لما أذن الله بالهجرة: خرج المسلمون إلى المدينة زرافات ووحدانًا، ولم يبق بمكة منهم إلا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعلي حيث أقاما بأمر منه ﷺ إلا من احتبسه المشركون كرهًا.
ولما رأى المشركون أصحاب رسول الله ﷺ قد تجهزوا، وخرجوا وساقوا الذرارى والأطفال والأموال إلى المدينة، وعرفوا أنها دار منعة، وأن أهلها أهل حلقة وشوكة وبأس: خافوا خروج رسول الله ﷺ إليهم ولحوقه بهم حيث سيشتد أمره وتقوى شوكته، فلذلك اجتمعوا في دار الندوة ولم يتخلف أحد من أهل الرأي والحجا منهم ليتشاوروا في أمره.
وخرجوا من ذلك الاجتماع برأي واحد: وهو أن يقوم من كل قبيلة شاب ثم يضربوه ضربة رجل واحد ليتفرق دمه في القبائل.
ولكن حماية الله ونصرته لنبيه ﷺ أكبر من مكر أولئك المجرمين، فقد نزل جبريل ﵇ على المصطفى ﷺ يأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة.
[ ١٨٩ ]
وخرج رسول الله ﷺ ومعه صاحبه الأمين أبو بكر الصديق ﵁، وبقي علي بن أبي طالب ﵁، حيث نام تلك الليلة في فراش المصطفى ﷺ. وينتهي الأمر بخسارة وذلة (الملأ) من قريش (١) .
ووصل المصطفى ﷺ إلى دار الهجرة، دار النصرة والمنعة، حيث وجد "أنصار الله" فكانت هذه الهجرة نصرًا للمؤمنين المهاجرين الذين وجدوا من يؤويهم وينصرهم ويشاركهم الأموال والمساكن وحتى الأزواج!! وكانت نصرًا أيضًا للأنصار حيث قُضي على الأحن والأحقاد الجاهلية بين أوسهم وخزرجهم، وعلى كيد اليهود الذين كانوا يشيعون بينهم الفرقة والفتنة.
وكان أول عمل قام به رسول الله ﷺ في المدينة هو بناء المسجد. لينطلق منه النداء الرباني "الله أكبر الله أكبر" وليكون هذا المسجد الطاهر هو الملتقى التربوي للأمة المسلمة يتلقون فيه وحي الله عن رسول الله، ويتعلمون أمور دينهم، وهذا المسجد هو أيضًا مكان القيادة العسكرية الإسلامية التي انطلقت في سبيل الله.
وبعد ذلك: (آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله ﷿:
﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ ﴿[سورة الأحزاب: ٦] .
رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة) (٢) .
إن هذه الإخوة الإيمانية هي الوشيجة العظمى، والرابطة الفريدة في علاقات البشر بعضهم مع بعض، فلقد أحس كل مؤمن - كما يقول الأستاذ محمد قطب -
_________________
(١) انظر السيرة النبوية لابن هشام (ج ٢/١٢٤ - ١٢٧) وزاد المعاد (٣/٥٠ - ٥١) .
(٢) زاد المعاد (٣/٦٣) .
[ ١٩٠ ]
سواء كان مهاجرًا أم أنصاريًا برباط جديد يربطه بأخوته في الله، فكل واحد منهم يحب أخاه كحبه لنفسه، مع أنه ليس من قبيلته ولا بينهما آصرة دم بل أن آصرة الدم - حين كانت في الجاهلية - لم تكن تنشىء في نفس أحدهم ذلك الحب الصافي العجيب الذي يحسه الآن لأخيه في العقيدة.
ترى ما الفرق بين لقاء الجاهلية ولقاء الإسلام؟
والجواب: أن الأمر ليس سرًا، ولا سحرًا، ولكنه الإسلام يلتقي فيه الناس على العقيدة في الله، لأن كلًا منهم يحب الله ورسوله، فلا تكون ذواتهم بارزة ولا متوفرة لاقتناص المصلحة من الآخر كما هي الحال في العلاقات الجاهلية، وإنما الجانب البارز هو الحب في الله " (١) .