تمهيد: بما أن الولاء والبراء جزء من عقيدة الإسلام فالحديث عنه يستلزم الحديث عن أساس هذه العقيدة وهي كلمة التوحيد، ومعرفة هذه العقيدة معرفة صحيحة أمر ضروري للمسلم ليكون ولاؤه وبراؤه بحسبها، إذ من المُحال أن تكون هناك عقيدة سليمة بدون تحقيق الموالاة والمعاداة والبراءة الشرعية.
وعلى هذا فما معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)؟
معناها: لا معبود بحق إلا الله، وبذلك ننفي الإلهية عما سوى الله ونثبتها لله وحده.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الشهادتين:
(ليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله، والتقرب إليه بما يُحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) وهي ملة إبراهيم الخليل ﵇ وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين) أما شقها الثاني (محمد رسول الله) فمعناه تجريد متابعته ﷺ فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر انتهى).
ومن هنا كانت (لا إله إلا الله) ولاء وبراء، نفيًا وإثباتًا، ولاء لله ولدينه وكتابه وسنة نبيه وعباده الصالحين، وبراء من كل طاغوت عُبد من دون الله.
قال تعالى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾.
وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنًا بالله إلا بالكفر بالطاغوت والدليل هذه الآية (يعني الآية السابقة) انتهى.
وكلمة التوحيد ولاء لشرع الله قال تعالى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴿، وقال أيضًا ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.
ولا إله إلا الله هي براء من حكم الجاهلية قال تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون﴾، وهي أيضًا براء من كل دين غير دين الإسلام قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.ثم هي نفي وإثبات تنفي أربعة أمور، وتثبت أربعة أمور.
تنفي: الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب.
فالآلهة: ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، فأنت متخذه إلهًا.
والطواغيت: من عُبد وهو راض، أو رشح للعبادة.
والأنداد: ما جذبك عن دين الإسلام، من أهل، أو مسكن، أو عشيرة، أو مال: فهو ند لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾.
والأرباب: من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته على علم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾.
وكلمة التوحيد تُثبت أربعة أمور:
أولها القصد: وهو كونك ما تقصد إلا الله.
وثانيها التعظيم والمحبة: لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾.
وثالثها الخوف والرجاء: لقوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ راد لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿، فمن عرف هذا قطع العلاقة مع غير الله ولا تكبر عليه جهامة الباطل، كما أخبر
[ ٤ ]
تعالى عن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بتكسير الأصنام وتبريه من قومه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.
ولقد جاء القرآن من أوله إلى آخره يبين معنى لا إله إلا الله، بنفي الشرك وتوابعه، ويقرر الإخلاص وشرائعه، فكل قول وعمل صالح يحبه الله ويرضاه هو من مدلول كلمة الإخلاص، لأن دلالتها على الدين كله إما مُطابقة وإما تضمنًا وإما التزامًا، يقرر ذلك أن الله سماها كلمة التقوى.
والتقوى: أن يتقي سخط الله وعقابه بترك الشرك والمعاصي، وإخلاص العبادة بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.