الأصل الرابع
الإيمان بنصوص
الوعد والوعيد
[ ١٢٣ ]
ومن أُصول عقيدة السلف الصالح، أَهل السُّنَة والجماعة:
الإِيمان بنصوص الوعد والوعيد، يؤمنون بها، ويُمِرونها كما جاءت، ولا يتعرضون لها بالتأويل، وَيُحَكِّمُونَ نصوص الوعد والوعيد، كقوله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] (١) .
ويعتقدون بأَن عواقب العباد مبهمة لا يَدْري أَحدٌ بما يُخْتَمُ له؛ لكن مَن أَظهر الكفر الأكبر حكم عليه به، وعومل معاملة الكفار. قال النبِيﷺ -: «إِن الرجُلَ لَيَعمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنّة؛ فِيما يَبْدو لِلناسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرجلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ؛ فِيمَا يَبْدُو للناس، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجنةِ» (٢)
_________________
(١) سورة النساء: الآية، ٤٨.
(٢) رواه البخاري ومسلم.
[ ١٢٥ ]
وقال: «إِن أَحَدكُمْ لَيعْمَلُ بِعَملِ أَهْلِ الجَنةِ حَتَى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَا ذِراع؛ فَيَسْبقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ؛ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النار فَيدْخُلُها، وَإِن أَحَدكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النار، حَتَى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَها إِلا ذِراعٌ؛ فَيَسْبقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ؛ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجنة فَيَدْخُلُهَا» (١) .
ولكن يشهدون لمن مات على الإِسلام بظاهر إسلامه- من المؤمنين والمتقين- على العموم؛ بأنه من أَهل الجنة، إِن شاء الله.
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] (٢) وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ - فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥] (٣) .
وقال النَبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أنهُ لاَ إِلهَ إِلَا اللهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ» (٤) . ويشهدون بأَنَّ الكفارَ، والمشركين، والمنافقين من أَهل النَّار.
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم.
(٢) سورة البقرة: الآية، ٢٥.
(٣) سورة القمر: الآيتان، ٥٤ - ٥٥.
(٤) رواه مسلم.
[ ١٢٦ ]
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] (١) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] (٢) . وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] (٣) .
وأَهل السنة والجماعة: يشهدون للعشرة المبشرين بالجنة، كما شهد لهم النبِي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكلُّ من شهد له النبي﵌- بالجنَّة شهدوا له بها.
قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَبو بَكْرٍ في الجَنةِ، وَعُمَرُ في الجنة، وَعُثْمَانُ في الجَنة، وَعَلي في الجَنّةِ، وَطَلْحَةُ في الجنةِ، والزبيْرُ في الجنةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْف في الجنة، وَسعدُ بنُ أَبي وَقَّاص في الجنَّة، وَسَعيدُ بنُ زَيْد في الجنَّة، وَأَبو عُبَيْدَةَ بنُ الجَراح في الجنةِ» (٤)
_________________
(١) سورة البقرة: الآية، ٣٩.
(٢) سورة البينة: الآية، ٦.
(٣) سورة النساء: الآية، ١٤٥.
(٤) صحيح سنن أبي داود: للألباني.
[ ١٢٧ ]
وقد ثبت لكثير من الصحابة الشهادة بالجنة، كعكاشة بن محصن، وعبد الله بن سلام، وآل ياسر، وبلال بن رباح، وجعفر بن أبي طالب، وعمرو بن ثابت، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وفاطمة ابنة الرسول ﵌، وخديجة بنت خويلد، وعائشة، وصفية، وحفصة، وجميع زوجاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وغيرهم، ﵃ أَجمعين.
وأَمَّا مَن جاءت النصوص بأَنَّهم من أَهل النار، فنشهد لهم بذلك، منهم أَبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب، وامرأته أُم جميل أَروى بنت حرب وغيرهما ممن ثبت في حقهم ذلك.
وأَهل السُّنَة والجماعة: لا يجزمون لأَحد بعينه كائنا من كان؛ بجنة ولا نار إِلا من جزم له رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولكن يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء (١) .
ويعتقدون أَنَّ الجنَّة لا تجب لأَحد، وإنْ كان عمله حسنا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَه الله بفضله فيدخلها برحمته، قال الله تعالى:
_________________
(١) ولهذا لا يحكم على أحد قتل أو مات بأنه شهيد؛ لأن النية مردها إِلى الله تعالى. والصحيح أن يقال: نسأل الله له الشهادة نحسبه شهيدا إِن شاء الله ولا نزكي على الله أحدا- بصيغة الدعاء وليس بصيغة الجزم لأن الجزم قول على الله بلا علم.
[ ١٢٨ ]
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١] (١) .
وقال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْ أَحَد يُدْخِلُهُ عَمَلُهُ الجنة " فقيل: ولا أَنتَ؟ يا رسول الله! قالَ: " وَلا أَنا؛ إِلا أَنْ يَتَغمدَني رَبي بِرحْمَة» (٢) وأَهل السُّنَّة والجماعة: لا يوجبون العذاب لكل مَن توجه إِليه الوعيد- في غير ما يقتضي الكفر- فقد يغفر الله له بما فعله من طاعات، أَو بتوبة، أَو بمصائب وأَمراض مكفرة، قال الله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] (٣) .
قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَريقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْك عَلَى الطَرِيقِ فأخرَه، فَشكَرَ الله له؛ فَغَفَرَ لَه» (٤) .
وأَهل السُنَّة والجماعة: يعتقدون أَن لكلِّ مخلوقٍ أَجلا، وأَنَّه
_________________
(١) سورة النور: الآية، ٢١.
(٢) رواه مسلم.
(٣) سورة الزمر: الآية، ٥٣.
(٤) رواه البخاري.
[ ١٢٩ ]
لن تموت نفسٌ إِلَّا بإذن الله كتابا مؤجلا، فإِذا جاء أَجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، وإن مات أَو قُتل؛ فإِنٌما لانتهاء أَجله المسمى له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] (١) .
وأَهل السُّنَة والجماعة: يعتقدون أَنَّ وعد الله للمؤمنين بالجنة ووعيده بتعذيب العصاة الموحدين، وتعذيب الكفار والمنافقين في النار حق، قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] (٢) .
ولكن الله سبحانه يعفو عن عصاة الموحدين بفضله وكرمه، وقد وعدَ الله تعالى بالعفو عن الموحدين، ونفاه عن غيرهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (٣) .
_________________
(١) سورة آل عمران: الآية، ١٤٥.
(٢) سورة النساء: الآية، ١٢٢.
(٣) سورة النساء: الآية، ٤٨، والآية، ١١٦.
[ ١٣٠ ]