في عقيدة الولاء والبراء
قد يقول بعض من لا يدرك حقيقة العقيدة، ولا يعي مفاهيم (لا إله إلا الله): أن مصطلح الولاء والبراء من مصطلحات الخوارج والشيعة فكيف يدرج في معتقد السلف الذين هم أهل السنة والجماعة؟
والجواب على هذا الاعتراض: من عدة وجوه:
(١) نحن مطالبون بما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهما عقيدتنا وشريعتنا ونظام حياتنا، وأحسب أني قد ذكرت عددًا كبيرًا جدًا من عشرات الآيات في الولاء والبراء وعشرات الأحاديث النبوية الصحيحة في هذه القضية.
(٢) من منطلق سلفنا الصالح نقول: لسنا مستعدين للتنازل عن أي أمر من أمور ديننا الصغيرة - فضلًا عن أمور العقيدة الكبرى لأجل أن ناعقًا أخذ بعض مصطلحاتنا وبنى عليها مفاهيمه البدعية المنكرة.
(٣) هل يستطيع مسلم يؤمن بكتاب الله وسنة رسوله أن يقول إن إبراهيم ﵇ - وهو القدوة الأولى في الولاء والبراء - كما ذكرنا - استخدم مصطلحات الخوارج والرافضة الذين جاءوا بعده بآلاف السنين؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
(٤) إن قضية الولاء والبراء كمبدأ عقدي: مبدأ صحيح لا غبار عليه ورد به كتاب الله وسنة نبي الله ولكن الخطأ كل الخطأ والبدعة كل البدعة هو ما بنى
[ ٢٥١ ]
عليه هؤلاء السفهاء – من خوارج – ورافضة – من مفاهيم سقيمة خرجوا بها عن النصوص الصريحة وإجماع الأمة المحمدية. وصدق القائل.
وما ضر الورود وما حوته إذا المزكوم لم يطعم شذاها
معتقد الخوارج في هذه القضية
أما الخوارج فهم الذين قال فيهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵁: (هم الذين مرقوا من الدين. وفارقوا الملة، وشردوا عن الإسلام، وشذوا عن الجماعة فضلوا السبيل والهدى، وخرجوا على السلطان، وسلوا السيف على الأمة، واستحلوا دماءهم وأموالهم وعادوا من خالفهم إلا من قال بقولهم. وكان على مثل قولهم ورأيهم، وثبت معهم في بيت ضلالتهم، وهم يشتمون أصحاب محمد ﷺ وأصهاره وأختانه، ويتبرأون منهم، ويرمونهم بالكفر والعظائم، ويرون خلافهم في شرائع الإسلام.. يقولون من كذب كذبة، أو أتى صغيرة أو كبيرة من الذنوب فمات من غير توبة: فهو في النار خالدًا مخلدًا أبدًا.. وهم قدرية جهمية مرجئة رافضة، لا يرون الجماعة إلا خلف إمامهم.. ولا يرون للسلطان عليهم طاعة، ولا لقريش عليهم خلافة. وأشياء كثيرة يخالفون عليها الإسلام وأهله. وكفى بقوم ضلالة: أن يكون هذا رأيهم ومذهبهم ودينهم وليسوا من الإسلام في شيء. ومن أسمائهم الحرورية وهم أصحاب حروراء (١) وأزراقة: وهم أصحاب نافع بن الأزرق.. والنجدية: وهم أصحاب نجدة بن عامر الحروري.. والاباضية.. والصفرية وغيرهم.. كل هؤلاء خوارج، فساق مخالفون للسنة، خارجون من الملة، أهل بدعة وضلالة) (٢) . وفرقة الخوارج قد انحرفت في مفهوم الولاء والبراء فهي لا تتولى من يدين بنحلتها القائمة على تكفير مرتكب الذنوب وخاصة الكبائر. وموقفهم من صحابة رسول الله ﷺ أنهم يتولون أبا بكر وعمر ويتبرأون من عثمان وعلي (٣) .
_________________
(١) قرية بالكوفة كانت بها وقعة على الخوارج بقيادة نجدة بن عامر. وانظر هامش السنة للإمام أحمد (ص٨٤) وكتب الفرق.
(٢) كتال السنة للإمام أحمد (ص٨٣ – ٨٥) تصحيح إسماعيل الأنصاري (بتصرف بسيط) .
(٣) التنبيه والرد للملطي (ص٥٣) .
[ ٢٥٢ ]
وخلاصة القول في الرد عليهم: أن أهل السنة والجماعة يتبرأون منهم بسبب بدعتهم الضالة. ولا يتولونهم في شيء.
أما الولاء والبراء بمفهومه الصحيح فهو ما عليه أهل السنة والجماعة، ولا يضيرهم أن الخوارج قالوا بقضية الولاء والبراء. لأن العبرة ليست في العناوين والشعارات بل في المفاهيم والتصورات التي توافق الكتاب والسنة أو تناقضها ومن هنا فإن ولاء الخوارج وبراءهم الذي يعتقدونه: إنما هو بحسب أهوائهم وليس متفقًا مع نصوص الكتاب والسنة.
معتقد الرافضة في الولاء والبراء
وأما الرافضة: فهم الذين يتبرأون من أصحاب محمد ﷺ ويسبونهم وينتقصونهم، ويكفرون الأئمة إلا أربعة: علي، وعمار، والمقداد، وسلمان (١) .
وقال الأشعري: إنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر (٢) .
ولئن كان الخوارج قد انحرفوا في الأمور التي ذكرناها آنفًا عنهم: فإن الرافضة أيضًا لا يقلون جرمًا عنهم حيث وقفوا من أصحاب رسول الله ﷺ موقفًا مشينًا، ولعبت بهم الأيدي اليهودية الممثلة في شخصية عبد الله بن سبأ التي أخذت تنصب خيالات من الحب الكاذب لآل البيت وتتبرأ من بقية أصحاب رسول الله ﷺ وتعاديهم مع آل البيت براء مما ألصقه بهم هؤلاء الرافضة.
قال ابن كثير:
(إن الطائفة المخذولة – الرافضة – يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم عياذًا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن، إذ يسبون من رضي الله
_________________
(١) السنة للإمام أحمد: (ص٨٢) . وفي قوله: يكفرون الأئمة الأربعة نظر فلعل الصواب: ويتولون.
(٢) مقالات الإسلاميين (١/٨٩) .
[ ٢٥٣ ]
عنهم (١)؟ أما أهل السنة فإنهم يترضون عمن ﵁، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله ويعادون من يعادي الله. وهم متبعون لا مبتدعون) (٢) .
والرافضة تقول: لا ولاء إلا البراء أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر. ﵄! (٣) .
ترى أي ثقة أو أمانة أو دين تبقى في أناس يطعنون في أفضل شخصيتين إسلاميتين في الأمة بعد رسول الله ﷺ؟
ولكن لا غرابة في ذلك من زمرة فضائحها في الكتب مسطورة فقد كانت الرافضة على طول تاريخها حربًا على أهل الإسلام، يوالون أعداء المسلمين من تتار وصليبيين وغيرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الرافضة توالي من حارب أهل السنة والجماعة، فهم يوالون التتار ويوالون النصارى. وقد كان بالساحل بين الرافضة وبين الفرنج مهادنة، حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص خيل المسلمين وسلاحهم، وغلمان السلطان، وغيرهم من الجند والصبيان. إذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن، وإذا انتصر التتار على المسلمين أقاموا الفرح والسرور. وهم الذين أشاروا على التتار بقتل الخليفة، وقتل أهل بغداد.
ووزير بغداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خامر على المسلمين وكاتب التتار، حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة، ونهى الناس عن قتالهم.
(وقد عرف العارفون بالإسلام: أن الرافضة تميل مع أعداء الدين، ولما كانوا ملوك القاهرة كان وزيرهم مرة يهوديًا، ومرة نصرانيًا أرمينيًا، وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرميني، وبنوا كنائس كثيرة بأرض مصر في دولة
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) [سورة التوبة: ١٠٠] .
(٢) التفسير (٤/١٤٢) .
(٣) شرح الطحاوية (ص ٥٣٢) .
[ ٢٥٤ ]
أولئك الرافضة المنافقين وكانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينار وإردب.
وفي أيامهم أخذت النصارى ساحل من المسلمين حتى فتحه نور الدين وصلاح الدين) (١) .
ومن أحفادهم في الوقت الحاضر النصيرية الكافرة التي ابتلى بها المسلمون، وذلك أن كفرها أشد من كفر اليهود والنصارى كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. وهم الذين كانوا أداة طيعة للاستعمار الفرنسي في غزوه لبلاد الشام. ويشنون اليوم حربًا شرسة على المسلمين في ديارهم وبعد: فإن أهل السنة والجماعة هم الذين يحبون أصحاب رسول الله ﷺ، ولا يفرطون في حب أحد منهم، ويتولونهم جميعًا ولا يتبرأون من أحد منهم، ويبغضون من يبغضهم ويرون أن حبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان (٢) .
وهم براء من الخوارج والرافضة ومن كل الفرق الضالة.
_________________
(١) الفتاوى (ج ٢٨/٦٣٦ - ٦٣٧) .
(٢) انظر الطحاوية مع شرحها (ص ٥٢٨) وقد اطلعت - بعد كتابة هذا الكتاب - على كتاب قيم يكشف أستار الشيعة ويفضحهم في عصرنا الحاضر وخصوصًا زعيمهم (الخميني) ذلك الكتاب هو (وجاء دور المجوس) لمؤلفه الدكتور عبد الله محمد الغريب وهو كتاب قيم في موضوعه فليراجعه من شاء ليستبين زيف باطلهم وخططهم ضد أهل السنة والجماعة؟ .
[ ٢٥٥ ]