مسألة علاقة المسلمين بغيرهم أثارت الكثير من الجدل بين فقهاء المسلمين وقد
انقسم الرأي إلى فريقين:
الرأي الأول: أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب وبهذا قال كثير من علماء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. فأما الأدلة من القرآن الكريم: فقوله ﷾" أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ"، وقوله ﷾ " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ " وكذلك قوله تعالى " وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ "، فهذه الآيات وما شابهها مما لم يُذكر تدل على وجوب قتال الكفار مطلقًا دون قيد أو شرط.
ومن الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في ذلك قوله ﷺ " بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري" ومعنى هذا الحديث أن للسيف المقام الأول في تقرير دعوة التوحيد.
وكذلك قوله ﷺ " أُمِر ت أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يَشْهَدُوا أَنْ َلا إَِلهَ إلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاَة وَيُؤُْتوا الزَّكاَة فإذا َفعَُلوا ذلك عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَاَلهُمْ إلا ِبحَقِّ الْإِسَْلاِم وَحِسَابُهُمْ على اللَّهِ "
وهذا يدل على أن الأمر بقتال الناس هو من أجل الدخول في الإسلام.
الرأي الثاني: أن أصل علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، واستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة من الكتاب والسنة الشريفة، أما من القرآن الكريم فقوله ﷾ " وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " فالآية الكريمة تحث المسلمين على قبول السلم من الكفار حين اللجوء إليه.
وكذلك قوله ﷾ " فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ
[ ٦٦ ]
عَلَيْهِمْ سَبِيلًا " فهذه الآيات وما شابهها مما لم يُذكر تدل على الأمر بقبول السلم من الكفار إذا جنحوا إليه.
أما الأدلة من السنة النبوية الشريفة فكثيرة منها، قوله ﷺ "لا تتمنوا
لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا"
حيث نهى النبي ﷺ في هذا الحديث عن الرغبة في الحرب وتمني لقاء العدو.
وكذلك رسائله ﷺ إلى الملوك والأمراء ودعوته لهم بالدخول إلى
الإسلام، فهذا يدل على أن الأصل هو السلم فلو كان الأصل هو الحرب لما أرسل إليهم هذه الرسائل.
قال الزحيلي: وإن الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم، والحرب عارض لدفع الشر، وإخلاء طريق الدعوة ممن وقف أمامها وتكون الدعوة إلى الإسلام بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان.