وأولى خطوات الطريق
اختار المصطفى ﷺ دار الأرقم لتلقين من آمن معه أمور هذا الدين. ولقد كانت هذه الدار هي الملتقى الأول لأولئك القادة العظام، كانت هي الدار التي بدأ يشع منها ذكر الله وتوحيده في الأرض.
[ ١٦١ ]
ترى ما هو حال المسلمين آنذاك؟ وماذا بعد النطق بالشهادتين؟
يجيب على ذلك الأستاذ سيد قطب ﵀ فيقول: إنه لم يكن للإسلام والمسلمين في مكة شريعة ولا دولة، ولكن الذين كانوا ينطقون بالشهادتين كانوا يسلمون قيادهم من فورهم للقيادة المحمدية، ويمنحون ولاءهم من فورهم للعصبة المسلمة. وكان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية، ويبدأ عهدًا جديدًا، منفصلًا كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية. إنه يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف.
(لقد كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، ونشأت عن هذه العزلة، عزلة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية أيضًا.
(إنه قد انفصل نهائيًا من بيئة الجاهلية، واتصل نهائيًا ببيئته الإسلامية، حتى لو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي.
فالعزلة الشعورية شيء، والتعامل اليومي شيء آخر.
(وحين انخلع المسلم من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن تصور الجاهلية إلى تصور الإسلام فإنه أيضًا كان ينسلخ من القيادة الجاهلية، وينزع ولاءه من الأسرة والعشيرة والقبيلة، ويترجم ذلك إلى واقع وحقيقة يقوم عليها الإسلام. وهذا هو الذي أزعج (الملأ) من قريش!
(أزعجهم زحف الإسلام، وأزعجهم القرآن، ولم يزعجهم من قبل أن (الحنفاء) اعتزلوا معتقدات المشركين وعباداتهم، واعتقدوا بألوهية الله وحده، وقدموا له الشعائر وحده فهذا لا يهم الطاغوت، كما يفهم بعض الطيبين الخيرين اليوم الذين لا يدركون ولا يعرفون حقيقة الإسلام.
(إنما الإسلام هو تلك الحركة المصاحبة للنطق بالشهادتين ثم الانخلاع من المجتمع الجاهلي وتصوراته وقيمه وقيادته وسلطانه وشرائعه. والولاء لقيادة الدعوة الإسلامية التي تريد أن تحقق الإسلام في عالم الواقع، ولذلك قاوم «الملأ» من
[ ١٦٢ ]
قريش هذه الدعوة بشتى الأساليب) (١) والتقى المؤمنون على حب الله ورسوله، فكان لقاء عميقًا لأن كلا منهم جاء إلى الله ورسوله يتلقى منه، ويهتدي بهديه، ويتوجه إليه، وأحسن كل منهم نحو أخيه برباط من نوع جديد، يربطه بأخوته في الله، إنه يحبه كنفسه مع أنه ليس من قبيلته ولا بينهما آصرة دم (٢) .
وأخذ القرآن الكريم ينزل حسب النوازل والحوادث على ما يشاء الله ﷾ لتربية الأمة على أسس العقيدة فكان الولاء والبراء يزيد كلما ازدادت التكاليف وكان من الطرق التي سلكها القرآن في عرض هذه العقيدة ضرب المثل، لأنه كما يقال: بالمثال يتضح المقال. ومعلوم أن كلام الله واضح ولكن سياق المثل يستثير في الإنسان نوعًا من التفكر وتدبر العبرة والعظة لتغيير المسار الخاطئ والاتجاه في الطريق الصحيح.
ومن هذه الأمثلة في موضوعنا قوله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿[سورة العنكبوت: ٤١] .
وبتقرير هذه الحقيقة الضخمة في النفوس، كان المؤمنون أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقهم، وداسوا بها على كبرياء الجبابرة في الأرض، ودكوا بها المعاقل والحصون.. إن قوة الله وحدها هي القوة، وولاية الله وحدها هي الولاية وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل، مهما علا واستطال، ومهما تجبر وطغى ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل (٣) .
_________________
(١) في ظلال القرآن ٣/١٥٠٣ ومعالم في الطريق (ص ١٧، ٥٠) .
(٢) انظر منهج التربية الإسلامية للأستاذ محمد قطب (ج٢/٣٨-٤٠) .
(٣) انظر في ظلال القرآن (٥/٢٧٣٧) .
[ ١٦٣ ]
ومكث المصطفى ﷺ في دعوته للناس بالسر ثلاث سنوات، كما قال ذلك علماء السير والمغازي (١) .
وبعد أن فشا ذكر الإسلام في مكة، وتحدث الناس به أمر الله ﷿ رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادئ الناس بأمره، وأن يدعو إليه ونزل قوله تعالى:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة الحجر: ٩٤] .
وقال الله له:
﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴿٢١٤﴾ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿(٢) [سورة الشعراء: ٢١٤ - ٢١٥] .
وهنا بدأ الابتلاء للمسلمين، وهذا الابتلاء الذي ظاهره الشدة هو في حقيقته نعمة، لأنه يتضح من خلاله: الصادق من الكاذب، والخبيث من الطيب. قال تعالى:
﴿الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿[سورة العنكبوت: ١ - ٣] .
_________________
(١) انظر السيرة النبوية لابن هشام (ج١/٢٨٠) .
(٢) المصدر السابق (١/٢٨٠) .
[ ١٦٤ ]