هذه خلاصة مذهب أهل السنة والجماعة في فقه الإيمان والكفر وضوابط تكفير المعين وهي مستلة من خاتمة كتاب التكفير وضوابطه للشيخ إبراهيم الرحيلي حفظه الله (بتصرف يسير مني):
١ - الإيمان عند أهل السّنة يتألّف من ثلاثة أجزاء: اعتقاد القلب، وقول اللّسان، وعمل الجوارح، وعن هذه الأجزاء تتفرّع شعب الإيمان.
٢ - الإيمان عند أهل السّنة يتبعّض، فيذهب بعضه ويبقى بعضه، وهو يزيد وينقص، يزيد بالطّاعة وينقص بالمعصية.
٣ - ينقسم الكفر في اصطلاح الشّارع إلى قسمين: أكبر مخرج من الملّة، وأصغر لا يخرج من الملّة، وقد جاء في النّصوص إطلاق لفظ: (الكفر) على الأكبر تارة، وعلى الأصغر تارة أخرى.
٤ - يعبّر في النّصوص الشّرعية عن (الكفر) بعدّة ألفاظ كلّها تدلّ على حقيقته في الشّرع، فيعبّر عنه تارة بالشّرك، وتارة بالظّلم، وتارة بالفسق.
٥ - مفارقة معنى الكفر للنّفاق باعتبار، واجتماعهما باعتبار آخر. فيفترقان في أنّ الكافر مظهرٌ للكفر، والمنافق مسرٌّ له، ويجتمعان في اعتقادهما الكفر في الباطن.
٦ - انقسام الكفر إلى أقسام كثيرة باعتبارات متعدّدة.
فينقسم إلى: أكبر وأصغر باعتبار حكمه.
وينقسم إلى: تكذيبٍ وجحودٍ، وعنادٍ، ونفاقٍ، وإعراضٍ، وشكٍّ، باعبتار بواعثه وأسبابه.
وينقسم إلى: قلبي، وقولي، وعملي، باعتبار ما يقوم به من أعضاء البدن.
وينقسم إلى: أصلي وردّة، باعتبار كونه أصليًّا أو طارئًا.
وينقسم إلى: مطلقٍ، ومعيَّنٍ، باعتبار إطلاقه وتنْزيله على المعيّنين.
٧ - الكفر الأكبر ينقسم إلى خمسة أقسام باعبتار بواعثه وأسبابه وهي:
الأول: كفر تكذيب: وهو اعتقاد كذب الرسل. وهذا القسم قليل في الكفار، فإن الله تعالى أيد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة. قال تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.وقال لرسوله ﷺ: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾.
[ ١٦ ]
الثاني: كفر إباء واستكبار: مثل كفر إبليس: ومن هذا كفر من عرف الرسول ولم ينقد له إباء واستكبارًا وهو الغالب على كفر أعداء الرسل كما قال تعالى عن فرعون وقومه: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾.ومنه كفر أبي طالب فإنه صدقه ولم يشك في صدقه ولكن أخذته الحمية، وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم.
الثالث: كفر إعراض: مثل من يعرض عن الرسول ﷺ لا يسمعه، ولا يصدقه، ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة، كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي ﷺ (والله أقول لك كلمة: إن كنت صادقًا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك وإن كنت كاذبًا فأنت أحقر من أن أكلمك).
الرابع: كفر الشك: حيث لا يجزم بصدقه، ولا يكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول ﷺ جملة، وأما مع التفاته إليها ونظره فيها فإنه لا يبقى معه شك لأنها مستلزمة للصدق.
الخامس: كفر نفاق: وهو أن يظهر بلسانه الإيمان وينطوي بقلبه التكذيب وهذا هو النفاق الأكبر.
٨ - للكفر شعب كما أنّ للإيمان شعبًا كذلك، والمعاصي كلّها من شعب الكفر، كما أنّ الطّاعات كلّها من شعب الإيمان، وقد يجتمع في الرّجل بعض شعب الإيمان، وبعض شعب الكفر فيجتمع فيه إيمان وكفر.
٩ - تتفاوت أحكام الكفار في الدّنيا بحسب أقسامهم باعتبار كون كفرهم أصليًّا أو كفر ردّةٍ، وكونهم محاربين أو غير محاربين، وكونهم أهل كتابٍ أو ليسوا بأهل كتاب.
١٠ - يشترك الكفّار كلّهم بشتى أصنافهم في حكم الآخرة في أنّهم خالدون مخلّدون في النّار، أبد الآباد، لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها بحالٍ، وهم مع هذا ليسوا في درجةٍ واحدةٍ من العذاب، بل يتفاوتون في دركات النّار كما أنّ أهل الجنّة يتفاوتون في درجات الجنّة.
١١ - حكم أهل الكفر الأصغر في الدّنيا حكم سائر أهل المعاصي، لا يخرجون من دائرة الإسلام، ويحكم لهم بحكم المسلمين، وهم في الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء عذّبهم، وإن شاء غفر لهم، وإن عذّبهم بالنّار فإنّه لا يخلّدهم فيها، بل لا بدّ من خروجهم منها كسائر عصاة الموحّدين.
١٢ - التّكفير والتّفسيق أحكام شرعية لا مدخل للعقل فيها بحالٍ، فالكافر مَن جعله الله ورسوله كافرًا، والفاسق مَن جعله الله ورسوله فاسقًا، وليس ذلك لأحدٍ.
١٣ - بيان الضّوابط الشّرعية لما يُكفّر به من الأعمال، وما لا يكفّر به، وهذه المخالفات إما أن تكون بترك مشروع، أو بفعل محظور. أمّا ترك المشروع فإما يكون ترك للاعتقاد، أو للقول، أو للعمل، أما ترك الاعتقاد فكفر، وأما ترك القول، فعلى قسمين: ما يكون تركه كفرًا كالنّطق بالشّهادتين، وما لا يكون تركه كفرًا كبقية واجبات اللّسان، وأما ترك العمل فعلى قسمين أيضًا: قسم مختلف في التّكفير بتركه، وهي أركان الإسلام الأربعة بعد الشّهادتين، وقسم متّفق على عدم التّكفير بتركه، وهي سائر الواجبات بعد أركان الإسلام. وأما فعل المحظور فينقسم إلى قسمين: ما
[ ١٧ ]
يكون مكفّرًا بالاتّفاق، وهي سائر الأعمال المناقضة للإيمان بالله ورسوله، وما لا يكون مكفّرًا بالاتّفاق وهي كلّ الذّنوب والمعاصي التي لا تضاد أصل الإيمان بالله ورسوله.
١٤ - اختلاف السّلف في التّكفير بترك أركان الإسلام الأربعة بعد الشّهادتين، على خمسة أقوال: مَن يرى التّكفير بترك واحد منها، ومَن يرى عدم التّكفير بترك شيء منها، ومَن يرى كفر تارك الصّلاة فقط، ومَن يرى كفر تارك الصّلاة، والزّكاة، ومَن يرى كفر تارك الصّلاة، وتارك الزّكاة إذا قاتل عليها، والراجح هو القول الثّالث، وهو تكفير مَن ترك الصّلاة فقط دون غيرها من الأركان الأخرى، وبيان أنّ هذا القول هو قول عامّة الصّحابة وجمهور السّلف من التّابعين ومَن بعدهم، وكذلك ترجيح أنّ التّرك المكفّر للصّلاة هو تركها بالكلّيّة خلافًا لمَن ذهب إلى التّكفير بترك بعض الصّلوات.
١٥ - قيام الكفر المطلق في بعض المعيّنين، لا يستلزم تكفير المعيّن حتى تتحقّق فيه شروط التّكفير وتنتفي موانعه.
١٦ - شروط تكفير المعيّن التي دل عليها كتاب الله وسنة نبيه، وهي:
البلوغ، والعقل، والاختيار، والقصد، وبلوغ الحجّة، وعدم التّأويل.
١٧ - النّظر في مسألة التّكفير لا يكون إلاّ للعلماء الرّاسخين القادرين على استنباط الحكم الشّرعي في هذه المسألة من النّصوص، وكيفية تنْزيله على المعيّنين، وكذلك المعرفة بأصول أهل السّنة في مسألة التّكفير، والإلمام بمواقف الأئمة من المخالفين مع الاحتياط من تكفير مَن لم يتيقن كفره، ولم يعلم أنّه قد قامت عليه الحجّة.