ويحتمل أن يكون أحدهما لقبا، ولا يجوز القول بأنه عمه، إلا إذا صح ذلك عن النبي ﷺ، وإلا كان تكذيبا للقرآن، فبطل كل ما زعموه من أن أباء النبي ﷺ إلى آدم كانوا مؤمنين، وزعمهم أن إبراهيم استغفر لأبيه منقوض بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ .
والدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات أبنائها أدعياء
المسألة العاشرة: في (ص ١٥٤ ج ١) ما نصه: قال شيخنا رضي الله في فضل سيدنا علي كرم الله وجهه قال: وفي الحديث عنه ﷺ كنت أنا وعلي نورين بين يدي الله تعالى ثم أودعنا في صلب آدم فلم يزل ينقلنا من صلب إلى صلب إلى عبد المطلب فخرجت في عبد الله وخرج علي في أبي طالب، ثم اجتمع نورنا في الحسن والحسين فهما نوران من نور رب العالمين، وقال سيدنا ﵁ ما يصل شيء في الوجود من العلم مطلقا إلا من صهريج علي ﵁، لأنه باب مدينة علمه ﷺ لا من الخلفاء الأربعة ولا الصحابة بأجمعهم.
قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام مآخذ:
الأول: هذا الحديث من رواه ومن صححه، قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ في منهاج السنة في هذا الحديث: (إنه كذب مفتري من وضع الشيعة) ورواه الخطيب في المؤتلف والمختلف بمعناه، قال الحافظ في تلخيص مسند الفردوس لوائح الوضع واضحة فيه اهـ.
تنزيه الشريعة (ج ١ص ٣٩٧) وفي الفوائد المجموعة للشوكاني ص ٣٤٢ حديث آخر لمعناه قال الشوكاني: هو موضوع وضعه جعفر بن أحمد بن علي بن بيان وكان رافضيا وضاعا. والظاهر أنه مسروق من غلاة الشيعة سرقه التجانيون ونسبوه إلى شيخهم فأساءوا إليه من حيث أرادوا رفع ذكره وإثبات فضله بجهلهم وفي مثل هذا يُقال عدو عاقل خير من صديق جاهل.
الثاني وقوله ما يصل شيء من العلم مطلقا إلا من صهريج علي واحتج لذلك
[ ١٣٥ ]
بالحديث الضعيف: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، رواه جماعة من أهل الحديث بألفاظ مختلفة والمعنى متقارب، قال العجلوني في كشف الخفاء: هذا الحديث مضطرب غير ثابت كما قاله الدارقطني في العلل، وقال الترمذي منكر، وقال البخاري: ليس له وجه صحيح. ونقل الخطيب البغدادي عن يحيى بن معين أنه قال: أنه كذب لا أصل له اهـ.
قال محمد تقي الدين: وقد حسن الحديث بعض المتأخرين لكثرة طرقه، إلا أن الذين ضعفوه أو قالوا أنه موضوع أعلم وأجل وأكثر، وعلى فرض ثبوته نقول في المأخذ الثالث لم يقل أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين بمثل ما قاله به التجانيون، أنه لا يصل شيء من العلم إلى أحد إلا من صهريج علي لأن الله تعالى يقول في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وحذف المعمول يدل على العموم أي بلغ ما أنزل إليك من ربك جميع الناس لا عليا وحده الذي هو باب المدينة، وسائر الناس يجب أن يأخذوا العلم من علي، وغلاة الشيعة يوافقون التجانيين، أو يوافقهم التجانيون في أنه لا يصل شيء من العلم إلى أحد إلا من علي، وقد صرح لي بذلك الشيخ عبد المحسن الكاظمي في المحمرة، التي تسمى اليوم بالفارسية، خرم شهر أي مدينة التمر حين ناظرته في الحسينية وهي دار يجتمعون فيها للبكاء على الحسين بن علي ﵄ فإنه احتج عليَّ بالحديث المتقدم، وقال إنه متواتر عندنا وعندكم قلت له أما عندنا فهو ضعيف أو موضوع، وقلت له أما معناه: فإن أريد به علي أحد أبواب هذه المدينة فهو صحيح، وإن أريد به أنه لا باب لهذه المدينة إلا علي فهو باطل، فإن أبوبها كثيرة، فقد أمر الله نبيه أن يبلغ الرسالة جميع الناس وذكرت له آية المائدة، فقال بلغ ما أنزل إليك إلى علي، فقلت هذه زيادة في القرآن فقال أن قريشا حذفت من القرآن كثيرا، فقلت إن كانوا قد حذفوا منه كثيرا فلا بد أن يكونوا قد زادوا فيه كثيرا، فقال أما الزيادة فلا، فقلت له: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ فكيف يحفظه من الزيادة ولا يحفظه من النقصان، فقال إن الإمام المعصوم أخبر بذلك، فقلت: ليس عندنا معصوم إلا النبي ﷺ، ثم قلت له: لو أن قائلا قال
لك بلغه لأبي بكر بدل علي فماذا تقول؟ فسب أبا بكر بكلمة لا أريد ذكرها، وزعم أنه جاهل لا يعرف معنى الأب في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ فكيف يقارن بأمير المؤمنين علي ﵇، فقلت إن الشتم سلاح العاجز وأن أبا بكر لم يجهل معنى الأب الذي تعرفه العرب وإنما خاف أن يكون له معنى خاص فتوقف ورعا وهذه المناظرة طويلة نقتصر على هذا القدر الذي سقناه للمناسبة، وقد كان النبي ﷺ يجيب كل سائل، ويعلم الصغير والكبير، والرجال والنساء، وأهل الحضر وأهل البادية، ولو كان الأمر كما
[ ١٣٦ ]