(والله ﷾ عندما يبعث الناس لا يسألهم عن العلوم الحسية والبدهية، والمنطق، والطبيعي، والجوهر والعرض - بل يسألهم عن استجابتهم للرسل أو عدمها
﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿٨﴾ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ﴿٩﴾ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١٠﴾ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿[سورة الملك ٨-١١] . (١)
ووحدانية الخالق التي هي غاية علم الكلام: لم تنفع المشركين الذين حاربهم رسول الله ﷺ فإنهم كانوا يقرون بها كما أخبر الله عنهم:
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿[سورة لقمان:٢٥] .
(٣) قوة التأثير: الذي هو طابع العقيدة الربانية: مما يجعل لها سلطانًا قويًا على نفوس معتنقيها. بعكس الفلسفة والكلام اللذين يدلان على جهل أصحابها كما قال أحدهم - وهو سقراط - (الشيء الذي لا أزال أعلمه جيدًا هو أنني لست أعلم شيئًا) (٢) .
(٤) الأسلوب: فالعقيدة الربانية تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخاص، وهو أسلوب يمتاز بالحيوية والإيقاع. واللمسة المباشرة والإيحاء بالحقائق الكبيرة، مع بساطة في العرض ووضوح في البيان وإعجاز في اللفظ والمعنى.
_________________
(١) "العقيدة في الله " للأشقر (ص٣١)
(٢) المصدر السابق (ص٣٢) .
[ ٩٩ ]
مما يجعل إدراك هذه العقيدة سهلًا لكافة المستويات البشرية. وهذا كله بخلاف الفلسفة والكلام، وبخلاف تلك المصطلحات المعقدة التي لا تزيد الشك إلا شكًا وحيرة وضلالًا (١) .
وأسلوب المتكلمين يسير على نمط واحد في كل قضية يتحدث عنها فهو لا يخرج عن قوله: (فإن قيل لنا كذا: قلنا لهم كذا) .
أما الأسلوب القرآني فإنه يعرض العقيدة على نمطين:
الأول: توحيد في الإثبات والمعرفة. أي إثبات حقيقة الرب وصفاته وأفعاله وأسمائه كما أخبر به عن نفسه وكما أخبر رسوله الكريم، وهذا موجود في أول سورة الحديد وطه، وآخر الحشر، وأول السجدة، وأول آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها (٢) .
الثاني: توحيد في الطلب والقصد: وهذا ما تضمنته سورة
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿و﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿[سورة آل عمران: ٦٤] .
وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها وأول سورة يونس وأوسطها وآخرها وأول سورة الأعراف وآخرها وجملة سورة الأنعام.
_________________
(١) انظر خصائص التصور الإسلامي والعقيدة للأشقر (ص٣٥) .
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٨٨) طبع المكتب الإسلامي
[ ١٠٠ ]
ويعرف الأول: بأنه توحيد علمي خبري، والثاني بأنه: توحيد إرادي طلبي (١) .
ونظرة واحدة إلى سيرة المصطفى ﷺ في عرضه لهذه العقيدة وتربيته الفذة لصحابته كافية في الدلالة على أن من سلك طريقًا غير طريق القرآن والسنة في عرض العقيدة فقد سلك "سبلًا" لا تلتقي مع صراط الله المستقيم.
روى الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن (٢) .
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: (٣) حدثنا الذين كانوا يقرئوننا: أنهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا (٤) .
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:
(لقد كان تلقي صحابة رسول الله ﷺ لهذه العقيدة أشبه ما يكون بتلقي الجندي في الميدان " الأمر اليومي" ليعمل به فور تلقيه، ولذلك لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه، فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود) (٥) .
هكذا كان صدر هذه الأمة مقتصرًا على كتاب الله وسنة رسوله في عقيدته. ولكن الانحراف الذي طرأ على المسائل العقدية في العصور المتأخرة سببه حركة الترجمة والانبهار بفلسفة اليونان وعلومهم. ولو كان هناك وعي وتفكير في الأشياء المترجمة لاقتصر على ترجمة العلوم البحتة كالهندسة والكيمياء والطب وغيرها من العلوم النافعة وبشرط أن تكون صياغة ترجمتها متفقة مع عقيدة المسلمين. ولكن
_________________
(١) المصدر السابق (ص٨٨) .
(٢) مقدمة الحفاظ ابن كثير لتفسيره (ج١/١٣) .
(٣) هو عبد الله بن حبيب السلمي القارىء لأبيه صحبة. روى عن مجموعة من كبار الصحابة وهو تابعي ثقة توفي سنة ٧٢ هـ وقيل ٨٥ هـ وانظر تهذيب التهذيب (ج٥/١٨٣) .
(٤) المصدر السابق (ج١/١٣) .
(٥) معالم في الطريق (ص١٥) .
[ ١٠١ ]
الخطأ الذي حصل كان ترجمة جميع العلوم ومنها "الإلهيات" عند أرسطو وأفلاطون وغيرهم!
إنه خطأ فاحش وقع فيه من وقع وإلا فما هو الدافع لاستيراد ما عند الوثنيين واستخدام أهل الكتاب في ذلك؟
وصدق حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس ﵄ حين قال محذرًا (.. أولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم فلا والله ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم) (١) .
والذي حصل كما يقول الشيخ محمد الغزالي:
(إن صفو هذه العقيدة قد تعكر بالفكر الأجنبي الذي أقحم على الحياة الإسلامية وبضروب الجدل التي زجى بها المتبطلون أوقات فراغهم) (٢) .
ولكن رحمة الله بعباده تكفله ﷻ بحفظ هذا الدين تجلت في إيجاد علماء أعلام، في كل عصر ومصر، قاموا بواجب الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله وتبصير الأمة بما شردت عنه، وزهدت فيه.
لذلك حين رأى كثير من الأئمة ﵏ هذا الداء الدخيل يحل على المسلمين في تصورهم وعقيدتهم قاموا بواجبهم الجهادي نحوه.
فهذا الإمام الجليل الشافعي ﵀ يقول:
"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام " (٣) .
ويقول أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله:
" العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم " (٤) .
ثم عقب شارح الطحاوية على ذلك بقوله:
" كيف يرام الوصول إلى علم الأصول بغير اتباع ما جاء به الرسول " (٥)
_________________
(١) صحيح البخاري (ج١٣/٤٩٦ ح ٧٥٢٣) كتاب التوحيد.
(٢) الإسلام والطاقات المعطلة (ص١١٢) الطبعة الثانية.
(٣) شرح الطحاوية (ص٧٢) .
(٤) المصدر السابق (ص٧٣) .
(٥) المصدر السابق (ص٧٣) .
[ ١٠٢ ]
وذكر ابن الجوزي ﵀:
(أن أصل الدخل في العلم والاعتقاد: من الفلسفة وذلك أن خلقًا من العلماء في ديننا لم يقنعوا بما قنع رسول الله صلى عليه وسلم من الانعكاف على الكتاب والسنة، بل أوغلوا في النظر في مذاهب أهل الفلسفة وخاضوا في الكلام الذي حملهم على مذاهب ردية أفسدوا بها العقائد) (١) .
أما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيقول:
(هؤلاء أهل الكلام المخالفون للكتاب والسنة الذين ذمهم السلف والأئمة، أنهم لم يقوموا بكمال الإيمان ولا بكمال الجهاد، بل أخذوا يناظرون أقوامًا من الكفار وأهل البدع الذين هم أبعد عن السنة منهم، بطريق لا يتم إلا برد بعض ما جاء به الرسول، وهذا لا يقطع أولئك الكفار بالعقول فلا آمنوا بما جاء به الرسول حق الإيمان، ولا جاهدوا حق الجهاد. وأخذوا يقولون: أنه لا يمكن الإيمان بالرسول ولا جهاد الكفار، والرد على أهل الإلحاد والبدع إلا بما سلكناه من المعقولات!!، وإن ما عارض هذه المعقولات من السمعيات يجب رده تكذيبًا، أو تأويلًا، أو تفويضًا. لأنها أصل السمعيات، وإذا حقق الأمر عليهم وجد الأمر بالعكس) (٢) .
وكلمة أخيرة نذكرها للعبرة والعظة، وهي كلمة لأحد أولئك الذين خاضوا في بحر الكلام اللجي ثم خرجوا منه يطلبون النجاة. إنها كلمة أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي حيث قال:
(لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا. ورأيت أقرب الطرق. طريقة القرآن.. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي) (٣) . هذا وإنه لحري بالأمة، وبعد أن عاشت قرونًا من الضياع والتخبط أن تعود إلى المشكاة الربانية كتاب الله وسنة رسوله، فتتدبر معانيها، وتعمل بما فيها ففي ذلك النجاح
_________________
(١) صيد الخاطر: تحقيق الطنطاوي (ص٢٠٥) الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ.
(٢) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول (١/٢٣٨) تحقيق محيي الدين عبد الحميد ومحمد حامد الفقي.
(٣) شرح الطحاوية (ص٢٢٧) .
[ ١٠٣ ]