ولهم مواقف أخرى كثيرة، ولكنه ﷾ حذر المؤمنين منهم وبين لرسوله ﷺ أنه ﷾ لو شاء لأراهم لرسول الله عيانًا ولكنهم يعرفون بلحن القول:
﴿وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴿[سورة محمد: ٣٠]
وسنعرف بعد قليل كيف كان البراء منهم، وكيف كان هدي رسول الله ﷺ معهم.
ثالثًا: البراء في العهد المدني أي: المفاصلة التامة بين المسلمين وجميع أعدائهم
لئن كانت التربية في العهد المكي تمتاز بضبط النفس، والصبر على الأذى، وتبليغ الدعوة وإعداد العدة مع حبس دواعي الانطلاق، وكف حدة الإقدام:
فإن التربية في المدينة مبنية على هذه الأسس ولكن في شكل جديد، حيث انطلق المؤمنون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، والضرب على يد أعداء الله بقوة لا تعرف الضعف، وعزيمة لا تعرف الوهن (١) . من هنا كان الجهاد في سبيل الله هو أبرز سمات هذا العهد الزاهر، وهو أول صورة من صور البراء والمفاضلة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان في العهد المدني وبعد الهجرة النبوية والجهاد وجه جديد من وجوه الثبات على العقيدة، واحتمال المشقات والأذى في سبيل الذود عنها من الأعداء (٢) .
_________________
(١) انظر: سبيل الدعوة الإسلامية. د. محمد أمين المصري (ص ١١٣) ط - ١ / سنة ١٤٠٠ هـ دار الأرقم بالكويت.
(٢) انظر: منهج التربية الإسلامية للأستاذ محمد قطب (٢/٧٠) .
[ ٢١٤ ]
والحديث عن الجهاد طويل طويل، وآياته كثيرة وكذلك الأحاديث النبوية فيه، وفهم الناس لمقصده مختلف، خاصة في العصور المتأخرة، فقد وجد من المسلمين أناس أصيبوا بالهزيمة النفسية أمام شبهات الكفار والملحدين والمستشرقين والمستغربين على حد سواء!.
ففي الوقت الذي يقول فيه أعداء الله. إن دين الإسلام انتشر بالسيف وجد ممن ينتسبون للعلم والعلماء من يدافع - حسب زعمه - عن الإسلام؟ فيلوي أعناق النصوص الشرعية لتوافق ما زعمه دفاعًا عن الإسلام! ومن هنا يوضع الإسلام في مقام الدفاع، ويصور على أنه كالذي يقاتل في معركة انسحاب، حيث كلما طرأت شبهة انبرى لها من يدافع!!
والذي نعتقده ونراه الحق في هذه القضية: أن هذه مهزلة سخيفة لم تحدث إلا في القرون المتأخرة، حين صارت الغلبة للكفر وأربابه، واندحر المسلمون من مقام القيادة والجهاد إلى مقام الاستخذاء والضعف والدفاع والتبعية العمياء.
وقد كتب علماء فضلاء من علماء المسلمين حول هذا الموضوع ما يكفي ويشفي ويغني (١) . ومن المهم في هذا المقام: أن نعرف هدي المصطفى ﷺ وسيرته مع أعداء الله، وجهاده لهم. وللإمام ابن القيم ﵀ تلخيص قيم أورده هنا بتمامه نظرًا لأهميته.
قال ﵀ في زاد المعاد:
(أول ما أوحى إليه ربه ﵎: أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ. ثم أنزل عليه.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنذِرْ ﴿[سورة المدثر: ١-٢] .
_________________
(١) اذكر منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والشيخ محمد ابن عبد الوهاب وتلاميذه، ومن المعاصرين الاستاذين الجليلين أبو الأعلى المودودي وسيد قطب والشيخ سليمان بن حمدان ﵏. وغيرهم ممن لا يحضرني ذكره الآن.
[ ٢١٥ ]
فنبأه بقوله: (اقرأ) وأرسله بـ (يا أيها المدثر) ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال، ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح.
ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله. ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام:
(١) أهل صلح وهدنة، (٢) وأهل حرب، (٣) وأهل ذمة.
(فأمر أن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد. وأمر أن يقاتل من نقض عهده. ولما نزلت سورة (براءة) نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمره فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين، والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان.
(وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ونبذ عهودهم إليهم، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام.
(١) قسمًا أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له فحاربهم وظهر عليهم.
(٢) وقسمًا لهم عهد مؤقت لم ينقضوه، ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم.
(٣) وقسمًا لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق فأمره أن يؤجلهم أربعة أشهر فإذا انسلخت قاتلهم. وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله
﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة التوبة: ٥] .
[ ٢١٦ ]
فالحرم هاهنا أشهر التيسيير أولها يوم الآذان وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخرها العاشر من ربيع الآخر. وليست هي الأربعة المذكورة في قوله تعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴿[سورة التوبة:٣٦] .
فإن تلك: واحد فرد، وثلاثة سرد، رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ولم يسير المشركين في هذه الأربعة. فإن هذا لا يمكن لأنها غير متوالية، وهو إنما أجلهم أربعة أشهر، ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم فقتل الناقض لعهده، وأجل من لا عهد له، أوله عهد مطلق أربعة أشهر وأمره أن يتم للموفي بعهده إلى مدته فأسلم هؤلاء كلهم، ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم، وضرب على أهل الذمة الجزية.
فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول (براءة) على ثلاثة أقسام: محاربين له وأهل عهد، وأهل ذمة.
(ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين: محاربين وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به ومسالم آمن وخائف محارب) (١) .
وقد ركز القرآن الكريم على أهداف الجهاد في غير ما آية. فمنها قوله تعالى:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ﴿[سورة الأنفال: ٣٩] .
_________________
(١) زاد المعاد: (٣/١٥٨ -١٦٠) .
[ ٢١٧ ]
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: " ويكون الدين كله لله " لا يكون مع دينكم كفر (١) .
وقال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿[سورة التوبة: ٣٣] .
وقال:
﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ﴿[سورة الحج: ٤٠-٤١] .
إن الجهاد في الإسلام: هدفه أن يعبد الله وحده في الأرض، وأن تهيمن شريعته، ويتحرر الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن تأليه البشر إلى ألوهية الواحد الأحد (٢) ومن هدف الجهاد أيضًا إنقاذ المستضعفين في الأرض
﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/٥٩٧) .
(٢) انظر "معالم في الطريق": "فصل الجهاد في سبيل الله في وطريق الدعوة في " ظلال القرآن" (١/٢٨٩) .
[ ٢١٨ ]
هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ﴿[سورة النساء:٧٥] .
وإليك تفصيل صور البراء من كل طائفة، وكيفية جهاد المسلمين لهم: