محل إظهار العداوة والبغضاء للكفار هو المصلحة سواءً كانت لمصلحة المُبغض الهاجر أو لمصلحة المبغوض المهجور ثم إن تحصيل هذه المصلحة تتفاوت فقد تكون واجبة أحيانًا وقد تكون مستحبة، وأما دعوى إظهار البغض للكافر مطلقًا فغير صحيحة، وذلك لأنهم أنواع أولهم من لم تقم عليه الحجة، فهذا لا يُشرع إظهار البغض له، وقيل وإن كان مرجوحًا لا يُشرع بغضه ولكن يكفي ما جاء في صحيح مسلم (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب (لإثبات مشروعية بغضه، وإن اختلفنا في الوجوب من عدمه فالله أبغض الكافرين الذين هم أهل فترة من الرسل قبل بعثة الرسول - ﷺ لمجرد كفرهم وشركهم بالله، وبغض الله لهم لا يعني أنهم معذبون قبل الحجة.
النوع الثاني من أقيمت عليه الحجة، ولم يبدر منه عداء للإسلام ولا محادة لله ورسوله، فهذا يُشرع بغضه في الله ولكن لا يلزم إظهار البغض له بل ذلك منوط بالمصلحة.
النوع الثالث أقيمت عليه الحجة، وبدر منه عداء للإسلام وأهله ومحادة لله ورسوله، فهذا
[ ٦٥ ]
تحرم محبته وموادته قولًا واحدًا بل يجب بغضه وإظهار العداوة له ولا تُخفى عداوته إلا لمصلحة شرعية راجحة.
وعلى هذا يتبين لنا أن إظهار العداوة والبغضاء للكفار مشروعة في حق من بلغهم دين الإسلام الصحيح على وجه تقوم به الحجة، بحيث يفهمونه، ويدركون أصول عقائده وشرائعه، فلم يقبلوا به، وأبوا الدخول فيه، فهؤلاء جزاؤهم المعاداة في الله وإظهار البغض لهم إذا اقتضت الحكمة والمصلحة ذلك كأن يُرجي من وراء ذلك حملهم على الإسلام وإلا فالأولى معاملتهم بالحسنى والبر والإقساط من غير اتخاذهم أولياء، ودليل مشروعية إظهار العداوة والبغض للكفار المُسالمين قوله تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) ودليل برهم والإحسان إليهم (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
وأما من لم يبلغهم دين الإسلام ولم يسمعوا به أبدًا، أو بلغهم على وجه لا تقوم به الحجة عليهم كأنه يبلغهم مشوها، ولم يمكنهم التعرف على الحق والبحث عنه، فهؤلاء ينبغي معاملتهم بالحسنى ودعوتهم للإسلام باللين واللطف وإن قيل يجب فلا يبعد.