كان الحديث في الفصل السابق عن أمثلة مشرقة، وصور مضيئة من ولاء وبراء الأنبياء والرسل، والصالحين عبر تاريخ البشرية الطويل.
ونتحدث هنا عن الولاء والبراء من خلال سيرة نبينا محمد ﷺ، مستمدين ذلك من الوحيين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكتب السير والمغازي.
وقد اعتمدنا في تقسيم الآيات إلى مكي ومدني، على ما ذكره العلماء في كتب التفسير وعلوم القرآن من أن المكي: - على الأشهر - هو ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها (١) .
وسبق أن قلنا في التمهيد: أن المسلم منذ أن يعلن شهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فإن ذلك يعني إفراد الله ﷾ بالوحدانية والألوهية والربوبية وخلع كل ولاء وعبودية وطاعة وخضوع وخوف ورجاء لأي معبود أو متبوع أو مطاع من دون الله. وقصر هذا الولاء والحب والتعظيم لله ﷾.
وقد نزل الوحي الآلهي أول ما نزل على المصطفى ﷺ في غار حراء بقوله سبحانه:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الإِنسَانَ
_________________
(١) انظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (١/٣٧) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
[ ١٦٠ ]
مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿[سورة العلق: ١-٥]
ثم بعد ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنذِرْ ﴿٢﴾ ﴿[سورة المدثر: ١-٢] .
وبدأ المصطفى ﷺ يدعو الناس سرًا إلى الإسلام وأسلم معه نفر قليل، منهم أبو بكر الصديق، وعلى بن أبي طالب وخديجة بنت خويلد زوجته ﵃ جميعًا. وبدأ رسول الله ﷺ يغرس في نفوس أصحابه محبة لله ومحبة رسوله والاجتماع على ذلك وإخلاص الحب والولاء والنصرة للمؤمنين وبغض الكفر والشرك وأهله وهذا هو لازم كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهنا نشأت الوشيجة الجديدة وشيجة العقيدة في نفوس المؤمنين وبدأ يقر في نفوسهم أن هذه هي الرابطة الحقيقية. هي الرابطة التي تطمئن لها نفس المؤمن ومع نمو هذه الغرسة الجديدة بدأت تذبل شجرة العصبية الجاهلية، والروابط الجاهلية، وبدأت نظرة الريب والاحتقار لتلك الروابط تكبر يومًا فيومًا في نفس كل من آمن بالله ورسوله.