زعم صاحب الرماح؛ أن النبي ﷺ تفضل على شيخه التجاني بدائرة الإحاطة؛ التي هي خاصة بالنبي ﷺ وبمقامه، ومن بحرها تفضل عليه مولانا رسول الله ﷺ بالكنز المطلسم الذي هو خاص به ﷺ وبمقامه. ومن بحرها تفضل عليه مولانا رسول الله ﷺ بالخريدة
[ ٧٦ ]
الفريدة؛ التي هي خاصة به ﷺ؛ ومن بحرها تفضل عليه مولانا رسول الله ﷺ بإطلاقه رضي الله تعالى عنه في إعطاء جميع أوراده من الإسم الأعظم الكبير وما دونه لمن شاء؛ ومنعها ممن شاء؛ ومضى إلى أن قال: (إنه لما كان دائرة الإحاطة الذي هو الساري في جميع أسماء الله تعالى الظاهرة والباطنة والاسم الذي لا يُلقَّنه إلا القطب وهو الكنز المطلسم الذي ما أُنزل في القرآن ولا في جميع الكتب الإلهية مثله) انتهى بلفظه صفحة ٣٣.
أقول تقدم أن النبي ﷺ لا يعطي ولا يمنع؛ وإنما هو مبلِّغ عن الله تعالى؛ وقد بلغ أمته البلاغ المبين وما ترك شيئا يقربهم من الله تعالى إلا بينه لهم قبل وفاته؛ ولا ترك شيئا يبعدهم عن الله إلا حذرهم منه؛ وهذه الأسماء المذكورة هنا ليس لها مسميات؛ وإنما اخترعت وذكرت تهويلا على الجاهلي؛ وإرهابا لهم وتخديرا لأعصابهم ليزدادوا خضوعا وطاعة ويعبدوا شيخهم بغاية الإخلاص فهي كالغول والعنقاء؛ وأسماء الله تعالى توقيفية؛ ولا يجوز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ؛ ومن سمى الله باسم لم يرو ويصح عن النبي ﷺ فهو من الذين يلحدون في أسماء الله سيجزون ما كانوا يعملون؛ وقد اطلعت على كلمتين خنفشاريتين في كتاب مخطوط للشيخ المختار الكنتي؛ زعم أنها اسم الله الأعظم ثم بعد ذلك أعطاني الشيخ أحمد سكيرج هاتين الكلمتين وأخبرني أنهما اسم الله الأعظم؛ فعلمت أن تلك الكلمتين تدوران عند جميع أصحاب الطرائق؛ ويتشددون في إعطائهما ويهولون أمرهما حتى أنني حين خرجت من الطريقة التجانية زعم بعض التجانيين أن الشيخ سكيرج حين أعطاني الإسم الأعظم اشترط علي ألا أذكره في كل يوم إلا مرات معدودة فلم أف له بشرطه وذكرته أكثر مما حدد لي فسلبت. إلى هذا الحد بلغ بهم الجهل؛ وقد صدقوا؛ فإني سلبت الشرك والبدعة والضلالة؛ ورزقت التوحيد واتباع السنة والعلم المستند إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ؛ ولا يجوز إطلاق ذلك الإسم على الله تعالى؛ ومن أطلقه عليه فهو ضال ملحد في أسماء الله تعالى؛ فإن قلت أيها القارئ ما معنى قولك خنفشاريتين؟ فالجواب: أن جماعة من الأدباء زارهم رجل كذاب محتال إلا أنه كان فصيح اللسان؛ وادعى لهم أنه من أهل العلم فما سألوه عن مسألة إلا أفاض في جوابها ارتجالا بما حير ألبابهم. فقال أحدهم: تعالوا نمتحنه لنعلم صدقه من كذبه؛ وكانوا ستة؛
فقالوا: ليكتب كل واحد منا حرفا ثم نجمعها فتصير كلمة ونسأله عن معناها. فكتب كل واحد منهم حرفا ثم جمعوا الأحرف فتألفت منها كلمة هي (خنفشار) فقالوا أيها الأديب هل تعرف الخنفشار؟ فقال نعم هو نبات يطول إلى مقدار ذراع وله أوراق
[ ٧٧ ]
مستديرة؛ وفيه لبن وهو صالح يوضع في اللبن الحليب فيحسن طعمه؛ وتطيب رائحته قال الشاعر:
لقد حلت محبتكم بقلبي كما نفع الحليب الخنفشار
وله خواص طبية ونقل عن الأطباء اليونانيين منافع كثيرة لهذا النبات؛ ثم قال: وقال رسول الله ﷺ، فوضع أحدهم يده على فمه؛ وقال أيها الرجل حسبك بهتانا؛ كذبت على علماء اللغة وعلى الشعراء وعلى الأطباء والآن تريد أن تكذب على النبي ﷺ؛ فصاروا يسمون كل كلمة مهملة؛ مثلوا لذلك؛ بديز؛ مقلوب زيد؛ وهذه الألفاظ التي ذكرها صاحب الرماح ليست مهملة ولكنها وضعت لمعان غير المعاني التي يريد أن يحملها إياها صاحب الرماح؛ أما ما يزعمون أنه الإسم الأعظم فهو كاخنفشار تماما؛ وكيف يمكن أن يتفضل النبي ﷺ على الشيخ التجاني بما هو خاص به؛ فحينئذ لا يكون خاصا به؛ فإن خصائصه ﵊ لا يجوز أن تكون لغيره أبدا لأن الله خصه بها؛ ولو أعطاها غيره لزالت الخصوصية ولكن هؤلاء القوم يزعمون أن علومهم خارجة عن دائرة العقل؛ فمن شاء أن يعرف كلامهم فليترك عقله؛ ومن أراد أن يصدقهم فلينبذ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فنعوذ بالله من الخذلان.
كلام شيخ الإسلام إمام المحققين أحمد بن تيمية في القطب والغوث قال ﵀ في كتابه: (رسالة زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور) ما نصه: يقال ثلاثة أشياء ما لها من أصل باب النصيرية ومنتظر الرافضة وغوث الجهال فإن النصيرية تدعي في الباب الذي لهم أنه الذي يقيم العالم فذاك شخصه موجود ولكن دعوى النصيرية فيه باطلة وأما محمد بن الحسن المنتظر والغوث المقيم بمكة ونحو هذا فإنه باطل ليس له وجود وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله ويعرفهم كلهم ونحو هذا فهذا باطل فأبو بكر وعمر ﵄ لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله ولا يمدانهم فكيف بهؤلاء الضالين المغترين الكذابين ورسول الله ﵌ سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن رآهم من أمته بسيماء الوضوء وهو الغرة والتحجيل ومن هؤلاء من أولياء الله من لا يحصيه إلا الله ﷿ وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم بل قال الله تعالى: ﴿x كصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَâ'ur قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وموسى لم يكن يعرف الخضر والخضر لم يكن يعرف موسى بل لما سلم عليه موسى
[ ٧٨ ]
قال له الخضر وأنى بأرضك السلام فقال له أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم وقد كان بلغه اسمه وخبره ولم يكن يعرف عينه ومن قال إنه نقيب الأولياء أو أنه يعلمهم كلهم فقد قال الباطل.
والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودا في زمن النبي ﵌ لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره ولكان يكون في مكة والمدينة ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرقع لهم سفينتهم ولم يكن مختفيا عن خير أمة أخرجت للناس وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا في دينهم ولا في دنياهم فإن دينهم أخذوه عن الرسول النبي الأمي ﵌ الذي علمهم الكتاب والحكمة وقال لهم نبيهم: (لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم)، وعيسى بن مريم ﵇ إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره والنبي ﵌ قد أخبرهم بنزول عيسى من السماء وحضوره مع المسلمين، وقال: (كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها)، فإذا كان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل ومحمد ﵌ سيد ولد آدم ولم يحتجبوا عن هذه الأمة لا عوامهم ولا خواصهم فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم وإذا كان الخضر حيا دائما فكيف لم يذكر النبي ﵌ ذلك قط ولا أخبر به أمته ولا خلفاءه الراشدين (١) .
وقول القائل إنه نقيب الأولياء فيقال له من ولاه النقابة وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﵌ وليس فيهم الخضر وعامة ما يحكى في هذا الباب من الحكايات بعضها كذب وبعضها مبني على ظن رجل مثل شخص رأى رجلا ظن أنه الخضر وقال إنه الخضر كما أن الرافضة ترى شخصا تظن أنه الإمام المنتظر المعصوم أو تدعي ذلك وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: وقد ذكر له الخضر من أحالك على غائب فما أنصفك وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان انتهى المراد منه.
قال محمد تقي الدين الهلالي: قول الإمام احمد من أحالك على غائب فما أنصفك لما ذكر له وجود الخضر في زمانه؛ ومعناه من أخبرك بوجود شخص لا تراه ولا تسمعه ولا تدركه بشيء من الحواس ولا جاء خبر عن الله ورسوله بوجوده كالملائكة والجن؛ فقد كلفك مالا تطيق
_________________
(١) ومما لاشك فيه أن عيسى ﵇ سيحكم بالكتاب والسنة؛ لا كما يزعم الضالون من أنه سيحكم بالإنجيل؛ ولا ما بما زعمه بعض الجهال من أنه سيحكم بالمذهب الحنفي بعد أن يتعلمه من صندوق أودعه الخضر في نهر جيحون؛ كما ذكر ذلك الحصكفي في مقدمة كتبه «الدر المختار» .
[ ٧٩ ]
وظلمك حين أراد منك أن تصدقه فيما ادعاه بلا دليل؛ وقد أحسن الإمام أحمد في إنكاره وجود الخضر في زمانه وقد بين شيخ الإسلام عدم وجوده بالأدلة القاطعة وكذلك يقال في القطب وما ادعاه التجانيون لشيخهم من كونه سيد الأولياء وخاتمهم وممدهم؛ وأن قدميه على رقابهم كل ذلك باطل وتضليل فقد تهدم كل ما بنوه من الأباطيل بحكم الله ورسوله ﷺ ثم بحكم شيخهم عليهم: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ (١)
فصل في تخريج الأحاديث التي وردت في هذا الفصل وبيان حالها.
أولها حديث (أول ما خلق الله نوري؛ وفي رواية أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) تقدم أنه موضوع؛ لا يحل أن ينسبه أحد للنبي ﷺ إلا مقرونا ببيان وضعه
ثانيها: حديث (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) قال الحافظ ابن حجر في: (تسديد القوس في تخريج مسند الفردوس) هذا حديث مشهور على الألسنة وهو من كلام إبراهيم بن عبلة؛ فقال العجلوني في كشف الخفاء؛ قال العراقي في تخريج الإحياء رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر؛ ورواه الخطيب في تاريخه بلفظ: قدم النبي ﷺ من غزاة فقال ﵊ (قدمتم خير مقدم وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ قالوا وما الجهاد الأكبر قال مجاهدة العبد هواه) والمشهور على الألسنة رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ دون بقيه وفيه اختصار. الجزء الأول ٤٢٤ من كشف الخفاء.
ثالثها: حديث (لولاك ما خلقت الأفلاك) وأليه أشار البوصيري بقوله:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
قال الصنعاني موضوع. انتهى من كشف الخفاء (٢) .
رابعها: (خير هذه الأمة أولها وأخرها) (٣) قال السيوطي أنه ضعيف أخرجه
_________________
(١) الإسراء آية ٨١.
(٢) قال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» الحديث رقم ٢٨٢: موضوع والقول بأن معناه صحيح: لا يليق.
(٣) قال المناوي في «التيسير بشرح الجامع الصغير» ص ١ / ٥٣٢ طبع المكتب الإسلامي: عن عروة بن رويم مرسلا.
[ ٨٠ ]
أبو نعيم في الحلية عن عروة بن الزبير مرسلا. اهـ الفيض ج ٣ ص ٤٩٣.
عود إلى حديث (أول ما خلق الله نوري) قال محمد تقي الدين بطلان هذا الحديث يظهر بأدنى تأمل فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وتكرر مثل هذا في القرآن في مواضع لا تحصى إلا بتعب؛ فالنبي ﷺ بشر من بني آدم؛ وآدم من تراب لا من نور فما هو هذا النور الذي ينسبونه إلى النبي ﷺ؛ أهو روحه الشريفة أم جسمه؛ أم شيء آخر فالجسم كما تقدم من تراب؛ والروح جسم لطيف لا يعلم حقيقته إلا الله وقد جاء في كتاب الله تعالى تسمية النبي ﷺ سراجا منيرا؛ وقال الله تعالى في سورة المائدة آية ١٥: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ قال بعض المفسرين إن المذكور في أول الآية هو الرسول ﷺ؛ وقال بعضهم هو القرآن؛ عطف الكتاب عطف تفسير كقول الشاعر:
ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعد
وتسمية النبي ﷺ سراجا منيرا ونورا لا تقتضي أن يكون خارجا عن النوع البشري مخلوقا من النور لأن ذلك خلاف الواقع؛ وخلاف نص القرآن؛ إنما سماه الله سراجا منيرا؛ تشبيها لما أتاه من العلم والهدى بالنور؛ وتشبيها لظلمات الكفر والجهل بالظلمة الحسية فكما أن السراج يبين للناس الطريق المستقيم الذي يسلكونه آمنين مستبصرين لا يخافون ويوصلهم إلى غايتهم المرغوبة فكذلك الرسول ﷺ بتعليمه وإرشاده وتزكيته لمن اتبعه شُبِّه بالسراج وبالنور الذي يحفظ متبعه من مهاوي الهلاك ولا معنى للنور إلا هذا.