعب حوله.
"فقال الرب لموسى: اذهب انزل لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر.. صنعوا لهم عجلًا مسبوكًا وسجدوا له.
فحمي غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل".
لقد كسر موسى بنفسه التوراة التي كتبتها يد القدرة ولم يجف مدداها بعد
ولذلك "قال الرب لموسى: انحت لك لوحين من حجر مثل الأولين فأكتب أنا على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين اللذين كسرتهما.. واصعد في الصباح إلى جبل سيناء".
ولكن الذي حدث بعد ذلك أن موسى هو الذي كتب التوراة، فقد:
"قال الرب لموسى: اكتب لنفسك هذه الكلمات، فكتب على اللوحين كلمات العهد، الكلمات العشر".
ومن المعلوم أن التوراة تعرضت بعد ذلك للحرق والضياع، وقد أعاد عزرًا كتابتها بعد أكثر من ٧٠٠ عام من نزولها على موسى.
هذا.. ولما كان "النبي" هو الذي ينبئ عن الله، أي يخبر الناس بما يريد "الحق" سبحانه -أن يظهره إلى الخلق، فإن "النبي" لا يستطيع أن يحدث بشيء من الغيب إلا ما شاء الله.
[ ١٩١ ]
وكانت "الساعة" من الأمور التي بقي علمها عند الله فخفيت عن جميع الأنبياء والمرسلين.
ولقد كان كفار قريش ينكرون القيامة والساعة وكأنهم أرادوا تعجيز الرسول فسألوه عنها سؤال المنكر المصر على جحوده فجاء الحق يقول:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
ومن قبل قرر المسيح لتلاميذه أن القيامة والساعة شيء اختص الله بعلمه، فأخفاه عن جميع خلقه بما فيهم الملائكة والمسيح، فقد قال لهم:
"أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلا الآب".
ومن الطبيعي أنه ما دام أمر الساعة قد خفي عن كبار الأنبياء، فإن مصائر البشر الأبدية التي تتقرر في الساعة، لا تتقرر إلا بأمر الله ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] .
وحتى أنبياء الله ﴿لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
بل إن ملائكة الله لا يشفعوه إلا من بعد إذنه:
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] فالأمر متوقف آنذك على رضوان الله وحده لا شريك له.
[ ١٩٢ ]
ويقطع تاريخ الأنبياء بأن النبوة لا تعني مداومة النبي الاطلاع على الغيب، فكلهم لم يعلم منه شيئًا إلا ما أظهره الله عليه وفق قدره المحكم والمحتوم.
فقد حدث لإبراهيم حين تغرب في أرض جرار أن قال عن سارة زوجته إنها أخته، فلما أنكر زوجيتها له "أرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ سارة" ليعاشرها معاشرة الأزواج "فجاء الله إلى أبيمالك في حلم الليل وقال له: هأنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها، فإنها متزوجة ببعل
فبكر أبيمالك في الغد ودعا جميع عبيده ثم دعا أبيمالك إبراهيم وقال له: ماذا فعلت بنا.. حتى جلبت علي وعلى مملكتي خطية عظيمة.
فقال إبراهيم: إني قلت ليس في هذا الموضع خوف الله ألبتة فيقتلونني لأجل امرأتي" "تكوين ٢٠" فمن الواضح أن إبراهيم كان لا يعلم ما ينتظره في الغد ولذلك أنكر زوجيته لسارة.
وحدث بعد ذهاب موسى وأخيه هارون إلى فرعون ليخرجا بني إسرائيل من مصر أن فرعون زاد من اضطهاده للإسرائيليين "فرأى مدبرو بني إسرائيل أنفسهم في بلية
وصادفوا موسى وهارون واقفين للقائهم حين خرجوا من لدن فرعون فقالوا لهما:
ينظر الرب إليكما ويقضي لأنكما أنتنتما رائحتنا في عيني فرعون وفي عيون عبيده حتى تعطيا سيفًا في أيديهم ليقتلونا.
فرجع موسى إلى الرب وقال: يا سيد، لماذ أسأت إلى هذا الشعب؟ لماذ أرسلتني؟
فإنه منذ دخلت إلى فرعون لأتكلم باسمك أساء إلى هذا الشعب، وأنت لم تخلص شعبك" "خروج ٥: ١٩-٢٣".
فمن الواضح أن موسى كان يجهل الأحداث الجسام التي تنتظره وبني إسرائيل، ومنها تخليصهم من قبضة فرعون في أيام معلومات.
[ ١٩٣ ]
وحين ضاقت السبل بإيليا من مطاردة آخاب وإيزابل فإنه "جلس تحت رتمة وطلب الموت لنفسه وقال: قد كفى الآن يا رب خذ نفسي.
وإذا بملاك قد مسه وقال: قم وكل. ثم عاد ملاك الرب ثانية فمسه وقال: قم وكل لأن المسافة كبيرة عليك. فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين نهارًا وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب ودخل هناك المغارة وبات فيها" "الملوك الأول ١٩: ٤-٨".
فمن الواضح أيضًا أن نفس إيليا ما كانت تدري ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وما كانت تدري ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ٢.
ولقد حدث حين شعر المسيح بمؤامرات اليهود تحاك ضده وأنهم يريدون قتله، أن قال لهم في الهيكل: "تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني.. لماذا تطلبون أن تقتلوني وكان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل، لأنه لم يرد أن يتردد في اليهودية لأن اليهودكانوا يطلبون أن يقتلوه".
واستمرت هذه سياسة المسيح تجاه اليهود في تجنب الأماكن التي يمكنهم اصطياده فيها:
"فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقلتوه. فلم يكن يسوع أيضًا يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية إلى مدينة يقال لها أفرايم ومكث هناك مع تلاميذه" "يوحنا ١١: ٥٣-٥٤".
فمن الواضح أن المسيح كان يجهل تمامًا ما يخبئه له القدر في صراعه مع اليهود، ولذلك اتخذ من الاحتياطات ما ارتآه معينًا على إفشال مخططاتهم ضده.
لأنه لو كان يعلم أنهم سيصطادونه في يوم معين لما كان هناك فائدة من تلك الاحتياطات، ولو كان يعلم أنهم لن يصطادوه أبدًا فلم يكن لها من داع أيضًا.
وإنما تتخذ الاحتياطات بسبب الجهل بالغيب.
_________________
(١) ١، ٢ لقمان: ٣٤.
[ ١٩٤ ]
لقد درج كثير من الناس على اعتبار الأنبياء وكلاء عن الله في كل ما يتصل بالغيب من شر وما ينتظر الناس من مصائر وأقدار. ولقد حسم القرآن الكريم هذه القضية حسمًا، فقال فيها الحق الواضح الذي يمنعها أن تكون وسيلة للتسلية والتعجيز من عتاة الكافرين، أو مدعاة للأحاجي والألغاز بين ضعاف المؤمنين وذلك في آياته البينات:
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] .
وإذا كان الرسول قد بعثه الله ليهدي الناس ويأخذ بأيديهم بعيدًا عن مهاوي الضلال، فما هو إلا معلم ومبلغ وداع إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
أما استجابة الناس إلى الهدي فليست من مسئولياته، بل إنه لو أراد إكراههم على ما فيه منفعتهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١-٢٢] .
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] .
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] .
وخلاصة القول في تقرير واقع "الرسول بين يدي الله" هو ما يقرره "الحق" في قوله المحكم":
[ ١٩٥ ]
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] .
التعاليم الأساسية:
استفتح القرآن -في سورة "اقرأ"- باسم الإله الذي ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ فهو الإله ﴿الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣-٥] .
ثم توالت آيات الله، وعلى هديها قام الرسول يدعو إلى ربه على بصيرة، وفي مواجهته قام المشركون من قريش والذين كفروا به من اليهود، يحاربونه ومن تبعه بكل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
وفي محاوراتهم معه قال المشركون: "انسب لنا ربك" وجاءه أناس من اليهود يقولون: "صف لنا ربك، فإن الله أنزل نعته في التوراة".
فأنزل الله -تعالى- سورة "الإخلاص" وهي نسبة خاصة لله؛ تقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ .
ولقد علم الرسول أصحابه أنها "تعدل ثلث القرآن".
كان طبيعيًا -إذن- أن تكون سورة "الإخلاص" من أوائل السور التي نزلت في صدر القرآن، إذ هي تضع الأساس الذي يقوم عليه الإسلام، فما اتفق معها يتفق والعقيدة الإٍسلامية، وما اختلفت معها استحال التوفيق بينه وبين أساسيات الإسلام، مهما اجتمع لذلك من فلاسفة العصر وقادة الفكر وشيوخ الأديان.
وكان منطقيًا أن يكون أساس العقيدة واضحًا كل الوضوح بسيطًا كل البساطة، يفهمه كل ذي عقل سواء من أوتي حظًا من علم أو كان من الجهلة والأميين. فمن غير المعقول أن يكون أساس الدين -الذي يتوقف عليه المصير
[ ١٩٦ ]
الأبدي للإنسان- قائمًا على قصص وأقاويل تعاني في سبيل وعيها العقول والأفهام.
وكان عدلًا ورحمة أن يدخل الإنسان -كل الإنسان- دائرة الغفران والقبول طالما سلم أساس عقيدته فقام على التوحيد الخالص، المبرأ عن كل شبهة وشرك، فكل ما رواء ذلك يمكن أن يهون لأن رحمة الله أوسع، وأقرب للإنسان من حبل الوريد.
لذلك نجد "الحق" يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] .
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] .
[ ١٩٧ ]