[ ٢٥٧ ]
من مقتضيات الولاء والبراء
سبق القول في أول البحث: أن الولاء أصله الحب، والبراء أصله: البغض، وينشأ عنهما من أعمال الجوارح ما يؤيد صدق ذلك الحب أو يكذبه وما يؤكد ذلك البراء أو ما يبطل زعمه.
والحب عنصر أصيل في التصور الإسلامي دليل ذلك قول المولى جل وعلا:
﴿إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت سيجعل لهم الرحمن ودًا﴾ [سورة مريم: ٦٩] .
وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴿[ٍسورة هود: ٩٠] .
وقوله ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿[سورة البروج: ١٤] .
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ ﴿[سورة البقرة: ١٦٥] .
[ ٢٥٩ ]
وقوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ﴿[سورة آل عمران: ٣١] .
ذلك أن نصاعة التصور الإسلامي في الفصل بين حقيقة الألوهية. وحقيقة العبودية لا تجفف ذلك النداء الحبيب بين الله وعباده، فهي علاقة الرحمة والعدل والود وليست كما يدعي أعداء الله: أن العلاقة بين العبد وربه علاقة جافة وعنيفة، علاقة قهر وقسر، وعذاب وعقاب، وجفوة وانقطاع!
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا ﴿[سورة الكهف: ٥] .
وحب الله لعبد من عبيده أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من عرف الله سبحانه بصفاته كما وصف نفسه وكما وصفه رسوله، وإلا من وجد إيقاع هذه الصفات في حسه ونفسه وشعوره.
حب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها كذلك إلا من ذاقها. وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرًا هائلًا عظيمًا، وفضلًا غامرًا جزيلًا، فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه، وتعريفه هذا المذاق هائل عظيم (١) .
ومن نعمة الله على عباده المؤمنين أن جعل المحبة فيه هي الوشيجة العظمى بينهم، وهي المورد العذب الذي ينهلون منه جميعًا، ثم جعل سبحانه وجود المحبة للقوم ولما يلحق بهم المحب سبيلًا للحاق بهم يؤيد ذلك قوله ﷺ (المرء مع من أحب) (٢) . وقال عبد الله بن مسعود ﵁: جاء رجل إلى رسول الله
_________________
(١) بتصرف. الظلال (٢/٩١٨ - ١٩١) .
(٢) صحيح البخاري كتاب الأدب باب علامة الحب في الله (١٠/٥٧٧ ح ٦١٦٨) .
[ ٢٦٠ ]
ﷺ فقال: يا رسول الله: كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ (المرء مع من أحب) (١) .
وعن أنس أن رجلًا سأل النبي ﷺ متى الساعة يا رسول الله؟ قال ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله قال (أنت مع من أحببت) (٢) .
على أنه من الواجب ذكره هنا: أن هذا الحب ليس مجرد أماني أو أحلام تناقضها الأفعال القبيحة. أو (هرطقة) رقعاء الصوفية أو.. أو.. الخ وإنما هو حب بالقلب وعمل بالجوارح قال تعالى:
﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا ﴿[سورة النساء:١٢٣] .
وقال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿[سورة آل عمران: ٣١] .
قال الحسن: لا تغتر بقولك: المرء مع من أحب إن من أحب قومًا اتبع آثارهم، ولن تلحق الأبرار حتى تتبع آثارهم، وتأخذ بهديهم، وتقتدي بسنتهم، وتمسي وتصبح وأنت على منهاجهم، حريصًا أن تكون منهم، وتسلك سبيلهم وتأخذ طريقهم وإن كنت مقصرًا في العمل فإن ملاك الأمر أن تكون على
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب الأدب باب علامة الحب في الله (١٠/٥٥٧ ح ٦١٦٩) وصحيح مسلم (٤/٢٠٣٤ ح ٢٦٤٠) كتاب البر.
(٢) صحيح البخاري كتاب الأدب باب علامة الحب في الله (١٠/٥٥٧ ح ٦١٧١) وصحيح مسلم (٤/٢٠٣٢ ح ٢٦٣٩) كتاب البر.
[ ٢٦١ ]
استقامة، أما رأيت اليهود والنصارى وأهل الأهواء الردية يحبون أنبياءهم وليسوا معهم لأنهم خالفوهم في القول والعمل، وسلكوا غير طريقتهم فصار موردهم النار؟ (١)
والمحبة تنقسم إلى أربعة أقسام: (٢)
(١) محبة شركية: وأصحابها هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴿١٦٥﴾ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ﴿١٦٦﴾ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴿[سورة البقرة: ١٦٥- ١٦٧] .
(٢) حب الباطل وأهله، وبغض الحق وأهله وهذه صفة المنافقين.
(٣) محبة طبيعية: وهي محبة المال والولد إذا لم تشغل عن طاعة الله ولا تعين على محارم الله فهي مباحة.
(٤) حب أهل التوحيد وبغض أهل الشرك: وهي أوثق عرى الإيمان، أعظم ما يعبد به العبد ربه.
_________________
(١) الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي: بعثت بالسيف بين يدي الساعة لابن رجب (ص١٣٣) تحقيق محمد حامد الفقي.
(٢) ذكر ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب: مجموعة التوحيد (ص١٧) طبعة دار الفكر.
[ ٢٦٢ ]
وما دامت المحبة في الله هي أوثق عرى الإيمان كما ورد في الحديث أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله (١) فإن الطريق الموصل إليها وإلى موالاة الله ﷿ هو: اتباع شرعه الذي جاء به محمد ﷺ، وبغير هذا الطريق تكون دعوى الولاية كاذبة كما كان المشركون يتقربون إلى الله تعالى بعبادة من يعبدونه من دونه كما قال الله عنهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴿[سورة الزمر: ٣] .
وكما حكى عن اليهود والنصارى أنهم قالوا:
﴿نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴿[سورة المائدة: ١٨] .
مع إصرارهم على تكذيب رسله وارتكاب مناهيه وترك فرائضه (٢) .
ومتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه وإرادته إلا لما يريده منه مولاه، فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام لم يبق فيه محبة لغير الله، ولا كراهة لغير ما يكره الله، ومن كان كذلك لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله، وإنما تنشأ الذنوب من محبة ما يكرهه الله، أو كراهة ما يحبه الله وذلك ينشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله وخشيته (٣) .
ويصور شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عظمة محبة الله ولذتها فيقول: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة) . وقال بعضهم: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص ٣١٦) .
(٣) انظر جامع العلوم والحكم (ص٣٢٠) .
[ ٢٦٣ ]
قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه (١) .
أما البغض في الله فهو أمر ملازم للحب في الله لا ينفصل عنه، لأن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض محبوبه، ويوالي من يوالي محبوبه، ويعادي من يعادي محبوبه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما نهى عنه فهو موافق له في ذلك.
ومعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه، ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم كما قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴿[سورة الصف: ٤] .
وقد وصف المولى ﷾ عباده الذين يحبهم ويحبونهم فقال:
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿[سورة المائدة: ٥٤] .
أي إنهم يعاملون المؤمنين بالذلة واللين وخفض الجناح، ويعاملون الكافرين بالعزة والشدة عليهم، والغلظة. فهم يحبون من أحبه الله فيعاملونه بالمحبة والرأفة واللين، ويبغضون أعداء الله الذين يعادونه فيعاملونهم بالشدة والغلظة كما قال تعالى:
﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴿[سورة الفتح: ٢٩] .
_________________
(١) مدارج الساكين (١/٤٥٤) .
[ ٢٦٤ ]
﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ﴿(١) [سورة المائدة: ٥٤] .
وأعداء الله لهم البغض ولهم من المؤمنين الجهاد
﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ﴿[سورة التوبة: ١٤] .
ومن هنا فإن من مقتضيات الولاء والبراء: حق المسلم على المسلم. فما هو ذلك الحق؟
_________________
(١) انظر جامع العلوم والحكم (ص٣١٧) .
[ ٢٦٥ ]