لا مانع، ولا بأس شرعًا في البر والإحسان للكفار المقيمين بدار الحرب بشرطين:
الأول ألا يكون هذا الإحسان حاملًا على نصرة المشركين على المسلمين.
الشرط الثاني ألا يكون هذا الإحسان لهم مما يدل على موالاتهم أو الرضا عنهم.
وقد بحث إمام المفسرين الطبري هذه المسألة من نواحي النقل وأخيرًا ختم بحثه بقوله ما نصه: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال عنى بذلك قوله تعالى: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ﴾ من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم إن الله ﷿ عم بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ جميع من كان ذلك صفته فلم يخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن بر المؤمنين من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ممن لا قرابة بينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح.
وقد بينا صحة ما قلنا في ذلك الخبر الذي ذكرناه عن الزبير في قصة أسماء وأمها. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، يقول إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم. انتهى منه.).
وعن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: رأى عمر بن الخطَّاب حلَّة سيراء - أي حرير - عند باب المسجِد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريْتها فلبسْتَها يوم الجمعة وللوفد، قال: «إنَّما يلبسها مَن لا خَلاق له في الآخِرة»، ثمَّ جاءت حلل فأعْطى رسولُ الله - ﷺ - عُمَر - منها حُلَّة، وقال: أكسوْتَنيها وقلت في حلَّة عُطَارِد ما قُلْت؟! فقال: «إنِّي لم أكسُكها لتلبسها»، فكساها عمر أخًا له بمكَّة مشركًا؛ رواه البخاري ومسلم.
[ ٥٤ ]