محبة ما يلائم طبع الإنسان من الجمادات كمحبة الطعام والشراب والملبس والمركب والمسكن ومحبة الوطن ومحبة أطفال المشركين والمرفوع عنهم القلم جائزة بشرط أن لا تزيد عن حدودها الطبيعية.
حكم البغض الطبيعي للمؤمن التقي وحكم المحبة الطبيعية للفاسق المسلم:
حكم البغض الطبيعي للمؤمن جائز بشرط ألا تحمل على ظلم المبغض وعداوته أو تضييع حقوقه أو عدم موالاته وينبغي للمسلم مدافعة هذا البغض وعدم الركون إليه، فعن ابن عباس ﵄، قال: (جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلا أني أخاف الكفر، فقال رسول الله ﷺ: " فتردين عليه حديقته؟ " فقالت: نعم، فردت عليه، وأمره ففارقها). ومن المعلوم بأن امرأة ثابت لم يحملها على طلب الطلاق إلا أنها أبغضت ثابت بن قيس بن شماس ﵁ بمقتضى الطبع حيث كان يُذكر عنه أنه كان دميمًا، ومن الأدلة كذلك أنه لما أسلم وَحشِي قَاتل حَمْزَة قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (غيب وَجهك عني فَإِنِّي لَا أحب أَن أرى من قتل الْأَحِبَّة) ومن المعلوم بأن الذي بعث النبي - ﷺ - على ذلك هو البغض والنفرة الطبيعية ولم يكن ذلك مانعًا له من موالاة وحشي ﵁ الموالاة العامة للمسلمين والرأفة بهم، ويدلك أيضًا على ما تقدم حديث البراء بن عازبٍ ﵄ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبّهم أحبّه الله ومن أبغضهم أبغضه الله ". وقال ﷺ " آية الإيمان حب الأنصار وآية النّفاق بغض الأنصار ".
قال الشراح في معنى قوله "ولا يبغضهم إلا منافق" أي «ولا يبغضهم) مع ما قدموه للإسلام وأهله (إلا منافق) ومحل ذلك أن أبغضهم من الحيثية المذكورة، أما إذا كان بغضه لأحد منهم لخصام أو لأمر اقتضاه معه بخصوصه فلا .. انتهى)، قلتُ ويدل عليه ماوقع بين الصحابة من خصومة واختلاف بعد وفاة النبي - ﷺ -. وأما حكم المحبة الطبيعية للفاسق المسلم الراجحة معاصيه على طاعته فهي جائزة بشرط ألاَ تحمل على فعل محرم أو ترك واجب ويدلك على هذا أن أهل العلم قرروا أنه يصح زواج الفاسق المسلم من المسلمة التقية
[ ٤٣ ]
والعكس باستثناء المسلمة الزانية مع العلم أن الزواج لا بد أن توجد فيه المودة والرحمة.