ولغُلّوِّ التفريط مظهران الأول: مهاجمة عقيدة (الولاء والبراء)، والمطالبة بإلغائها، بحجّة أنها تؤصّل ثقافة الكراهية للآخرين، وتؤجّج نار التطرُّف والغُلُوّ.
وهؤلاء إن قصدوا (الولاء والبراء) الذي ورد في تلك الآيات وهاتيك الأحاديث النبويّة، وأجمعت عليه الأمّة، وكان من أمور الدين المعلومة منه بالضرورة فلا نخوض معهم في هذه الجُزئيّة أصلًا، وإنما ندعوهم إلى الإسلام أوّلًا؛ فإذا هُمْ أجابونا إلى ذلك، ودخلوا في الإسلام، فإن قلوبهم حينها سَتَنْطِوي على (الولاء والبراء) الشرعيّ. وليسوا في حاجةٍ إلى أكثر من ذلك، لارتباط (الولاء والبراء) بأصل الإيمان، كما قدّمناه.
[ ١٨ ]
وإن قصدوا (الولاء والبراء) الخاطئ الذي هو مظهرٌ من مظاهر غُلُوّ الإفراط فيه فليس من الإنصاف أن يُحمَّلَ هذا المعتقدُ الصحيحُ جَريرةَ خطأ المخطئين فيه، ولا أن نقابل غلوَّهم بغُلُوٍّ في الطرف الآخر.
الثاني: مهاجمة مظاهر (الولاء والبراء) الشرعية الصحيحة، ومحاولة تذويبها، بإشاعة عادات الكفار وتقاليدهم بين المسلمين.
لقد كان لعقيدة (الولاء والبراء) في نصوص الكتاب والسنة ذلك الحظُّ الوافر الذي لا يكاد يغلبه وفورًا ووضوحًا إلا نصوص التوحيد! بل إن نصوص التوحيد نفسَها هي من نصوص (الولاء والبراء) !! وشَرَع الله لنا أحكامًا كثيرةً، مبنيّةً على النهي عن التشبُّه بالكفار، بل على الأمر بمخالفتهم، وذلك أيضًا في نصوص وافرة، وصنّف العلماء في جمعها وفقهها كتبًا عديدة، قديمًا وحديثًا.
وما هذه الأحكام الإلهيّة إلا لغرض ترسيخ (البراء) من الكفار في قلوب المسلمين، ولجعله واقعًا عمليًّا ومعنىً حيًّا في المجتمع المسلم.
حيث إن المعتقَدَ إذا لم يكن له واقعٌ في الحياة، فإنه لا يعدو أن يكون أفكارًا جوفاء، وخيالاتٍ ليس لها أيّ ثمرة.
فتطبيقُ مظاهر (الولاء والبراء) الصحيحة شرعٌ لا مناصَ من التزامه والعمل به، وإلا كنا قد شابهنا اليهود الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.
فكيف يرضى مسلمٌ لمجتمعه أن يذوب في المجتمعات الأخرى، وأن ينخلع من حضارته وتاريخه؟! هل هذا من صدق الانتماء لأمتنا؟! أم أنّه دليل العمالة للأعداء؟!!