ومنها أن الله تعالى قد أثنى على جميع الصحابة رضي الله
[ ٨٠ ]
تعالى عنهم وذكر محاسنهم ومناقبهم -من كونهم أشداء في العداوة مع الكفار رحماء فيما بينهم، كأنهم إخوان يرحم بعضهم بعضا، راكعين ساجدين لله تعالى، علاماتهم وأمثالهم مذكورة في التوراة والإنجيل، وغير ذلك من الأوصاف الحميدة- وذلك بقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
فانظر إلى ما في هذه الآية من الثناء على أصحاب رسول الله ﷺ بعد الثناء على سيدنا محمد ﷺ بأنه رسول الله، وذلك بأن
[ ٨١ ]
وصفهم بالشدة والغلظة على الكفار وبالرحمة فيما بينهم وأثنى عليهم بكثرة الركوع والسجود وكثرة الأعمال الصالحة وسعة الرجاء من فضل الله تعالى ورحمته بابتغائهم فضله ورضوانه وبأن آثار تلك الأعمال الصالحة ظاهرة في وجوههم بحيث إذا نظر إليهم أحد بهره حسن سمتهم وعلامتهم. ومن ثمّة قال الإمام مالك: "بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة ﵃ الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين، فيما بلغنا".
وقد صدقوا في ذلك. فإن هذه الأمة المحمدية خصوصا الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يزل ذكرهم معظما في الكتب كما قال تعالى في هذه الآية: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ﴾ أي وصفهم بما مر في التوراة، ومثلهم في الإنجيل: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي إفراطه ﴿فَآَزَرَهُ﴾ أي شدّه وقوَاه ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي شبّ وطال
[ ٨٢ ]
﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أي تعجبهم قوته وغلظه وحسن منظره؛ فكذلك أصحاب محمد ﷺ، آزروه وأيدوه ونصروه، فهم كالشطأ مع الزرع ليغيظ بهم الكفار.
وخالفت الشيعة الباري تعالى في ذلك، فذموا الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقدحوهم، بل كفروهم وجعلوهم من المنافقين، وذكروا أن بينهم عداوة على خلاف ما ذكره الله تعالى في هذه الآية الكريمة من أوصافهم الحميدة.
ومن هذه الآية أخذ الإمام مالك رضي الله تعالى عنه كفر الروافض الذين يبغضون الصحابة ﵃، حيث قال: "لأن الله تعالى قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ والرافضة يغتاظون من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر بنص هذه الآية".
قال علامة البشر أحمد بن حجر المكي الهيتمي طاب ثراه:
[ ٨٣ ]
وهو مأخذ حسن يشهد له ظاهر هذه الآية، ومن ثم وافقه الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وجماعة من الأئمة، في الحكم بكفر الرافضة. وكفى بتعديل الله تعالى وتزكيته للصحابة رضي الله تعالى عنهم تعديلا وتزكية، فكلهم عدول أبرار لا يحتاجون إلى تعديل أحد بعد تعديل الله تعالى إياهم.
وقد وعد الله تعالى جميعهم بالمغفرة والأجر العظيم، لأن "من" في قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ لبيان الجنس لا للتبعيض، ووعده تعالى حق وصدق لأنه لا يخلف الميعاد. وإذا علمت ما تلونا عليك فقد علمت مخالفة الشيعة لله تعالى.