ملامح الشخصية:
من الأهمية بمكان التعرف على الملامح التي تعين على رسم صورة صادقة لشخصية الأنبياء في شتى مظاهرها الجسمية والخلقية والسلوكية، فذاك شيء تتحرق له البشرية وترجوه. ولكم كتب الكتاب والباحثون وفاضت كتاباتهم بالحسرة والألم من قلة المعلومات والبيانات التي تفتقدها السيرة الذاتية لاثنين من أصحاب الرسالات الكبرى هما موسى وعيسى.
ويكفي أن نذكر في هذا المقام ما يقوله "دنيس نينهام" في مقدمة تفسيره لإنجيل مرقس: "إنها لحقيقة تصدمنا أنهم "كتبة الأناجيل" لم يخبرونا بأي شيء عن هيئة "يسوع" وبنيته الجسمية وصحته، كما لم يخبرونا بشخصيته وعما إذا كان -على سبيل المثال- سعيدًا مبتهجًا رابط الجأش، أم أنه كان على العكس من ذلك.
إنهم لم يفكروا -حتى- أن يخبرونا بطريقة قاطعة عما إذا كان قد تزوج أم لا.
كذلك فإنهم لم يعطونا معلومات محددة عن طول فترة دعوته أو عمره حين توفي، كما أنه لا توجد أقل نبذة عن تأثير بيئته الأولى عليه أو عن أي تطور في نظرته ومعتقداته.
لقد أمكن حساب الفترة التي تلزم لإتمام الأحداث التي يرويها مرقس فوجد أنها لا تتعدى ثلاثة أو أربعة أسابيع، عدا الفقرة "١: ١٣" التي تقول: "وكان هناك في البرية أربعين يومًا يجرب من الشيطان".
لقد دفعت هذه الحقيقة "ستريتر" أن يقرر في كتابه: الأناجيل الأربعة - "ص٤٢٤": أن المجموع الكلي للأحداث التي سجلها الإنجيل صغير جدًا
[ ١٩٨ ]
لدرجة أن الثغرات الموجودة في الرواية لا بد أن تكون هي الجزء الجدير بالاعتبار"١.
هذا.. على حين تزخر سيرة محمد بكل ما هو ضروري وكاف لبيان حقيقة هذه الشخصية العالمية كبشر ثم كنبي صاحب كبرى الرسالات.
وعند الحديث عن ملامح الشخصية لمحمد خاتم النبيين نجد وفرة في كتب السيرة تتضافر جميعها لتعطينا صورة متآلفة عن الخواص الجسمية والنفسية للرسول. ويحدثنا في هذا اثنان ممن تربيا في حجر رسول الله هما هند بن أبي هالة -وكانت أمه خديجة بنت خويلد الزوجة الأولى والوحيدة طيلة حياتها مع الرسول- ثم علي بن أبي طالب وقد احتضنه الرسول منذ صباه.
قال هند وقد سأله الحسن بن علي عن صفات رسول الله:
"كان أطول من المربوع٢ وأقصر من المشذب٣ عظيم الهام، رجل الشعر، إذا تفرقت عقيصته٤ فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه.. أزهر اللون٥، واسع الجبين، أزج الحواجب٦ سوابغ٧ في غير قرن بينهما ، كث اللحية٨، أدعج٩، سهل الخدين١٠، ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسرية١١.. معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس١٢.. موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجر كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى
_________________
(١) ١ المسيح في مصادر العقائد المسيحية: ص٤٥. ٢ الرجل الوسيط القامة. ٣ الطويل. ٤ الشعر الذي يلوى "ضفيرة". ٥ أبيض اللون في صفاء. ٦ حواجب دقيقة في طول. ٧ تامة وكاملة. ٨ غزير شعرها. ٩ شديد سواد العين مع شدة بياضها. ١٠ قليل لحمها. ١١ المسربة من الشعر: وسط الصدر إلى البطن. ١٢ رءوس العظام.
[ ١٩٩ ]
ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة شنن الكفين١ والقدمين، سابل الأطراف، خمصان الأخمصين٢، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء.
إذا زال زال قلعًا، يخطو تكفيًا، ويمشي هونًا، ذريع المشية٣، إذا مشى كأنما ينحط من صبب٤، وإذا التفت التفت جميعًا. خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة. يسوق أصحابه٥، يبدأ من لقيه بالسلام".
وقال هند بن أبي هالة في وصف منطقه: "كان متواصل الأحزان دائم الفكرة، ليست له راحة، لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، يتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير. دمث٦ ليس بالجافي ولا المهين.
يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئًا ولا يمدحه.
لا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعرض للحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له. ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث يصل بها، يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه. جل ضحكه التبسم".
وقال الحسن: سألت أبي عن دخول رسول الله فقال: "كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك. وكان إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء:
جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، ثم جزءًأ جزأه بين الناس، فرد ذلك على العامة والخاصة لا يدخر عنهم شيئًا. وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار
_________________
(١) ١ غليظ الأصابع. ٢ شديد التجافي عن الأرض. ٣ سريع المشية. ٤ كأنما ينزل في موضع منحدر. ٥ يمشي وراءهم. ٦ سهل الخلق والمعاملة.
[ ٢٠٠ ]
أهل الفضل بأدبه وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج: فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من سألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي ويقول: $"ليبلغ الشاهد الغائب". و$"أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته".
قال: وسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، فقال: "كان رسول الله يخزن لسانه إلا بما يعنيهم ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم. ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خاتمه. يتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه. معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفوا أو يميلوا. لكل حال عنده عتاد. لا يقصر عن الحق ولا يجوزه. الذين يلونه من الناس خيارهم. أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة".
قال: فسألته عن مجلسه كيف كان فقال: "كان رسول الله لا يجلس ولا يقوم إلى على ذكر..
وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك. يعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه.
من جالسه أو قاومه في حاجه صابره حتى يكون هو المنصرف. ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور القول وقد وسع الناس من بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء.
مجلسه مجلس حكم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تئوين فيه الحرم ولا تثنى فلتاته. متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير ويحمون الصغير، يؤثرون ذا الحاجة ويحفظوا الغريب".
قال: فسألته عن سيرته في جلسائه فقال: "كان رسول الله دائم البشر سهل الخلق لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مزاح.
[ ٢٠١ ]
يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه "راجيه" قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا ولا يعيره ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه.
إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده.
يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه. ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته. ويقول: "إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه".
ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام".
قال: فسألته كيف كان سكوته؟ قال: "كان سكوته في أربع: الحلم والحذر والتقدير والتفكر. فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تذكره -أو قال تفكره- ففيما يبقى ويفنى. وجمع له الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه".
إن طبيعة البيئة التي بدأت فيها الدعوة إلى الإسلام تتطلب من الداعية صبرًا وحلمًا يفوق كل حد. ولقد تكفل الله بذلك فأسبغ على رسوله من كريم السجايا وعظيم الأخلاق ما يتفق ومطالب إنجاح الدعوة. وقد سجل الحق ذلك في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
لقد كانت تلك هي الخطوط العامة لملامح شخصية الرسول، ولكن ليزداد الأمر وضوحًا كان علينا أن نعرض صورًا مختلفة للرسول نقتبسها من حياته الشخصية والعامة، ونقدم أنماطًا من سلوكه وفكره ومنهجه في مختلف مراحل حياته بعد أن صار نبيًا.
[ ٢٠٢ ]
ونبذأ بالبحث عن أوجه الكسب الشخصي التي يمكن أن تعود على الرسول من رسالته التي تحمل في سبيلها الكثير من المخاطر والآلام والأحزان. فنجده قد جرد نفسه وأهله من كل ما يمكن احتسابه كسبًا أو منفعة، فقد عاش فقيرًا زاهدًا. أمضى جل حياته يعاني آلام الجوع وشظف العيش طوعًا واختيارًا.
قال علقمة بن مسعود: اضطجع رسول الله على حصير فأثر الحصير بجلده، فجعلت أمسحه وأقول: بأبي أنت وأمي، ألا أذنتنا فنبسط لك شيئًا يقيك منه تنام عليه؟ فقال: "ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها".
وقال أبو هريرة: والذي نفس أبي هريرة بيده، ما شبع نبي الله وأهله ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا.
وقالت عائشة: إنا كنا آل محمد ليمر بنا الهلال "الشهر" ما نوقد نارًا "للطبخ" إنما الأسودان: التمر والماء. إلا أنه كان حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون إلى رسول الله بلبن منائحهم فيشرب ويسقينا من ذلك اللبن.
ولم يكتف رسول الله بعيش الكفاف الذي فرضه على نفسه وعلى أهله، إنما حرم عليهم ميراثه في ذلك القليل من حطام الدنيا الذي تركه.
قال عمرو بن الحارث: ما ترك رسول الله دينارًا ولا درهما ولا عبدًا ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة.
ولقد توفي رسول الله ودرعه مرهونة عند يهودي وفاء لطعام اشتراه منه، فما وجد ما يفكها به من دراهم حتى مات.
وبعد وفاة الرسول ذهبت ابنته فاطمة وعمها العباس إلى أبي بكر يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: "لا نرث، ما تركناه صدقة".
فغضبت فاطمة وهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت.
[ ٢٠٣ ]
بعد ذلك ننظر الرسول في مواضع الخطر فنجده سباقًا مقدامًا. لقد فزع أهل المدينة ذات ليلة من جراء صوت سمعوه، فانطلق أناس قبل الصوت يستطلعون الخبر، فتلقاهم رسول الله راجعًا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عرى في عنقه السيف وهو يطمئنهم ويقول: "لم تراعوا".
وفي المواقف الحرجة من المعارك يصمد الرسول ويثبت حتى يستعيد المؤمنون المقاتلون الموقف. قال علي -وهو الفارس المغوار: كنا إذا اشتدت الحرب واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله، فما يكون أقرب إلى العدو منه.
وفي الموقف الصعب يوم أحد جرح وجه الرسول وكسرت رباعيته وكلمت شفته وسال الدم على وجهه لكنه ثبت ولم يبرح مكانه ولم يبق معه آنذاك إلا اثنا عشر قتل منهم سبعة وبقي الخمسة.
وفي الموقف الصعب يوم حنين تعرض المسلمون لكمين أصابتهم فيه السهام والرماح فولوا مدبرين، بينما ثبت رسول الله وهو راكب بغلته يدعو أصحابه إلى الثبات ويقول: "إلي عباد الله، إلي أنا رسول الله". ثم يعلن عن نفسه في مواجهة الأعداء ويقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب". وما هي إلا فترة استعاد بعدها المسلمون زمام الموقف فهزموا المشركين ووقع في أيديهم أسرى كثيرين.
وإذا كنا في الحرب ومواضع الخطر نجد الرسول قوي العزم جبار البأس، فإنا واجدوه مع الأطفال والضعفاء، رقيق المعشر يمزح معهم ويداعبهم، بيد أنه لا يقول إلا صدقًا. قال أنس: كان رسول الله من أفكه الناس مع صبي. وجاء مرة رجل يسأله دابة تحمله، فقال له الرسول: "إنا حاملوك على ولد ناقة".
فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد ناقة؟
فقال له الرسول: "وهل تلد الإبل إلا النوق".
[ ٢٠٤ ]
وكان رجل من البادية اسمه زاهر يتردد على الرسول وقد عرف بدمامة خلقته، وجده الرسول يومًا يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه "مداعبا" والرجل لا يبصره.
فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت، فعرف النبي، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي حين عرفه. وجعل النبي يمزح معه ويقول: "من يشتري العبد"؟ فقال: يا رسول الله، إذن والله تجدني كاسدًا، فقال رسول الله: "لكن عند الله لست بكاسد".
وقال أنس وقد خدم الرسول عشر سنين: أرسلني يومًا لحاجة فقلت: والله لا أذهب. فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله قد قبض بقفاي ورائي.
فنظرت إليه وهو يضحك فقال: "يا أنيس ١، ذهبت حيث أمرتك"؟
فقلت: نعم، أنا ذاهب يا رسول الله.
وقال بعض صحابة النبي إليه: يا رسول الله، إنك تداعبنا. قال: "إني لا أقول إلا حقًا".
وقد عرف عن النبي عفة لسانه في المواقف التي ترضيه والتي لا ترضيه، فلم يشتهر بتوبيخ من حوله وتعنيفهم، أو ما من شأنه أن يصدهم ويفقدهم الثقة في أنفسهم. ولم يسمع عنه أنه قال لهم: "يا قليلي الإيمان" أو "يا أغبياء"، أو "إلى متى أحتمل غباوتكم وقساوة قلوبكم" أو شيئًا من هذا التقريع.
إن الأناجيل تمتلئ بأقوال من هذا النوع تنسب للمسيح وهو يتحدث إلى تلاميذه وحوارييه، كما تمتلئ بحملاته العنيفة على اليهود والتنبؤ لهم بالهلاك في جهنم.
_________________
(١) ١ لاحظ المداعبة في قوله: "أنيس" بدلًا من "أنس".
[ ٢٠٥ ]
ولقد كانت هذه المواقف وأمثالها موضع تعليقات شتى من علماء المسيحية ومثال ذلك قول جورج ويلز -الأستاذ بجامعة لندن- في دراسة له عنه المسيح:
"إن مثل هذا الموقف من المسيح يجعل من النادر وصفه بأنه متسامح مع أعدائه.
فبينما هو يمنع القدح والذم: "من قال يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم" "متى ٥: ٢٢"، نجده ينغمس في ذلك ويأخذ كامل حريته في الذم: "أيها الجهال والعميان" "متى ٢٣: ١٧"، "يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك" "لوقا ١٢: ٢٠".
ولقد علمنا أن نحب جيراننا، بل وحتى أعداءنا، ولكنه بالرغم من ذلك يتوعد الكتبة والفريسيين ويصفهم بأنهم مراءون وحيات وأفاعي "متى ٢٣: ٢٩، ٣٣".
وإذا نحينا جانبًا إخفاق المسيح في الحفاظ على المعيار، فإنه لم يدافع بثبات عن أي معيار متناسق فبينما يقول عن الناموس: "من نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعي أصغر في ملكوت السموات"، نجده بعد هذا القبول الصريح لناموس موسى، يجنح سريعًا لإحداث تغييرات كبيرة فيه.
إن ناموس موسى يسمح بالطلاق، لكن المسيح يمنعه إلا في حالة الزنا.
وكذلك يسمح الناموس بالقصاص: عين بعين، وسن بسن، لكنه يمنع القصاص أيضًا"١.
لقد كان الرسول إذا بلغه عن رجل شيء، لا يقول: ما بال فلان يقول..
ولكنه كان يوجه خطابه بصورة عامة يستر فيها صاحب السقطة ويعطيه الفرصة ليستقيم أمره وذلك بقوله: $"ما بال أقوم يقولون كذا، وكذا "
_________________
(١) ١ g. a. wells: the jesus of the early christians، pp. ٦١، ٦٤.
[ ٢٠٦ ]
وكان يقول: "لا يبلغني أحد عن أحد شيئًا "سيئًا" إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر". وكل هذه الرقة وهذه التربية النفسية مع قوم طبعت عليهم البيئة من قسوتها الشيء الكبير.
قال أنس: كنت أمشي مع النبي وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذ بردته جبذًا شديدًا حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته.
ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك.
فالتفت إليه رسول الله فضحك. ثم أمر له بعطاء.
ويطول بنا الحديث في خصائص رسول الله دون أن نستقصيها، على أن ما نطمع فيه هو أن نعطي الفرصة مرة أخرى لنزيد فيها.
[ ٢٠٧ ]