الأصل السابع
منهج
أهل السنة والجماعة
في
التلقي والاستدلال
[ ١٤٩ ]
ومن أُصول عقيدة السلف الصالح؛ أَهل السُّنَّة والجماعة: في منهج التلقي والاستدلال اتباعُ ما جاء في كتاب الله﷿- وما صح من سنة نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ظاهرا وباطنا، والتسليمُ لهما، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] (١) .
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تَرَكْتُ فِيكُم أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلوا ما تمَسَّكْتُمْ بِهِما: كِتابَ الله وَسنةَ رَسُولِه» (٢) .
_________________
(١) سورة الأحزاب: الآية، ٣٦.
(٢) صحيح: رواه الحاكم في: " المستدرك "، وصححه الألباني في: " المشكاة ".
[ ١٥١ ]
وأَهل السنة والجماعة: لا يقولون كتاب الله ثم سنَّة رسولهﷺ - بل كتاب الله وسنة رسُوله معا لأن السنة مقرونة مع كتاب الله، ولأَن الله فرض طاعة رسوله، وسنتُهُﷺ - مبينة للمعنى الذي أَراده الله.
ثُم- أَهل السُّنَّة والجماعة - بعد ذلك يتبعون ما كان عليه الصحابة من المهاجرين والأَنصار عموما، والخلفاء الراشدين خصوصا، وأَوصى النبيﷺ - باتباع الخلفاء الراشدين خصوصا؛ ثمَّ يتبعون الذين يلونهم من القُرون المفضَّلة الأولى، فقال - ﷺ -: «عَلَيْكمْ بِسُنتي، وَسُنةِ الخلَفَاءِ المهْدِيِّينَ الراشدين؛ تَمَسكُوا بها، وَعَضوا علَيْهَا بالنواجِذِ، وَإِياكُمْ وَمُحْدَثات الأمُورِ؛ فإِن كُلّ مُحْدَثَة بِدْعَة، وَكُل بِدْعَةٍ ضَلاَلة» (١) .
وعلى ذلك فإِن مرجع أَهل السنة عند التنازع؛ هو كتاب الله، وسُنَّة رسوله - ﷺ -، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٢) .
وصحابة رسول اللهﷺ - مرجع أَهل السنة والجماعة في فهم الكتاب والسنَّة، ولا يعارَضُ شيء عندهم من الكتاب أَو السنَّة
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود: للألباني.
(٢) سورة النساء: الآية، ٥٩.
[ ١٥٢ ]
الصحيحة؛ بقياسٍ، ولا ذوق، ولا كشف، ولا قول شيخ، ولا إمام؛ لأن الدين قد اكتمل في حياة الرسولﷺ -، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (١) .
وأَهل السنة والجماعة: لا يقدمون على كلام الله، وكلام رسُولهﷺ - كلامَ أَحد من الناس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] (٢) .
ويعلمون بأن التقدم بَينَ يَدي الله ورسوله من القول على الله بغير علم، وهو من تزيين الشيطان.
والعقل الصريح عندهم يوافق النقل الصحيح، وعند الإِشكال يقدمون النقل ولا إِشكال؛ لأن النقل لا يأتي بما يستحيل على العقل أَن يتقبله، وإنما يأتي بما تحار فيه العقول، والعقل يصدق النقل في كلِّ ما أَخبر به ولا عكس.
ولا يُقللون من شأن العقل؛ فهو مناط التكليف عندهم، ولكن يقولون: إِنَّ العقل لا يتقدم على الشرع- وإلَّا لاستغنى الخلق عن
_________________
(١) سورة المائدة: الآية، ٣.
(٢) سورة الحجرات: الآية، ١.
[ ١٥٣ ]
الرسل- ولكن يعمل داخل دائرته، ولهذا سُموا أَهل السُّنَّة لاستمساكهم واتباعهم وتسليمهم المطلق لهدي النَبِيِّ ﷺ.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] (١) .
وأَهل السنة والجماعة: يأَخذون بعد الكتاب والسنَّة بما أَجمع عليه علماء الأُمة، ويعتمدون عليه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِن اللهَ لا يَجْمَعُ أمتي عَلى ضَلاَلَة، وَيَدُ الله مع الجماعَة، ومَنْ شَذَّ شَذَّ في النار» (٢) .
فهذه الأمة معصومة من الاجتماع على باطل، ولا يمكن أَن تجمع على ترك الحق.
ولا يعتقدون العصمةَ لأَحد غير رسول اللهﷺويرون الاجتهاد فيما خفي من الأَمر بقدر الضرورة، ومع هذا لا يتعصبون لرأي أَحدٍ حتى يكون كلامه موافقا للكتاب والسُّنٌة، ويعتقدون أَنَّ المجتهد يخطئ ويصيب؛ فإِن أَصاب فله أَجران: أَجر الاجتهاد وأَجر الإِصابة، وإن أَخطأ فله أَجر الاجتهاد فقط؛ فالاختلاف
_________________
(١) سورة القصص: الآية، ٥٠.
(٢) صحيح سنن الترمذى: للألباني.
[ ١٥٤ ]
عندهم في المسائل الاجتهادية، لا يوجب العداوة ولا التهاجر بل يُحب بعضهم بعضا، ويوالي بعضهم بعضا، ويصلي بعضهم خلف بعض، مع اختلافهم في بعض المسائل الفرعية.
ولا يلزمونَ أَحدا من المسلمين التقيد بمذهب فقيه مُعين، ولكن لا يرون أَيضا بأسا بذلك إِذا كان اتباعا لا تقليدا (١) وعلى المسلم أَنْ ينتقل من مذهب إلي آخر لقوة الدليل، وطالب العلم إِذا كانت عنده أَهلية يستطيع أَن يعرف بها أَدلَة الأَئَمة عليه أَن يعمل بها، وينتقل من مذهب إِمام في مسألة إِلى مذهب إِمام آخر، أَقوى دليلا وأَرجح فقها في مسألة أُخرى، ولا يجوز له الأَخذ بقول أَحد دون أَن يعرف دليله؛ لأَنهُ يصبح بذلك مقلدا، وعليه أَن يبذل ما يستطيعه من النظر في الاختلاف حتى يترجح لديه شيء،
_________________
(١) التقليد: هو (التزام المكلفِ في حكم شرعي مذهبَ مَن ليس قولهُ حجة في ذاته) أو هو قبول قول القائل من غير معرفة لدليله، أو الرجوع إلى قول لا حُجة لقائله عليه. والمقلد: هو الذي يقلد شخصا بعينه، في جميع أقواله أو أفعاله، ولا يرى أَن الحق يمكن أَن يكون فيما عداه، ومن غير أَن يعرف دليله، ولا يخرج عن أقواله، ولو ثبت له عكس ذلك، ولا خلاف بين أهل العلم أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم. ولقد ذم الله﷿- التقليد ونهى عنه في كثير من الآيات، فقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئا وَلَا يَهْتَدُونَ المائدة: ١٠٤. وعلماء السلف والأئمة المجتهدون جميعا نهوا عن التقليد، لأن التقليد أَحد أَسباب الضعف والتنازع بين المسلمين، والخير في الوحدة والاتباع والرجوع في الخلاف إلى الله وإلى رسوله - ﷺ - ولذلك لم نرَ الصحابة - ﵃- يقلدون أحدا منهم بعينه في جميع المسائل، وكذلك الأئمة الأربعة﵏- لم يتعصبوا لآرائهم وكانوا يتركون آراءهم لحديث رسول اللهﷺ - وينهون غيرهم عن تقليدهم دون معرفة أدلتهم. قال الإمام أبو حنيفة ﵀: (إِذا صح الحديث فهو مذهبي) وقال: (لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) . وقال الإمام مالك ﵀: (إِنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي؛ فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) . وقال الإمام الشافعي ﵀: (كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله - ﷺ - عند أهل النقل بخلاف ما قلت؛ فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي) . وقال الإمام أحمد ﵀: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا) . وأقوالهم في هذا الباب كثيرة، لأنهم كانوا يفقهون معنى قوله تعالى: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ سورة الأعراف: الآية، ٣.
[ ١٥٥ ]
فإِنْ لم يمكنه الترجيح، يصبح حكمه حكم العامِّي؛ فيسألُ أَهل العلم.
وأَن العاميَ الذي لا يحسن النظر في الدليل فلا مذهب له بل مذهبه مذهب مفتيه؛ فالواجب عليه أَن يسأل أَهل العلم بالكتاب والسنَّة، قال الله ﵎: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (١) .
وأَهل السنة والجماعة: يقولون إِن الفقه في الدِّين لا يتم ولا يستقيم إِلَّا بالعلم والعمل معا؛ فمن حصل علما كثيرا ولم يعمل به أَو لم يَهْتَدِ بهدي النبِيﷺ - ولم يعمل بالسنة فليس بفقيه.
_________________
(١) سورة النحل: الآية، ٤٣.
[ ١٥٦ ]