ولما رأى المشركون صلابة المسلمين واستعلائهم بدينهم، ورفعة نفوسهم فوق كل باطل ولما بدأت خطوط اليأس في نفوسهم من أن المسلمين يستحيل رجوعهم عن دينهم سلكوا مهزلة أخرى من مهازلهم الدالة على طيش أحلامهم ورعونتهم الحمقاء.
فقد دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة فأنزل الله سورة الكافرون:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴿٤﴾ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾ [سورة الكافرون ١-٦] . (١)
ومثل هذه السورة آيات أخرى تشابههما في إعلان البراء من الكفر وأهله مثل قوله تعالى:
﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿[سورة يونس: ٤١] .
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٨/٥٢٧) .
[ ١٧٨ ]
وقوله تعالى:
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿٥٦﴾ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴿[سورة الأنعام: ٥٦ - ٥٧] .
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٤﴾ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿[سورة يونس: ١٠٤-١٠٥] .
بهذه النصاعة وهذا الوضوح جاءت هذه الآيات الكريمات لترسم معالم الطريق بين الصف الإسلامي والصف الكافر المشرك الذي لا يؤمن بالله ورسوله. ومع هذا الوضوح القرآني نجد أن بعض المنتسبين للعلم قد فهم من
[ ١٧٩ ]
هذه الآيات - وخاصة سورة الكافرون - إنها إقرار من رسول الله ﷺ للكفار على دينهم الباطل وهذا زعم باطل. مخالف لحقيقة الإسلام، ودعوة رسول الإسلام.
ومضاد لدعوة الرسل جميعًا.
يقول العلامة ابن القيم ﵀:
(إن هذه السورة - سورة الكافرون - تشتمل على النفي المحض وهذه خاصية هذه السورة، فإنها سورة براءة من الشرك كما جاء في وصفها) (١) .
(ومقصودها الأعظم البراءة المطلوبة بين الموحدين والمشركين، ولهذا أتى بالنفي في الجانبين تحقيقًا للبراءة المطلوبة. مع تضمنها للإثبات بأن له معبودًا يعبده وأنتم بريئون من عبادته، وهذا يطابق قول إمام الحنفاء ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي ﴿[سورة الزخرف ٢٦ - ٢٧] فانتظمت حقيقة لا إله إلا الله.
(ولهذا كان النبي ﷺ يقرنها بسورة الإخلاص في سنة الفجر (٢) وسنة المغرب (٣) وحين أخبر الله أن لهم دينهم وله دينه: هل هو إقرار فيكون منسوخًا أو مخصوصًا؟ أو لا نسخ في الآية ولا تخصيص؟
(هذه مسألة شريفة من أهم المسائل، وقد غلط في السورة خلائق، وظنوا أنها منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم! وظن آخرون: أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب!
وكلا القولين محض، فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة وهي من السورة التي يستحل دخول النسخ في مضمونها، فإن أحكام التوحيد التي اتفقت عليه الرسل يستحيل دخول النسخ فيه.
(وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تسمى أيضًا سورة الإخلاص. ومنشأ الغلط: ظنهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم. ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف فقالوا: منسوخة!!
_________________
(١) سنن أبي داود: في الأدب (٥/٣٠٣ ح ٥٠٥٥) والترمذي في الدعوات (ج ٩/١١٠ ح ٣٤٠٠) ومسند الإمام أحمد ٥/٤٥٦ والدارمي في فضائل القرآن (٢/٤٥٨) قال الألباني: حديث حسن انظر صحيح الجامع الصغير (١/١٤٠ ح ٢٨٩) .
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي (٦/٥) والمسند طبع الساعاتي (٤/٢٢٥) .
(٣) مشكاة المصابيح (١/٢٦٨)، وانظر بدائع الفوائد (١/١٣٨) .
[ ١٨٠ ]
وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار وهم من لا كتاب لهم فقالوا هذا مخصوص! ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرًا لهم أو إقرارًا على دينهم أبدًا. بل لم يزل رسول الله ﷺ في أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد على الإنكار عليهم، وعيب دينهم وتقبيحه، والنهي عنه، والتهديد والتوعيد في كل وقت وفي كل ناد. فكيف يقال إن الآية، اقتضت تقريرًا لهم؟ معاذ الله من هذا الزعم الباطل.
وإنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم، وأن ما أنتم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبدًا، فإنه دين باطل فهو مختص بكم لا نشرككم فيه، ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق.
فهذه غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يدعى النسخ أو التخصيص؟!
أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال: لكم دينكم ولي دين؟
بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يطهر الله منهم عباده وبلاده، وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع الرسول ﷺ أهل سنته وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به، الداعين إلى غير سنته إذ قال لهم خلفاء الرسول وورثته لكم دينكم ولنا ديننا لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم، بل يقولون لهم هذه براءة منها، وهم هذا منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان (١) .
وزاد هذا الأمر إيضاحًا وبيانًا: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: (قوله تعالى «لكم دينكم ولي دين» اللام في لغة العرب يدل على الاختصاص فإنتم مختصون بدينكم لا أشرككم فيه، وأنا مختص بديني لا تشركونني فيه كما قال تعالى:
﴿لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ
_________________
(١) بتصرف بسيط: بدائع الفوائد (١/١٣٨- ١٤١) .
[ ١٨١ ]
لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ﴾ [سورة يونس: ٤١] .
وليس في هذه الآية أنه رضي بدين المشركين، ولا أهل الكتاب كما يظنه بعض الملحدين، ولا أنه نهى عن جهادهم كما ظنه بعض الغالطين، وجعلوها منسوخة. بل فيها براءته من دينهم، وبراءتهم من دينه، وأنه لا تضره أعمالهم، ولا يجزون بعمله ولا ينفعهم. وهذا أمر محكم لا يقبل النسخ، ولم يرض الرسول بدين المشركين، ولا أهل الكتاب طرفة عين قط.
ومن زعم أنه رضي بدين الكفار، واحتج بقوله تعالى:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴿٤﴾ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾ [سورة الكافرون: ١-٦] .
فظن هذا الملحد أن قوله (لكم دينكم ولي دين) معناه أنه رضي بدين الكفار، ثم قال هذه الآية منسوخة فيكون قد رضي بدين الكفار، فهذا من أبين الكذب والافتراء على محمد ﷺ، فإنه لم يرض قط إلا بدين الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه.. ونظير هذه الآية قوله تعالى:
﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ
[ ١٨٢ ]
مما أعمل وأنا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿[سورة يونس: ٤١] .
وقوله تعالى:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ" ﴿[سورة الشورى: ١٥] .
وإذا كان الله سبحانه قد قال:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ٢١٥﴾ فإن عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٢١٦ – ٢١٧] .
فبرأه من معصية من عصاه من أتباعه المؤمنين، فكيف لا يبرئه من كفر الكافرين الذين هم أشد له معصية ومخالفة؟) (١) .
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٢/٣٠-٣٢) .
[ ١٨٣ ]
ورحم الله عبد الله بن عباس حين قال في شأن هذه السورة (ليس في القرآن أشد غيظًا لإبليس منها، لأنها توحيد وبراءة من المشرك) (١) وقال الأصمعي: كان يقال لـ (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد) المشقشقتان. أي أنهما تبرئان من النفاق (٢) .