لقد كان نبي الله إبراهيم ﵇: أسوة حسنة وقدوة طيبة في ولائه لربه ودينه وعباد الله المؤمنين، وبرائه ومعاداته لأعداء الله ومنهم أبوه.
لقد كانت سيرة نبي الله إبراهيم ﵇ مع قومه كأي نبي رسول حيث دعاهم بالتي هي أحسن إلى عبادة الله وتوحيده، وإفراده بالعبادة، والكفر بكل طاغوت يعبد من دون الله.
قال تعالى:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ﴿٤١﴾ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ﴿٤٢﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴿٤٣﴾ يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴿٤٤﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴿٤٥﴾ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ
[ ١٤٥ ]
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴿٤٦﴾ قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴿٤٧﴾ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا ﴿٤٨﴾ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًاّ جَعَلْنَا نَبِيًّا ﴿[سورة مريم: ٤١ - ٤٩] .
تلك هي نقطة البدء في دعوة خليل الرحمن، دعوة بالحسنى، مبتدئًا بأقرب الناس إليه، فإن لم يكن هناك تجاوب مع هذه الدعوة فالاعتزال لهذا الباطل وأصحابه عل في ذلك ردًا وزجرًا وتفكرًا في هذا الأمر الجديد، ونجاة للداعي من مشاركة أهل الباطل في باطلهم إذا كان لابد له من مخالطتهم ومعاشرتهم وعدم تمكنه من الهجرة من أرضهم.
ثم يمضي القرآن في بيان دعوة إبراهيم ﵇، مبينًا أنه استخدم مع قومه كل حجة ودليل:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴿٦٩﴾ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٧٠﴾ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴿٧١﴾ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿٧٢﴾ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴿٧٣﴾ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿٧٤﴾ قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ ﴿٧٦﴾ فإنهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿[سورة الشعراء٧٠-٧٨] .
[ ١٤٦ ]
ولما لم يجدوا حجة وإنما هو التقليد الأعمى لفعل الآباء والأجداد قال لهم إبراهيم ﵇ أنا عدو آلهتكم، وهذا كما قال نوح ﵇ فيما أخبر الله عنه بقوله:
﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ ﴿[سورة يونس: ٧١] .
وقال هود ﵇:
﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴿٥٥﴾ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿[سورة هود:٥٤ - ٥٦] .
وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاءؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴿(١) [سورة الممتحنة: ٤] .
_________________
(١) انظر تفسير الآيات السابقة في ابن كثير (ج٦ / ١٥٦) .
[ ١٤٧ ]
وعقيدة إبراهيم ﵇ هذه هي التي عبر عنها علماؤنا الأجلاء علماء سلف هذه الأمة بقولهم: لا موالاة إلا بالمعاداة. كما قال العلامة ابن القيم ﵀:
(لا تصح الموالاة إلا بالمعاداة كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين، أنه قال لقومه:
(أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) فلم تصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة. فإنه لا ولاء إلا لله، ولا ولاء إلا بالبراء من كل معبود سواه قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءؤا مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فإنهُ سَيَهْدِينِ ﴿٢٧﴾ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿[سورة الزخرف: ٢٦-٢٨] .
(أي جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض، وهي كلمة لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة) (١) .
ويقول الإمام الطبري:
قد كانت لكم يا أمة محمد أسوة حسنة في فعل إبراهيم والذين معه في هذه الأمور من مباينة الكفار، ومعاداتهم، وترك موالاتهم إلا في قول إبراهيم
﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴿[سورة الممتحنة: ٤] .
(فإنه لا أسوة لكم فيه في ذلك لأن ذلك كان من إبراهيم عن موعدة ودعدها إياه، قبل أن يتبين له أنه عدو لله فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، فتبرأوا من
_________________
(١) الجواب الكافي (ص٢١٣) وانظر تفسير ابن كثير (ج٧/٢١٢) ومجموعة التوحيد (ص١٣٣) .
[ ١٤٨ ]
أعداء الله، ولا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا بالله وحده ويتبرؤا من عبادة ما سواه، وأظهروا لهم العداوة والبغضاء (١) .
وقد كان من نتيجة هذه المعاداة وهذا البراء القوي أن أجمع الطغاة على قتل إبراهيم - كما هو حال كل طاغية على مر عصور التاريخ في إبادة الدعاة إلى الله، لا لشيء إلا أنهم يدعونهم إلى عبادة الله وحده -
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿[سورة البروج:٨] .
- وجمعوا له نارًا عظيمة فكانت رعاية الله وحفظه تحوطان خليله الصادق ﵊ فصارت النار بردًا وسلامًا عليه
﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ﴿٩٧﴾ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ ﴿[سورة الصافات: ٩٧ - ٩٨] .
(لقد عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم فكادهم الرب ﷻ، وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى:
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴿٦٨﴾ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴿٦٩﴾ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ ﴿(٢) [سورة الأنبياء: ٦٨-٧٠] .
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٨/٦٢)
(٢) قصص الأنبياء، للحافظ ابن كثير (١/١٨١) وانظر تفاصيل القصة في نفس المصدر
[ ١٤٩ ]
وتأتي التوجيهات الربانية لخاتم الأنبياء محمد ﷺ باتباع ملة أبيه إبراهيم ﵇
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة النحل: ١٢٣]
﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة آل عمران: ٩٥] .
﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة البقرة ١٣٥] .
﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿[سورة آل عمران: ٦٨] .
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴿[سورة النساء: ١٢٥] .
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ
[ ١٥٠ ]
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ﴿[سورة الحج: ٧٨] .
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴿[سورة البقرة: ١٣٠] .
فهذه الأخبار من الله لأمة محمد ﷺ عن فعل إبراهيم ﵇ من أجل الاقتداء به في الإخلاص، والتوكل على الله وحده، وعبادة الله وحده والبراء من الشرك وأهله ومعاداة الباطل وحزبه.