قال الشيخ أريد أن أناظرك في مسالة واحدة إن ثبتت ثبتَت الطريقة كلها، قلت ما هي؟ قال ادعاء التجاني أنه رأى النبي ﷺ يقظة لا مناما وأعطاه هذه الطريقة بما فيها من الفضائل فإن ثبتت رؤيته للنبي ﷺ يقظة وأخْذه منه الطريقة فأنت على حق وأنا على باطل والرجوع إلى الحق حق وإن بَطُل ادعاؤه ذلك فأنا على حق وأنت على باطل فيجب عليك أن تترك الباطل وتتمسك بالحق ثم قال تبدأ أو أبدأ أنا فقلت ابدأ أنت فقال عندي أدلة كل واحد منها كاف في إبطال دعوى التجاني قلت هات ما عندك وعليَّ الجواب فقال:
الأول: إن أول خلاف وقع بين الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ كان بسبب الخلافة قالت الأنصار للمهاجرين منا أمير ومنكم أمير وقال المهاجرون إن العرب لا تذعن إلا لهذا الحي من قريش ووقع نزاع شديد بين الفريقين حتى شغلهم عن
[ ١٧ ]
دفن النبي ﷺ فبقي ثلاثة أيام بلا دفن صلاة الله وسلامه عليه فكيف لم يظهر لأصحابه ويفصِل النزاع بينهم ويقول الخليفة فلان فينتهي النزاع كيف يترك هذا الأمر العظيم لو كان يُكلِّم أحدا يقظة بعد موته لكلَّم أصحابه وأصلح بينهم وذلك أهم من ظهوره للشيخ التجاني بعد مضي ألف ومائتي سنة ولماذا ظهر؟ ليقول له أنت من الآمنين ومن أحبك من الآمنين ومن أخذ وردك يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب هو ووالداه وأولاده وأزواجه لا الحفدة فكيف يترك النبي ﷺ الظهور يقظة والكلام لأفضل الناس بعده في أهم الأمور ويظهر لرجل لا يساويهم في الفضل ولا يقاربهم لأمر غير مهم فقلت له:
إن الشيخ ﵁ قد أجاب عن هذا الاعتراض في حياته فقال أن النبي ﷺ يلقى الخاص للخاص والعام للعام في حياته أما بعد موته فقد انقطع اللقاء العام للعام وبقي اللقاء الخاص للخاص لم ينقطع بوفاته وهذا الذي ألقاه على شيخنا من إعطاء الوِرد والفضائل هو من الخاص للخاص فقال أنا لا أُسلِّم أن في الشريعة خاصا وعاما لأن أحكام الشرع خمسة وهذا الورد وفضائله أن كان من الدين فلابد أن يدخل في الأحكام الخمسة لأنه عمل أعد الله لعامله ثوابا فهو إما واجب أو مستحب ولم ينتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى حتى بين لأمته جميع الواجبات والمستحبات وفي صحيح البخاري عن علي ابن أبى طالب أنه قيل له هل خصكم رسول الله ﷺ معشر أهل البيت بشيء فقال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء إلا فهما يعطاه الرجل في كتاب الله وإلا ما في هذه الصحيفة ففتحوها فإذا فيها العقل، وفكاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر فكيف لا يخص النبي ﷺ أهل بيته وخلفاؤه بشيء ثم يخص رجلا في آخر الزمان بما يتنافى مع أحكام الكتاب والسنة فقلت إن الشيخ عالم بالكتاب والسنة وفي جوابه مقنع لمن أراد أن يقنع قال احفظ هذا.
الأمر الثاني: اختلاف أبى بكر مع فاطمة الزهراء ﵄ على الميراث فلا يخفى أن فاطمة طلبت من أبي بكر الصِّديق ﵁ حقها من ميراث أبيها واحتجت عليه أنه إذا مات هو يرثه أبناؤه، فلماذا يمنعها من ميراث أبيها، فأجابها أبو بكر الصدِّيق
[ ١٨ ]
بأن النبي ﷺ قال: (نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة)، وقد حضر ذلك جماعة من الصحابة فبقيت فاطمة الزهراء مغاضبة لأبي بكر حتى ماتت بعد ستة أشهر بعد وفاة أبيها ﷺ فهذان حبيبان لرسول الله ﷺ فإنه قال فاطمة بضعة مني يسوءني ما ساءاها أو كما قال ﵊ وصرح أن أبا بكر أحب الناس إليه، وقال: (ما أحد أمن علي في نفس ولا مال من أبي بكر الصدِّيق) رواه البخاري. وهذه المغاضَبة التي وقعت بين أبى بكر وفاطمة، تسوء النبي ﷺ، فلو كان يظهر لأحد بعد وفاته لغرض من الأغراض لظهر لأبي بكر الصديق وقال له: إني رجعت عما قلته في حياتي فأعطها حقها من الميراث، أو لظهر لفاطمة وقال لها يا ابنتي لا تغضبي على أبي بكر فإنه لم يفعل إلا ما أمرته به فقلت له ليس عندي من الجواب إلا ما سمعتَ قال احفظ هذا.
الأمر الثالث: الذي وقع بين طلحة والزبير وعائشة من جهة، وعلي بن أبى طالب من جهة أخرى واشتد النزاع بينهم حتى وقعت حرب الجمل، في البصرة فقتل فيها خلق كثير من الصحابة والتابعين وعقر جمل عائشة فكيف يهون على النبي ﷺ سفك هذه الدماء ووقوع هذا الشر بين المسلمين بل بين أخص الناس به، وهو يستطيع أن يحقن هذه الدماء بكلمة واحدة وقد أخبر الله سبحانه في آخر سورة التوبة برأفته ورحمته بالمؤمنين وأنه يشق عليه كل ما يصيبهم من العنت وذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ فقلت له ليس عندي من الجواب إلا ما سمعت وظهوره وكلامه للشيخ التجاني فضل من الله، والله يؤتي فضله من يشاء قال احفظ هذا وفكِّر فيه.
الأمر الرابع: خلاف علي مع الخوارج، وقد سفكت فيه دماء كثيرة، ولو ظهر النبي ﷺ لرئيس الخوارج وأمره بطاعة أمامه لحقنت تلك الدماء، فقلت الجواب هو ما سمعت، فقال لي احفظ هذا وفكر فيه، فإني أرجو أنك بعد التفكير ترجع إلى الحق
والأمر الخامس: النزاع الذي وقع بين علي ومعاوية، وقد قُتل في الحرب التي وقعت بينهما خلق كثير، منهم عمار بن ياسر، فكيف يترك النبي ﷺ الظهور لأفضل الناس بعده وفي ظهوره هذه المصالح المهمة من جمع كلمة المسلمين وإصلاح
[ ١٩ ]
ذات بينهم وحقن دمائهم، وهو خير المصلحين العاملين بقوله تعالى: وَأَصْلِحُوا ﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ثم يظهر للشيخ التجاني في آخر الزمان لغرض غير مهم وهو في نفسه غير معقول لأنه مضاد لنصوص الكتاب والسنة فلم يجد عندي جوابا غير ما تقدم ولكني لم أُسلِّم له فقال لي فكِّر في هذه الأدلة وسنتباحث في المجلس الآخر، فعقدنا بعد هذا المجلس سبعة مجالس كل منها كان يستمر من بعد صلاة المغرب إلى ما بعد صلاة العشاء بكثير. وحينئذ أيقنت أنني كنت على ضلال، ولكن أردت أن أزداد يقينا فقلت له من معك من العلماء هنا في المغرب على هذه العقيدة؟ وهي أن كل مسألة في العقائد أو في الفروع يجب أن نعرضها مع قصر باعنا وقلة اطلاعنا على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فما ظهر لنا أنه موافق لهما قبلناه وما ظهر لنا أنه مخالف رددناه فقال لي يوافقني على هذا أكبر مُقدِّم للطريقة التجانية في المغرب كله وهو الشيخ الفاطمي الشرادي، فكدت أُكذِّبه لأن المشهور في جميع أنحاء المغرب أن هذا الرجل من كبار العلماء وهو أكبر مقدم للطريقة التجانية ولم أقل أكبر شيخ لأن الشيخ التجاني لا يبيح لأحد أن يكون شيخا للطريقة سواه، لأن تلقيبه بالشيخ قد يُفهم منه أنه يجوز لغيره أن يتصرف في أوراد الطريقة وفضائلها وعقائدها وذلك ممنوع لأن الذي أعطى هذه الطريقة هو النبي ﷺ يقظة لا مناما كما تقدم والمتلقي الأول لها هو الشيخ أحمد التجاني والنبي ﷺ سماه شيخًا لهذه الطريقة، وكل ناشر للطريقة وملقن
لأورادها يسمى مقدما فقط فالطريقة لها مصدر واحد وشيخ واحد ولا يجوز تعدد المصدر ولا تعدد الشيخ حسبما في كتب الطريقة.
فتوجهت إلى الشيخ الفاطمي ﵀ وكان الوقت ضحى وقد أوصاني شيخنا محمد بن العربي ألا أسأله إلا في خلوة فوجدت عنده جماعة فانصرف بعضهم وجاء آخرون وبقيت عنده أنتظر أن أخلو به حتى صلينا الظهر وجاء الغداء فلم أستطيع أن أخلو به وكان ثلاثة ممن كانوا في مجلسه حاضرين فقلت له إن الشيخ محمد بن العربي العلوي يقول يجب علينا أن نعرض جميع المسائل أصولا وفروعا على كتاب الله وسنة رسول الله فما وافق في نضرنا القاصر قبلناه وما خالف رددناه ولو قال به الإمام مالك أو الشيخ أحمد التجاني فأشار إلي بيده يستمهلني وكان جلوسي عنده قد طال فانصرفت إلى
[ ٢٠ ]
مدرسة الشَّرَّاطين حيث كنت نازلا قبل لقائي بالشيخ العلوي وفي ذلك اليوم بعد صلاة العشاء جاءني بواب المدرسة وقال لي إن الشيخ الفاطمي الشرادي أرسل إليك عبده وبغْلته يطلب أن تزوره فتعجَّبتُ كثيرا لأمرين أحدهما أن الوقت ليس وقت زيارة وثانيهما أنه لم تجر العادة أن كبار العلماء الطاعنين في السن، يبعثون الدابة للركوب إلا لمن هو مثلهم في السن والعلم وأنا شاب فركبت البغلة وسار العبد أمامي حتى وصلت إليه وسلمت عليه فرد أحسن رد ورحَّب بي وقال يا ولدي أنا رجل كبير طاعن في السن ليس لي قدرة على القتال أما سيدي محمد بن العربي العلوي فهو شاب مستعد للقتال وأنت سألتني أمام الناس عن مسألة مهمة لا يسعني أن أكتم جوابها ولا أستطيع أن أصرح به أمام الناس فاعلم أن ما قال لك سيدي محمد بن العربي العلوي هو الحق الذي لا شك فيه وقد أخذت الطريقة القادرية وبقيت فيها زمانا، ثم أخذت الطريقة الوزانية وبقيت فيها زمانا، ثم أخذت الطريقة التجانية والتزمتها حتى صرت مقدما فيها فلم أجد في هذه الطرائق فائدة وتركتها ولم يبق عندي من التصوف إلا طلب الشيخ المربي على الكتاب والسنة علما
وعملا ولو وجدته لصاحبته وصرت تلميذا له وأنت تريد أن تسافر إلى الشرق فإن ظفرت بالشيخ مرب متخلق بأخلاق الكتاب والسنة علما وعملا فاكتب إلي وأخبرني به حتى أشد الرحال إليه فازددت يقينا بالنتيجة التي وصلت إليها في مناظرتي مع الشيخ العلوي. ولو كان عندي من العلم مثل ما عندي الآن لقلت له إن ضالَّتك المنشودة هي أقرب إليك من كل قريب فإن هذا الشيخ الذي تطلبه وتريد أن تشد الرحال ولو بعُدت الدار وشط المزار هو أنت نفسك. بشرط أن يكون عندك العزم التام على العمل بالكتاب والسنة وطرح التقليد جانبا كيفما كان الأمر فجزاهم الله خيرا وتغمدهما برحمته، وبعد ذلك بعشرين سنة اجتمعت بالشيخ عبد العزيز بن إدريس من علماء تطوان وهو من تلاميذ الشيخ الفاطمي فذكرت له الحكاية السالفة فقال لي وأنا أيضا وقع لي ما يشبه هذا فإني بعد إتمام دراستي في جامع القرويِّين ذهبت إليه وهو أفضل شيوخي فقلت له أيها الشيخ أريد أن أرجع إلى وطني تطوان فأريد أن تزودني بدعاءك الصالح وأن تلقنني وِرد الطريقة التجانية فقال لي: يا أسفًا عليك أنت تحفظ كتاب الله وقد درست العلوم الإلهية التي تمكِّنك من فهم كتابه وسنة رسوله ﷺ ولم يكفيك ذلك كله حتى تطلب الهدى
[ ٢١ ]
في غيره والطريقة لا شيء فعليك بكتاب الله وسنة رسول الله فكشف الله عني بفضله ظلام الشرك والبدعة وفتح لي باب التوحيد والإتباع فله الحمد والمنة نسأله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه الهادي إلى الصراط المستقيم.
من أين جاء أصل هذه المناظرة التي وقعت بيني وبين الشيخ محمد بن العربي العلوي رحمه الله تعالى؟.
كنت أظن أن أصلها من الشيخ العالم المصلح شعيب الدُكَّالي لأنه ناظر بها شيخنا محمد بن العربي فأفحمه واضطره إلى الخروج من الطريقة ففعل هو معي مثل ما فعله معه الشيخ شعيب الدكالي رحمهما الله تعالى ولكني بعد ذلك بزمن وجدت هذه المناظرة في كتاب (غاية الأماني في الرد على النبهاني) لمؤلفه العالم السلفي محمود شكري الألوسي البغدادي رحمة الله، وهذا الكتاب من أنفس كتب السلفية جادل المبتدعين من المتصوفة وشدد عليهم الخناق بعبارات بليغة كأنها عقود الجمان في أجياد الحسان فيه من المتعة والفوائد ما يقل نظيره في الكتب والمثل الإنكليزي يقول ما معناه: ينبغي أن يكون الأصدقاء والكتب قليلين لكن طيبين، وهذا المثل ينطبق على هذا الكتاب.
هذا سبب خروجي من الطريقة التجانية الذي لم يكن يخطر ببالي، وإنما اضطرني إليه البرهان اليقيني الذي لا يترك شكا ولا ريبا في أن هذه الطريقة كما هي في كتب أهلها وفي اعتقادهم لا يمكن الجمع بينها وبين اتباع كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ البتة وبيان ذلك تجده في الفصول التالية.