إن المؤمنين في العهد المكي كانوا مبتلين، يعذبون، ويضطهدون ومع ذلك صبروا واحتسبوا فلم يكن في مكة حينئذ إلا فريقان: فريق المؤمنين الصابرين،
[ ٢٠٣ ]
وفريق الكفار والمشركين الجبابرة ولم يكن هناك (منافقون) لأن النفاق طبيعته المراوغة والاحتيال وهذا الدين لم يكن يقدر عليه في مكة إلا المؤمنون الصادقون.
أما في المدينة، وبعد قيام دولة المسلمين وهيمنة حكم الله وشرعه فقد وجد المنافقون وهذا أمر معهود من أصحاب النفوس الضعيفة الجبانة، التي تخاف السلطة الإسلامية فتظهر لها الإسلام، وتحب الكفر وأهله ولكنها لا تجرؤ على المصارحة به.
والمنافقون: (قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، فهم في الدرك الأسفل من النار كما قال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴿[سورة النساء: ١٤٥] .
(فالكافرون المجاهرون أخف منهم، وهم فوقهم في دركات النار، لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزاد عليهم المنافقون بالكذب والنفاق. وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين ولهذا قال تعالى في حقهم:
﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ﴿[سورة المنافقون: ٤] .
[ ٢٠٤ ]
ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر. أي: لا عدو إلا هم، ولكن لم يردها هاهنا حصر العداوة فيهم، وأنهم لا عدو للمسلمين سواهم، بل هذا من إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا، وموالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها.
(فإن ضرر هؤلاء المخالطين المعاشرين لهم – وهم في الباطن على خلاف دينهم – أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم. لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر، أما هؤلاء فمعهم في الديار والمنازل صباحًا ومساء، يدلون العدو على عوراتهم، ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم.. صحبتهم توجب العار والشنار، ومودتهم تحل غضب الجبار، وتوجب دخول النار.
(من علقت به كلاليب كلبهم ومخاليب رأيهم مزقت منه ثياب الدين والإيمان وقطعت له مقطعات من البلاء والخذلان، فهو يسحب من الحرمان والشقاوة أذيالًا، ويمشي على عقبه القهقرى إدبارًا منه وهو يحسب ذلك إقبالًا) (١) .
وكان من نعمة الله ﷾ على هذه الأمة أن لا يتركها مختلطة بغير تمييز بين المؤمن والمنافق، ذلك أن عدم التمييز يؤدي إلى ضياع القدوة الحسنة في المجتمع الإسلامي، ويؤدي أيضًا إلى ذوبان الصورة للمسلم الصادق.
(وفي المنتسبين للإسلام أناس (نفعيون) لا هم لهم إلا الحصول على المال أو أي مأرب من مآربهم الدنيئة، فإذا انتصر المؤمنون كانوا معهم، وإذا أصيبوا كانوا عليهم، ثم أن منهم أصحاب الأهداف الخبيثة والأغراض الهدامة ممن قد امتلأت قلوبهم بالحقد والحسد، فهم يتربصون بالمسلمين الدوائر، ويتظاهرون لهم بأنهم معهم، ولكنهم يخونونهم في أحرج المواقف) (٢) .
ولما كان الأمر كذلك ميز الله الصادق من الكاذب عن طريق الابتلاء
_________________
(١) انظر طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم (ص ٤٠٢ – ٤٠٨) الطبعة الأولى سنة ١٣٧٥ هـ السلفية بمصر.
(٢) المنافقون في القرآن الكريم للأستاذ عبد العزيز الحميدي (ص ١١٦) .
[ ٢٠٥ ]
والامتحان قال تعالى:
﴿الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿[سورة العنكبوت: ١-٣] .
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴿[سورة آل عمران: ١٤٠ – ١٤١] .
﴿مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴿[سورة آل عمران: ١٧٩] .
أجل: إنه لابد من التمييز بين الخبيث والطيب، فالابتلاء سنة ربانية في تمحيص النفوس وصقلها على الحق، ثم إن الله سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، فلله سبحانه على العباد
[ ٢٠٦ ]
في كلتا الحالتين عبودية بمقتضى الحال.. لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، والجوع والعطش، والتعب والنصب، فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه (١) .
والحديث عن المنافقين طويل وقد كتب فيه في القديم والحديث (٢) .
وقد سبق لي في التمهيد أن تكلمت عن أنواع النفاق وأحكامه، وأتكلم هنا عن أبرز أفعال وصفات المنافقين في كيدهم للدعوة الإسلامية.
(١) من أخطر ما ارتكبه المنافقون: موالاة اليهود والنصارى ضد المسلمين وقد فضحهم القرآن في عدة مواضع ومنها سورة الحشر، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١١﴾ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ ﴿[سورة الحشر: ١١-١٢] .
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ
_________________
(١) انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (ص ١٩٠) تحقيق الفقي.
(٢) هناك رسالة قيمة للأستاذ عبد العزيز الحميدي بعنوان المنافقون في القرآن لعلها من أحسن ما كتب في هذا الموضوع. وهي موجودة بالدراسات العليا بكلية الشريعة بمكة المكرمة وانظر أيضًا كتاب: النفاق آثاره ومفاهيمه للشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀.
[ ٢٠٧ ]
عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿[سورة المجادلة: ١٤] .
ذكر السدي ومقاتل: أنها نزلت في عبد الله بن أبي وعبد الله بن نبتل المنافقين: فقد كان أحدهما يجالس النبي ﷺ ثم يرفع حديثه إلى اليهود (١) . وهذه الآية كقوله تعالى:
﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴿[سورة النساء: ١٤٢] .
ولقد نزلت سورة كاملة فيهم هي سورة (المنافقون) بين الله فيها أنهم يظهرون ما لا يبطنون، وأنهم يحرصون على إضعاف صف المسلمين
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ﴿[سورة المنافقون: ٧] .
وفيها أيضًا: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴿[سورة المنافقون: ٨] .
_________________
(١) أسباب النزول للواحدي (ص ٢٣٥) وتفسير القرطبي (١٧/٣٠٤) .
[ ٢٠٨ ]
روى البخاري ومسلم في سبب نزولها عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كنا غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال رسول الله ﷺ (ما بال دعوى الجاهلية؟ قالوا يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: (دعوها فإنها منتنة) فسمعها عبد الله بن أبي فقال: قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق: قال ﷺ (دعه. لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) (١) .
قال محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي لما بلغه ما كان من أبيه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالديه مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله ﷺ (بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا) (٢) .
وذكر عكرمة وغيره: أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله بن أبي على باب المدينة، واستل سيفه، فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبي قال له ابنه: وراءك، فقال: مالك ويلك؟ قال: والله لا تجوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ – وكان إنما يسير ساقة - (٣) فشكى إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال الابن: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله ﷺ، فقال: أما إذ أذن لك رسول الله ﷺ فجز الآن (٤)
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب التفسير (٨/٦٥٢ ح ٤٩٠٧) وصحيح مسلم (٤/١٩٩٩ ح ٢٥٨٤) كتاب البر واللفظ له.
(٢) السيرة لابن هشام (٢/٢٩٢) وتفسير بن كثير (٨/١٥٩) ولم يخرجه – فيما أعلم - إلا ابن اسحاق.
(٣) من صفته ﷺ أنه يسوق أصحابه. أي يقدمهم ويمشي خلفهم تواضعًا ولا يدع أحدًا يمشي خلفه.
(٤) تفسير ابن كثير (٨/١٥٩) .
[ ٢٠٩ ]
وحقًا إنها صورة رائعة لصدق الإيمان أن يقول الابن لرسول الله: إن كنت فاعلًا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه!! إنه ما حمل هذا الابن على هذا الفعل إلا قوة الإيمان وعمق الولاء والبراء في نفسه.
(٢) من أقبح صفاتهم: رفض التحاكم إلى شريعة الله، والتحاكم إلى الطواغيت التي تحقق رغباتهم، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا ﴿٦٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴿٦١﴾ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴿٦٢﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴿[سورة النساء٦٠-٦٣] .
ورفضهم لحاكمية الله رفض للإيمان كما قال تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٧﴾ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ
[ ٢١٠ ]
بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ﴿٤٨﴾ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿٤٩﴾ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿[سورة النور: ٤٨-٥٠] .
ثم يضع الله ميزانًا دقيقًا في هذه القضية بين المؤمن والمنافق.
فأما المؤمن الصادق فإنه ينقاد إلى حكم الله ويرضى به ويقول: سمعت وأطعت:
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿[سورة النور:٥١] .
هذه هي صفة المؤمن، أما المنافق فصفته الإعراض والاستكبار عن حكم الله، قال تعالى:
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾ .
(٣) من صفاتهم وأفعالهم الدنيئة: التخذيل في صف المسلمين، والتجسس للكفار وكشف عورات المسلمين لهم. قال الله عنهم:
﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿[سورة آل عمران: ١٦٨] .
ولقد أصيب المسلمون في غزوة أحد بالدهشة حين رجع ثلث الجيش بزعامة ابن أبي. وكذلك قعودهم عن غزوة تبوك وغيرها.
[ ٢١١ ]
وفي موالاتهم للكفار يقول الله في شأنهم
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٣٨﴾ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فإن العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا ﴿[سورة النساء: ١٣٨ – ١٣٩] .
وأخبرنا سبحانه أنهم هم:
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فإن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴿[سورة النساء: ١٤١] .
ولقد فضحتهم سورة التوبة خاصة فقد ورد فيها قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴿٤٥﴾ وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴿٤٦﴾
[ ٢١٢ ]
لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿٤٧﴾ لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴿٤٨﴾ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿٤٩﴾ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴿[سورة التوبة: ٤٥- ٥٠] .
ففي هذه الآيات بيان من الله للمؤمنين أن هؤلاء المنافقين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا لأنهم جبناء، مخلدون، ولأسرعوا بينكم بالنميمة والبغضاء، والفتنة. (١) وقال الله فيهم أيضًا.
﴿وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ ﴿٨٦﴾ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴿[سورة التوبة: ٨٦ – ٨٧] .
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (ج ٤/١٠٠) .
[ ٢١٣ ]