ما يعتقده جميع التجانيين من أن شيخهم خاتم الأولياء وسيدهم كما أن النبي ﷺ خاتم الأنبياء وسيدهم وبالله التوفيق وبه أستعين ومنه أستمد العلم والتحقيق ما مرادك بالأولياء؟ .
قال ابن منظور في لسان العرب في أسماء الله تعالى: الولي الناصر وقيل المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها. ومن أسمائه ﷿ الولي هو مالك الأشياء جميعها المتصرف فيها ثم قال: الولاية على الإيمان واجبة، المؤمنون بعضهم أولياء بعض ولي بين الولاية ووال بين الولاية والوالي ولي اليتيم الذي يلي ويقوم بكفايته وولي امرأة الذي يلي عقد النكاح عليها ولا يدعها تستبد بعقد النكاح دونه ثم الولي والمولى واحد في كلام العرب. وروى ابن سلام عن يونس قال المولى له مواضع في كلام العرب منها المولى في الدين وهو الولي وذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ أي لا ولي لهم ومنه قول رسول الله ﷺ: (من كنت مولاه فعلي مولاه) أي:
[ ٣٩ ]
من كنت وليه قال وقوله ﵇ مزينة وجهينة وأسلم وغفار موالي الله ورسوله أي أولياء الله. اهـ
وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة يونس آية ٦٢ و٦٣: ﴿أَلَا إِن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، فكل من كان تقيا كان لله وليا، لَا ﴿خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة.
وَلَا ﴿هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما وراءهم في الدنيا وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وغير واحد من السلف: أولياء الله الذين إذا رؤوا ذُكر الله، وقد ورد هذا في حديث مرفوع كما قال البزار بسنده إلى ابن عباس قال قَال رجل يا رسول الله من أولياء الله؟ قال: (الذين إذا رؤوا ذُكر الله) ثم قال البزار وقد روي عن سعيد مرسلا.
وقال ابن جرير بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال قَال رسول الله ﷺ: (إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء) قيل من هم يا رسول الله لعنا نحبهم قال: (هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس) ثم قرأ: ﴿أَلَّا إِن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ ورواه أبو داود أيضا بسنده عن عمر بن الخطاب بسند جيد إلا أنه منقطع اهـ.
وفي تفسير الجلالين ما نصه: ﴿أَلَّا إِن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ في الآخرة هم ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ الله بامتثال أمره ونهيه اهـ.
وقال البيضاوي: أولياء الله الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة اهـ.
ونقل الجمل في حاشيته عن الشهاب ما نصه الولي ضد العدو فهو المحب ومحبة العباد لله طاعتهم له ومحبته لهم إكرامه إياهم كما في شرح الكشاف. اهـ.
قال محمد تقي الدين الهلالي محبة العباد لله تعالى ومحبة الله للعباد كلتاهما حقيقة ولا داعي لتأويل محبته العباد بالطاعة ولا تأويل محبة الله لعباده بإكرامهم، وإنما يؤول محبة الله بإكرامه نفاة الصفات لزعمهم أن الحب ميل وحرارة يجدها المحب في قلبه لما أحب قالوا وذلك محال على الله تعالى لأن فيه تشبيها لله بخلقه وأجاب المثبتون للصفات المتبعون للسلف الصالح والتابعين من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين أن محبة الله
[ ٤٠ ]
لعباده صفة من صفاته تقتضي إكرامه لهم بفضله ورحمته لأن الله وصف بها نفسه في كتابه في مواضع كثيرة منها قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ والسلف الصالح ومن اتبعهم بإحسان من العلماء يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ في حديثه بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل فكما أن الله عالم بعلم لا يشبه علمنا وقادر قدرة لا تشبه قدرتنا فكذلك هو سبحانه يحب عِباده بمحبةٍ لا تشبه محبتنا.
وفي تفسير الخازن ما نصه، قال أبو بكر الصم أولياء الله هم الذين تولى الله تعالى هدايتهم، وتولوا القيام بحق العبودية لله والدعوة إليه وأصل الوالي من الولاء وهو القرب والنصرة فولي الله هو الذي يتقرب إلى الله بكل ما افترض الله عليه ويكون مشتغلا بالله مستغرق القلب في نور معرفة جلال الله تعالى فإن رأى رأَى دلائل قدرة الله وإن سمع سمعَ آيات الله وإن نطق نطقَ بالثناء على الله وإن تحرك تحركَ في طاعة الله وإن اجتهد اجتهدَ فيما يرضي الله لا يفتر عن ذكر الله ولا يرى بقلبه غير الله فهذه صفة أولياء الله وإذا كان العبد كذلك كان الله وليه وناصره ومعينه قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ وقال المتكلمون ولي الله من كان أتيا بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون أتيا بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة وإليه الإشارة بقوله ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ وهو أن الإيمان مبني على الاعتقاد والعمل ومقام التقوى هو أن يتقي العبد ما نهى الله عنه اهـ.
قال الجمل وفي الخطيب ما نصه ونقل النووي في مقدمة شرح المهذب عن الإمامين الشافعي وأبي حنيفة ﵄ أن كل منهما قال إذا لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي، وذلك في العالم بعلمه،. وقال القشيري من شرط الولي أن يكون محفوظا كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو يكون مغرور مخادع فالولي هو الذي توالت أفعاله على الموافقة اهـ.
[ ٤١ ]