الاستدلال للولاء والبراء بالإجماع لا شك أنّ أمرًا هذا هو ظهوره في أدلّة الكتاب والسنّة، اجتمع فيه أن يكون حُكمًا مقطوعًا به، لكونه قطعيَّ الثبوت والدِّلالة، مع تضافر الأدلّة وتواردها عليه أنه سيكون من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة. ولذلك فإننا لا نحتاج في مثله إلى نصٍّ من عالم على الإجماع فيه، بل يكفي أن نستحضر أدلّته وحقيقته وعلاقتَه بأصل الإيمان، لنوقن أن الولاء والبراءَ محلُّ إجماعٍ حقيقيٍّ بين الأُمّة.
ومع ذلك فقد نُقِل الإجماعُ في ذلك:
فقد قال ابن حَزْم (ت٤٥٦هـ) في (المُحَلّى): «وصَحَّ أن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (إنما هو ظاهره، بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حقٌّ، لا يختلف فيه اثنان من المسلمين» (٣) .
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم ٥٤) .
(٢) أخرجه الإمام أحمد (رقم ١٩١٥٣، ١٩١٦٢، ١٩١٦٣، ١٩١٦٥، ١٩١٨٢، ١٩٢١٩، ١٩٢٣٣، ١٩٢٣٨)، والنسائي ٧ / ١٤٧ - ١٤٨ رقم ٤١٧٥، ٤١٧٦، ٤١٧٧)، من حديث أبي وائل شقيق بن سلمة، واختُلف عنه: فمن راوٍ له عنه عن جرير بغير واسطة، ومن راوٍ له عنه عن أبي نُحَيلة عن جرير. وقد رجّح ابن معين الأولى، كما في تاريخه (رقم ٢٨١٤)، وانظر علل الدارقطني (٤ / ٩١ / ب) . ولو صحّ الوجه الثاني، فأبو نُحَيلة أثبت له جماعةٌ الصحبة، وإن خالف في ذلك أبو حاتم الرازي، فمثله مقبول الحديث. وعلى هذا فالحديث صحيح.
(٣) المحلّى لابن حزم (١١ / ١٣٨) .
[ ٦ ]
وأنَّى نشك في صحّة هذا الإجماع، وفي أمّ القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] وقد أجمع المفسرون أن: المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى (١) .