أولًا: تعريف المقاطعة الاقتصادية:
المقاطعة: هي عدم التعامل مع شخصٍ أو شركة أو مؤسسة أو دولة، ومنه مقاطعة بلد لمنتجات وحاصلات بلدٍ آخر.
وقال في المعجم الوسيط: (المقاطعة: هي الامتناع عن معاملة الآخرين اقتصاديًا أو اجتماعيًا وفق نظام جماعي مرسوم).
ثانيًا: قواعد ومقدمات:
وهي سبع أسردها تباعًا:
الأولى: جواز معاملة الكفار: الأصل أنه يجوز معاملة الكفار بالبيع والشراء سواء كانوا أهل ذمّة أو عهد أو حرب إذا وقع العقد على ما يحل، ولا يكون ذلك من موالاتهم،هذا هو
[ ٧٢ ]
الأصل العام في معاملة الكفار إلا أنه يُستثنى من هذا الأصل مسائل؛ منها: أنه لا يجوز أن يبيع المسلم للكفار ما يستعينون به على قتال المسلمين.
الثانية: وسائل التعامل مع الكفار: شراء بضائع الكفار يتخذ في هذا العصر صورًا متعددة، وله وسائل لا بد من معرفتها ليتم الحكم عليها من خلالها، ولعله يمكن حصرها في الصور الآتية:
١ - الشراء المباشر من الكافر الذي يبيع أو يصنع أو ينتج السلعة، وهذا آكد ما يشمله حديثنا.
٢ - الشراء من خلال وسيط (سمسار)؛ حيث يكون لديه علم بعدد من المصانع والشركات المنتجة، فيقوم بالتنسيق والتقريب بين المشتري وبين المنتج أو المصنع، ويتولى كتابة وثيقة البيع بين الطرفين، وكل ذلك مقابل نسبة يستلمها الوسيط من الشركة أو المصنع المصدّر.
وهنا تكون الأموال مدفوعة للبائع الأصلي فهو كالشراء المباشر في الاستفادة من الشراء والتضرر بالمقاطعة.
٣ - الشراء من (وكيل بالعمولة) إذ يستورد البضائع باسمه ولحسابه هو، وتجري معاملاته باسمه أو بعنوان شركة ما، ثم ينقل الحقوق والالتزامات إلى موكله تنفيذًا لعقد الوكالة المبرم بينهما مقابل أجرة تسمى: (عمولة).
والفرق بينه وبين الذي قبله أن هذا يستورد البضائع ويبقيها لديه معروضة ليبيعها باسمه هو، ويتم التعاقد معه أو مع شركته، ثم بعد ذلك يسلم للمنتج أو المصنع قيمة المبيع ويطالبه بالالتزامات، أما الأول فإنه وسيط فقط يربط بين الطرفين، ثم تنتهي مهمته، وفي هذه الحالة تكون الأموال أيضًا مدفوعة للبائع الأصلي؛ فهو كالشراء المباشر في الاستفادة من الشراء والتضرر بالمقاطعة، إلا أن المقاطعة تضر بهذا الوكيل أيضًا لتحمله تخزين وعرض البضائع.
٤ - شراء بضائع أصلها من صنع الكفار، وجرى تصنيعها داخل بلاد المسلمين على يد شركة مسلمة تأخذ امتياز تصنيعها من الشركة الأصلية مقابل مبلغ مالي يدفعه صاحب امتياز التصنيع للشركة الأصلية بشكل دوريّ، وهنا يستفيد أولًا من البيع: الشركة المسلمة وتتضرر هي أولًا من المقاطعة، أما الكافر فيكون ضرره غير مباشر من خلال ما قد يعرض لصاحب امتياز التصنيع من الاستغناء عن حق الامتياز المذكور فيتوقف عن مواصلة دفع ما يقابله.
٥ - الشراء من مسلم اشترى بضائع صنعها الكفار أو أنتجوها؛ فهنا المتضرر من المقاطعة أولًا المسلم الذي اشترى البضاعة، مع أن المقاطعة تضر الكافر إذا امتنع التاجر المسلم من شراء منتجاته مرة أخرى لعدم رواجها.
الثالثة: أنواع بضائع الكفار: البضائع عمومًا سواء باعها كفار أو مسلمون، إما أن تكون ضرورية أو حاجيّة أو تحسينية.
ولا شك أن بينها فرقًا كبيرًا؛ فالشرع جاء بالتفريق بين الضروري وغيره، وأباح المحرم عند الاضطرار، ومعلوم أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة إذا كانت عامّة، وعليه فإننا لا بد أن نفرّق بين بضاعة ضروريّة لا غنى عنها كالدقيق مثلًا، أو حاجيّة عامة كبعض المراكب وبين التحسينيات من أنواع الألبسة والكماليات ونحوها.
[ ٧٣ ]
وعلى هذا نقول: إنّه يخفف في أمور الضرورات والحاجيات العامة ويراعى فيها ما لا يراعى في غيرها.
الرابعة: سد الذرائع.
سد الذرائع من الأدلة المستعملة عند أهل العلم، والمراد بها منع الجائز لئلا يُتوصّل به إلى الممنوع.
ونتيجة إعمالها: تحريم أمرٍ مباح لما يفضي إليه من مفسدة.
وأداء الوسيلة إلى المفسدة: إما أن يكون قطعيًا أو ظنيًّا أو نادرًا.
فإن كان قطعيًا: فقد اتفق العلماء على سدّه والمنع منه سواء سُمّي سَدَّ ذريعة أو لا.
وإن كان نادرًا فقد اتفق العلماء أيضًا على عدم المنع منه، وأنّه على أصل المشروعيّة، وأما إن كان ظنيًا فقد اختلف أهل العلم فيه، ولعل الصحيح في هذا القسم الأخير أنه يُنظر فيه إلى المصلحة والمفسدة.
الخامسة: قاعدة المصالح والمفاسد.
ولا شك أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما.
ونظرنا في المصالح والمفاسد ينحصر في ملحظين:
الأول: أن الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة، فإنه يُنْهى عنه؛ وذلك لأن الشريعة مبنيّة على الاحتياط والأخذ بالحزم، والتحرز مما عسى أن يكون طريقًا إلى مفسدة؛ ولذا سدّت ذرائع مفضية إلى الإضرار والفساد في شواهد كثيرة من الكتاب والسنة.
الثاني: أن المصالح والمفاسد يكفي فيها الظن الغالب؛ وذلك أن المصالح والمفاسد لا يُعرف مقدارها إلا بالتقريب؛ أما تحديدها بدقة فغير مُمكن غالبًا.
السادسة: الإضرار الاقتصادي طريق من طرق الجهاد المشروع.
السابعة: ارتباط المقاطعة بإذن ولي الأمر: لا شك أن من الأصول المقررة عند أهل السنة والجماعة وجوب السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين في المعروف.
وأعمال الرعيّة منها ما يشترط لفعله إذن الإمام، ومنها ما لا يشترط له إذنه،
والمقاطعة بشكلها المعاصر مما لا يظهر لي ارتباطه بإذن ولي الأمر.
ثالثًا: حكم المقاطعة الاقتصادية:
لا شك أن التعامل التجاري والاقتصادي الحاصل في هذا الزمن يباين التعاملات التجارية في الأزمان السابقة؛ فهو الآن أوسع وأشمل وأيسر، ولا شك أن ارتباط الاقتصاد بالسياسة وتأثيره على التوجهات السياسية والنزاعات الحزبيّة صار أكبر وأقوى.
ولذا فإن بحث هذه المسألة بالتوسع في النظر فيها هو من خصائص هذا العصر.
والذي يظهر أن حكم المقاطعة يختلف باختلاف الأحوال، وإليك التفصيل:
الأول: إذا أمر بها الإمام.
إذا أمر الإمام بمقاطعة سلعة معينة أو بضائع دولة من دول الكفر فإنه يجب على رعيته امتثال أمره، وليس للإمام أن يأمر بذلك إلا أن يرى في ذلك مصلحة عامّة لا تُقابلها مفسدة أو ضرر أرجح منه؛ وذلك أن الأصل في تصرّفات الولاة النافذة على الرعية الملزمة لها
[ ٧٤ ]
في حقوقها العامة والخاصَّة أن تبنى على مصلحة الجماعة، وأن تهدف إلى خيرها.
وتصرّف الولاة على خلاف هذه المصلحة غير جائز.
ولذا قعَّد أهل العلم قاعدة: تصرّف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة.
الثاني: إذا لم يأمر بها الإمام.
إذا لم يأمر الإمام بالمقاطعة فلا يخلو الحال من أمرين:
١ - أن يعلم المسلم أنَّ قيمة ما يشتريه يُعين الكفار على قتل المسلمين أو إقامة الكفر، فهنا يحرم عليه أن يشتري منهم؛ وذلك لأن الشراء منهم والحال ما ذكر مشمول بالنهي عن التعاون على الإثم والعدوان، ومشمول بقاعدة سد الذرائع المفضية إلى الحرام، وإذا علم المسلم أن أهل العلم حرَّموا بيع العنب لمن يتخذه خمرًا، وبيع السلاح لأهل الحرب أو وقت الفتنة خشية استعماله لقتل المسلمين، وحَرَّموا إقراض من يغلب على الظن أنه يصرف ماله في محرم؛ فكيف إذا كان عين الثمن الذي يشتري به يُقتل به مسلم أو يُعان به على كفر؟!
هذا حكم ما لو علم ذلك يقينًا سواء باطلاع مباشر، أو خبر موثوق به، أو غير ذلك، وغلبة الظن تجري مجرى العلم كما سبق.
٢ - أن لا يتيقن أن عين ما يشتري به منهم يستعان به على حرام من قتال المسلمين أو إقامة الكفر؛ فهذا باق على الأصل العام وهو جواز البيع والشراء وسائر المعاملات.
فإن الأصل في البيوع الإباحة سواء منها ما كان مع المسلمين أو الكفار كما سبق وحيث لم يوجد ناقل عن هذا الأصل فلا يتغير الحكم ولكن يرتبط به الحالة الآتية:
٣ - أن لا يتيقن أن عين ما يشتري به منهم يُستعان به على حرام؛ لكن في مقاطعتهم مصلحة، ولعل هذه الحالة هي أكثر ما يكون الحديث عنه.
ولبيان حكم هذه الحالة فإني أحتاج لتقسيمها إلى قسمين:
أ - أن يتم الشراء من الكافر مباشرة أو من خلال سمسار أو وكيل بعمولة.
وإذا أردت الوصول للحكم الشرعي في هذا القسم فإني بحاجة لتقرير مسلَّمات شرعيّة توصلنا للنتيجة: فالأصل جواز التعامل مع الكفار ولو كانوا من أهل الحرب، وأن وسائل الحرام حرام ولا يُحكم على فعلٍ حتى يُنْظر في مآله وعاقبته.
ولا يُباح مما يفضي إلى مفسدة إلا ما كانت مصلحته أرجح ولا يحرم مما يفضي إلى مصلحة إلا ما كانت مفسدته أرجح ولا مانع من استعمال الإضرار المالي جهادًا لأعداء الله ولو لم يأذن به الإمام.
وعليه فإن كان في المقاطعة والحال ما ذكر مصلحة فإنه يُنْدب إليها على أنه يراعى مدى الحاجة للبضائع كما سبق.
ب - أن يتم الشراء من مسلم اشترى البضاعة أو صاحب امتياز، ولبيان الحكم فإني مع تذكيري بما سبق من مسلَّمات فإني أذكر بأن المنتج الكافر يأخذ مقابل منحه امتياز التصنيع، وهو يأخذه سواء قلَّ البيع أو كثر، فالمقاطعة إضرار به وبعمالته وبالمساهمين معه في رأس ماله، وكذا الحال بالنسبة لمن اشترى بضاعة من الكافر وصارت من ماله فالمقاطعة إضرار به.
ولذا فإن القول بندب المقاطعة فيه ثِقَل لوجود المفسدة والضرر الكبيرين، ولا يقال فيها إن المفسدة خاصة والمصلحة عامة؛ وذلك لأن المسلم سيكون هو المتضرر، ولأنَّ نفع المقاطعة مظنون وتضرر الشركة مقطوع به، والمقطوع يقدم على المظنون.
[ ٧٥ ]
وعلى كلٍّ فاعتراض المفسدة قد يمنع القول بندب المقاطعة في هذا القسم، والله تعالى أعلم.
وأنبّه هنا إلى أن من قاطع البضائع والسلع المنتجة من دول الكفار بنيّة حسنة كتقديم البديل الإسلامي أو زيادة في بغض الكفار فإنه إن شاء الله ممدوح على فعله مثاب.