ب- الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.
أ- الإقامة في دار الكفر:
لا بد لنا أولًا أن نعرف دار الكفر ودار الإسلام. فقد قال أهل العلم ﵏:
إن دار الكفر: هي التي يحكمها الكفار، وتجري فيها أحكام الكفر، ويكون النفوذ فيها للكفار وهي على نوعين:
١) بلاد كفار حربيين.
٢) بلاد كفار مهادنين بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة. فتصير إذا كانت الأحكام للكفار: دار كفر، ولو كان بها كثير من المسلمين (١) .
ودار الإسلام: هي التي يحكمها المسلمون، وتجري فيها الأحكام الإسلامية ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفارًا (٢) .
_________________
(١) الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن بن سعدي (١/٩٢) الطبعة الأولى سنة ١٣٨٨ هـ دار الحياة بدمشق.
(٢) المصدر السابق: (١/٩٢) .
[ ٢٧٠ ]
ولما كان الإسلام هو دين العزة ودين القوة: فإنه قد أبى على معتنقه أن يستذلوا للكفار، وبذلك جاء المنع من الإقامة بين ظهراني غير المسلمين، لأن إقامته بينهم تشعره بالوحدة والضعف وتربي فيه روح الاستخذاء والاستكانة، وقد تدعوه إلى المحاسنة ثم المتابعة. والإسلام يريد للمسلم أن يمتلئ قوة وعزة وأن يكون متبوعًا لا تابعًا، وأن يكون ذا سلطان ليس فوقه إلا سلطان الله لذلك حرم الإسلام على المسلم أن يقيم في بلد لا سلطان للإسلام فيه إلا إذا استطاع أن يظهر إسلامه ويعمل طبقًا لعقيدته دون أن يخشى الفتنة على نفسه، وإلا فعليه أن يهجر هذا البلد إلى بلد يعلو فيه سلطان الإسلام فإن لم يفعل فالإسلام بريء منه ما دام قادرًا على الهجرة. وفي ذلك كله يقول المولى سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا ﴿٩٧﴾ إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴿٩٨﴾ فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴿[سورة النساء: ٩٧ - ٩٩] .
وقال ﷺ (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) قيل: يا رسول الله ولم؟ قال: (لا تراءى ناراهما) (١) وقال (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله) (٢) ويقول (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) (٣) (٤)
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) المسند (٤/٩٩) أبي داود (٣/٧ ح ٢٤٧٩) كتاب الجهاد والدارمي (٢/٢٣٩) كتاب السير وقال الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير (٦/١٨٦ ح ٧٣٤٦) .
(٤) المصدر السابق
[ ٢٧١ ]
وقال الحسن بن صالح:
(من أقام في أرض العدو - وإن انتحل الإسلام وهو يقدر على التحويل إلى المسلمين فأحكامه أحكام المشركين، وإذا أسلم الحربي فأقام ببلادهم وهو يقدر على الخروج فليس بمسلم، ويحكم فيه بما يحكم على أهل الحرب في ماله ونفسه) (١) .
وقال الحسن: إذا لحق الرجل بدار الحرب ولم يرتد عن الإسلام فهو مرتد بتركه دار الإسلام (٢) .
وقال ابن حزم: من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين: فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله وانفساخ نكاحه وغير ذلك.
(وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعان عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه، لأنه مضطر مكره.
أما من كان محاربًا للمسلمين معينًا للكفار لخدمة أو كتابة فهو كافر.
وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها وهو كالذمي لهم، وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم فما يبعد عن الكفر، وما نرى له عذرًا، ونسأل الله العافية.
وأما من سكن في أرض القرامطة مختارًا فكافر بلا شك لأنهم معلنون بالكفر وترك الإسلام. وأما من سكن في بلد تظهر فيه بعض الأهواء المخرجة إلى الكفر فهو ليس بكافر لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالك على كل حال من التوحيد والإقرار برسالة محمد ﷺ والبراءة من كل دين غير الإسلام وإقامة الصلاة وصيام رمضان وسائر الشرائع التي هي الإسلام والإيمان.
وقول رسول الله ﷺ (أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين)
_________________
(١) انظر: الإسلام وأوضاعنا القانونية للأستاذ عبد القادر عودة (ص٨١) .
(٢) " أحكام القرآن " للجصاص (ج ٣/٢١٦) .
(٣) * كذا بالأصل والذي يظهر لي أن الصواب: مجاهرًا لأن الكافر لا يسمى مجاهدًا.
[ ٢٧٢ ]