ترياق (١) وإلا فأحسن الله فيه العزاء، وما أكثر هذا الضرب في الناس لاكثرهم الله، وهم أهل البدع والضلالة، الصادون عن سنة رسول لله ﷺ الداعون إلى خلافها، والذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا فيجعلون البدعة سنة، والسنة بدعة والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، إن جردت التوحيد بينهم قالوا: تنقصت جناب الأولياء والصالحين، وإن جردت المتابعة لرسول الله ﷺ: أهدرت الأئمة المتبوعين وإن وصفت الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه رسوله من غير غلو ولا تقصير قالوا أنت من المشبهين، وإن أمرت بما أمر الله به رسوله من المعروف ونهيت عما نهى الله عنه ورسوله من المنكر قالوا: أنت من المفتنين، وإن اتبعت السنة وتركت ما خالفها قالوا: أنت من أهل البدع المضلين، وإن انقطعت إلى رسول الله تعالى وخليت بينهم وبين جيفة الدنيا قالوا: أنت من الملبسين، وإن تركت ما أنت عليه واتبعت أهوائهم فأنت عند الله من الخاسرين وعندهم من المنافقين! فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم، وأن لا تشتغل بأعتابهم ولا باستعتابهم ولا تبالي بذمهم، ولا بغضهم فإنه عين كمالك كما قال الشاعر:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني فاضل
وعند الممات يحمد القوم التقى وفي الصباح يحمد القوم السرى
انتهى من بدائع الفوائد.
وموقف المسلم من أصحاب البدع والأهواء يختلف باختلاف ما هم عليه. فأما من كانت بدعته كفرية أو شركية فهذا يتبرأ منه ويهجر هجرًا نهائيًا وليس له أي موالاة بل البراءة منه كالبراءة من الكافر الأصلي أو المشرك. ومثال ذلك من أحدث حدثًا في الإسلام، أو آوى محدثًا ونصره وأعانه كما جاء في الحديث (من أحدث حدثًا أو آي محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (٢) . وقال ابن القيم: (ومن أعظم الحدث تعطيل كتاب الله وسنة
_________________
(١) الترياق: بكسر التاء: دواء السموم وهو فارسي معرب. مختار الصحاح (ص٩١) .
(٢) أبو داود (٤/٦٦٩ ح ٤٥٣٠) كتاب الديات والنسائي في القسامة (٨/٢٠) وإسناده حسن.
[ ٣٠٧ ]
رسوله وإحداث ما خالفهما، ونصر من أحدث ذلك والذب عنه، ومعاداة من دعا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ) (١) وأما من كانت بدعته دون ذلك أي من المعاصي والذنوب التي لا تصل إلى حد الكفر أو الشرك فهذه تختلف أيضًا باختلاف الأشخاص والأزمان.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يستقيم إلا بالبصيرة والمعرفة التامة وأقل الأحوال إذا لم يحصل للعبد ذلك: أن يقتصر على نفسه كما قال ﷺ: (إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك) (٢) . فإذا رأى المسلم من يعمل شيئًا من المعاصي: أبغضه على ما فيه من الشر، وأحبه على ما فيه من الخير - كما ذكرنا ذلك في معتقد أهل السنة في أول البحث - ولا يجعل بغضه على ما معه من الشر قاطعًا وقاضيًا على ما معه من الخير فلا يحبه، بل إن كان بغضه له يزجره ذلك ولا يرتدع هو وأمثاله راعى فيه الإصلاح، لأن النبي ﷺ هجر من علم أن الهجر يزجره ويردعه، وقبل معذرة من علم أن الهجر لا ينجع فيه شيئًا ووكل سرائرهم إلى الله) (٣) .
وعلى أي حال فإنه ينبغي للمسلم أن لا يخالط أهل البدع والفجور وسائر المعاصي، إلا على وجه يسلم به من عذاب الله ﷿، وأقل ذلك أن يكون منكرًا لظلمهم، ماقتًا لهم، شائنًا ما هم فيه بحسب الإمكان كما في الحديث، (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (٤) .
_________________
(١) إعلام الموقعين لابن القيم (٤/٤٠٥) .
(٢) أبو داود (٤/٥١٢ ح ٣٤١) كتاب الملاحم والترمذي في التفسير (ح ٣٠٦٠) وقال: حديث حسن غريب وابن ماجة (٢/١٣٣١ ح ٤٠١٤) وانظر جامع الأصول (١٠/٣ ح ٧٤٥٣) . وقال الألباني: ضعيف ولبعضه شواهد انظر مشكاة المصابيح (٣/١٤٢٣) .
(٣) انظر الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٧/٤١) .
(٤) تفسير سورة النور لابن تيمية (ص ٥٥) الطبعة الأولى / ١٣٩٧ هـ والحديث في صحيح مسلم (١/٦٩ ح ٤٩) كتاب الإيمان.
[ ٣٠٨ ]