ولقائل أن يقول: ما شأننا الآن وأصحاب البدع لا سيما وأنت تتكلم عن ولاء الكفار والبراء منهم وموالاة المؤمنين ونصرتهم؟؟
والجواب على ذلك: أولًا: أن البدعة خطرها عظيم وكبير، والدليل على ذلك أنها تنقسم إلى رتب متفاوتة ما بين الكفر الصريح إلى الكبيرة والصغيرة، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي:
(البدعة تنقسم إلى رتب متفاوتة منها ما هو كفر صراح، كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن بقوله:
﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴿[سورة الأنعام: ١٣٦] .
وقوله تعالى:
﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء ﴿[سورة الأنعام: ١٣٩] .
وقوله:
﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ﴿[سورة المائدة: ١٠٣] .
وكذلك بدعة المنافقين حين اتخذوا الدين ذريعة بحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح) (١) .
وقضية التحليل والتحريم خصوصية لله ﷿، فمن ادعى التحليل والتحريم فقد شرع ومن شرع فقد أله نفسه. وكما أن الله ﷾ هو
_________________
(١) الاعتصام (ج٢/٣٧) .
[ ١٤١ ]
الخالق فهو أيضًا صاحب الأمر والسلطان، قال تعالى:
﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴿[سورة الأعراف: ٥٤] .
وقال سبحانه:
﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ﴿[سورة النحل:١١٦] .
فهذه البدعة الكفرية وأمثالها لأصحابها منا العداء والبغض والكره والجهاد بعد الإعذار والإنذار،. والبراءة منهم لا تختلف عن البراءة من الكافر الأصلي. فقد قال ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١)
قال البغوي:
(وقد اتفق علماء السنة على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم) (٢) .
ونعود لرتب البدع كما ذكرها الشاطبي فقال:
(ومن البدع ما هو من المعاصي التي ليست بكفر أو يختلف فيها هل هي كفر أم لا؟ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة.
ومنها ما هو معصية ويتفق على أنها ليست بكفر، كبدعة التبتل (٣) والصيام قائمًا في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع.
ومنها: ما هو مكروه كالاجتماع للدعاء عشية عرفة، وذكر السلاطين في
_________________
(١) رواه البخاري في الصلح (ج٥/٣٠١ ح ٢٦٩٧) ومسلم كتاب الأقضية (٣/١٣٤٣ ح ١٧١٨) .
(٢) شرح السنة (ج١/٢٢٧) .
(٣) التبتل: هو الانقطاع عن الدنيا إلى الله. انظر مختار الصحاح ص ٥٣.
[ ١٤٢ ]
خطبة الجمعة على ما قاله ابن عبد السلام الشافعي (١) وما أشبه ذلك) (٢) .
فأرباب هذه البدع يتبرأ منهم أهل السنة والجماعة.
ثانيًا لخطورة البدع على الدين أورد هنا نماذج من أقوال سلف الأمة في التحذير من البدع وأصحابها. ومن ذلك ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ حيث يقول:
«من كان مستنًا فليستن بمن قد مات: أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم كانوا على الهدى المستقيم) (٣) . وقال سفيان الثوري ﵀: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها (٤) .
وقال الإمام مالك ﵀: من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين، لأن الله تعالى يقول:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴿[سورة المائدة:٣] .
فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا (٥) .
_________________
(١) هو سلطان العلماء عبد العزيز السلمي الدمشقي فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد ولد سنة ٥٧٧ هـ وتوفي سنة ٦٦٠ هـ من مؤلفاته التفسير الكبير، والإلمام في أدلة الأحكام، وقواعد الشريعة وقواعد الأحكام والفتاوى. انظر الأعلام للزركلي (ج٤/٢١) الطبعة الرابعة وفية أن له ترجمة في فوات الوفيات (ج١/٢٨٧) وطبقات السبكي (ج٥/٨٠) والنجوم الزاهرة (٧/٢٠٨) وذيل الروضتين ٢١٦ - ومفتاح السعادة ٢/٢١٢.
(٢) الاعتصام (ج٢/٣٧) .
(٣) شرح السنة للبغوي (ج١/٢١٤) .
(٤) شرح السنة للبغوي (١ج/٢١٦) .
(٥) الاعتصام (ج٢/٥٣) .
[ ١٤٣ ]
وذكر الشاطبي ﵀ أن مفاسد البدع تنحصر في أمرين:
(١) أنها مضادة للشارع، ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه منصب المستدرك على الشريعة لا منصب المكتفي بما حد له.
(٢) أن كل بدعة - وإن قلت - تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقًا بما هو مشروع فيكون قادحًا في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدًا، لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير - قل أو كثر - كفر (١) .
ويعضد هذا النظر عموم الأدلة في ذم البدع ومنها: قوله ﷺ «كل بدعة ضلالة» (٢) وقوله ﷺ «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (٣) .
وقال أحد علماء السلف:
(لا تجالسوا أصحاب الأهواء، أو قال أصحاب الخصومات فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون) (٤) .
فالخلاصة: أنه من معتقد أهل السنة والجماعة البراء من البدعيين خاصة أصحاب البدع الكفرية ولذلك سيرد مزيد من تفصيل هذا في الباب الثاني إن شاء الله.
_________________
(١) الاعتصام (ج٢/٦١) بتصرف بسيط.
(٢) صحيح مسلم كتاب الجمعة (٢ج/٥٩٢ ح ٨٦٧) .
(٣) صحيح مسلم كتاب العلم (ج٤/٢٠٦٠ ح ٢٦٧٤) .
(٤) شرح السنة للبغوي (ج١/٢٢٧) .
[ ١٤٤ ]
الفصل الرابع