والهجر الشرعي نوعان:
الأول: بمعنى الترك للمنكرات.
والثاني: بمعنى العقوبة عليها.
فالأول هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴿[سورة الأنعام: ٦٨] .
وقوله تعالى:
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ﴿[سورة النساء: ١٤٠] .
وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات كما قال ﷺ"المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (١) ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به، ومن هذا قوله تعالى:
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿[سورة المدثر: ٥] .
أما النوع الثاني وهو الهجر على وجه التأديب: فهو هجر من يظهر المنكرات حتى يتوب منها كما هجر النبي ﷺ والمسلمون "الثلاثة الذين خلفوا" (٢) حتى أنزل الله توبتهم.
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب الإيمان باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (ج ١/٥٣ ح ١٠) .
(٢) سيرد حديثهم إن شاء الله في الباب الأخير عند الحديث عن كعب بن مالك وهو أحدهم.
[ ٣٠٩ ]
وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يقضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر.
وقد كان النبي ﷺ يتألف قومًا ويهجر آخرين.
وإذا عرف هذا فالهجر يجب أن يكون خالصًا لله وموافقًا لأمره، لأن من هجر لهوى نفسه أو هجر هجرًا غير مأمور به كان خارجًا عن هذا الأصل، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله (١) .
والهجر من باب "العقوبات الشرعية" فهو من جنس الجهاد في سبيل الله، وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، والمؤمن عليه أن يعادي في الله، ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه، فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية قال تعالى:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴿[سورة الحجرات: ٩-١٠] .
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (ج ٢٨/٢٠٣-٢٠٧)
[ ٣١٠ ]
فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي (١) .
ومما ينبغي التنويه به: " أن هذا الهجران والتبري والمعاداة لأهل البدع المخالفين في الأصول. أما الاختلاف في الفروع بين العلماء فاختلاف رحمة أراد الله أن لا يكون على المؤمنين حرج في الدين، فذلك لا يوجب الهجران والقطعية، لأن الاختلاف كان بين أصحاب رسول الله ﷺ إخوانًا مؤتلفين، رحماء بينهم، وتمسك بقول كل فريق منهم طائفة من أهل العلم بعدهم، وكل في طلب الحق، وسلوك سبيل الرشد مشتركون " (٢) .
كلمات للسلف