يوضح الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ الحالات التي إن فعلها الحاكم دخلت في الكفر المخرج من الملة وهي:
(١) إذا جحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله. وهو معنى ما روى عن ابن عباس، واختاره ابن جرير، وجحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم، إن من جحد أصلًا من أصول الدين أو فرعًا مجمعًا عليه، أو أنكر حرفًا مما جاء به الرسول ﷺ قطعيًا فإنه كافر كفرًا ينقل عن الملة.
(٢) إن لم يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أن حكم الله ورسوله حق، ولكنه اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس وما استجد لهم من حوادث نشأت عن تطور الزمان، وتغير الأحوال فهذا أيضًا لا ريب في كفره لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي زبالة الأذهان وحثالة الأفكار على حكم الحكيم الخبير. فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ نصًا أو ظاهرًا أو استنباطًا أو غير ذلك، علم ذلك من علمه وجهله من جهله.
(٣) أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا
كالنوعين السابقين كافر كفرًا ينقل عن الملة لما في ذلك من تسوية المخلوق بالخالق.
[ ١٨ ]
(٤) من اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله فهو كالذي قبله.
(٥) من أعظم ذلك وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله: إيجاد المحاكم الوضعية التي مراجعها القانون الوضعي، كالقانون الفرنسي أو الأمريكي أو البريطاني أو غيرها من مذاهب الكفار، وأي كفر فوق هذا الكفر؟! وأي مناقضة للشهادة بأن محمدًا رسول الله بعد هذه المناقضة؟!.
(٦) ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها (سلومهم) يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به رغبة وإعراضًا عن حكم الله.
أما الكفر الذي لا ينقل عن الملة: والذي ورد عن ابن عباس ﵄ بأنه كفر دون كفر وقوله أيضًا: (ليس بالكفر الذي تذهبون إليه) فذلك مثل، أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى. وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة وغيرها فإن معصية سماها الله في كتابه كفرًا أعظم من معصية لم يسمها الله كفرًا انتهى).