لكي نتحدث عن الولاء والبراء من واقع التصور الإسلامي الصحيح لا بد أن نتحدث في هذا التمهيد عن حقائق ثلاث هي:
(١) حقيقة الإسلام الممثلة في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ومدلول هذه الكلمة وشروطها.
(٢) الولاء والبراء من لوازم كلمة التوحيد.
(٣) نواقض الإسلام: الشرك والكفر والنفاق والردة.
وهدفي من هذا هو: أن أحاول - بقدر الطاقة - إبراز حقيقة الإسلام، وحقيقة ما يناقضه. مع إبراز حقيقة قضية الولاء والبراء ودورهما في حياة المسلمين. لأن الولاء والبراء جزء من هذه العقيدة فالحديث عنه يستلزم الحديث عن أساس هذه العقيدة وهي كلمة التوحيد. ومعرفة هذه العقيدة معرفة صحيحة أمر ضروري للمسلم ليكون ولاؤه وبراؤه بحبسها. إذ من المحال أن تكون هناك عقيدة سليمة بدون تحقيق الموالاة والمعاداة الشرعية.
ثم إن الوقوف على حقيقة دعوة رسول الله ﷺ وما أحدثته هذه الدعوة من تحول في تاريخ البشرية، وما بنته من حضارة سعد بها الإنسان المسلم منذ أول لحظة عرف فيها ربه ودينه ونبيه: لأمر جدير بالتأمل، تلك الدعوة التي جاءت وقد كان الناس يعيشون في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، ثم أنقذتهم وأحيتهم بعد ممات:
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿[سورة الأنعام: ١٢٢] .
[ ١٧ ]
ولقد أوضح حقيقة تلك الحال التي كانوا عليها الصحابي الجليل المقداد (١) بن الأسود ﵁ فيما رواه أبو نعيم في الحلية (.. والله لقد بعث النبي ﷺ على أشد حال بعث عليه نبي من الأنبياء، في فترة وجاهلية. ما يرون دينًا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى أن الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافرًا – وقد فتح الله تعالى قفل قلبه للإيمان – ليعلم أنه قد هلك من دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه في النار، وإنها للتي قال الله ﷿:
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴿[سورة الفرقان: ٧٤] (٢) .
هذه الجاهلية التي تحدث القرآن عنها وهو يمتن على المسلمين بالهداية. قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فأنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿[سورة آل عمران:١٠٣] .
_________________
(١) هو المقداد بن الأسود. أسلم قديمًا وشهد بدرًا والمشاهد، وكان فارسًا يوم بدر. توفي سنة ٣٣ هـ قال بعضهم وهو ابن سبعين سنة. وكان ذلك بالجوف على بعد ثلاثة أميال من المدينة وحمل إلى المدينة ودفن بها. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني (١٠/٢٨٥) .
(٢) حلية الأولياء لأبي نعيم (١/١٧٥) وذكر صاحب كتاب حياة الصحابة (١/٢٤١) وقال إن الطبراني أخرجه أيضًا بمعناه بأسانيد في أحدهما يحيى بن صالح. وثقه الذهبي، وقد تكلموا فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/١٧) .
[ ١٨ ]
ولما عرف الصحابة رضوان الله عليهم الجاهلية، ثم عرفوا الإسلام خرجوا – نتيجة للتربية القرآنية والعناية النبوية – وهم أعظم جيل عرفه تاريخ هذه الدعوة.
ترى، ما سر تلك العظمة التي نقرأ عنها ونسمع، وكأنها شبه أحلام، نظرًا للهوة السحيقة التي وصلنا إليها؟ ذلك الجيل الذي كان الواحد منهم إذا دخل في الإسلام خلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية، وانتقل نقلة بعيدة من عالم مظلم سحيق، وتصور قاصر، ومفاهيم كليلة، وعبودية للمال والعبيد، إلى حياة رحبة فسيحة، وعالم يملؤه نور الله، وتصور كامل شامل، واستعلاء على كل عبودية إلا العبودية لله ﷿. (١) .
إن سر ذلك النجاح، وتلك العظمة هو نقطة البدء التي بدأ بها رسول الله ﷺ وهي كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هذه الكلمة التي مزقت كل رابطة، وأهدرت كل وشيجة إلا وشيجة العقيدة. رابطة الحب في الله، رابطة المؤاخاة الإيمانية التي يتهاوى دونها كل عرق ودم وتراب وجنس ولون.
ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: - قال رسول الله ﷺ (إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي. اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظلي إلا ظلي) (٢)
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم
_________________
(١) انظر معالم في الطريق للأستاذ سيد قطب (ص١٦) فصل جيل قرآني فريد. طبع دار الشروق. وانظر كتاب: أبو بصير قمة في العزة الإسلامية للأستاذ محمد حسن بريغش (ص٤٧) ط -٢ سنة ١٣٩٧ هـ الناشر مكتبة الحرمين بالرياض.
(٢) صحيح مسلم ط - ٤ (٤/١٩٨٨) (ح ٢٥٦٦) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي كتاب البر الطبعة الأولى سنة ١٣٧٤هـ /دار إحياء الكتب العربية وانظر المسند للإمام أحمد (ج١٦/١٩٢) (ح٨٤٣٦) تحقيق الشيخ أحمد شاكر الطبعة الرابعة سنة ١٣٧٣ هـ دار المعارف بمصر والموطأ (ج٢/٩٥٢) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ١٩ ]
من الله تعالى) قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: (هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس) وقرأ هذه الآية:
﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿(١) [سورة يونس: ٦٢] .
ولقد مكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى هذه العقيدة ويمكنها في نفوس العصبة المسلمة، مما جعل آثار ذلك تنعكس في أفعالهم الحميدة، وجهادهم المستمر لنشر كلمة الله في الأرض، حيث قامت دولة المصطفي ﷺ في المدينة المنورة.
إن الذي يجعلنا نتحدث عن قضية الألوهية، ومفهومها الصحيح الذي جاء به الإسلام هو الحاجة الماسة لشرحها اليوم، وبيانها للناس. بعد أن انحرف الناس - إلا من رحم الله - عن العقيدة الصافية التي جاء بها الرسول ﷺ.
لقد أصبحت هذه القضية عند سواد الناس اليوم مجرد لفظة ترددها الألسنة دون وعي وتدبر لمعناها ولوازمها، ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل تعداه إلى إيراد بعض النصوص للاستشهاد بها على ما يرون من معتقد، دون نظر لكامل النصوص في هذه القضية، ودون رجوع إلى بيان ذلك في كتب أهل العلم من كتب الحديث وشروحها وكتب التفسير وشروح جهابذة رجال الدعوة والإصلاح على مدار تاريخ هذه الأمة.
ومسخ أيضًا مفهوم العبادة الشامل الكامل للحياة الدنيا والآخرة إلى جزء يسير منها وهو الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج.
أما النظام الذي تقوم عليه الحياة. أما الولاء لمن يكون؟ والبراء ممن يكون؟
_________________
(١) سنن أبي داود (ج٣/٧٩٩) (ح ٣٥٢٧) كتاب البيوع وإسناده صحيح. تعليق عزت الدعاس الطبعة الأولى سنة ١٣٩١ هـ الناشر محمد علي السيد بسوريا.
[ ٢٠ ]
أما الحب لمن؟ والبغض لمن؟ فهذه معان بعيدة عن تصورهم ومجال تفكيرهم!!
إن هذا الدين لم يكن توحيد ربوبية فحسب. وإنما هو أيضًا توحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات تليق بجلال الله وعظمته.
وتأمل - كما يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ -:
(حال رسول الله ﷺ لما قام ينذر المشركين عن الشرك، ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا واستحسنوا، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا، ومعلوم أنه ﷺ لم يشتم عيسى وأمه، ولا الملائكة، ولا الصالحين، ولكن لما ذكر أنهم لا يدعون ولا ينفعون، ولا يضرون: جعلوا ذلك شتمًا.
فإذا عرفت هذا، عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام - ولو وحد الله وترك الشرك - إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعدواة والبغض، كما قال تعالى في سورة المجادلة:
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان ﴿[سورة المجادلة: ٢٢] .
(فإذا فهمت هذا جيدًا عرفت أن كثير من الذين يدعون الدين لا يعرفونها - أي لا إله إلا الله - وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك والعذاب والأسر، والضرب، والهجرة للحبشة، مع أنه ﷺ أرحم الناس لو يجد لهم رخصة لأرخص لهم) (١) .
_________________
(١) مجموعة التوحيد لابن تيمية وابن عبد الوهاب وغيرهم (ص١٩) الناشر دار الفكر بالقاهرة.
[ ٢١ ]
وما دام أن هناك من يجهل حقيقة (لا إله إلا الله) فلا بد من الشرح لها، والبيان لمدلولها وحقيقتها، وشروطها ونواقضها ولوازمها وإليك ذلك مفصلًا.
ومن الله نستمد العون والسداد.
[ ٢٢ ]