وقال:﴾ وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾.
وإن كان المقصود باعتزال الوالدين هجرهما، فإن هجرهما لا يجوز بحال، وما وقع من إبراهيم ﵇ هو أنه أولًا ترك ما عليه قومه من الباطل والتزم الحق، ولذلك قال فيما حكى الله عنه:﴾ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾.
قال ابن كثير في تفسيره وهو يبين معنى هذه الآية: أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله،﴾ وَأَدْعُو رَبِّي ﴿أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له. اهـ.
ثم إن إبراهيم ﵇ بعد أن رأى أباه يتوعده بقوله فيما ذكر الله عنه في كتابه:﴾ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
فأجابه إبراهيم ﵇ بقوله:﴾ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.
وقرر بعد ذلك أن يُهاجر بدينه لا أن يهجر والديه، كما هاجر النبي ﷺ وأصحابه وتركوا الآباء والأمهات، قال ابن كثير في تفسيره عند كلامه عن قول الله تعالى من سورة العنكبوت:﴾ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
قال: يحتمل عود الضمير في قوله: وقال - على لوط، لأنه أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلى إبراهيم - قال ابن عباس، والضحاك: وهو المكنى عنه بقوله:﴾ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. أي: من قومه.
ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم، ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك. اهـ. والله أعلم.
الإشكال الرابع: عن سمرة بن جندب - ﵁ -: قال: «أَمَا بعدُ، فإِن رسولَ الله -ﷺ- قال: مَنْ جَامَعَ المُشْرِكَ وسكنَ معه فَإِنَّهُ مثْلُهُ».وفي رواية قال: «لا تُساكِنوا المشركين، ولا تجامِعُوهم، فَمَن ساكَنَهُم أو جَامَعَهُم فهو منهم». هل المساكنة الواردة في الحديث تشمل مساكنة الأهل كالزوجة الكتابية وكمن يسكن مع والديه الكافرين؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فمعنى هذا الحديث يظهر بمعرفة سببه، فعن جرير بن عبد الله أن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فأمر لهم بنصف العقل الدية وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين.
وفي رواية "لا تُساكِنوا المشركين، ولا تجامِعُوهم، فَمَن ساكَنَهُم أو جَامَعَهُم فهو منهم." رواه الترمذي وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني.
فظهر بذلك أن المراد هو الإقامة في ديار المشركين، ولذلك بوب عليه الترمذي باب: (ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين) وأما مساكنة الوالدين الكافرين
[ ١١٥ ]