أخبر تعالى عن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بتكسير الأصنام وتبريه من قومه:
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴿[سورة الممتحنة: ٤] . (١)
ولقد جاء القرآن من أوله إلى آخره يبين معنى لا إله إلا الله، بنفي الشرك وتوابعه، ويقرر الإخلاص وشرائعه، فكل قول وعمل صالح يحبه الله ويرضاه هو من مدلول كلمة الإخلاص، لأن دلالتها على الدين كله إما مطابقة وإما تضمنًا وإما التزامًا (٢)، يقرر ذلك أن الله سماها كلمة التقوى.
والتقوى: أن يتقي سخط الله وعقابه بترك الشرك والمعاصي، وإخلاص العبادة بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله) (٣) .
أما كيف تم لأصحاب رسول الله ﷺ معرفة هذه الكلمة والتزام أحكامها والعمل بمقتضياتها ولوازمها فيشرح ذلك الإمام الجليل سفيان بن عيينة: (٤) .
_________________
(١) بضع رسائل في عقائد الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص٣٥) تحقيق محمد رشيد رضا الطبعة الأولى سنة ١٣٤٩ مطبعة المنار بمصر.
(٢) دلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على كل معناه. دلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على جزء معناه. دلالة الالتزام: هي دلالة اللفظ على معنى خارج عنه لكنه لازم له.
(٣) انظر المورد العذب الزلال ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (ج٤/٩٩) تحقيق رشيد رضا. الطبعة الأولى سنة ١٣٤٦ هـ مطبعة المنار بمصر.
(٤) هو الإمام أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي، الحافظ، أحد أعلام الإسلام ولد سنة ١٠٧ هـ وتوفي سنة ١٩٨هـ وله إحدى وتسعون سنة قال فيه الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز وقال فيه أحمد بن حنبل: ما رأيت أحدًا أعلم بالسنن من ابن عيينة وكان كبير القدر. ومن العباد. حج سبعين سنة. انظر شذرات الذهب (١/٣٥٤) والأعلام (٣/١٠٥) ط - ٤.
[ ٢٦ ]
(حدث محمد بن عبد الملك المصيصي قال: كنا عند سفيان بن عيينة في سنة سبعين ومائة، فسأله رجل عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل. قال: يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار سفيان بيده. قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون: أن الإيمان قول بلا عمل؟ قال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تقرر أحكام الإيمان وحدوده.
إن الله ﷿ بعث نبينا محمدًا ﷺ إلى الناس كلهم كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأنه رسول الله. فلما قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿، فلما علم الله ﷿ صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم (١) .
(فلما علم الله جل وعلا صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله ﵎ صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالرجوع إلى مكة ليقاتلوا آباءهم وأبنائهم حتى يقولوا كقولهم، ويصلوا صلاتهم ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا، حتى أتى أحدهم برأس أبيه فقال: يا رسول الله: هذا رأس شيخ الكافرين، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم، ولا قتالهم، فلما علم الله ﷿ صدق ذلك أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبدًا، وأن يحلقوا رؤسهم تذللًا ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم، فلما علم الله ﷿ صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم بها، فأمرهم ففعلوا حتى أتوا بها قليلها وكثيرها، والله لو لم يفعلوا
_________________
(١) هكذا بالنص، والذي يبدو لي - والله أعلم - أن سياق الكلام يقتضي أن يكون هكذا (ما نفعهم الإقرار الأول) يدل على ذلك ما سيأتي في بقية النص.
[ ٢٧ ]
ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم، ولا طوافهم. فلما علم الله ﵎ الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده قال ﷿: قل لهم:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا ﴿[سورة المائدة:٣] .
(قال سفيان: فمن ترك خله من خلال الإيمان كان بها عندنا كافرًا، ومن تركها كسلًا أو تهاونًا بها، أدبناه وكان بها عندنا ناقصًا. هكذا السنة أبلغها عني من سألك من الناس) (١) .
وقد ذكر العلماء ﵏ شروطًا سبعة لـ (لا إله إلا الله) لا تنفع صاحبها إلا باجتماع هذه الشروط فيه. وإليك شرحها:
_________________
(١) كتاب (الشريعة) لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري (ص١٠٤) الطبعة الأولى سنة ١٣٦٩ هـ تحقيق محمد حامد الفقي. الناشر: مطبعة أنصار السنة المحمدية بمصر.
[ ٢٨ ]