قد ذكر العلماء ﵏ شروطًا سبعة لـ (لا إله إلا الله) لا تنفع صاحبها إلا باجتماع هذه الشروط فيه إلا أنه ينبغي أن نعلم أنه ليس المراد من هذه الشروط عد ألفاظها وحفظها، فكم من عامي اجتمعت فيه والتزمها، ولو قيل له أعددها لم يحسن ذلك، وكم حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيرًا فيما يناقضها والتوفيق بيد الله.
وقد قال وهب بن منبه لمن سأله: أليس (لا إله إلا الله) مفتاح الجنة؟ قال: بلى. ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك انتهى.
وأسنان هذا المفتاح هي شروط (لا إله إلا الله) الآتية:-
الشرط الأول: العلم بمعناها المراد منها نفيًا وإثباتا، المنافي للجهل بذلك قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾. وقال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾.
أي: بـ "لا إله إلا الله": (وهم يعلمون) بقلوبهم ما نطقوا به بألسنتهم.
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وفي الصحيح عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله علبه وسلم (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة).
الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك. معنى ذلك: أن يكون قائلها مستيقنًا بمدلول هذه الكلمة، يقينًا جازمًا، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة). وفي رواية (لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة). وعن أبي هريرة ﵁ أيضًا من حديث طويل (من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة).
[ ٥ ]
وقال القرطبي: في (المفهم على صحيح مسلم): (باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لابد من استيقان القلب. وهذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدل على فساده. بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها، ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح وهو باطل قطعًا انتهى).
الشرط الثالث: القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وقد قص الله ﷿ علينا من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قبلها، وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴿٢٣﴾ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴿٢٤﴾ فانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.ويقول تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٣٥﴾ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾.
الشرط الرابع: الانقياد لما دلت عليه، المنافي لترك ذلك قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾.وقال: ﴿ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾.وقال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.
أي بلا إله إلا الله، وفي الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) وهذا هو تمام الانقياد وغايته. وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾.
قال ابن كثير ﵀ في تفسيرها: يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة، ولا منازعة، كما ورد في الحديث (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) انتهى.
الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقولها صدقًا من قلبه، ويواطئ قلبه لسانه، قال تعالى: ﴿الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
وفي "الصحيحين" عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار".
قال العلامة ابن القيم: (والتصديق بلا إله إلا الله يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة، والتصديق بجميع أخباره وامتثال
[ ٦ ]
أوامره واجتناب نواهيه. فالمصدق بها على الحقيقة هو الذي يأتي بذلك كله، معلوم أن عصمة المال والدم على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبالقيام بحقها، وكذلك النجاة من العذاب على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبحقها).
وفي الحديث، قال ﷺ: "شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصًا يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه انتهى].
وقال ابن رجب: (أما من قال: لا إله إلا الله بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾.
﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴿ انتهى).
الشرط السادس: الإخلاص، وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك. قال تعالى ﴿ألا لله الدين الخالص﴾.وقال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾. وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: (أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه).
وفي الصحيح عن عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ﷿). وللنسائي في اليوم والليلة من حديث رجلين من الصحابة عن النبي ﷺ (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير مخلصًا بها قلبه، يصدق بها لسانه، إلا فتق الله لها السماء فتقًا حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤله).
وقال الفضيل بن عياض رحمة الله: (إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة).
ولقد ضرب الله سبحانه في القرآن العظيم مثلًا واضحًا للمخلص في توحيده وللمشرك قال تعالى:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ في تفسيرها:
(هذا مثل يضربه الله للعبد الموحد والعبد المشرك، بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضًا فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة .. وعبد يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه، ويكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح) (هل يستويان)؟ لا. لأن الذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين، وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه، ووضوح الطريق. والذي يخضع لسادة مشتركين معذب مقلقل، لا يستقر على حال، ولا يرضى واحدًا منهم فضلًا عن أن يرضي الجميع. وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد، وحقيقة الشرك في جميع الأحوال، فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يسير على هدى من الله يستمد منه وحده ويتجه إليه وحده انتهى). ويقول الشيخ القاسمي ﵀:
[ ٧ ]
(إن القصد هو توحيد المعبود في توحيد الوجهة، ودرء الفرقة كما قال تعالى:
﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
إن الإسلام لابد فيه من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) فمن أسلم لله ولغير الله فهو مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿.. انتهى).
الشرط السابع: المحبة لهذه الكلمة، ولما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، المنافية لضدها، قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾.وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾.وفي الحديث: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
قال الشيخ حافظ الحكمي ﵀: (وعلامة حب العبد ربه: تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه واتباع رسوله، واقتفاء أثره وقبول هداه انتهى).
ويقول ابن القيم في النونية:
شرط المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا عصيان
فإذا ادعيت له المحبة مع خلافك ما يحب فأنت ذو بهتان
أتحب أعداء الحبيب وتدعي حبًا له ما ذاك في إمكان
وكذا تعادي جاهدًا أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان
ليس العبادة غير توحيد المحبة مع خضوع القلب والأركان
إلى أن يقول:
ولقد رأينا من فريق يدعي الإسلام شركًا ظاهر التبيان
جعلوا له شركاء والوهم وسووهم به في الحب لا السلطان